متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

86- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ، (قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ)؛ أي: ابن خالدٍ، (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ)؛ أي: ابن عروة بن الزُّبَيْر بن العوَّام، (عَنْ فَاطِمَةَ) بنت المنذر بن الزُّبَيْر بن العوَّام؛ وهي زوجة هشامٍ هذا وبنت عمِّه، (عَنْ أَسْمَاءَ) بنت أبي بكر الصِّدِّيق، ذات النِّطاقين، زوج الزُّبَيْر، المُتوفَّاة بمكَّة سنة ثلاثٍ وسبعين، وقد بلغت المئة، ولم يسقط [/ج1ص182/] لها سنٌّ، ولم يتغير لها عقل، أنَّها (قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ) أمَّ المؤمنين رضي الله عنها (وَهِيَ تُصَلِّي)؛ أي: حال كون عائشة تصلي (فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ) قائمين مضطربين فزعين؟ (فَأَشَارَتْ) عائشة (إِلَى السَّمَاءِ) تعني: انكسفت الشَّمس، (فَإِذَا النَّاسُ)؛ أي: بعضهم (قِيَامٌ) لصلاة الكسوف، (فَقَالَتْ)؛ أي: ذكرت عائشة رضي الله عنها: (سُبْحَانَ اللهِ، قُلْتُ: آيَةٌ) هي؟ أي: علامةٌ لعذاب النَّاس كأنَّها [1] مقدِّمةٌ له، قال تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} [الإسراء: 59] ، أو علامةٌ لقرب زمان [2] قيام السَّاعة، (فَأَشَارَتْ) عائشة (بِرَأْسِهَا؛ أَيْ: نَعَمْ)، قالت أسماءُ: (فَقُمْتُ) في الصَّلاة (حَتَّى عَلَانِي)؛ بالعين المُهمَلَة، من: عَلَوْتُ الرَّجل: غلبته، ولكريمة وابن عساكر: ((تَجَلَّاني))؛ بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والجيم، وتشديد اللَّام، وضُبِّب عليه في «الفرع»؛ أي: علاني (الْغَشْيُ)، بفتح الغين وسكون الشِّين المُعجمَتَين، آخره مُثَّناةٌ تحتيَّةٌ مُخفَّفَةٌ، وبكسر الشِّين وتشديد الياء أيضًا؛ بمعنى: الغِشاوة؛ وهي الغطاء، وأصله: مرضٌ معروفٌ يحصل بطول القيام في الحرِّ ونحوه؛ وهو طرفٌ من الإغماء، والمُرَاد به هنا: الحالة القريبة [3] منه، فأطلقته مجازًا؛ ولهذا قالت: (فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي الْمَاءَ)؛ أي: في تلك الحالة؛ ليذهب، (فَحَمِدَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَثْنَى عَلَيْهِ)؛ عُطِفَ على «حَمِدَ» من باب: عطف العامِّ على الخاصِّ؛ لأنَّ الثَّناء أعمُّ من الحمد والشُّكر والمدح [4] أيضًا، (ثُمَّ قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ)؛ بضمِّ الهمزة؛ أي: ممَّا يصحُّ رؤيته عقلًا؛ كرؤية الباري تعالى، ويليق عرفًا ممَّا يتعلَّق بأمر الدِّين وغيره (إِلَّا رَأَيْتُهُ) رؤيةَ عينٍ حقيقةً حال كوني (فِي مَقَامِي)؛ بفتح الميم الأولى، وكسر الثَّانية، زاد في رواية الكُشْمِيهَنيِّ والحَمُّويي: ((هذا)): خبر مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: هو هذا، ويُؤوَّل بالمُشَار إليه، والاستثناء مُفرَّغٌ متَّصِلٌ، فتُلْغَى فيه «إلَّا» من حيث العمل، لا من حيث المعنى؛ كسائر الحروف نحو: ما جاءني إلَّا زيدٌ، وما رأيت إلَّا زيدًا، وما مررت إلَّا بزيدٍ، (حَتَّى الْجَنَّة وَالنَّار)؛ بالرَّفع فيهما على أنَّ «حتَّى»: ابتدائيَّةٌ، و«الجنَّةُ»: مبتدأٌ محذوفُ الخبر؛ أي: حتَّى الجنَّة مَرْئِيَّةٌ، و«النَّار» عُطِفَ [5] عليه، والنَّصب: على أنَّها عاطفةٌ عطفت [6] «الجنَّة» على الضَّمير المنصوب في «رأيته» [7] ، والجرُّ: على أنَّها جارَّةٌ، كذا قرَّروه بالثَّلاثة، وهي ثابتةٌ في «فرع اليونينيَّة» كهي [8] . وقال الحافظ ابن حجرٍ: رُوِّينَاه بالحركات الثَّلاث فيهما، لكن استشكل البدر الدَّمامينيُّ الجرَّ: بأنَّه لا وجه له إلَّا العطف على المجرور المتقدِّم، وهو ممتنعٌ؛ لما يلزم عليه من زيادة «مِن» مع المعرفة، والصَّحيح: منعه، (فَأُوحِيَ) بضمِّ الهمزة، وكسر الحاء (إِلَيَّ أَنَّكُمْ) بفتح الهمزة مفعول «أُوحِي»، ناب عن الفاعل، (تُفْتَنُونَ): تُمتَحَنون وتُختَبَرون (فِي قُبُورِكُمْ، مِثْلَ _أَوْ قَرِيبًا)؛ بحذف التَّنوين في «مثل»، وإثباته في تاليه، (لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ)؛ لفظ «مثل» أو «قريبًا» (قَالَتْ أَسْمَاءُ) رضي الله عنها _ (مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ)؛ بالحاء المهملة؛ لمسحه الأرض، أو لأنَّه ممسوح العين، (الدَّجَّالِ): الكذَّاب، والتَّقدير: مثل فتنة المسيح أو قريبًا منها، فحذف ما كان «مثل» مُضَافًا إليه؛ لدلالة ما بعده، وترك هو على هيئته قبل الحذف، كذا وجَّهه ابن مالكٍ، وقال: إنَّه الرِّواية المشهورة، وقال عياضٌ: الأحسن تنوين الثَّاني وتركه في الأوَّل [9] ، وفي روايةٍ في «الفرع» و«أصله» [10] : ((مثلَ أو قريبَ)) بالنَّصب من غير ألفٍ [11] ، بغير تنوينٍ فيهما، قال الزَّركشيُّ: في المشهور في «البخاريِّ»؛ أي: تُفتَنون مثل فتنة الدَّجال، أو قريبَ الشَّبه من فتنة الدَّجَّال، فكلاهما مضافٌ، وجملة: «لا أدري...» إلى آخرها اعتراضٌ بين المُضَاف والمُضَاف إليه، مُؤكِّدةٌ لمعنى الشَّكِّ المُستفَاد من كلمة «أو»، لا يُقَال: كيف فُصِلَ بين [المُضَافين وبين ما أُضِيفا إليه] [12] ؛ لأنَّ الجملة المُؤكِّدة للشَّيء لا تكون أجنبيَّةً منه، وإثبات «من» _كما في بعض النُّسخ، وهو الذي في «فرع اليونينيَّة»_ بين المُضَاف والمُضَاف إليه لا يمتنع عند جماعةٍ من النُّحاة، ولا يخرج بذلك عن الإضافة، وفي روايةٍ: ((مِثْلًا أو قريبًا))؛ بإثبات التَّنوين فيهما؛ أي: تُفتَنون في قبوركم فتنةً مثلًا من فتنة المسيح، أو فتنةً قريبًا من فتنة المسيح، وحينئذٍ فالأوَّل: صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ، والثَّاني: عطفٌ عليه، و«أيُّ» مرفوعٌ على الأشهر بالابتداء، والخبر: «قالت أسماء»، وضميرُ المفعول محذوفٌ؛ أي: قالته، وفعل الدِّراية [13] مُعلَّقٌ بالاستفهام؛ لأنَّه من أفعال القلوب، وبالنَّصب: مفعول «أدري» إن جُعلِت موصولةً، أو «قالت» [/ج1ص183/] إن جُعِلَت استفهاميَّةً أو موصولةً، (يُقَالُ) للمفتون: (مَا عِلْمُكَ): مبتدأٌ، وخبره: (بِهَذَا الرَّجُلِ)؟ صلى الله عليه وسلم ولم يعبِّر بضمير المتكلِّم؛ لأنَّه حكاية قول المَلَكَين، ولم يَقُل: رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه يصير تلقينًا لحجَّته، وعدل عن خطاب الجمع في «أنَّكم تُفتَنون» إلى المُفرَد في قوله: «ما عِلْمُك»؛ لأنَّه تفصيلٌ؛ أي: كلُّ واحدٍ يُقَال له ذلك؛ لأنَّ السُّؤال عن العلم يكون لكلٍّ واحدٍ، وكذا الجواب؛ بخلاف الفتنة، (فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوِ الْمُوقِنُ)؛ أي: المصدِّق بنبوَّته صلى الله عليه وسلم، (لَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا)، وفي رواية الأربعة: ((أيُّهما المؤمن أو الموقن))، (قَالَتْ أَسْمَاءُ)، والشَّكُّ من فاطمة بنت المنذر؛ (فَيَقُولُ) الفاء جواب «أمَّا»؛ لِما في «أمَّا» من معنى الشَّرط: (هُوَ مُحَمَّدٌ)، هو (رَسُولُ اللهِ)، هو (جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ)؛ بالمعجزات الدَّالَّة على نبوَّته، (وَالْهُدَى)؛ أي: الدَّلالة الموصلة إلى البُغْية [14] ، (فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا)، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((فأجبناه واتَّبعناه))؛ بالهاء فيهما، فحُذِف ضمير المفعول في الرِّواية الأولى؛ للعلم به؛ أي: قبلنا نبوَّته معتقدين مصدِّقين، واتَّبعناه فيما جاء به إلينا، أوِ الإجابة تتعلَّق بالعلم والاتِّباع بالعمل، يقول المؤمن: (هُوَ مُحَمَّدٌ)، وفي رواية أبي ذَرٍّ وأبي الوقت وابن عساكر عن الحَمُّويي [15] : ((وهو محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم))، قولًا (ثَلَاثًا)؛ أي: ثلاثَ مرَّاتٍ، (فَيُقَالُ) له: (نَمْ) حال كونك (صَالِحًا)؛ منتفعًا بأعمالك؛ إذِ الصَّلاح: كونُ الشَّيء في حدِّ الانتفاع، (قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ)؛ بكسر الهمزة؛ أي: الشَّأن كنت (لَمُوقِنًا بِهِ)؛ أي: إنَّك موقنٌ؛ كقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} [آل عمران: 110] ؛ أي: أنتم، أو تبقى على بابها [16] ، قال القاضي: وهو الأَظْهَر، واللَّام في قوله: «لمَوقنًا» عند البصريِّين؛ للفرق بين «إنَّ» المُخفَّفة و«إنِ» [17] النَّافية، وأمَّا الكوفيُّون؛ فإنَّها [18] عندهم بمعنى: «ما»، واللَّام بمعنى: «إلَّا»؛ كقوله تعالى: {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} [الطارق: 4] ؛ أي: ما كلُّ نفسٍ إلَّا عليها حافظٌ، والتَّقدير: ما كنت إلَّا موقنًا، وحكى السَّفاقسيُّ فتح همزة «أنْ» على جعلها مصدريَّةً؛ أي: علمنا كونَك موقنًا به، وردَّه بدخول اللَّام. انتهى. وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ، فقال: إنَّما تكون «اللَّام» مانعةً؛ إذا جُعِلَت لام الابتداء على رأي سيبويه ومن تابعه، وأمَّا على رأي الفارسيِّ، وابن جنِّيٍّ، وجماعة، أنَّها لامٌ غير لامِ الابتداء؛ اجتُلِبت للفرق؛ فيسوغ الفتح، بل يتعيَّن حينئذٍ؛ لوجود المقتضي وانتفاء المانع، (وَأَمَّا الْمُنَافِقُ)؛ أي: غير المصدِّق بقلبه لنبوَّته، (أَوِ الْمُرْتَابُ)؛ أي: الشَّاكُّ _قالت فاطمة: (لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ_؛ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ)؛ أي: قلت ما كان النَّاس يقولونه، وفي روايةٍ: ((وذكر الحديث))؛ أي: إلى آخره، الآتي إن شاء الله تعالى، وفي هذا الحديث: إثباتُ عذابِ القبر وسؤال الملكين، وأنَّ مَنِ ارتاب في صدق الرَّسول صلى الله عليه وسلم وصحَّةِ رسالته؛ فهو كافرٌ، وأنَّ الغشيَ لا ينقضُ الوضوء ما دام العقل باقيًا، إلى غير ذلك ممَّا لا يخفى.

