متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

89- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافعٍ، (قال: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ)؛ أي: ابن أبي حمزة _بالمُهمَلَة والزَّاي_ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ. (ح) للتَّحويل: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ)؛ أي: البخاريُّ، وهو ساقطٌ في رواية الأَصيليِّ، وأبي الوقت، وابن عساكر: (وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ، فيما وصله ابن حبَّان في «صحيحه» عن ابن قتيبة عن حرملة عن عبد الله بن وهبٍ: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيدَ الأَيْليُّ، (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ)؛ هو الزُّهريُّ المذكور في الموصول، فغاير بين اللَّفظين؛ تنبيهًا [/ج1ص186/] على قوَّة محافظته على ما سمعه من شيوخه، (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العَيْن (ابْنِ عَبْدِ اللهِ) بفتحها (ابْنِ أَبِي ثَوْرٍ)؛ بالمُثلَّثة، القرشيِّ النَّوفليِّ التَّابعيِّ، (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنه أنَّه (قَالَ: كُنْت أَنَا وَجَارٌ لِي)؛ بالرَّفع عطفًا على الضَّمير المنفصل المرفوع، وهو: «أنا»، وإنَّما أظهره؛ لصحَّة العطف؛ لئلَّا يلزم عطف الاسم على الفعل، وهو جائزٌ عند الكوفيِّين من غير إعادة الضَّمير، ويجوز النَّصب على معنى المعيَّة، واسم «الجار»: عِتْبان بن مالك بن عمرو بن العجلان الأنصاريُّ الخزرجيُّ، كما أفاده الشَّيخ قطب الدِّين بن [1] القسطلانيُّ، فيما ذكره الحافظ ابن حجرٍ، ولم يذكر غيره، وعند ابن بشكوال: وذكر البرماويُّ: أنَّه أوس بن خوليٍّ، وعلَّل: بأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم آخى بينه وبين عمر، لكن لا يلزم من المؤاخاة الجوار، (مِنَ الأَنْصَارِ) الكائنين أو المستقرِّين أو النَّازلين (فِي) موضعِ أو قبيلةِ (بَنِي)، وفي رواية أبي ذَرٍّ [2] : ((من بني)) (أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، وَهْيَ)؛ أي: القبيلة، وفي رواية ابن عساكر: ((وهو))؛ أي: الموضع (مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ)؛ قرى شرقيِّ المدينة، بين أقربها وبينها ثلاثةُ أميالٍ أو أربعةٍ، وأبعدها ثمانيةٌ، (وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ) بالنَّصب على المفعوليَّة (عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يَنْزِلُ) جاري الأنصاريُّ (يَوْمًا) بالنَّصب على الظَّرفيَّة، من العوالي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لتعلُّم العلم، (وَأَنْزِلُ يَوْمًا) كذلك، (فَإِذَا نَزَلْتُ) أنا؛ (جِئْتُهُ) جواب «فإذا»؛ لما فيها [3] من معنى الشَّرط (بِخَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ) جاري (فَعَلَ) معي (مِثْلَ ذَلِكَ، فَنَزَلَ صَاحِبِي الأَنْصَارِيُّ)؛ بالرَّفع، صفةٌ لـ: «صاحبي»، (يَوْمَ نَوْبَتِهِ)؛ أي: يومًا من أيَّام نوبته، فسمع أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتزل زوجاتِه، فرجع إلى العوالي، فجاء، (فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا، فَقَالَ: أَثَمَّ هُوَ)؛ بفتح المُثلَّثَة، وتشديد الميم؛ اسمٌ يُشَار به إلى المكان البعيد، (فَفَزِعْتُ)؛ بكسر الزَّاي؛ أي: خفت لأجل الضَّرب الشَّديد، فإنَّه كان على خلاف العادة، فـ: «الفاء»: تعليليَّةٌ، وللمؤلِّف في «التَّفسير» _كما سيأتي إن شاء الله تعالى_ قال عمر رضي الله عنه: كنَّا نتخوَّف مَلِكًا من ملوك غسَّان ذُكِرَ لنا أنَّه يريد أن يسير إلينا، وقدِ امتلأت صدورُنا منه، فتوهَّمت لعلَّه جاء إلى المدينة، فخفت [4] لذلك [خ¦4913] ، (فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ: قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ)؛ طلَّق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءَه، قلت: قد كنت أظنُّ أنَّ هذا كائنٌ، حتَّى إذا صليت الصُّبح؛ شَدَدْتُ عليَّ ثيابي، ثمَّ نزلت، (فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ) أمِّ المؤمنين، فالدَّاخل عليها أبوها عمر، لا الأنصاريُّ، وقضيَّةُ حذف «طلَّق» إلى قوله: «فدخلت»، يوهم أنَّه من قول الأنصاريِّ، فـ: «الفاء» في «فدخلت» فصيحةٌ تُفْصِح عن المُقدَّر؛ أي: نزلت من العوالي، فجئت إلى المدينة، فدخلت، وفي رواية الحَمُّويي والمستملي: ((دخلت))، وللأَصيليِّ: ((قال: فدخلت على حفصة))، (فَإِذَا هِيَ تَبْكِي، فَقُلْتُ: طَلَّقَكُنَّ) وفي روايةٍ لابن عساكر وأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: ((أَطلقكنَّ)) (رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَتْ) حفصةُ: (لَا أَدْرِي)؛ أي: لا أعلم أنَّه طلَّقني [5] ، (ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ): يا رسول الله؛ (أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟) بهمزة الاستفهام كما في «فرع اليونينيَّة» كهي، وقال العينيُّ: بحذفها، (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (لَا، فَقُلْتُ) وللأَصيليِّ: ((قلت [6] )): (اللهُ أَكْبَرُ)؛ تعجُّبًا من كون الأنصاريِّ ظنَّ أنَّ اعتزاله صلى الله عليه وسلم عن نسائه طلاقٌ أو ناشئٌ عنه، والمقصود من إيراده لهذا الحديث هنا: التَّناوب في العلم؛ اهتمامًا بشأنه، لكنَّ قوله: «كنت أنا وجارٌ لي من الأنصار نتناوب النُّزول» ليس في رواية ابن وهبٍ، إنَّما هو في رواية شعيبٍ، كما نصَّ عليه الذُّهليُّ والدَّارقطنيُّ والحاكم في آخرين.