[1] في (ب) و(س): «لأنَّها».
[2] «زمان»: سقط من (ص).
[3] في (ص): «الغريبة»، وهو تصحيفٌ.
[4] في (ص): «العمد»، وهو تحريفٌ.
[5] في (ص): «معطوف».
[6] في (ص): «عطف».
[7] في (ص): «روايته».
[8] «كهي»: سقط من (ص).
[9] قوله: «تنوين الثَّاني وتركه في الأوَّل»، سقط من (ص) و(م).
[10] «في الفرع وأصله»: ليس في (ص)، ثم زيد في (م): «مثلًا أو قريبًا؛ بالتَّنوين والألف».
[11] «بالنَّصب من غير ألفٍ»: ليس في (ص).
[12] في (ص): «المضاف وبين المضاف إليه».
[13] في (ص): «الرواية»، وهو تحريفٌ.
[14] في (ص): «البقية».
[15] «ابن عساكر عن الحَمُّوي»: سقط من (س).
[16] في (ص): «حالها».
[17] في (م): «بين».
[18] في (ب) و(س): «فهي».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

86-. حدَّثنا مُوسَى بنُ إِسْماعِيلَ، قالَ: حدَّثنا وُهَيْبٌ، قالَ: حدَّثنا هِشامٌ، عن فاطِمَةَ:

عن أَسْماءَ، قالَتْ: أَتَيْتُ عائِشَةَ وَهِيَ تُصَلِّي، فقلتُ: ما شانُ النَّاسِ؟ فأَشارَتْ إلى السَّماءِ، فإذا النَّاسُ قِيامٌ، فقالَت: سُبْحانَ اللَّهِ! قُلْتُ: آيَةٌ؟ فأَشارَتْ بِرأسِها أَيْ نَعَمْ، فَقُمْتُ حتَّىَ تَجَلَّانِي [1] الغَشْيُ، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ علىَ رأسِي الماءَ، فَحَمِدَ اللَّهَ [2] النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأَثْنَىَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: «ما مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلَّا رأَيْتُهُ فِي مَقامِي [3] ، حتَّى الجَنَّةَ والنَّارَ [4] ، فأُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ مِثْلَ _أَوْ قَرِيبً [5] ، لا أَدْرِي أَيَّ ذلك قالَتْ أَسْماءُ_ مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، يُقالُ: ما عِلْمُكَ بِهَذا الرَّجُلِ؟ فأَمَّا المُؤمِنُ _أَوِ المُوقِنُ، لا أَدْرِي بِأَيِّهِما [6] قالَتْ أَسْماءُ_ فَيَقُولُ: هو مُحَمَّدٌ، هو رَسُولُ اللَّهِ، جاءَنا بِالبَيِّناتِ والهُدَىَ، فأَجَبْنا واتَّبَعْنا [7] ، هو [8] مُحَمَّدٌ [9] ثَلاثًا، فَيُقالُ: نَمْ صالِحًا، قَدْ عَلِمْنا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا به، وأمَّا المُنافِقُ _أو المُرْتابُ، لا أدري أَيَّ ذلك قالتْ أَسْماءُ_ فَيَقُولُ: لا أَدْرِي، سمعتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شيئًا فقلتُهُ». [10]

[1] هكذا في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ وابن عساكر أيضًا (ب، ص)، وفي رواية أبي ذر والأصيلي ورواية السمعاني عن أبي الوقت ورواية [عط] وأخرىَ لابن عساكر: «عَلَاني».
[2] زاد بين الأسطر بالحمرة في (ن، و، ق): «عَزَّ وَجلَّ» وهي مثبتة في متن (ب، ص).
[3] في رواية أبي ذر والكُشْمِيْهَنِيِّ وحاشية رواية ابن عساكر زيادة: «هذا».
[4] ضُبطت في اليونينية بتثليث آخر الكلمتين: المثبت، و«الجَنَّةُ والنَّارُ»، و«الجَنَّةِ والنَّارِ».
[5] في رواية أبي ذر والأصيلي و [عط] : «قريبًا» بإثبات ألف الإطلاق
[6] في رواية أبي ذر وابن عساكر والأصيلي ورواية السمعاني عن أبي الوقت ورواية [ح] و [عط] : «أيَّهما» بحذف الباء.
[7] في رواية أبي ذر: «فأجبناه واتبعناه».
[8] في رواية أبي ذر وابن عساكر ورواية السمعاني عن أبي الوقت: «وهو»، وقيَّد في (ن، و) رواية ابن عساكر بروايته عن كريمة، وقيَّدها في (ب، ص) بحاشية روايته، وهو موافق لما في نسخة الزاهدي، وقيَّد في (ب، ص) رواية أبي ذر أيضًا عن الحَمُّويِي، وهو موافق لما في نسخة الزاهدي.
[9] كتب بين الأسطر بالحمرة دون رقم: «صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».
[10] في رواية [ح] و [عط] زيادة: «وذَكَر الحديثَ».





86- ( الْغَشِيُّ ) بكسر الشين وتشديد الياء، وروي بإسكان الشين، وهما بمعنى، يريد الغشاوة وهي الغطاء، وروي بعين مهملة، قال القاضي: وليس بشي.

( حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ ) يجوز فيهما الفتح والرفع والجر. [/ج1ص65/]

( مثل أو قريب ) هو بغير تنوين في المشهور في البخاري، ولبعضهم «مثلًا أو قريبًا» بتنوينهما، وقال القاضي: الأحسن تنوين الثاني وتركه في الأول، ووجَّهه ابن مالك بأن أصله: مثل فتنة الدجال أو قريبًا منها، فحذف ما أضيف إلى ( مثل ) وترك على هيئته قبل الحذف، وجاز الحذف لدلالة ما بعده.

وقال أبو البقاء: «قريبًا» منصوب نعتًا لمصدر محذوف، أي: إتيانًا قريبًا من فتنة الدجال، ولذلك قال: «أو مثل»، فأضافه إلى الفتنة.

( قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ ) هي بكسر ( إن ) مخففة من الثقيلة، ولزمت اللام للفرق بينها وبين النافية، وحكى السَّفاقُسِي فتح ( أن ) على جعلها مصدرية، أي: علمنا كونك موقنًا، وردَّه بدخول اللام.

ثم قيل: المعنى: إنك موقن كقوله تعالى: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } [ آل عمران: 110 ] أي: أنتم، قال القاضي: والأظهر أنَّها على بابها، والمعنى أنك كنت موقنًا.

( لاَ أَدْرِي أَيَّ ) بنصب ( أيَّ ).


86# (الْغَشْيُّ) بكسر الشين المعجمة وتشديد الياء، وروي: بتخفيفها وسكون الشين، وهما بمعنى، يريد: الغشاوة، وهي الغطاء.

ويروى: بعين مهملة، قال القاضي: وليس بشيء [1] .

(حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ) قال الزركشي: يجوز فيهما الفتح والجر والرفع .

قلت: أمَّا النصب؛ فبالعطف على المنصوب المتقدِّم، وأمَّا الرفع؛ فعلى الابتداء، والخبرُ [2] محذوف؛ أي [3] : مرئيتان [4] ، وحتى حينئذٍ حرف ابتداء، وأما الجر فمشكلٌ؛ لأنه لا وجه له إلا العطف على المجرور المتقدِّم، وهو ممتنعٌ؛ لما يلزم عليه من [5] زيادة ((من)) مع المعرفة، والصحيح منعُهُ.

(مِثْلَ، أَوْ قَرِيب) بغير تنوين فيهما في المشهور في البخاري، كذا قال الزركشي.

ووجهها [6] أن يكون أراد: تفتنون مثلَ فتنةِ الدجَّال، أو قريبَ الشبهِ من فتنة الدجَّال، فحُذف المضافُ إليه قريبَ، وبقي هو على هيئته الأولى، قاله ابن مالك.

ووقع لبعضهم: تنوينهما. وقال القاضي: الأحسنُ تنوين الثاني، وتركُه في الأول.

قال ابن مالك: هذه [7] الرواية المشهورة، ووجهها: بأن الأصل مثلَ

@%ج1ص92%

فتنة الدجال، أو قريبًا منها، فحذف ما كان مثل مضافًا [8] إليه؛ لدلالة ما بعده، وترك هو على هيئته قبل الحذف.

(لاَ أَدْرِي بِأَيِّهِمَا [9] ) بنصب أي.

(قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقنًا) إِن [10] _ بكسر الهمزة _ هي المخففة من الثقيلة، واللام مفيدة للفرق بينها [11] وبين النافية.

قال الزركشي: وحكى السفاقسي فتحَ ((أَنْ)) على جعلِها مصدرية؛ أي: علمنا كونَك موقنًا، وردَّه بدخول اللام.

قلت: إنما تكون اللام مانعة إذا جُعلت لامَ الابتداء على رأي سيبويه ومَنْ تابعَه، وأما على رأي الفارسي وابن جني وجماعة: أنها لامٌ [12] غيرُ لام الابتداء، اجتُلبت للفرق، فيسوغ الفتح، بل يتعين حينئذٍ؛ لوجود المقتضي، وانتفاء المانع. ثمَّ قيل: المعنى: إنك موقنٌ؛ نحو: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} [آل عمران:110]؛ أي: أنتم.

قال القاضي: والأظهر بقاؤها على بابها، والمعنى: إنك كنت موقنًا .

[1] في (ق): ((شيء)).
[2] في (ق): ((والجر)).
[3] ((أي)): ليست في (ق).
[4] في (ق): ((مرتبتان)).
[5] ((من)): ليست في (ق).
[6] في (ق): ((ووجههما)).
[7] في (ق) زيادة: ((هي)).
[8] من قوله: ((بأن الأصل... إلى قوله: ...مثل الأصل)): ليست في (ق).
[9] ((بأيهما)): ليست في (ق).
[10] في (ق): ((أي)).
[11] في (د): ((بينهما)).
[12] ((لام)): ليست في (ج).





86- قوله: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ): تقدَّم أعلاه أنَّه ابن خالد، وأنَّه ليس في «البخاريِّ»: وهيب راوٍ مصغَّر سواه.

قوله: (حَدَّثَنَا [1] هِشَامٌ): هذا هو ابن عروة، مشهور التَّرجمة، أخرج له الجماعة، ثقةٌ ثَبْتٌ حجَّة [2] ، له ترجمة في «الميزان»، تناقص حفظه ولم يختلط، وهو شيخ الإسلام، توفِّي سنة (145 هـ ) ، وقيل غير ذلك، وانظر ترجمة ابن إسحاق من «التذهيب»، فإنَّ فيها شيئًا يتعلَّق بهشام.

قوله: (عَنْ فَاطِمَةَ): فاطمة هذه هي بنت المنذر بن الزُّبير بن العوَّام، زوج هشام المشار إليه، روت عن جدَّتها أسماء بنت أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنهما، وأمِّ سلمة، وعنها: زوجها، ومحمد بن إسحاق بن يسار صاحب «المغازي»، وقد قامت على روايته عنها القيامة، ونُسِب إلى ما نُسِب إليه من الكذب، وهي تابعيَّة ثقة، [/ج1ص51/] أخرج لها الجماعة.

قوله: (عَنْ [3] أَسْمَاءَ): هذه هي بنت أبي بكر الصدِّيق، أمُّ عَبْد الله بن الزُّبير، مهاجريَّة جليلة، وهي ذات النطاقين، مناقبها كثيرة مشهورة؛ فلا نطوِّل بها، روى عنها: ابناها عَبْد الله وعروة، وفاطمة بنت المنذر بنت ابنها، وابن عبَّاس، وغيرهم، توفِّيت بمكَّة في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين بعد ابنها عَبْد الله بن الزُّبير بيسير، لم تلبث بعد إنزاله من الخشبة ودفنه إلَّا ليالي، وكانت قد ذهب بصرها، قيل: عاشت بعده عشرة أيام، وقيل: عشرين يومًا، وبلغت مئة سنة ولم يسقط لها سنٌّ ولم ينكر لها عقل، أخرج لها الجماعة رضي الله عنها، وهي آخر المهاجرات موتًا [4] .

قوله: (الغَشِيُّ): هو بفتح الغين، وكسر الشِّين المعجمتين، وشدِّ الياء، كذا قيَّده الأصيليُّ، ورواه بعضهم: بإسكان الشِّين، وهما بمعنًى واحد؛ تريد: الغشاوة؛ وهي الغطاء، قال في «المطالع»: (قد رويناه عنِ الفقيه أبي محمَّد عنِ الطَّبَرِيِّ: «العشيُّ»؛ مهملة، وليس بشيء) انتهى.

قوله: (أُرِيتُهُ): هو بضمِّ الهمزة، وكسر الرَّاء، وهذا ظاهر.

قوله: (حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ): يجوز فيهما ثلاثة أوجه: النصب، والرفع، والجرُّ، والله أعلم.

قوله: (فَأُوحِيَ [5] إِلَيَّ [6] ): هو مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله.

قوله: (مِثْلَ أَوْ قَرِيبًا): وفي بعض النُّسخ: (أو قريبَ) ؛ بغير تنوين، قال القاضي: (الأحسن تنوين الثَّاني، وتركه في الأوَّل) ، ووجَّهه ابن مالك: بأنَّ أصله مثل فتنة الدجَّال، وقال أبو البقاء: («قريبًا»: منصوب نعتًا لمصدر محذوف؛ أي: افتتانًا قريبًا من فتنة الدجَّال، ولذلك قال: «أو مثل»؛ بإضافته إلى الفتنة) .

قوله: (أَيَّ ذَلِكَ): هو بنصب (أيَّ) [7] .

قوله: (الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ): هو بفتح الميم، كما في المسيح ابن مريم مسيح الهدى، والدَّجَّال مسيح الضَّلالة، وفرَّق بينهما بعضهم، فقال في الدَّجَّال: المِسِّيح؛ بكسر الميم مع التشديد والتخفيف، بخلاف عيسى صلَّى الله عليه وسلَّم، وقيل: إنَّ الدَّجَّال بالخاء المعجمة: الممسوخ العين، يقال: مسحه الله؛ إذا خلقه خلقًا حسنًا، بخلاف مسخه بالمعجمة؛ فإنَّه عكسه، وقيل: سمِّي بالمهملة؛ لمسح إحدى عينيه، فيكون بمعنى: ممسوح [8] ، وقيل: لمسحه الأرض، فيكون بمعنى فاعل، ومن أراد زيادة؛ فعليه بـ«التَّذكرة» للقرطبيِّ، فإنَّه أشبع الكلام فيه وفي ضبطه وما فيه، وسأذكر فيه اختلافًا في مكان خروجه في (باب الدَّجَّال) في (الفتن) إن شاء الله تَعَالَى.

و (الدَّجَّال): ينطلق على عشرة وجوه [9] ، ذكرها القرطبيُّ في «تذكرته»، فالدَّجَّال: الكذَّاب سمِّي بذلك؛ لتمويهه على الناس وتلبيسه عليهم، والدَّجْل: طلي البعير بالقطران، فهو يموِّه بالباطل وسحره الملبس به، وقيل: لأنَّه يغطِّي الأرض [10] بالجمع الكثير؛ مثل دجلة تغطِّي الأرض بمائها، وقيل: لضربه نواحي الأرض وقطعه لها، يقال: دجل الرجل -بالتخفيف والتشديد مع فتح الجيم-، ودجل أيضًا، وقال شيخنا مجد الدين في «القاموس»: (والدَّجَّال؛ لشؤمه) ؛ يعني: سمِّي مسيحًا، قال: (أو هو كسكِّير) انتهى.

وأمَّا عيسى صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فلمسحه الأرض، وقيل: لأنَّه كان ممسوح الرِّجل لا أخمص له، وقيل: إنَّ زكريَّا عليه السَّلام مسحه، وقال شيخنا مجد الدين في «القاموس»: (والمسيح عيسى صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لبركته) ، قال: (وذكرت [11] في اشتقاقه خمسين قولًا في «شرحي لمشارق الأنوار» وغيره) .

قوله: (إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا): (إِن): بكسر الهمزة، وهي مخفَّفة من الثقيلة، ولزمت اللَّام؛ للفرق بينها وبين النافية، وعن السفاقسيِّ -وهو ابن التِّين-: فتح الهمزة على جعلها مصدريَّة؛ أي: علمنا كونك موقنًا، ورُدَّ بدخول اللَّام [12] .

قوله: (وَأَمَّا الْمُنَافِقُ أَوِ الْمُرْتَابُ): جاء في الأحاديث أنَّ الكافر يفتن في قبره، ويسأل، ويهان، ويعذَّب [13] .

قال القرطبيُّ في «تذكرته»: وعن الحكيم الحافظ التِّرمذيِّ محمَّد بن عليٍّ صاحب «نوادر الأصول» وغيره -وهو رجل عالم حافظ مُتكلَّم فيه بسبب الاعتقاد، ذكره الذَّهبيُّ في «طبقات الحفَّاظ»، ونصَّ على ذلك الاعتقاد عافانا الله تَعَالَى، وقد رأيتُ ابنَ تيمية أبا العبَّاس الحافظ سُئل عنه، وذكر اعتقاده، وهو كلام منكر في «خاتم الولاية»- قال في «نوادره»: (وإنَّما سؤال الميت في هذه الأمَّة خاصَّة [14] ...) إلى آخر كلامه، وبعده [15] [قال القرطبيُّ: (قول أبي محمَّد عبد الحقِّ أصوب] [16] ، فإنَّ الأحاديث التِّي ذكرناها قبلُ تدلُّ على أنَّ الكافر يسأله الملكان، ويختبرانه بالسؤال، ويضرب بمطارق الحديد على ما تقدَّم، والله أعلم) انتهى [17]

[ (وقال ابن عبد البَرِّ في «التَّمهيد»: والآثار الدَّالة تدلُّ على أنَّ الفتنة لا تكون إلَّا [18] لمؤمن أو منافق، ممَّن [19] كان منسوبًا إلى القبلة ودين الإسلام، ممَّن حُقِن دمه بظاهر [20] الشَّهادة، وأمَّا الكافر الجاحد المبطل؛ فليس ممَّن يسأل عن ربِّه، ودينه [21] ، ونبيِّه، وإنَّما يسأل عن هذا أهلُ الإسلام) ، وقال أيضًا ابن عبد البَرِّ في حديث زيد بن ثابت عنِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم «إنَّ هذه الأمَّة تبتلى في قبورها»: (ومنهم من يرويه: «تسأل»، وعلى هذا اللفظ؛ يحتمل أنْ تكون هذه الأمَّة خُصَّت بذلك، وهذا أمر لا يُقطَع [22] عليه) ، والله أعلم] [23] .

وأمَّا ابن القيِّم؛ فإنَّه نُقِل عنه كقول ابن عبد البَرِّ، نقل ذلك في كتاب «الروح»، قال ابن القيِّم بعد حكاية ذلك: (وتوقَّف فيه آخرون؛ منهم: ابن عبد البَرِّ) ، قال ابن القيِّم: (والظَّاهر -والله أعلم-: أنَّ كلَّ نبيِّ أُرسِل مع أمَّته كذلك، وأنَّهم معذَّبون بعد السؤال لهم) ، (ثمَّ رأيته كذلك [24] في «التَّذكرة») [25] .

مسألة: الأطفال هل يمتحنون في قبورهم؛ ذكر فيها ابن القيِّم قولين قال: (وهما وجهان لأصحاب أحمد، وقال القرطبيُّ في «التَّذكرة»: إنَّهم يُسأَلون، وإنَّ ظواهر الأحاديث تقتضيه، ذكر ذلك في حديث في باب ذكر حديث البراء عقبه في الردِّ على الملحدة؛ فانظره في أوائل «التَّذكرة») انتهى، والمسألة لا أعرف فيها كلامًا لأحد من الشَّافعيَّة، لكنَّهم قالوا: إنَّ الصَّغير لا يلقَّن، فمن لازمه أنَّه لا يُسأَل، والله أعلم.

[وقال ابن قيِّم الجوزية: (وفي سؤال كذا -فذكر من هو في أرفع المقامات- قولان، وهما وجهان لأصحاب [26] أحمد وغيره)] [27] ، ذكر ذلك في كتاب «الروح» في أوَّل الكرَّاسيَّة التَّاسعة، انتهى.

وسيأتي الكلام على الملكين السَّائلين في (الجنائز) إن شاء الله تعالى وقدَّره.

[فائدة: فيما ينجي المؤمن من أهوال القبر وفتنته

وذلك خمسة أشياء: الرباط في سبيل الله، وفي «التِّرمذيِّ» [28] من حديث فضالة بن عبيد، وكذا في حديث أبي هريرة في «ابن ماجه» الموت في حالة الرباط، وهو قيد في المسألة، والقتل في سبيله، و (قراءة سورة تبارك كلَّ ليلة) كما في «التِّرمذيِّ»، وروي أنَّها (المجادلة) ، تجادل عن صاحبها؛ يعني: قارئها في القبر، وروي: أنَّ من قرأها كلَّ ليلة؛ لم يضرَّه الفتَّان، والموت بمرض، لكن قد جاء مقيَّدًا بمن يقتله بطنه، وفيه قولان؛ أحدهما: الذي يصيبه الإسهال، والثَّاني: الاستسقاء، وهو أظهر القولين، والخامس: موت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة، وقد ذكر ذلك القرطبيٌّ بأدلَّته في «تذكرته»، فإن أردت ذلك؛ فانظره منها، وظاهر كلامه: أنَّ هؤلاء لا يسألانهم الملكان، ويدلُّ لذلك أيضًا قوله قبيل باب حديث البراء المشهور الجامع لأحوال الموتى ما لفظه: (وقد يكون من الناس من يوقى فتنتهما، ولا يأتيه واحد منهما على ما يأتي بيانه) انتهى.

وذكر أيضًا في الكلام على هذه الخمسة أنَّها تحصر وتبيِّن من لا يسأل في قبره، ولا يفتن [29] فيه، فأشار إلى ما ذكرته عنه، والله أعلم] [30] .

[1] في النسخ: (عن) ، والمثبت موافق لما في «اليونينيَّة» و (ق) .
[2] زيد في (ج): (ليس) .
[3] (عن): ليس في (ب) .
[4] زيد في هامش (ج): (بلغ سماعًا الشيخ شمس الدين السلامي مع غيره كتبه إبراهيم مؤلفه) .
[5] كذا في «اليونينيَّة»، وفي النسخ: (أُوحي) .
[6] (إليَّ): مثبت من (ج) .
[7] زيد في (ج): (ويجوز في لغةٍ ضمها) ، وضرب عليها في (أ) .
[8] في (ب): (الممسوح) .
[9] في (ب): (أوجه) .
[10] زيد في (ب): (فإنها) .
[11] في (ج): (لبركته وذكر) .
[12] زيد في (أ): (تقرأ الفرجة فإنها مفيدة، والله أعلم) .
[13] كتب في هامش (أ): (انظر الحكيم التِّرمذي تُكلِّم فيه من جهة الاعتقاد مع أنَّه من كبار الأولياء) .
[14] في (ج): (هذه الأحاديث) ، وليس فيها: (خاصة) ، وكذا كانت في (أ) قبل الإصلاح.
[15] في (ج): (وفيه) .
[16] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[17] زيد في (ج): (كذا نقله عنه القرطبي في «تذكرته») ، وضرب عليها في (أ) .
[18] (إلَّا): ليس في (ب) .
[19] في (أ) و (ب): (من) .
[20] في (ج): (لظاهر) .
[21] في (ج): (عن دينه، وربه) .
[22] في (ج): (يطلع) .
[23] ما بين معقوفين جاء في (ب): (وقال القرطبي في «تذكرته») ، وفي (ج) بعد قوله: (فمن لازمه أنه لا يسأل والله أعلم) .
[24] في (ب): (في ذلك) .
[25] ما بين قوسين ليس في (ج) .
[26] في (ب): (عند أصحاب) .
[27] ما بين معقوفين جاء في (ب): (بمطارق الحديد...انتهى) .
[28] (التِّرمذي): ليس في (ب) .
[29] في (ب): (يفنى) .
[30] ما بين معقوفين سقط من (ج) .





86- (سُبْحَانَ اللهِ!) إِنْ قلتَ: كيف أضافَ؟ قلتُ: نُكِّر، فأضيف.

قال ابن الحاجب: (كونه علمًا إنَّما هو في غير حالة الإضافة، وهو مفعول مطلق التُزم إضمار فعله).

(آيَةٌ؟): خبر مبتدأ محذوف؛ أي: أهي آية؟

(إِلَّا رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا): استثناءٌ مفرَّغٌ، وكلُّ مفرَّغٍ متَّصلٌ، معناه: كلُّ شيءٍ لم أَكنْ أُريتُه مِن قبلِ مُقامي ههنا رأيتُه في مَقامي هذا، و (رَأَيْتُهُ) في موضع الحال، وتقديرُه: (ما مِن شيءٍ لم أكنْ أُرِيتُه كائنًا في حالٍ مِنَ الأحوالِ إلَّا في حالِ رؤيتي إيَّاه)، وجاز وقوعُ الفعلِ مستثنًى بمثل هذا التَّأويل.

(حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ): [حتى] : إِنْ كانت عاطفةً؛ فما بعدَها منصوبٌ عطفًا على المفعول في (رَأَيْتُهُ)، أو ابتدائيةً؛ فمرفوعٌ، أو جارَّةً؛ فمخفوضٌ؛ نحو: (أكلتُ السَّمكةَ حتَّى رَأْسِها).

(مِثْلَ أَوْ قَرِيبَ): هما بغيرِ التنوينِ مضافانِ إلى (فِتْنَةِ الْمَسِيحِ).

إِنْ قلتَ: كيفَ جاز الفصلُ بينهما وبين ما أُضيفا إليه بأجنبيٍّ؛ وهو قوله: (لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ؟).

قلتُ: هي جملةٌ معترضةٌ مؤكِّدةٌ لمعنى الشَّكِّ المستفادِ مِنْ كلمة (أَوْ)، والمؤكِّدةُ للشَّيءِ لا تكون أجنبيَّةً منه؛ فلذلك جاز الفصلُ بينهما وبين ما أُضيفا إليه.

إِنْ قلتَ: هل يصحُّ أن يكونَ لشيءٍ واحدٍ مضافان؟

قلتُ: ليس ههنا مضافانِ، بل مضافٌ واحدٌ؛ وهو أحدُهما لا على التعيين، ولئن سلَّمنا؛ فتقديره: مثلَ فتنةِ المسيح، أو قريبَ فتنةِ المسيح، فحُذف أحدُ اللَّفظين منهما لدلالة الآخر عليه.

فإن قلتَ: ما توجيهُه على ما في بعض النُّسخِ من وجودِ (مِنْ) قبلَ (فِتْنَةِ)، و (مِنْ) لا تتوَسَّطُ بين المضافِ والمضافِ إليه في اللفظ؟

قلتُ: لا نسلِّم امتناعَ إظهارِ حرفِ الجرِّ بين المضاف والمضاف إليه؛ إذْ بعضُهم جوَّزَ التَّصريحَ بما هو مقدَّرٌ مِنَ (اللَّام) و (مِن) وغيرهما في الإضافات، وهو مثلُ قولِهم: لا أبا لك، وإنْ سلَّمنا؛ فهُما [1] ليسا بمضافينِ إلى الفتنة المذكورة على هذا التَّقدير، بل مضافان إلى الفتنة المقدَّرة، والمذكورُ ـ وهو (مِنْ فِتْنَةِ) ـ هو بيانٌ لذلك المقدَّرِ.