وفي هذا الحديث: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، وصحابيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث، والإخبار، والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «النِّكاح» [خ¦5191] ، و«المظالم» [خ¦2468] ، ومسلمٌ في «الطَّلاق»، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير»، والنَّسائيُّ في «الصَّوم» و«عِشْرة النِّساء».

[1] «ابن»: سقط من (س).
[2] «أبي ذَرٍّ»: سقط من (س).
[3] «لما فيها»: سقط من (ص) و(م).
[4] في (ب) و(س): «فخفته».
[5] في (ب) و(س): «طلق».
[6] «قلت»: سقط من (م).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

89-. حدَّثنا أَبُو اليَمانِ: أخبَرَنا شُعَيْبٌ، عن الزُّهْرِيِّ -(ح) قالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ [1] : وقالَ ابْنُ وَهْبٍ:

أخبَرَنا يُونُسُ، عن ابْنِ شِهابٍ- عن عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أَبِي ثَوْرٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ:

عن عُمَرَ، قالَ: كُنْتُ أَنا وَجارٌ لِي مِنَ الأَنْصارِ، في [2] بَنِي أُمَيَّةَ بنِ زَيْدٍ، وَهْيَ [3] مِنْ عَوالِي المَدِينَةِ، وَكُنَّا نَتَناوَبُ النُّزُولَ علىَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَنْزِلُ يَوْمًا وأَنْزِلُ يَوْمًا، فإذا نَزَلْتُ جِئتُهُ بِخَبَرِ ذلك اليَوْمِ مِنَ الوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وإذا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَنَزَلَ صاحِبِي الأَنْصارِيُّ يَوْمَ نَوْبَتِهِ، فَضَرَبَ بابِي ضَرْبًا شَدِيدًا، فقالَ: أَثَمَّ هُوَ؟ فَفَزِعْتُ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، فقالَ: قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ. قالَ [4] : فَدَخَلْتُ [5] علىَ حَفْصَةَ فإذا هِيَ تَبْكِي، فقلتُ: طَلَّقَكُنَّ [6] رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قالَتْ: لا أَدْرِي. ثُمَّ دَخَلْتُ على النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقلتُ وأَنا قائِمٌ: أَطَلَّقْتَ نِساءَكَ؟ قالَ: «لا». فقلتُ [7] : اللَّهُ أَكْبَرُ.

[1] قوله: «قال أبو عبد الله» ليس في رواية الأصيلي وابن عساكر ولا في رواية السمعاني عن أبي الوقت.
[2] في رواية أبي ذر و [عط] : «مِن».
[3] في رواية ابن عساكر: «وهو».
[4] لفظة: «قال» ثابتة في رواية الأصيلي أيضًا
[5] في رواية أبي ذر والحَمُّويِي والمستملي: «دخلتُ».
[6] هكذا في رواية ابن عساكر أيضًا، وفي روايته عن الكُشْمِيْهَنِيِّ ورواية أبي ذر: «أَطَلَّقكُنَّ».
[7] في رواية الأصيلي: «قلت».





89- ( كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي ) بالرفع، وروي بالنصب.

( أَثَمَّ هُوَ ) بمثلثة مفتوحة وميم مشدَّدة: ظرف.

( فَقَالَ: قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ ) يريد تطليقَ النبي صلى الله عليه وسلم زوجاته، ذكره في كتاب الطلاق واختصره ههُنَا. [/ج1ص67/]


89# (عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : كنْتُ أَناَ وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ) قال القسطلاني: إن هذا الجار المبهم يقال له: عِتْبانُ بنُ مالكٍ، ويقال: أَوْسُ بنُ خوليٍّ، وهذا الخلاف إنما ذكره ابن بَشْكوال في كتابه «الصغير» فيمن آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين عمر، وهذا لا يلزم منه الجوار.

(أثَمَّ [1] هُوَ؟) بثاء مثلثة [2] مفتوحة وميم مشددة، ظرف للمكان البعيد؛ أي: أهناك هو؟

(قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ) يريد: تطليقَ النَّبي صلى الله عليه وسلم زوجاته، ذكره في كتاب: الطلاق، واختصره هنا.

[1] في (ق): ((ثم)).
[2] في (ق): ((ثم هو بمثلثة)).





89- قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ): تقدَّم مرَّات أنَّه الحكم بن نافع.

قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ): تقدَّم مرارًا أنَّه محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، الإمام شيخ الإسلام.

قوله: (ح): تقدَّم الكلام على كتابتها والتلفُّظ بها أوائل هذا التَّعليق، (وسيأتي في آخر هذا التَّعليق أيضًا) [1] .

قوله: (وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ): هو عبد الله بن وهب [2] أبو محمَّد الفهريُّ مولاهم، المصريُّ [3] ، أحد الأعلام، قال يحيى ابن بكير: (هو أفقه من ابن القاسم) ، وقال يونس بن عبد الأعلى: (طُلب للقضاء؛ فجنَّن نفسه وانقطع) ، توفِّي سنة (197 هـ ) ، أخرج له الجماعة، وهو أحد الأثبات، والأئمَّة الأعلام، قال في «الميزان»: (تناكد ابن عديٍّ بإيراده في «الكامل») ؛ فانظره إن أردته من «الميزان».

[وقوله: (وقال ابن وهب): هذا تعليق، ولم أره في شيء من الكتب السِّتَّة إلَّا ما هنا، ولم يخرِّجه شيخنا، لكن المؤلِّف [4] حدَّث به عن يونس، وحديث يونس [5] أيضًا لَمْ أره في شيء من الكتب السِّتَّة عنِ الزُّهريِّ إلَّا ما هنا] [6] .

قوله: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ): تقدَّم مرَّات أنَّه يونس بن يزيد الأيليُّ، أحد الأثبات، أخرج له الجماعة، وأنَّ فيه ستَّ لغات. [/ج1ص53/]

قوله: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ): تقدَّم أنَّه محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عَبْد الله بن شهاب الزُّهريُّ مرارًا.

قوله: (ابْن [7] أَبِي ثَوْرٍ): هو بالثَّاء المثلَّثة.

قوله: (وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ): (جار): بالرفع، وجاء بالنصب، ذكر ابن بشكوال هذا الحديث، وفيه: (وكان لي أخ من الأنصار) ، قيل: إن الذي آخى النَّبيُّ [8] صلَّى الله عليه وسلَّم بينه وبين عمر بن الخطَّاب عتبان [9] بن مالك، حُكي عنِ ابن عبد البَرِّ، وقيل: أوس بن خولي الأنصاريُّ، رواه خلف بن قاسم) انتهى.

وتعقَّبه ابن شيخنا البلقينيِّ، فقال: (إنَّ في «طبقات ابن سعد»: أنَّه آخى عليه الصَّلاة والسَّلام بينه وبين عويم بن ساعدة، وقيل: عن عَبْد الله [10] : أنَّه آخى بينه وبين عتبان [11] بن مالك) ، قال الواقديُّ: (ويقال: بين عمر ومعاذ بن عفراء) .

قوله: (مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ): العوالي من المدينة على أربعة أميال، وقيل: ثلاثة، وذلك أدناها، وأبعدُها سبعةٌ.