وفي بعضِ النُّسخِ: (قَرِيْبًا)، فيكون توجيهُه حينئذٍ: (مِنْ) صلةٌ له، ويقدَّر لفظُ (فِتْنَة) قبلَ لفظِ (قَرِيْبًا) ؛ ليكونَ (المثل) مضافًا إليه، انتهى كلام الكرمانيِّ.

قال القاضي: («مِثْلَ أَوْ قَرِيْبَ» كذا في كثيرٍ من نُسخ «البخاري»، وكذا رويناه عن الأكثرِ في «الموطأ»، ورويناه عن بعضهم: «مَثَلًا أَوْ قَرِيْبًا»، ولبعضهم: «مِثْلَ أَوْ قَرِيْبًا»، وهو الوجهُ).

وقال ابن مالك: (يُروى في «البخاريِّ»: «أَوْ قَرِيْبَ» بغيرِ تنوينٍ، والمشهورُ: «أَوْ قَرِيْبًا»، ووجهُهُ أنْ يكون أصلُه: «مثلَ فتنةِ الدَّجال أو قريبًا من فتنة الدَّجال»، فحُذِفَ ما كان «مثل» مضافًا إليه، وتُرك على هيئتِه قبلَ الحذف، وجازَ الحذف لدلالةِ ما بعدَه، والمعتادُ في صحَّةِ هذا الحذفِ أن يكون مع إضافتين؛ كقولِ الشَّاعر: [من الطويل]

~ أَمَامَ وَخَلْفَ المَرْءِ مِنْ لُطْفِ رَبِّهِ ..... ... ... ... ... ... ... ... .

وجاء أيضًا في إضافةٍ واحدةٍ؛ كما هو في الحديث.

وأمَّا رواية (قَرِيبَ) بغيرِ تنوينٍ؛ فأراد: مثلَ فتنةِ الدَّجال أو قريبَ الشَّبهِ مِنْ فتنةِ الدَّجال، فحُذفَ المضافُ إليه، وبقيَ (قَرِيبَ) على هيئتِهِ، وهذا الحذفُ في المتأخِّرِ لدلالةِ المتقدِّمِ عليه قليلٌ ؛ مثلَ قراءةِ ابنِ مُحَيصِنٍ: {لَا خَوفُ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 38، وغيرها] أي: لا خوفُ شيءٍ، وكقولِ الشَّاعرِ: [من السريع]

~ أَقُولُ لمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ: سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الفَاخِرِ!

أراد: سبحانَ الله! فحذفَ المضافَ إليه وتركَ المضافَ بحالِه، يقول الشَّاعر: العجبُ منه إذْ يَفخرُ!) انتهى.

وقال أبو البقاء: («قَرِيْبًا» منصوبٌ نعتًا لمصدرٍ محذوفٍ؛ أي: افتتانًا قريبًا من فتنة الدَّجال؛ ولذلك قال: «أو مثلَ» بإضافته إلى «الفتنة»).

و (أَيّ): الرِّوايةُ المشهورةُ فيه الرَّفعُ، وهو مبتدأٌ، وخبرُه: (قَالَتْ أَسْمَاءُ)، وضميرُ المفعولِ محذوفٌ، وفعلُ الدِّراية معلَّقٌ بالاستفهام؛ لأنَّه من أفعال القلوب إِنْ كانتْ (أَيُّ) استفهاميَّةً، ويجوزُ أن يكونَ أيضًا مبتدأً مبنيًّا على الضمِّ على تقديرِ حذفِ صدرِ صلتِه، والتقدير: لا أدري أيُّ ذلك هو قالته أسماء، وأمَّا توجيه النَّصب؛ فبأن يكون مفعولًا لـ (لَا أَدْرِي) [2] إِنْ كانتْ موصولةً، أو مفعولَ (قَالَتْ) إِنْ كانتْ استفهاميَّةً أو موصولةً، أو يُقال: إنَّه [3] مِنْ شريطةِ التَّفسير بأنْ يشتغلَ (قَالَتْ) بضميرِه المحذوفِ، ويَحتمل أن تكون الدِّرايةُ بمعنى: المعرفةِ.

وقال الزَّركشيُّ: (بنصبِ «أَيَّ»).

(إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا): قال الكرمانيُّ: («إِنْ» هي المخفَّفةُ من الثَّقيلةِ؛ أي: إنَّ الشَّأن) انتهى.

وقد رأيتُ في «شرح الألفية» لابن عقيل: (اختُلفَ في هذه «اللَّام»: هل هي لامُ الابتداء دَخَلَتْ للفرق بين [«إِنْ»] النافيةِ و«إنْ» المخفَّفةِ من الثقيلة، أم هي لامٌ أخرى اجتُلبتْ للفرق؟ وكلامُ سيبويه يدُلُّ على أنَّها لامُ الابتداء دَخَلَتْ للفرق.

وتظهرُ فائدةُ الخلاف في مسألةٍ جَرَتْ بين ابنِ أبي العافية وابنِ الأخضر ؛ وهي في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا»؛ فمَنْ جعلَها لامَ الابتداء؛ أَوْجَبَ [4] كسرَ «إِنْ»، ومَنْ جعلَها أخرى اجتُلِبَت للفرق؛ فَتَحَ «أَنْ»، وجرى الخلافُ قبلَهما في هذه المسألة بين أبي الحسن الأخفش الصَّغير، وبين أبي عليٍّ الفارسي، فقال الفارسيُّ: «هي لامٌ غيرُ لامِ الابتداء اجتُلِبتْ للفرق»، وبه قال ابنُ أبي العافية، وقال الأخفشُ الصَّغير: «إنَّها لامُ الابتداء دَخَلَتْ للفرق»، وبه قال ابنُ الأخضر) انتهى.

وقال السَّفاقُسِيُّ: (بفتحِ الهمزةِ على جعْلِها مصدريَّةً؛ أي: عَلِمنا كونَكَ مُوقِنًا)، ورُدَّ بدخولِ اللَّام.

وقال ابنُ هشامٍ: (وإذا خُفِّفَتْ «إِنَّ»؛ نحو: {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً} [البقرة: 143] ، {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} [الطارق: 4] ؛ فاللَّامُ عند سيبويه والأكثرين لامُ الابتداء، أفادتْ ـ مع إفادتها توكيدَ النِّسبة وتخليصَ المضارع للحال ـ الفرقَ بين «إِنْ» المخفَّفة من الثَّقيلة و«إِنْ» النَّافية؛ ولهذا صارتْ لازمةً بعدَ أنْ كانتْ جائزةً، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يدُلَّ دليلٌ على قصدِ الإثبات؛ كقراءةِ أبي رجاءٍ: {وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لمِا مَتَاعُ الحَيَوةِ الدُّنْيَا} [الزخرف: 35] ؛ بكسر اللَّامِ؛ أي: لِلَّذي، وكقوله: [من البسيط]

~ إِنْ كُنْتُ قَاضِيَ نَحْبِي يَوْمَ بَيْنِكُمُ لَوْ لَمْ تَمُنُّوا بَوْعَدٍ غَيْرِ تَوْدِيعِ

ويجبُ تركُها مع نفيِ الخبر؛ كقوله: [من الطويل]

~ إِنِ الْحَقُّ لَا يَخْفَى عَلَى ذِي بَصِيرَةٍ وَإِنْ هُوَ لَمْ يَعْدَمْ خِلَافَ مُعَانِدِ

وزعم أبو عليٍّ، وأبو الفتحِ، وجماعةٌ: أنَّها لامٌ غيرُ لامِ الابتداء اجتُلِبَتْ للفرقِ.

قال أبو الفتح: قال لي أبو عليٍّ: ظننتُ أنَّ فلانًا نحويٌّ محسنٌ حتَّى سمعتُه يقول: إنَّ اللَّامَ الَّتي تصحبُ الخفيفةَ هي لامُ الابتداء، فقلتُ له: أكثرُ نَحْوِيِّي بغداد على هذا. انتهى.

وحجَّةُ أبي عليٍّ دخولُها على الماضي المتصرِّف؛ نحو: «إِنْ زَيْدٌ لَقَامَ»، وعلى منصوبِ الفعلِ المؤخَّرِ عنْ ناصبه في نحو: {وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} [الأعراف: 102] ، وكلاهُما لا يجوزُ مع المشدَّدة.

وزعمَ الكوفيونَ: أنَّ اللَّامَ في ذلك كلِّه بمعنى: «إلَّا»، وأنَّ «إِنْ» قبلَها نافيةٌ، واستدلُّوا على مجيءِ اللَّام للاستثناء بقوله: [من البسيط]

~ أَمْسَى أَبَانُ ذَلِيْلًا بَعْدَ عِزَّتِهِ وَمَا أَبَانُ لَمِنْ أَعْلَاجِ سُودَانِ

وعلى قولهم يُقالُ: «قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُؤْمِنًا» ؛ بكسرِ الهمزةِ؛ لأنَّ النَّافيةَ مكسورةٌ دائمًا، وكذا على قولِ سيبويه؛ لأنَّ لامَ الابتداءِ تُعلِّقُ العاملَ عنِ العملِ.

وأمَّا على قولِ أبي عليٍّ وأبي الفتحِ؛ فتُفتَحُ) انتهى.

[1] في النسختين: (أنهما)، والصواب المثبت من «الكواكب الدراري» (2/69)، وانظر «اللامع الصبيح» (1/418).
[2] في (ب): (مفعولَ «لا أدري»).
[3] في النسختين و«الكواكب»: (إنَّ)، والمثبت موافق لما في «اللامع».
[4] في النسختين: (وَجَبَ)، والمثبت من مصدره.





86- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ، (قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ)؛ أي: ابن خالدٍ، (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ)؛ أي: ابن عروة بن الزُّبَيْر بن العوَّام، (عَنْ فَاطِمَةَ) بنت المنذر بن الزُّبَيْر بن العوَّام؛ وهي زوجة هشامٍ هذا وبنت عمِّه، (عَنْ أَسْمَاءَ) بنت أبي بكر الصِّدِّيق، ذات النِّطاقين، زوج الزُّبَيْر، المُتوفَّاة بمكَّة سنة ثلاثٍ وسبعين، وقد بلغت المئة، ولم يسقط [/ج1ص182/] لها سنٌّ، ولم يتغير لها عقل، أنَّها (قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ) أمَّ المؤمنين رضي الله عنها (وَهِيَ تُصَلِّي)؛ أي: حال كون عائشة تصلي (فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ) قائمين مضطربين فزعين؟ (فَأَشَارَتْ) عائشة (إِلَى السَّمَاءِ) تعني: انكسفت الشَّمس، (فَإِذَا النَّاسُ)؛ أي: بعضهم (قِيَامٌ) لصلاة الكسوف، (فَقَالَتْ)؛ أي: ذكرت عائشة رضي الله عنها: (سُبْحَانَ اللهِ، قُلْتُ: آيَةٌ) هي؟ أي: علامةٌ لعذاب النَّاس كأنَّها [1] مقدِّمةٌ له، قال تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} [الإسراء: 59] ، أو علامةٌ لقرب زمان [2] قيام السَّاعة، (فَأَشَارَتْ) عائشة (بِرَأْسِهَا؛ أَيْ: نَعَمْ)، قالت أسماءُ: (فَقُمْتُ) في الصَّلاة (حَتَّى عَلَانِي)؛ بالعين المُهمَلَة، من: عَلَوْتُ الرَّجل: غلبته، ولكريمة وابن عساكر: ((تَجَلَّاني))؛ بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والجيم، وتشديد اللَّام، وضُبِّب عليه في «الفرع»؛ أي: علاني (الْغَشْيُ)، بفتح الغين وسكون الشِّين المُعجمَتَين، آخره مُثَّناةٌ تحتيَّةٌ مُخفَّفَةٌ، وبكسر الشِّين وتشديد الياء أيضًا؛ بمعنى: الغِشاوة؛ وهي الغطاء، وأصله: مرضٌ معروفٌ يحصل بطول القيام في الحرِّ ونحوه؛ وهو طرفٌ من الإغماء، والمُرَاد به هنا: الحالة القريبة [3] منه، فأطلقته مجازًا؛ ولهذا قالت: (فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي الْمَاءَ)؛ أي: في تلك الحالة؛ ليذهب، (فَحَمِدَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَثْنَى عَلَيْهِ)؛ عُطِفَ على «حَمِدَ» من باب: عطف العامِّ على الخاصِّ؛ لأنَّ الثَّناء أعمُّ من الحمد والشُّكر والمدح [4] أيضًا، (ثُمَّ قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ)؛ بضمِّ الهمزة؛ أي: ممَّا يصحُّ رؤيته عقلًا؛ كرؤية الباري تعالى، ويليق عرفًا ممَّا يتعلَّق بأمر الدِّين وغيره (إِلَّا رَأَيْتُهُ) رؤيةَ عينٍ حقيقةً حال كوني (فِي مَقَامِي)؛ بفتح الميم الأولى، وكسر الثَّانية، زاد في رواية الكُشْمِيهَنيِّ والحَمُّويي: ((هذا)): خبر مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: هو هذا، ويُؤوَّل بالمُشَار إليه، والاستثناء مُفرَّغٌ متَّصِلٌ، فتُلْغَى فيه «إلَّا» من حيث العمل، لا من حيث المعنى؛ كسائر الحروف نحو: ما جاءني إلَّا زيدٌ، وما رأيت إلَّا زيدًا، وما مررت إلَّا بزيدٍ، (حَتَّى الْجَنَّة وَالنَّار)؛ بالرَّفع فيهما على أنَّ «حتَّى»: ابتدائيَّةٌ، و«الجنَّةُ»: مبتدأٌ محذوفُ الخبر؛ أي: حتَّى الجنَّة مَرْئِيَّةٌ، و«النَّار» عُطِفَ [5] عليه، والنَّصب: على أنَّها عاطفةٌ عطفت [6] «الجنَّة» على الضَّمير المنصوب في «رأيته» [7] ، والجرُّ: على أنَّها جارَّةٌ، كذا قرَّروه بالثَّلاثة، وهي ثابتةٌ في «فرع اليونينيَّة» كهي [8] . وقال الحافظ ابن حجرٍ: رُوِّينَاه بالحركات الثَّلاث فيهما، لكن استشكل البدر الدَّمامينيُّ الجرَّ: بأنَّه لا وجه له إلَّا العطف على المجرور المتقدِّم، وهو ممتنعٌ؛ لما يلزم عليه من زيادة «مِن» مع المعرفة، والصَّحيح: منعه، (فَأُوحِيَ) بضمِّ الهمزة، وكسر الحاء (إِلَيَّ أَنَّكُمْ) بفتح الهمزة مفعول «أُوحِي»، ناب عن الفاعل، (تُفْتَنُونَ): تُمتَحَنون وتُختَبَرون (فِي قُبُورِكُمْ، مِثْلَ _أَوْ قَرِيبًا)؛ بحذف التَّنوين في «مثل»، وإثباته في تاليه، (لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ)؛ لفظ «مثل» أو «قريبًا» (قَالَتْ أَسْمَاءُ) رضي الله عنها _ (مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ)؛ بالحاء المهملة؛ لمسحه الأرض، أو لأنَّه ممسوح العين، (الدَّجَّالِ): الكذَّاب، والتَّقدير: مثل فتنة المسيح أو قريبًا منها، فحذف ما كان «مثل» مُضَافًا إليه؛ لدلالة ما بعده، وترك هو على هيئته قبل الحذف، كذا وجَّهه ابن مالكٍ، وقال: إنَّه الرِّواية المشهورة، وقال عياضٌ: الأحسن تنوين الثَّاني وتركه في الأوَّل [9] ، وفي روايةٍ في «الفرع» و«أصله» [10] : ((مثلَ أو قريبَ)) بالنَّصب من غير ألفٍ [11] ، بغير تنوينٍ فيهما، قال الزَّركشيُّ: في المشهور في «البخاريِّ»؛ أي: تُفتَنون مثل فتنة الدَّجال، أو قريبَ الشَّبه من فتنة الدَّجَّال، فكلاهما مضافٌ، وجملة: «لا أدري...» إلى آخرها اعتراضٌ بين المُضَاف والمُضَاف إليه، مُؤكِّدةٌ لمعنى الشَّكِّ المُستفَاد من كلمة «أو»، لا يُقَال: كيف فُصِلَ بين [المُضَافين وبين ما أُضِيفا إليه] [12] ؛ لأنَّ الجملة المُؤكِّدة للشَّيء لا تكون أجنبيَّةً منه، وإثبات «من» _كما في بعض النُّسخ، وهو الذي في «فرع اليونينيَّة»_ بين المُضَاف والمُضَاف إليه لا يمتنع عند جماعةٍ من النُّحاة، ولا يخرج بذلك عن الإضافة، وفي روايةٍ: ((مِثْلًا أو قريبًا))؛ بإثبات التَّنوين فيهما؛ أي: تُفتَنون في قبوركم فتنةً مثلًا من فتنة المسيح، أو فتنةً قريبًا من فتنة المسيح، وحينئذٍ فالأوَّل: صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ، والثَّاني: عطفٌ عليه، و«أيُّ» مرفوعٌ على الأشهر بالابتداء، والخبر: «قالت أسماء»، وضميرُ المفعول محذوفٌ؛ أي: قالته، وفعل الدِّراية [13] مُعلَّقٌ بالاستفهام؛ لأنَّه من أفعال القلوب، وبالنَّصب: مفعول «أدري» إن جُعلِت موصولةً، أو «قالت» [/ج1ص183/] إن جُعِلَت استفهاميَّةً أو موصولةً، (يُقَالُ) للمفتون: (مَا عِلْمُكَ): مبتدأٌ، وخبره: (بِهَذَا الرَّجُلِ)؟ صلى الله عليه وسلم ولم يعبِّر بضمير المتكلِّم؛ لأنَّه حكاية قول المَلَكَين، ولم يَقُل: رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه يصير تلقينًا لحجَّته، وعدل عن خطاب الجمع في «أنَّكم تُفتَنون» إلى المُفرَد في قوله: «ما عِلْمُك»؛ لأنَّه تفصيلٌ؛ أي: كلُّ واحدٍ يُقَال له ذلك؛ لأنَّ السُّؤال عن العلم يكون لكلٍّ واحدٍ، وكذا الجواب؛ بخلاف الفتنة، (فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوِ الْمُوقِنُ)؛ أي: المصدِّق بنبوَّته صلى الله عليه وسلم، (لَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا)، وفي رواية الأربعة: ((أيُّهما المؤمن أو الموقن))، (قَالَتْ أَسْمَاءُ)، والشَّكُّ من فاطمة بنت المنذر؛ (فَيَقُولُ) الفاء جواب «أمَّا»؛ لِما في «أمَّا» من معنى الشَّرط: (هُوَ مُحَمَّدٌ)، هو (رَسُولُ اللهِ)، هو (جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ)؛ بالمعجزات الدَّالَّة على نبوَّته، (وَالْهُدَى)؛ أي: الدَّلالة الموصلة إلى البُغْية [14] ، (فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا)، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((فأجبناه واتَّبعناه))؛ بالهاء فيهما، فحُذِف ضمير المفعول في الرِّواية الأولى؛ للعلم به؛ أي: قبلنا نبوَّته معتقدين مصدِّقين، واتَّبعناه فيما جاء به إلينا، أوِ الإجابة تتعلَّق بالعلم والاتِّباع بالعمل، يقول المؤمن: (هُوَ مُحَمَّدٌ)، وفي رواية أبي ذَرٍّ وأبي الوقت وابن عساكر عن الحَمُّويي [15] : ((وهو محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم))، قولًا (ثَلَاثًا)؛ أي: ثلاثَ مرَّاتٍ، (فَيُقَالُ) له: (نَمْ) حال كونك (صَالِحًا)؛ منتفعًا بأعمالك؛ إذِ الصَّلاح: كونُ الشَّيء في حدِّ الانتفاع، (قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ)؛ بكسر الهمزة؛ أي: الشَّأن كنت (لَمُوقِنًا بِهِ)؛ أي: إنَّك موقنٌ؛ كقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} [آل عمران: 110] ؛ أي: أنتم، أو تبقى على بابها [16] ، قال القاضي: وهو الأَظْهَر، واللَّام في قوله: «لمَوقنًا» عند البصريِّين؛ للفرق بين «إنَّ» المُخفَّفة و«إنِ» [17] النَّافية، وأمَّا الكوفيُّون؛ فإنَّها [18] عندهم بمعنى: «ما»، واللَّام بمعنى: «إلَّا»؛ كقوله تعالى: {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} [الطارق: 4] ؛ أي: ما كلُّ نفسٍ إلَّا عليها حافظٌ، والتَّقدير: ما كنت إلَّا موقنًا، وحكى السَّفاقسيُّ فتح همزة «أنْ» على جعلها مصدريَّةً؛ أي: علمنا كونَك موقنًا به، وردَّه بدخول اللَّام. انتهى. وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ، فقال: إنَّما تكون «اللَّام» مانعةً؛ إذا جُعِلَت لام الابتداء على رأي سيبويه ومن تابعه، وأمَّا على رأي الفارسيِّ، وابن جنِّيٍّ، وجماعة، أنَّها لامٌ غير لامِ الابتداء؛ اجتُلِبت للفرق؛ فيسوغ الفتح، بل يتعيَّن حينئذٍ؛ لوجود المقتضي وانتفاء المانع، (وَأَمَّا الْمُنَافِقُ)؛ أي: غير المصدِّق بقلبه لنبوَّته، (أَوِ الْمُرْتَابُ)؛ أي: الشَّاكُّ _قالت فاطمة: (لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ_؛ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ)؛ أي: قلت ما كان النَّاس يقولونه، وفي روايةٍ: ((وذكر الحديث))؛ أي: إلى آخره، الآتي إن شاء الله تعالى، وفي هذا الحديث: إثباتُ عذابِ القبر وسؤال الملكين، وأنَّ مَنِ ارتاب في صدق الرَّسول صلى الله عليه وسلم وصحَّةِ رسالته؛ فهو كافرٌ، وأنَّ الغشيَ لا ينقضُ الوضوء ما دام العقل باقيًا، إلى غير ذلك ممَّا لا يخفى.

[1] في (ب) و(س): «لأنَّها».
[2] «زمان»: سقط من (ص).
[3] في (ص): «الغريبة»، وهو تصحيفٌ.
[4] في (ص): «العمد»، وهو تحريفٌ.
[5] في (ص): «معطوف».
[6] في (ص): «عطف».
[7] في (ص): «روايته».
[8] «كهي»: سقط من (ص).
[9] قوله: «تنوين الثَّاني وتركه في الأوَّل»، سقط من (ص) و(م).
[10] «في الفرع وأصله»: ليس في (ص)، ثم زيد في (م): «مثلًا أو قريبًا؛ بالتَّنوين والألف».
[11] «بالنَّصب من غير ألفٍ»: ليس في (ص).
[12] في (ص): «المضاف وبين المضاف إليه».
[13] في (ص): «الرواية»، وهو تحريفٌ.
[14] في (ص): «البقية».
[15] «ابن عساكر عن الحَمُّوي»: سقط من (س).
[16] في (ص): «حالها».
[17] في (م): «بين».
[18] في (ب) و(س): «فهي».





86- ( هِشَامٌ ): ابن عروة.

( فَاطِمَةَ ) زوجته بنت عمه المنذر.

( أَسْمَاءَ ): بنت أبي بكر، جدَّة هشام وفاطمة معًا.

( فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ ) أي: عائشة.

( آيَةٌ ): خبر محذوف، وكذا الهمزة، أي: أهذه.

( عَلَانِي ): لكريمة: «تجلَّاني» أي: غطَّاني.

( الْغَشْيُ ): بفتح الغين وإسكان الشِّين المعجمتين وبتخفيف الياء، وبكسر الشِّين وتشديد الياء: طرف من الإغماء.

( أُرِيتُهُ ): بضمِّ الهمزة.

( حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ ) بالحركات الثَّلاث فيهما.

( مِثْلَ أَوْ قَرِيبًا ) بترك التَّنوين في الأوَّل على حذف المضاف إليه وإبقاء حكمه؛ أي: مثل فتنة الدَّجَّال وإثباته في الثَّاني، وروي بحذفه منه أيضًا على إضافته إلى فتنة، وزيادة «من» بين المتضايفين ونصبهما صفة مصدر محذوف.

( إِنْ ) مخفَّفة من الثَّقيلة واللَّام فارقة.

( أيَّ ) بالنَّصب مفعول قالت. [/ج1ص252/]


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

86# حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا وُهَيْبٌ، ثَنَا هِشَامٌ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ، قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ وَهِيَ تُصَلِّي فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، قُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا: أَيْ نَعَمْ، فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَّانِي الغَشْيُ، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي المَاءَ، فَحَمِدَ اللَّهَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلَّا رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي، حَتَّى الجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَأُوحِيَ إِلَيَّ: أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ مِثْلَ _ أَوْ قَرِيباً [1] لاَ أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ _ مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، فقَالُ مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا المُؤْمِنُ أَوِ المُوقِنُ _ لاَ أَدْرِي أَيَّهِمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ _ فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالهُدَى، فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا، وهُوَ مُحَمَّدٌ ثَلاَثاً، فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحاً قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِناً بِهِ. وَأَمَّا المُنَافِقُ أَوِ المُرْتَابُ _ لاَ أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ _ فَيَقُولُ: لاَ أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئاً فَقُلْتُهُ».

الحديث الأول: تقدم الكلام عليه في الباب الذي قبل هذا.

والثاني: أخرجه مسلم أيضاً في العلم عن ابن نُمَير، وأبي كُرَيب، والناقد عن

@%ص114%

إسحاق بن سليمان، كلاهما عن حنظلة هو ابن أبي سفيان الجمحي، عن سالم به، وجاء فيه في بعض طرق البخاري: «فحمد الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد».

وفي بعضها قال هشام: ولقد قالت لي فاطمة: ما وعيته، غير أنها ذكرت ما يغلظ عليه.

وفيه: «آمنا به وأجبنا وصدقنا».

وفيه: مكي بن إبراهيم بن بَشير _ بفتح الباء _ ابن فرقد، أبو الشكر، أخو إسماعيل، ووالد الحسن ويعقوب، البلخي الحنظلي.

سمع حنظلة بن أبي سفيان بن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية الجمحي، ويزيد بن أبي عبيد من التابعين، وابن جريج.

روى عنه البخاري في «البيوع» و«الصلاة» وغير موضع، وأخرج في «البيوع» عن محمد بن عمرو، عنه عن عبد الله بن سعيد، وهشام بن حسان، وحنظلة، ويزيد المذكورين، وجُعَيد بن عبد الرحمن.

وروى م د ت ن عن رجل عنه، وروى عنه أيضاً أحمد ابن حنبل، ويحيى بن معين، ويحيى بن يحيى، والذهلي.

قال أحمد بن عبد الله وأحمد ابن حنبل وابن سعد: «ثقة»، وزاد ابن سعد: «ثبت».

وقال أبو حاتم: «محله الصدق».