قوله: (أَثَمَّ هُوَ؟): هو بفتح الثَّاء، وتشديد الميم؛ ومعناها: هناك، وهي للتبعيد بمنزلة (هنا) للتقريب [12] .

[1] ما بين قوسين ليس في (ج) .
[2] زيد في (أ) و (ب): (هو) .
[3] في (ج): (البصري) .
[4] (المؤلف): ليس في (ب) .
[5] (وحديث يونس): ليس في (ب) .
[6] ما بين معقوفين سقط من (ج) .
[7] في (ج): (عن) .
[8] في (ج): (رسول الله) .
[9] في (ب): (عباد) .
[10] زيد في (ج): (بن) .
[11] في (ب): (عباد) .
[12] في (ج): (بمنزلة القريب) .





89- (وَجَارٌ لِي مِنَ الْأَنْصَارِ): بالرَّفعِ، وجاءَ بالنَّصبِ مفعولٌ معه.

قال ابنُ مالكٍ في هذا الحديثِ، وفي حديثِ: كنتُ أسمعُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: «كنت وأبو بكر وعمر...» الحديث [ح:3677] : (تضمَّنَ هذا صحةَ العطفِ على ضميرِ الرَّفعِ المتَّصلِ غيرَ مفصولٍ بتوكيدٍ أو غيرِه، وهو ممَّا لا يُجيزُه النَّحْويُّونَ في النَّثرِ إلَّا على ضَعْفٍ، ويزعمونَ: أنَّ بابَهُ الشِّعْرُ، والصَّحيحُ جوازُه نثرًا ونظمًا، فمن النَّثرِ ما تقدَّم) [1] .

وقال في «ألفيَّتِه»:

~ وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ

~ أَوْ فَاصِلٍ مَا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضَعْفَهُ اعْتَقِدْ

اعلم أنَّه يُعْطَفُ على الظَّاهرِ والضَّميرِ المنفصلِ والضَّميرِ المتَّصلِ المنصوبِ بلا شرطٍ؛ كـ (قامَ زيدٌ وعمرٌو)، و (إيَّاكَ والأسدَ)، ونحو: {جَمَعْنَاكُمْ وَالأَوَّلِينَ} [المرسلات: 38] ، ولا يَحسُنُ العطفُ على المرفوعِ المتَّصلِ ـ بارزًا كانَ أو مستترًا ـ إلَّا بعدَ توكيدِه بضميرٍ منفصلٍ؛ نحو: {لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ} [الأنبياء: 54] ، أو وجودِ فاصلٍ ـ أيَّ فاصلٍ كانَ ـ بينَ التَّابعِ والمتبوعِ؛ نحو: {يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ} [الرعد: 23] ، أو فَصْلٍ بـ (لا) بين العاطفِ والمعطوفِ؛ نحو: {مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا} [الأنعام: 148] ، وقدِ اجتمعَ الفصلانِ في نحو: {مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ} [الأنعام: 91] ، ويضعُفُ بدون ذلك؛ كـ (مررتُ برجُلٍ سَواءٍ والعَدَمُ) بالرَّفعِ؛ أي: مُسْتَوٍ هوَ والعَدَمُ، وهوَ فاشٍ في الشِّعْرِ، قال الشَّاعر: [من الكامل]

~ وَرَجَا الْأُخَيْطِلُ مِنْ سَفَاهَةِ رَأْيِهِ مَا لَمْ يَكُنْ وَأَبٌ لَهُ لِيَنَالَا

فعطفَ (وَأَبٌ) على الضَّمير المُسْتَكِنِّ في (لَمْ يَكُنْ) مِنْ غيرِ توكيدٍ ولا فَصْلٍ، وهوَ شاذٌّ، هذا ما قالوهُ.

قال بعضُهم: (وكيفَ يكونُ شاذًّا وفي «صحيح البخاري» [3677] : «كُنْتُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ...»، وفيه: «كُنْتُ وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ»؟!) انتهى.

(فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ): إِنْ كانتْ (إِذَا) شرطيَّةً؛ فالعاملُ فيها (جِئْتُ) أو (نَزَلْتُ)، وإِنْ كانتْ ظرفيَّةً؛ فالعاملُ (جِئْتُ).

(فَضَرَبَ بَابِي): عطفٌ على مقدَّرٍ؛ أي: فسمعَ اعتزالَ الرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم عن زوجاتِه، فرجعَ إلى العوالي، فجاءَ إلى بابي، فضَربَ، ومثلُ هذهِ الفاءِ تُسمَّى بالفصيحةِ.