وقال النسائي: «لا بأس به».

وقال أبو ذر الهروي: «مكي أكبر شيوخ البخاري من الخراسانيين، لأنه روى عن التابعين».

وروي عنه أنه قال: «حججت ستين سنة، وتزوجت ستين امرأة، وجاورت بالبيت عشر سنين، وكتبت عن سبعة عشر نفساً من التابعين، ولو علمت أن الناس يحتاجون إليَّ لما كتبت عن أحد دون التابعين».

وعنه قال: «خرج بي أبي وأنا ابن إحدى عشرة سنة لم أعقل الطلب، فلما بلغت سبع عشرة سنة أخذت في الطلب».

ولد سنة ست وعشرين ومئة، وتوفي سنة أربع عشرة أو خمس عشرة ومئتين، روى له الجماعة كما تقدم.

وليس في رجال أئمة الكتب الستة ممن ذكر فيها من اسمه مكي غيره، فلا لبس فيه.

وحنظلة وسالم تقدما في «كتاب الإيمان» [2].

قوله: «بَابُ مَنْ أَجَابَ الفُتْيَا [3]» الفُتيا والفتوى الاسم، يقال: استفيتُ الفقيهَ في مسألة، فأفتاني، وتفاتوا إلى الفقيه: ارتفعوا إليه في الفتيا.

ولم يجئْ من المصادر على فُعلى غير الفتيا والرُّجعى وبقيا ولقيا.

@%ص115%

قوله: «يُقْبَضُ العِلْمُ» تقدم أن قبض العلم إنما يكون بقبض أهله، كما جاء مبيناً في الحديث قريباً، وجاء في مسلم: «وينقص العلم» في رواية، وهذا _ والله أعلم _ يكون قبل قبضه.

قوله: «وَيَكْثُرُ الهَرْجُ» وفسره بالقتل، قال القاضي عياض: «القتل بعض الهرج، وأصل الهرج والتهارج الاختلاط والقتال، ومنه قوله: «فلن يزال الهرج إلى يوم القيامة»، ومنه أيضاً: «يتهارجون تهارج الحمر».

قيل معناه: يتخالطون رجالاً ونساء ويتناكحون مزاناةً، يقال: هرجها يهرِجها إذا نكحها، ويهرُجها أيضاً بفتح الراء [4] وضمها وكسرها.

وقيل: أصل الهرج الكثرة في الشيء، ومنه قولهم في الجماع: بات يهرجها ليلته جمعاء.

وقال ابن دريد: «الهرج الفتنة آخر الزمان».

قوله: «فَحَرَّفَهَا، كَأَنَّهُ يُرِيدُ القَتْلَ» وجاء في مسلم وغيره: «قالوا: وما الهرج؟ قال: القتل»، وجاء: «فقال بيده فحرفها»، وفي حديث الكسوف: «فأشارت إلى السماء ثم قال: فأشارت برأسها» [5].

قال أبو الزناد: فيه دليل على أن الرجل إذا أشار بيده أو برأسه أو بشيء يفهم به إرادته أنه جائز عليه، وسيأتي في «كتاب الطلاق» الإشارة [6] بالطلاق، واختلاف الفقهاء فيه.

وقوله: «فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ» فيه: جواز الإشارة في الصلاة، والعمل القليل فيها.

قولها: «حَتَّى تَجَلَّانِي الغَشْيُ» قال القاضي: «رويناه في مسلم وغيره بكسر الشين مع تشديد الياء وبإسكان الشين، وهما بمعنى الغشاوة، وذلك لطول القيام وكثرة الحر، ولذلك قالت: فجعلت أصب على رأسي أو على وجهي من الماء.

وفيه أن الغشي الحقيقي لا ينقض الطهارة.

قوله: «مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلَّا رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي، حَتَّى الجَنَّةُ

@%ص116%

وَالنَّارُ [7]» قال القاضي: «قال العلماء: يحتمل أنه رآهما رأي عين، وأن الله كشف له عنهما وفرَّجَ الحجب بينه وبينهما، كما فرَّج له عن المسجد الأقصى حتى وصفه».

قال العلماء: خلق الله لنبيه صلى الله عليه وسلم إدراكاً خاصاً أدرك به الجنة والنار على حقيقتهما كما خلق الله له إدراكاً لبيت المقدس فطفق يخبرهم عنه، ويكون على هذا قوله في بعض طرق الحديث: «رأيت الجنة في عُرض هذا الحائط» أي في جهته وناحيته.

ويحتمل أن يكون ذلك رؤية علم ووحي فعرَّفه ما لم يكن يعرِفه بعد.

قال القرطبي: «ويجوز على هذا القول أن الله مثَّل له الجنة والنار وصورهما له في الحائط، كما تتمثل المرئيات في المرآة، ويعضده ما رواه البخاري من حديث أنس في غير حديث الكسوف فقال صلى الله عليه وسلم: «لقد رأيت الآن منذ صليت لكم الجنة والنار ممثلتين في قبلة هذا الجدار».

وقال فيه مسلم: «إني صورت لي الجنة والنار فرأيتهما بدون هذا الحائط».

قال: ولا يستبعد هذا من حيث إن الانطباع [8] في المرآة إنما هو في الأجسام الصقيلة ؛ لأنا نقول: إن ذلك شرط عادي لا عقلي، ويجوز أن تنخرق العادة خصوصاً للنبوة، فلو سُلِّم أن تلك الأمور عقلية، يجوز أن توجد تلك الأمور في جسم الحائط، ولا يُدرِك ذلك إلا النبي صلى الله عليه وسلم.

قال: والأول أولى وأشبه بألفاظ الأحاديث، لقوله في بعض الأحاديث: «فتناولت منها عنقوداً» وتأخره مخافة أن تصيبه النار، وهو الراجح عند غيره أيضاً.

مسألة:

مذهب أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان اليوم، ويدل عليه

@%ص117%

الآيات والأخبار المتواترة، مثل قوله تعالى: {وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة} [الأعراف:22] [طه:121]، وقوله: {ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى} [النجم:15]، {وجنة عرضها السموات والأرض} [آل عمران:133] وغير ذلك من الآيات، وتواتر الأخبار في قصة آدم عن الجنة ودخوله إياها وخروجه منها، ووعده الرد إليها، كل ذلك ثابت بالقطع.

قال إمام الحرمين: الجنة والنار مخلوقتان للآيات الواردة فيها، وتواتر الأخبار الثابتة القطعية.

قال: وأنكر طوائف من المعتزلة خلقهما قبل يوم العقاب والحساب، وقالوا: لا فائدة في خلقهما قبل ذلك، وحملوا قصة آدم على بستان من بساتين الدنيا.

قال الإمام: وهذا باطل وتلاعب بالدين وانسلال عن إجماع المسلمين، وهو تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ويأتي في كتاب بدء الخلق في باب صفة الجنة وصفة النار، وأنهما مخلوقتان الأحاديث الواردة في البابين وهي أكبر من أن تحصر.

وأراد البخاري بقوله: «وأنها مخلوقة» الردَّ عليهم، وذكر مع الأخبار بعض الآيات الواردة.

قال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي وغيره: الجنة مخلوقة مهيأة بما فيها، سقفها عرش الرحمن وهي خارجة عن أقطار السموات والأرض، وكل مخلوق يفنى ويجدد أو لا يجدد إلا الجنة والنار، وليس للجنة سماء إلا ما جاء في الصحيح _ يعني قوله: «وسقفها عرش الرحمن» _ ولها ثمانية أبواب، وروي: أن كلها مغلقة إلا باب التوبة مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها.

وأما من قال بأن قوله تعالى: {وجنة عرضها السموات والأرض} [آل عمران:133] يدل على أنها مخلوقة فغير مستقيم لما تقدم من أنها في عالم آخر، والمعنى: عرضها كعرض السموات والأرض، كما جاء في موضع آخر فحذف هنا.

وسألت اليهود عمر رضي الله عنه عن هذه الآية، وقالوا: أين تكون النار؟ فقال لهم عمر: أرأيتم إذا جاء الليل، فأين يكون النهار؟ وإذا جاء النهار

@%ص118%

فأين يكون الليل؟ فقالوا له: لقد نزعت مما في التوراة.

وعن ابن عباس: تُقْرَنُ السماوات السبع والأرضون السبع كما تُقرَنُ الثياب بعضها إلى بعض، فذلك عرض الجنة، ولا يصف أحد طولها لاتساعه.

وقيل: عرضها سعتها، ولم يرد العرض الذي هو ضد الطول، والعرب تقول: ضربت في أرض عريضة، أي: واسعة.

قوله: «مِثْلَ أَوْ قَرِيبَ [9]» قال عياض: «كذا رويناه عن الأكثر في الموطأ، ورويناه عن بعضهم: «مثلاً أو قريباً»، ولبعضهم: «مثل أو قريباً» وهو الوجه.

قلت: وقع في كثير من نسخ البخاري وفي بعض طرقه: «مثلَ أو قريبَ» كما ذكره القاضي أولاً، وأما توجيه هذه الروايات فقال ابن مالك اللغوي: يروى في البخاري: «أو قريب» بغير تنوين، إلا أن المشهور: «أو قريباً»، ووجهه أن يكون أصل: مثل فتنة الدجال أو قريباً من فتنة الدجال، فحذف ما كان مثل مضافاً إليه، وترك على هيئته قبل الحذف، وجاز الحذف لدلالة ما بعده.

قال: والمعتاد في صحة هذا الحذف أن يكون مع إضافتين، كقول الشاعر:

~أَمامَ وخَلْفَ المَرْءِ مِنْ لُطْفِ ربِّهِ كوالي تزوي عَنْهُ مَا هُوَ يَحْذَرُ [10]

وجاء أيضاً في إضافة واحدة كما هو في الحديث:

~مَهْ عاذلي فهائماً لن أبرحا بمثل أو أحسنَ من شمس الضحَى

أراد: بمثل شمس الضحى أو أحسن.

وأما من روى «قريب» فأراد: مثل فتنة الدجال أو قريب الشبه من فتنة الدجال، فحذف المضاف إليه، وبقي «قريب» على هيئته، وهذا الحذفُ في المتأخر لدلالة المتقدم عليه قليلٌ، مثل قراءة ابن محيصن: {لا خوفُ عليهم} أي: لا خوفُ شيءٍ، وقول الشاعر:

~أَقُولُ لمّا جَاءَنِي فَخْرُهُ سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الفَاخِرِ

أراد: سُبحان الله، فحذف

@%ص119%

المضاف إليه، وترك المضاف بحاله، يقول الشاعر: العجب منه إذ يفخر.

قوله: «مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلَّا رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هذا» وفي حديث عائشة من رواية مسلم: «رأيت في مقامي هذا كل شيء وُعِدْتُهُ»، وفي حديث جابر: «عرض علي كل شيء تُولَجُونه»، وفي رواية: «تُوعَدُونه»، وهذه كلها مبينة لحديث أسماء المذكور أولاً.

قوله: «أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ» أي: تمتحنون، فيه دليل على إثبات عذاب القبر مع غيره من الأدلة، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، وهو إحياء الميت وإرسال الملكين يسألانه عن الله عز وجل ربه، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم.

قال الإمام أبو المعالي: تواترت الأخبار باستعاذة النبي صلى الله عليه وسلم من عذاب القبر، ولم يزل ذلك مُستَيقناً قبل ظهور أهل البدع، والسؤال يقع على أجزاء يعلمها الله تعالى من القلب وغيره يحييها الله تعالى، ويوجه السؤال عليها.

قوله: «مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ» يقال لعيسى عليه السلام أيضاً المسيح _ بفتح الميم _ بلا خلاف، كما سماه الله تعالى في كتابه.

وأما الدجال فقال عياض: أكثر الرواة وأهل المعرفة يجعلونه كالأول ويفتحون الميم فيهما، فعيسى عليه السلام مسح الهدى، والدجال مسح الضلالة، وفرق بعضهم بينهما، فقال في الدجال المسيح بكسر الميم مع التشديد، مثل: شرِّيب، وخفف بعضهم السين، وكسرت الميم للفرق بينهما.

وقال الأمير ابن ماكولا عن شيخه الصوري: هو بالخاء المعجمة، المسخ الممسوح العين، يقال: مسحه الله إذا خلقه خلقاً حسناً، ومسخه بالمعجمة إذا خلقه خلقاً ملعوناً.

@%ص120%

وقيل: سمي مسيحاً بالمهملة لمسح إحدى عينيه، فتكون بمعنى مفعول، وقيل: لمسحه الأرض، فيكون بمعنى فاعل.

وأما عيسى صلى الله عليه وسلم فسمي مسيحاً لمسحه الأرض، وسياحته فيها، وقيل: كان ممسوح الرجل لا أخمص له، وقيل: إن زكريا عليه السلام مسحه.

فعلى الأول: مسيح بمعنى فاعل، وعلى الثاني بمعنى: مفعول.

وأما الدجال: قال ثعلب: وسمي به لتمويهه [11]، والدجل طلي البعير بالقطران، فهو مموه بباطله وسحره، الملبس به، وقيل: معناه الكذاب، وقال ابن دريد: لأنه يغطي الأرض بالجمع الكبير مثل دجلة تغطي الأرض بما بها [12].

وقيل: سمي به لضربه نواحي الأرض وقطعه لها، يقال: دجل الرجل بالتخفيف والتشديد إذا فعل ذلك.