(أَثَمَّ هُوَ؟): (أَثَمَّ) خبرٌ، و (هُوَ) مبتدأٌ.

[1] أي: مِنْ قولِ عمرَ في حديثِه (2468): (كُنْتُ وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ)، وقولِ النبيِّ في حديث عليٍّ (3677): كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «كُنْتُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ...» الحديثَ، وما سبق من ابن عباس: أنَّه تمارى هو والحرُّ بن قيس (74)، وعبارةُ ابنُ مالك في «شواهد التوضيح» (ص170-71) (40): (فمِنَ النَّثرِ ما تقدَّم مِنْ قولِ عليٍّ وعمرَ رضي الله عنهما).





89- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافعٍ، (قال: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ)؛ أي: ابن أبي حمزة _بالمُهمَلَة والزَّاي_ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ. (ح) للتَّحويل: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ)؛ أي: البخاريُّ، وهو ساقطٌ في رواية الأَصيليِّ، وأبي الوقت، وابن عساكر: (وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ، فيما وصله ابن حبَّان في «صحيحه» عن ابن قتيبة عن حرملة عن عبد الله بن وهبٍ: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيدَ الأَيْليُّ، (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ)؛ هو الزُّهريُّ المذكور في الموصول، فغاير بين اللَّفظين؛ تنبيهًا [/ج1ص186/] على قوَّة محافظته على ما سمعه من شيوخه، (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العَيْن (ابْنِ عَبْدِ اللهِ) بفتحها (ابْنِ أَبِي ثَوْرٍ)؛ بالمُثلَّثة، القرشيِّ النَّوفليِّ التَّابعيِّ، (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنه أنَّه (قَالَ: كُنْت أَنَا وَجَارٌ لِي)؛ بالرَّفع عطفًا على الضَّمير المنفصل المرفوع، وهو: «أنا»، وإنَّما أظهره؛ لصحَّة العطف؛ لئلَّا يلزم عطف الاسم على الفعل، وهو جائزٌ عند الكوفيِّين من غير إعادة الضَّمير، ويجوز النَّصب على معنى المعيَّة، واسم «الجار»: عِتْبان بن مالك بن عمرو بن العجلان الأنصاريُّ الخزرجيُّ، كما أفاده الشَّيخ قطب الدِّين بن [1] القسطلانيُّ، فيما ذكره الحافظ ابن حجرٍ، ولم يذكر غيره، وعند ابن بشكوال: وذكر البرماويُّ: أنَّه أوس بن خوليٍّ، وعلَّل: بأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم آخى بينه وبين عمر، لكن لا يلزم من المؤاخاة الجوار، (مِنَ الأَنْصَارِ) الكائنين أو المستقرِّين أو النَّازلين (فِي) موضعِ أو قبيلةِ (بَنِي)، وفي رواية أبي ذَرٍّ [2] : ((من بني)) (أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، وَهْيَ)؛ أي: القبيلة، وفي رواية ابن عساكر: ((وهو))؛ أي: الموضع (مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ)؛ قرى شرقيِّ المدينة، بين أقربها وبينها ثلاثةُ أميالٍ أو أربعةٍ، وأبعدها ثمانيةٌ، (وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ) بالنَّصب على المفعوليَّة (عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يَنْزِلُ) جاري الأنصاريُّ (يَوْمًا) بالنَّصب على الظَّرفيَّة، من العوالي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لتعلُّم العلم، (وَأَنْزِلُ يَوْمًا) كذلك، (فَإِذَا نَزَلْتُ) أنا؛ (جِئْتُهُ) جواب «فإذا»؛ لما فيها [3] من معنى الشَّرط (بِخَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ) جاري (فَعَلَ) معي (مِثْلَ ذَلِكَ، فَنَزَلَ صَاحِبِي الأَنْصَارِيُّ)؛ بالرَّفع، صفةٌ لـ: «صاحبي»، (يَوْمَ نَوْبَتِهِ)؛ أي: يومًا من أيَّام نوبته، فسمع أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتزل زوجاتِه، فرجع إلى العوالي، فجاء، (فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا، فَقَالَ: أَثَمَّ هُوَ)؛ بفتح المُثلَّثَة، وتشديد الميم؛ اسمٌ يُشَار به إلى المكان البعيد، (فَفَزِعْتُ)؛ بكسر الزَّاي؛ أي: خفت لأجل الضَّرب الشَّديد، فإنَّه كان على خلاف العادة، فـ: «الفاء»: تعليليَّةٌ، وللمؤلِّف في «التَّفسير» _كما سيأتي إن شاء الله تعالى_ قال عمر رضي الله عنه: كنَّا نتخوَّف مَلِكًا من ملوك غسَّان ذُكِرَ لنا أنَّه يريد أن يسير إلينا، وقدِ امتلأت صدورُنا منه، فتوهَّمت لعلَّه جاء إلى المدينة، فخفت [4] لذلك [خ¦4913] ، (فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ: قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ)؛ طلَّق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءَه، قلت: قد كنت أظنُّ أنَّ هذا كائنٌ، حتَّى إذا صليت الصُّبح؛ شَدَدْتُ عليَّ ثيابي، ثمَّ نزلت، (فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ) أمِّ المؤمنين، فالدَّاخل عليها أبوها عمر، لا الأنصاريُّ، وقضيَّةُ حذف «طلَّق» إلى قوله: «فدخلت»، يوهم أنَّه من قول الأنصاريِّ، فـ: «الفاء» في «فدخلت» فصيحةٌ تُفْصِح عن المُقدَّر؛ أي: نزلت من العوالي، فجئت إلى المدينة، فدخلت، وفي رواية الحَمُّويي والمستملي: ((دخلت))، وللأَصيليِّ: ((قال: فدخلت على حفصة))، (فَإِذَا هِيَ تَبْكِي، فَقُلْتُ: طَلَّقَكُنَّ) وفي روايةٍ لابن عساكر وأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: ((أَطلقكنَّ)) (رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَتْ) حفصةُ: (لَا أَدْرِي)؛ أي: لا أعلم أنَّه طلَّقني [5] ، (ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ): يا رسول الله؛ (أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟) بهمزة الاستفهام كما في «فرع اليونينيَّة» كهي، وقال العينيُّ: بحذفها، (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (لَا، فَقُلْتُ) وللأَصيليِّ: ((قلت [6] )): (اللهُ أَكْبَرُ)؛ تعجُّبًا من كون الأنصاريِّ ظنَّ أنَّ اعتزاله صلى الله عليه وسلم عن نسائه طلاقٌ أو ناشئٌ عنه، والمقصود من إيراده لهذا الحديث هنا: التَّناوب في العلم؛ اهتمامًا بشأنه، لكنَّ قوله: «كنت أنا وجارٌ لي من الأنصار نتناوب النُّزول» ليس في رواية ابن وهبٍ، إنَّما هو في رواية شعيبٍ، كما نصَّ عليه الذُّهليُّ والدَّارقطنيُّ والحاكم في آخرين.

وفي هذا الحديث: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، وصحابيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث، والإخبار، والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «النِّكاح» [خ¦5191] ، و«المظالم» [خ¦2468] ، ومسلمٌ في «الطَّلاق»، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير»، والنَّسائيُّ في «الصَّوم» و«عِشْرة النِّساء».

[1] «ابن»: سقط من (س).
[2] «أبي ذَرٍّ»: سقط من (س).
[3] «لما فيها»: سقط من (ص) و(م).
[4] في (ب) و(س): «فخفته».
[5] في (ب) و(س): «طلق».
[6] «قلت»: سقط من (م).





89- ( وَجَارٌ لِي ): هو عِتْبان بن مالك.

( فِي بَنِي أُمَيَّةَ ) أي: في ناحيتهم.

( أَثمَّ ): بفتح المثلَّثة: ظرف.

( دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ ) أي: قال عمر: دخلت، وللكُشْمِيهنيِّ: «فدخلت»، والحديث مطوَّل في النِّكاح. [خ:5191] [/ج1ص255/]


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

89# حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، ثنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ، أنا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، وَهِيَ مِنْ عَوَالِي المَدِينَةِ، وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَنْزِلُ يَوْماً وَأَنْزِلُ يَوْماً، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَنَزَلَ صَاحِبِي الأَنْصَارِيُّ يَوْمَ نَوْبَتِهِ، فَضَرَبَ بَابِي ضَرْباً شَدِيداً، فَقَالَ: أَثَمَّ هُوَ؟ فَفَزِعْتُ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ. فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَإِذَا هِيَ تَبْكِي، فَقُلْتُ: أطَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَتْ: لاَ أَدْرِي، ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم

@%ص128%

فَقُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قَالَ: «لاَ» فَقُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ.

الشرح:

هذا الحديث مما اتفق عليه البخاري ومسلم، رواه البخاري هنا وفي «المظالم»، و«النكاح»، ورواه مسلم في «الطلاق».

في الحديث: دليل على الحرص في طلب العلم، وأن طالب العلم ينظر في معيشته وتحصيل ما يستعين به في طلب العلم.