قوله: «مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ [13]» قال النواوي: إنما قال الملكان ذلك ولم يقولا رسول الله صلى الله عليه وسلم امتحاناً له وإغراباً عليه لئلا يتلقن منهما إكرام النبي صلى الله عليه وسلم ورفعَ مرتبته فيعظمه هو تقليداً لا اعتقاداً، ولهذا يقول المؤمن: هو رسول الله، ويقول المنافق: لا أدري، فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت.

قوله: «قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِناً بِهِ» إن هنا مكسورة مخففة من الثقيلة، ولزمت اللام للفرق بينها وبين إن بمعنى ما، هذا مذهب البصريين، وقال الكوفيون: إن بمعنى ما، واللام بمعنى إلا، مثل قوله: {إن كل نفس لما عليها حافظ}.

قال الداوودي: والمعنى: إنك مؤمن كما قال تعالى: {كنتم خير أمة} أي أنتم، و{كان الله عليماً حكيماً} وهو لم يزل كذلك.

قال القاضي: والأظهر أنها على بابها، والمعنى: علمنا أنك كنت مؤمناً.

@%ص121%

وقد يكون قوله: «إن كنت لمؤمناً» أي في علم الله، كما قيل في قوله تعالى: {وما كانوا مهتدين}، وكذلك قيل في قوله تعالى: {كنتم خير أمة} أيضاً.

قوله: «فأَمَّا المُنَافِقُ أَوِ المُرْتَابُ فَيَقُولُ: لاَ أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئاً فَقُلْتُهُ»، قال عياض: فيه أن الشاك في نبوة النبي صلى الله عليه وسلم لا يصح إيمانه، وقد يحتج به من يرى أنَّ مجرد التقليد من غير بصيرة غير نافعة، لقوله: «سمعتُ الناس يقولون شيئاً فقلته»، وقد يكون هذا لمن لم يُصمم عقده، وقال كلاماً لا يعتقد صحته، ولا يعرف معناه.

وقوله: «نَمْ صَالِحاً»: أي لا روع عليك مما يروعُ به الكفار من عرضهم على النار، أو غيرهم من عذاب القبر [14].

هذا الحديث أخرجه البخاري هنا عن موسى عن وهيب، وفي «الطهارة» عن إسماعيل عن مالك، وفي «الكسوف» عن عبد الله بن يوسف عن مالك، وفي «كتاب الاعتصام» عن القَعْنَبي عن مالك، وفي «كتاب الجمعة»: وقال محمود ثنا أبو أسامة، وفي «كتاب الخسوف»: وقال أبو أسامة، وفي «كتاب السهو»: عن يحيى بن سليمان عن ابن وهب عن الثوري مختصراً، وفي «الخسوف» مختصراً عن الربيع بن يحيى، عن زائدة، وعن موسى بن مسعود عن زائدة مختصراً، وتابعه علي عن الدَّرَاوَرْدِي، وعن محمد المقدمي عن عَثَّام في «العتاقة».

ورواه مسلم في «الخسوف» عن أبي كُرَيب عن ابن نُمَير، وعن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كُرَيب عن أبي أسامة.

كلهم عن هشام بن عروة عن امرأته فاطمة به [15].

وفيه: فاطمة بنت المنذر بن الزبير بن العوام، زوجة هشام بن عروة، روت عن جدتها أسماء، روى عنها زوجها هشام، ومحمد بن إسحاق.

قال هشام: «كانت فاطمة أكبر مني بثلاث عشرة سنة».

قال أحمد بن عبد الله: «تابعية ثقة».

أخرج لها البخاري في «العلم» و«الحيض» وغيرهما عن زوجها عنها عن جدتها.

ذكر أبو أحمد بن عدي عن يحيى بن سعيد القطان قال: «أشهد أن محمد بن إسحاق كذاب، قيل: ما يدريك؟ قال: قال مالك: أشهد أنه كذاب، قيل لمالك: ما يدريك؟ قال: قال هشام بن عروة: أشهد أنه كذاب، قلت لهشام: ما يدريك؟ قال: حدث عن امرأتي فاطمة بنت المنذر، وأدخلت عليَّ وهي بنت تسع سنين، وما رآها رجل حتى لقيت [16] الله».

قال أحمد ابن حنبل: «يمكن أن تكون خرجت إلى المسجد فحدث عنها».

قال سفيان: أخبرني ابن إسحاق أنها حدثته، وأنه دخل عليها.

قلت: في قوله: بنت تسع، مع ما تقدم من أنها أكبر من هشام بثلاث عشرة سنة تعارض.

روى له الجماعة.

وفيه: أسماء بنت أبي بكر الصديق، زوجة الزبير، هاجرت إلى المدينة وهي حامل بعبد الله، وكان عبد الله بن أبي بكر شقيقها، وعائشة وعبد الرحمن أخويها لأبيها، وهي ذات النطاقين.

ولدت قبل الهجرة بسبع وعشرين سنة، وأسلمت بعد سبعة عشر إنساناً، وطلقها الزبير، قيل: لكبر سنها، وقيل: ضربها فصاحت بابنها عبد الله، فلما رآه قال: أمك طالق إن دخلتَ. فقال عبد الله: تجعل أمي عرضة ليمينك، ودخل وخلصها فبانت منه. وقيل: إن عبد الله قال لأبيه: مثلي لا توطأ أمه، فطلقها.

قلت: هذا الثالث في صحته عنهما بعد لعلو مرتبتهما.

ولدت له عبد الله، وعروة، والمنذر، روى عنها عبد الله بن عباس، وابنها عبد الله.

أخرج لها البخاري في «العلم» و«النكاح» عن ابنها وابن أبي مليكة وعبد الله بن كيسان مولاها، وفاطمة، وصفية بنت شيبة، عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد أخرج مسلم عنها قالت: «تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ وَمَا لَهُ فِي الْأَرْضِ مِنْ مَالٍ وَلَا مَمْلُوكٍ وَلَا شَيْءٍ، غَيْرَ فَرَسِهِ، فَكُنْتُ أَعْلِفُه، وَأَكْفِيهِ مَؤونَتَهُ وَأَسُوسُهُ، وَأَدُقُّ النَّوَى لِنَاضِحِهِ، وَأَعْلِفُهُ، وَأَسْقِي الْمَاءَ وَأَخْرُزُ غَرْبَهُ وَأَعْجِنُ، وَكُنْتُ أَنْقُلُ النَّوَى عَلَى رَأْسِي من أرضه وَهِيَ عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ».

وفي طريق: «ولم يكن أشد عليَّ من سياسة الفرس».

روي لها عن النبي صلى الله عليه وسلم ستة وخمسون حديثاً، انفرد البخاري بأربعة، ومسلم بمثلها، واتفقا على أربعة عشر، توفيت بمكة في جمادى الأولى، سنة ثلاث وسبعين بعد قتل ابنها، وقد بلغت المئة، ولم يسقط لها سن، ولم يتغير لها عقل، وقصتها مع الحجاج مشهورة، روى لها الجماعة.

[1] كذا أثبت اللفظ في الأصل، وسيأتي في أثناء الشرح إثباته بفتحة واحدة: «قريبَ»، وهو الموافق لما في المطبوع من البخاري.
[2] هذا السطر والذي قبله كتبا في هامش الأصل بالخط نفسه وأشير إليهما بلحق، لذلك أدخلته في المتن، وكتب بعدهما في الهامش بلون مغاير: «وقد حدث البخاري عن مكي عن يزيد، عن سلمة وهو من أعلى ما يوجد له، لأنه من ثلاثياته، ثم حدث عن قتيبة عن بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد الله الأشج، عن يزيد عن أبي سلمة، فحدث عن أربعة عن يزيد نازلاً، كما حدث عن مالك عن مالك [هكذا بالتكرار]، ثم حدث عن المسندي، عن معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق الفزاري عن مالك»، والبخاري لم يدرك مالكاً فثم وهم فيما ذكر.
وكتب في الهامش أيضاً بلون مغاير تحته: «ذكر أبو يعلى الخليلي الحافظ قال: أخطأ مكي بالري فقال: عن مالك عن نافع عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على النجاشي فكبر عليه أربعاً، وهذا خطأ من مكي من حفظه بالري، قاله أبو زرعة الرازي، وصوابه: مالك عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم».
[3] كذا كتب في الأصل، وهو الموافق لما في المطبوع من البخاري، لكن كتبت فوقها بخط دقيق وبلون مغاير «في» لتصبح: «في الفتيا»، وهو اللفظ الذي أثبته المؤلف أول الباب هنا.
[4] في الأصل: «الواو» وهو وهم أو تصحيف.
[5] كذا كتبت العبارة، لكن أضيف إليها بلون مغاير لتصبح: «ثم قالت أسماء: فأشارت برأسها، تعني عائشة أيضاً».
[6] أضيف بلون مغير فوق السطر كلمة: «حكم» لتصبح العبارة: «حكم الإشارة».
[7] كتب في هامش الأصل بلون مغاير: «وجاء في الموطأ: إلا ورأيته، بزيادة واو، ويجوز في الجنة والنار الخفض بحتى الجارة، والنصب على العطف بحتى، وأجاز بعضهم الخفض في مثل هذا لأن كل موضع جاز العطف فيه جاز الخفض، بخلاف العكس، كقولك: صمت النهار حتى الليل، لا يجوز فيه إلا الخفض، ويجوز على مذهب الكوفيين في الجنة والنار الرفع على تقدير حذف الخبر، ومنعه البصريون.
[8] في الأصل: «الاصطباغ»، والمثبت هو الموافق للفظ القرطبي في «المفهم».
[9] كتب بهامش الأصل بلون مغاير: «بفتحة واحدة على الباء»، ولكن المثبت في المتن كما تقدم بالتنوين: «قريباً».
[10] كتب بهامش الأصل بلون مغاير: «زويت الشيء: جمعته وقبضته، وفي الحديث: زويت لي الأرض».
[11] زيد على هذه العبارة بخط ولون مغايرين لتصبح: «وسمي به كل كذاب دجال، لتمويهه على الناس وتلبيسه عليهم».
[12] كتب في هامش الأصل بلون مغاير: «والدجْل التغطية، يقال: دجل فلان الحق بباطله أي غطاه».
[13] كتب في هامش الأصل بلون مغاير: «كنى النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه، ويحتمل أنه سمى ... أو مثل له، والأظهر أنه سمي له».
[14] هذه الفقرة والتي قبلها كتبت بهامش الأصل، وأشير إليها بلحق، ويترجح عندي أنها من أصل الكتاب لذلك أثبتها هنا، وهي منقولة عن القاضي عياض بتصرف يسير جداً في اللفظ.
[15] كتب في الأصل بعد هذا السطر: «باب تحريض النبي صلى الله عليه وسلم وفد عبد القيس ...» لكن كتب في الهامش: «يرجع إلى الورق»، وقد جاءت ترجمة فاطمة في بعد ذلك، فأثبتها هنا لأن هذا موضعها الصحيح.
[16] في الأصل: «لقي» والصواب المثبت.





86# (باب في قوله عليه الصلاة والسَّلام [1] قوله: مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلَّا رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا [2] حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ...)؛ إلى آخره.

قوله: (الْغَشْيُ): بمعنى: الغشاوة.

وقوله: (إِلَّا رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا): يحتمل أن يكون رؤية علمٍ ووحيٍ.

و(تناولت منها عنقودًا): وتأخرت؛ مخافة أن تصيبه النار.

فيه: أنَّ الجنَّة والنَّار مخلوقتان الآن، وهو مذهب أهل السُّنَّة.

ومعنى (يُفْتَنُون [3] ): أي: يُمتحَنون.

وفيه دلالة على إثبات عذاب القبر، وهو مذهب أهل السُّنَّة، والسُّؤال يقع على أجزاء يعلمها الله من القلب.

و(الْمَسِيحِ): لمسح إحدى عينيه، وقيل: لمسحه الأرض بالجمع الكثير.

وقوله:

@%ج1ص11%

(نَمْ صَالِحًا) أي: لا روع عليك.

[1] (والسلام): ليس في (ب).
[2] كذا في «اليونينيَّة» وهي رواية ابن عساكر وفي رواية أبي ذر الهروي عن الكشميهني والحموي.
[3] في «اليونينيَّة»: (تفتنون).





86- وبه قال: ((حدثنا موسى بن إسماعيل)) التبوذكي، ((قال: حدثنا وُهيب)) هو ابن خالد الباهلي، ((قال: حدثنا هشام)) هو ابن عروة بن الزبير بن العوَّام، ((عن فاطمة)) بنت المنذر بن الزبير بن العوام، وهي زوجة هشام بن عروة وبنت عمِّه.

((عن أسماء)) بنت أبي بكر الصديق زوجة الزبير، وكان عبد الله بن أبي بكر شقيقها، وعائشة وعبد الرحمن أخواها لأبيها، وهي ذات النطاقين، المتوفاة في مكة في جماد الأولى سنة ثلاث وسبعين بعد قتل ابنها عبد الله بن الزبير، وقد بلغت المئة ولم يسقط لها سِنٌّ ولم يتغيَّر لها عقل، أنَّها ((قال: أتيت عائشة)) بالنصب مفعول، ومنع التنوين منه؛ لأنَّه غير منصرف؛ للعلمية والتأنيث، أم المؤمنين رضي الله عنها.

((وهي تصلي)) جملة اسمية وقعت حالًا من عائشة، ((فقلتُ)) لها: ((ما شأن الناس)) قائمين فزعين، ((فأشارت)) عائشة ((إلى السماء)) تعني: انكسفت الشمس، ((فإذا الناس)) ؛ أي: بعضهم، ((قيام)) لصلاة الكسوف، و (إذا) للمفاجأة، وما بعده مبتدأ وخبر، ((فقالت)) ؛ أي: عائشة: ((سبحان الله)) مفعول مطلق التُزِمَ إضمارُ فعله، تقديره: أُسَبِّحُ الله سبحان؛ أي: تسبيحًا، معناه: أنزِّهُه.