وفيه: دليل على قبول خبر الواحد مع غيره من الأحاديث الدالة على ذلك، وأن ذلك كان مستفيضاً عندهم معلوم.

قوله: «نَتَنَاوَبُ» يقال: ناب لي ينوب نوباً ومناباً، أي: قام مقامي. ونتناوب نتفاعل، والنوبة واحدة النوب، ويأتي الكلام على الحديث عند ذكر البخاري مستوعباً إن شاء الله تعالى.

قول عمر: «أَنَا وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ» وجاء في البخاري فيه في «النكاح»: «جاءني صاحبي الأنصاري»، وفي غير الصحيحين: «وكان لي أخ من الأنصار»، قال ابن بشكوال: «قال لنا ابن الحاج عن الغساني عن أبي عمر: الذي آخى بينهما النبي صلى الله عليه وسلم هو عتبان بن مالك، وقيل: أوس بن خولي، وقوله «فِي بَنِي أُمَيَّةَ» هم بنو أمية بن زيد بن مالك بن عوف [1].

وفيه: عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، القرشي النَّوفلي مولاهم، أخرج البخاري في «العلم» و«النكاح» و«المظالم» عن الزهري عنه عن ابن عباس.

اتفق البخاري ومسلم على الإخراج عنه، وليس له في الكتابين سوى هذا الحديث، وحديث ابن عباس: «لم أزل حريصاً على أن أسأل عمر» الحديث بطوله، وهما في المعنى حديث واحد.

قال البخاري: قال مصعب: «أبو ثور عداده في بني نوفل، وهو من الغوث بن معد بن نزار بن طابخة بن إلياس بن مضر».

روى له الجماعة.

[1] هذه الفقرة كتبت في هامش الأصل، بخط الأصل نفسه، ولم يشر إليها بلحق، ويترجح عندي أنه من أصل الكتاب لذلك أثبتها.





لا تتوفر معاينة

89- وبه قال: ((حدثنا أبو اليمان)) هو الحكم بن نافع ((قال: أخبرنا شعيب)) بن أبي حمزة؛ بالمهملة والزاي، ((عن الزهري)) محمد بن مسلم ابن شهاب،

((ح)) مهملة للتحويل: ((قال أبو عبد الله)) ؛ أي: المؤلف، وهو ساقط في رواية، ((وقال ابن وهب)) عبد الله المصري فيما وصله ابن حبَّان في «صحيحه» عن ابن قتيبة، عن حرملة، عن عبد الله بن وهب: ((أخبرنا يونس)) بن يزيد الأيلي، ((عن ابن شهاب)) الزهري المذكور في الموصول، فغاير بين اللفظين؛ تنبيهًا على قوَّة محافظته على ما سمعه من شيخه، ((عن عبيد الله)) بالتصغير ((بن عبد الله)) بالتكبير ((ابن أبي ثور)) ؛ بالمثلثة، القرشي النوفلي التابعي، ((عن عبد الله بن عباس، عن عمر)) بن الخطاب رضي الله عنه أنَّه ((قال: كنت أنا وجارٌ)) ؛ بالرفع عطفًا على الضمير المنفصل المرفوع، أعني: أنا، وإنَّما أظهره؛ لصِحَّة العطف حتى لا يلزم عطف الاسم على الفعل، هذا قول البصريين، وعند الكوفيين: يجوز من غير إعادة الضمير، ويجوز فيه النصب على معنى المعية، واسمه: عتبان بن مالك بن عمرو بن العجلان الأنصاري الخزرجي، كذا في «عمدة القاري»؛ فليحفظ، ((لي)) جارٌ ومجرور في محل رفع أو نصب صفة لـ (جار) ، ((مِن)) بيانية ((الأنصار)) جمع ناصر أو نصير، عبارة عن الصحابة الذين آووا ونصروا رسول الله عليه السلام من أهل المدينة، وهو اسم إسلامي سمَّى الله به الأوس والخزرج ((في بني)) في محل نصب خبر (كان) ؛ أي: مستقرِّين، أو نازلين، أو كائنين فيها، وفي رواية: (من بني) ((أمية بن زيد)) ؛ أي: في هذه القبيلة ومواضعهم؛ يعني: في ناحية بني أمية، سُمِّيت البقعة باسم مَن نزلها، ((وهي)) ؛ أي: القبيلة، وفي رواية: (وهو) ؛ أي: الموضع ((من عوالي)) خبر (هي) ((المدينة)) جمع عالية، وهي عبارة عن قرًى بقرب المدينة من فوقها في جهة الشرق، وأقرب العوالي إلى المدينة على ميلين، أو ثلاثة، أو أربعة، وأبعدها ثمانية، وتمامه في «عمدة القاري» ((وكنا نتناوب)) جملة محلها النصب خبر كان ((النزول)) بالنصب مفعوله ((على رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل)) جملة محلها الرفع خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: جاري ((يومًا)) بالنصب على الظرفية، ((وأنزل يومًا)) من العوالي إلى رسول الله عليه السلام؛ لتعلُّم العلم، ((فإذا نزلت)) أنا؛ ((جئته)) جواب (فإذا) ؛ لما فيها من معنى الشرط ((بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره)) من الشرائع، ((وإذا نزل)) جاري؛ ((فعل)) معي ((مثل ذلك)) فيأتيني بخبر يومه من الوحي وغيره، ((فنزل صاحبي الأنصاريُّ)) بالرفع صفة لـ (صاحبي) المرفوع،[/ص57/] ((يوم نوبته)) ؛ أي: يومًا من أيام نوبته، فسمع أنَّ النبيَّ الأعظم عليه السلام اعتزل نساءه، فرجع إلى العوالي فجاء، ((فضرب بابي)) فالفاء تسمَّى فاء الفصيحة؛ لأنَّها أفصحت عن شرط مقدر ((ضربًا شديدًا، فقال: أثَمَّ هو)) ؛ بفتح المثلثة وتشديد الميم: اسم يُشار به إلى المكان البعيد، وهو ظرف لا ينصرف، ((ففزِعت)) ؛ بكسر الزاي؛ أي: خِفت لأجل الضرب الشديد؛ لأنَّه كان على خلاف عادته، فـ (الفاء) تعليلية، وللمؤلف في (التفسير) : (قال عمر: كنا نتخوَّف مَلِكًا من ملوك غسان ذُكر لنا أنَّه يريد أن يسير إلينا وقد امتلأت صدورنا منه، فتوهَّمت لعلَّه جاء إلى المدينة، فخفته لذلك) ، ((فخرجت إليه فقال: قد حدث أمر عظيم)) أراد به اعتزاله عليه السلام عن أزواجه الطاهرات، وإنَّما وصفه بالعظمة؛ لكونه مَظِنَّة الطلاق وهو عظيم، لا سيما بالنسبة إلى عمر؛ فإنَّ بنته إحدى زوجاته، وفي أصل الحديث بعد قوله: (أمر عظيم) : (طلق رسول الله عليه السلام نساءه، قلت: قد كنتُ أظنُّ أنَّ هذا كائنٌ حتى إذا صليت الصبح شددتُ عليَّ ثيابي ثم نزلت) ، ((فدخلت على حفصة)) أمِّ المؤمنين، فالداخل أبوها عمر، لا الأنصاري، و (الفاء) تفصيحية أفصحت عن المقدر؛ أي: نزلت من العوالي فجئت إلى المدينة فدخلت على حفصة؛ ((فإذا هي تبكي)) مبتدأ وخبره، ((فقلت)) لها: ((طلقكُنَّ)) وفي رواية: (أطلقكُنَّ) ((رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت)) ؛ أي: حفصة: ((لا أدري)) ؛ أي: لا أعلم، ومفعوله محذوف؛ أي: أنَّه طلق، ((ثمَّ دخلتُ على النبيِّ)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) ؛ أي: فخرجت من عندها ودخلت عليه، ((فقلت وأنا قائم)) : يا رسول الله؛ (أَطلقتَ نساءك؟)) ؛ بهمزة الاستفهام مفتوحة، ((قال)) عليه السلام: ((لا، فقلت)) وللأصيلي: (قلت) : ((الله أكبر!)) وقع موقع التعجُّب من كون الأنصاري ظنَّ أنَّ اعتزالَه عليه السلام عن نسائه طلاقٌ أو ناشئٌ عنه، فلمَّا رأى عمرُ أنَّ صاحبه لم يصب في ظنِّه؛ تعجَّب منه بلفظ: (الله أكبر) .

وإيراد هذا الحديث هنا للتناوب [1] في العلم، وفيه: جواز دخول الآباء على البنات بغير إذن أزواجهنَّ، وفيه: أنَّ لطالب العلم أن ينظر في معيشته وما يستعين به، وفيه: قبول خبر الواحد، وفيه: توقيت يوم للعلم ويوم للمعيشة، والله أعلم.

[1] في الأصل: (التناوب) ، وليس بصحيح.