((قلت: آية؟)) بهمزة الاستفهام وحذفها، خبرٌ لمبتدأ محذوف؛ أي: أهي آية؛ أي: علامة لعذاب الناس كأنَّها مقدمة له، قال تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} [الإسراء: 59] ، أو علامة لقرب زمان القيامة، ((فأشارت)) عائشة ((برأسها؛ أي: نعم)) تفسير لقوله: (إشارة) .

وقال أهل الهيئة: إنَّ الكسوف سببه حيلولة القمر بينها وبين الأرض، فلا يرى حينئذٍ إلَّا لون القمر، وهو كَمِدٌ لا نورَ له، وذاك لا يكون إلَّا في آخر الشهر عند كون النيِّرين في إحدى عقدتي الرأس والذنب، وله آثار في الأرض، وهذا إن كان غرضهم أنَّ الله تعالى أجرى سُنَنَه بذلك كما أَجرى باحتراق الحطب اليابس عند مساس النار، فلا بأس به، وإن كان غرضهم أنَّه واجب عقلًا وله تأثيرٌ بحسب ذاته؛ فهو باطل؛ لما عُلم أنَّ جميع الحوادث مسندَةٌ إلى إرادة الله ولا مؤثِّر في الوجود إلَّا الله تعالى.

قالت أسماء: ((فقمت)) في الصلاة، ((حتى)) إلى أن ((علاني)) ؛ بالعين المهملة وتخفيف اللام، من علوت الرجل غلبتُه، وفي رواية: (تجلَّاني) ؛ بالفوقية والجيم وتشديد اللام؛ أي: علاني؛ أي: غلبني، ((الغَشي)) ؛ بفتح المعجمة الأولى وسكون الثانية، آخره مثناة خفيفة، وبكسر الشين المعجمة وتشديد الياء أيضًا، بمعنى: الغشاوة، وهي الغطاء.

وفي الأصل: تحرك الخلط الصفراوي يصعد بخاره للدماغ بسبب الحركة، وهنا بطول القيام، والمراد به هنا الحالة الغريبة القريبة منه، فأطلقت (الغشي) عليها مجازًا، ولهذا قالت: ((فجعلتُ)) من الأفعال الناقصة، و (التاء) اسمه، وقوله: (أصبُّ على رأسي الماء) جملة من الفعل والفاعل المستتر والمفعول: محلُّها النصب خبر (جعل) ، وإنَّما صبَّتْ في تلك الحالة الماء البارد؛ لأنَّه يُطفئ حرارة البخار، ويُسكِن تهيُّج الصفراء، ويجلو البصر.

((فحمِد الله)) عزَّ وجلَّ ((النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) ؛ أي: قال: الحمد لله، ((وأثنى عليه)) بأن شكره وذكره بصفات الكمال، فهو من عطف العام على الخاص، ((ثم قال)) عليه السلام، ((ما)) نافية، ((مِن)) زائدة للتأكيد، ((شيء)) اسم (ما) ، ((لم أكن)) جملةٌ محلُّها رفع صفة لـ (شيء) ، ((أُريته)) ؛ بضم الهمزة، جملةٌ محلُّها النصب خبر (لم أكن) ، ولا يصحُّ جعلها حالًا خلافًا لمن زعمه.

((إلَّا رأيتُه)) استثناء مفرَّغ، فتُلغى فيه (إلَّا) من حيث العمل لا من حيث المعنى؛ أي: رؤيته عين حقيقة؛ بأنْ كُشف له وأُزيلت الحجب عنه، فرأى ربَّه عزَّ وجلَّ بلا كيف ولا كيفيَّة؛ لأنَّه ممَّا لم يمنعه العقل، وكذا كلُّ شيء يصحُّ شرعًا رؤيته، حال كوني، ((في مَقامي)) ؛ بفتح الميم الأولى وكسر الثانية؛ أي: مكاني، زاد في رواية: (هذا) خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو هذا، ويؤوَّل بالمشار إليه.

((حتى الجنة والنار)) يجوزُ فيهما الرفع، والنصب، والجرُّ، أمَّا الرفع؛ فعلى أنَّ (حتى) ابتدائية، و (الجنة) مبتدأ محذوف الخبر، و (النار) عطفٌ عليه؛ أي: حتى الجنة مرئية، وأمَّا النصب؛ فعلى أن تكون (حتى) عاطفة عطفت (الجنة) على الضمير المنصوب في (رأيته) ، وأمَّا الجر؛ فعلى أن تكون (حتى) جارَّة فرآهما حقيقةً أو صُوِّرتا له في الحائط كما يتمثَّل المرئيات في المرآة، ويدلُّ له ما في المؤلف في (الكسوف) : فقال عليه السلام: «الجنة والنار ممثلين في قبلة هذا الجدار»، وفي «مسلم»: «إنِّي صُوِّرتْ لي الجنة والنار، فرأيتُهما دون [1] هذا الحائط»، وتمامه في «عمدةالقاري».

[/ص55/] ((فأُوحي)) ؛ بضمِّ الهمزة على صيغة المجهول ((إليَّ: أنَّكم)) ؛ بفتح الهمزة: مفعول (أوحي) نائب عن الفاعل ((تُفتنون)) جملة محلُّها الرفع خبر (أنَّ) ؛ أي: تُمتحنون وتُختبرون ((في قبوركم)) وهو دليل على ثبوت عذاب القبر، ((مثلَ أو قريبًا)) ؛ بحذف التنوين في الأول وإثباته في الثاني، وفي رواية: بحذفه فيهما مع حذف الألف، وفي أخرى: بإثباته فيهما مع ثبوت الألف.

((لا أدري أيُّ ذلك)) لفظ (مثل أو قريبًا) ، ((قالت أسماء؟)) ، و (أيُّ) مرفوع على الابتداء، خبرُه قوله: (قالت أسماء) ، وضميرُ المفعول محذوف؛ أي: قالته، ويجوز أن تكون (أي) استفهاميَّة وموصولة، فإن كانت استفهاميَّة؛ يكون فعل الدراية معلقًا بالاستفهام؛ لأنَّه من أفعال القلوب، ويجوز أن تكون (أي) مبنيَّة على الضم مبتدأ حذف صدر صلتها؛ تقديره: لا أدري أي ذلك هو قالته، وإن كانت موصولة؛ تكون (أي) منصوبة إمَّا مفعول لـ (أدري) أو بـ (قالت) سواء كانت موصولة أو استفهاميَّة، وتمامه في «عمدة القاري».

((من فتنة المسيح)) ؛ بالحاء المهملة، إنَّما سُمِّي مسيحًا؛ لأنَّه يمسح الأرض، أو لأنَّه ممسوح إحدى العينين، وفرَّق بعضهم بينه وبين عيسى ابن مريم بأن يقال فيه: المسِّيح كـ (سكِّيت) ؛ بتشديد السين المهملة؛ لأنَّه مُسح خلقه؛ أي: شوِّه، ويقال لعيسى: مسيح؛ بالتخفيف، وقال آخرون: يقال له: بالخاء المعجمة؛ لأنَّه خلق خلقًا ملعونًا، وبالمهملة لعيسى؛ لأنَّه خلق خلقًا حسنًا.

((الدَّجَّال)) ؛ بتشديد المعجمة، (فَعَّال) من الدَّجَل؛ وهو الكذب وخلط الحقِّ بالباطل، وتقدير الرواية الأولى: مثل فتنة الدجال أو قريبًا من فتنة الدجال، فحذف ما كان (مثل) مضافًا إليه وترك على هيئته قبل الحذف، وجاز الحذف؛ لدلالة ما بعدَه.

وأمَّا وجه الثانية: فهو أن يكون (مثل) أو (قريب) كلاهما مضافان إلى (فتنة المسيح) ، ويكون قوله: (لا أدري أيُّ ذلك قالت أسماء؟) معترضة بين المضاف والمضاف إليه، مؤكِّدة لمعنى الشك المستفاد من كلمة (أو) .

وأمَّا وجه الثالثة: فهو أن يكون (مِثلًا) منصوبًا على أنه صفة لمصدر محذوف، و (أو قريبًا) عطفًا عليه، والتقدير: تُفتنون في قبوركم فتنةً مِثلًا -أي: مماثلًا- من فتنة المسيح الدجَّال أو فتنةً قريبًا من فتنة المسيح الدجال، وتمامه في «عمدة القاري».

((يقال)) للمفتون: ((ما علمك)) مبتدأ وخبر، والجملة مقول القول، وإنَّما عُدِل عن خطاب الجمع إلى المفرد؛ لأنَّ السؤال عن العلم يكون لكلِّ واحد بانفراده واستقلاله، وتمامه في «عمدة القاري».

((بهذا الرجل)) عليه السلام، ولم يقل: بي؛ لأنَّه حكاية عن قول الملكين السائلين المسمِّيَيْن بمنكر ونكير، ولم يقولا [2] له: رسول الله؛ لئلَّا يلقَّنَ منهما إكرامَ الرسول، فيُعظِّمُه تقليدًا لهما لا اعتقادًا، ((فأمَّا)) للتفصيل وفيه معنى الشرط فلذا دخلت الفاء في جوابها، ((المؤمن أو الموقن)) ؛ أي: المصدِّق بنبوة النبي الأعظم عليه السلام، ((لا أدري بأيهما)) ، وفي رواية: (أيُّهما المؤمن أو الموقن) ، ((قالت أسماء)) الشك من فاطمة بنت المنذر، ((فيقول)) جواب (أمَّا) ؛ أي: المقبور المفتون: (هو محمَّد) مبتدأٌ وخبر، ((هو رسول الله)) مبتدأٌ وخبر، هو ((جاءنا)) جملة من الفعل والفاعل والمفعول، خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو جاءنا ((بالبينات)) ؛ أي: المعجزات الدالة على نبوته ((والهدى)) ؛ أي: الدلالة الموصلة إلى البغية، ((فأجبنا)) ؛ أي: قبلنا نبوَّته معتقدين حقيتها معترفين بها، ((واتَّبعنا)) فيما جاء به إلينا، أو الإجابة تتعلق بالعلم والاتباع بالعمل، وفي رواية: زيادة الهاء في آخرهما، وحذف ضمير المفعول من الأولى للعلم به، ((هو محمد)) ، وفي رواية: (وهو محمد صلى الله عليه وسلم) .

((ثلاثًا)) منصوب على أنَّه صفة لمصدر محذوف؛ أي: يقول المؤمن: هو محمَّد قولًا ثلاثًا؛ أي: ثلاث مرات، ولفظ (ثلاثًا) ذُكر للتأكيد، فلا يكون المقول إلَّا ثلاث مرات، فاندفع أن يقال: يلزم أن يكون (هو محمد) مقولًا تسع مرَّات؛ فافهم.

((فيقال)) له: ((نَمْ)) فعل أمر، حال كونك، ((صالحًا)) ؛ أي: منتفِعًا بإيمانك وعملك، ((قد علمنا إنْ)) ؛ بكسر الهمزة؛ أي: الشأن، ((كنت لموقنًا به)) ؛ أي: إنَّك موقنٌ به، و (اللام) هي الفارقة بين المخففة والنافية عند البصريين، وقال الكوفيُّون: (إنْ) بمعنى (ما) ، و (اللام) بمعنى (إلَّا) ، كقوله تعالى: {إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} [الطارق: 4] ؛ أي: ما كل نفس إلَّا عليها حافظ، ويكون التقدير هنا: ما كنت إلَّا موقنًا، وحكى السفاقسي بفتح الهمزة على جعلها مصدريَّة؛ أي: علمنا كونك موقنًا به، بناءً على أنَّ (اللام) اجتُلبتْ للفرق، لا للابتداء.

((وأمَّا المنافق)) ؛ أي: غير المصدق بقلبه لنبوَّته، ((أو المرتاب)) ؛ أي: الشاكُّ، وأصله: مرتيب؛ بفتح المثناة التحتية في المفعول وكسرها في الفاعل من الريب، قالت فاطمة: ((لا أدري أيُّ ذلك قالت أسماء)) رضي الله عنها، ((فيقول)) (الفاء) في جواب (أمَّا) ؛ أي: المفتون: ((لا أدري، سمعتُ الناسَ)) حالَ كونهم ((يقولون شيئًا فقلتُه)) ؛ أي: قلت ما كان الناس يقولونه، وفي رواية: وذكر الحديث بتمامه؛ وهو أنَّه يقال له: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطارق من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين، نسأل الله العافية.

وفي الحديث دليل على أنَّ الجنة والنار مخلوقتان، وسأل اليهود عمر عن قوله تعالى [3] : {جَنَّةٍ عَرْضُهَا} الآية [آل عمران: 133] : وأين تكون النار، فقال لهم عمر: أرأيتُم إذا جاء الليل فأين يكون النهار، فقالوا له: لقد نزعت ممَّا في التوراة، وفيه سؤال منكر ونكير، وخروج الدجَّال، وسُنِّيَّة صلاة الكسوف، وحضور النساء الجماعات، وجواز السؤال من المصلي.

وفيه دليل على امتناع الكلام في الصلاة ولو كلمة، وهو مذهب إمامنا الإمام الأعظم وأتباعهرضي الله عنه، وفيه جواز الإشارة ولا كراهة فيها إذا كانت لحاجة، وهو مذهبنا أيضًا، وجواز العمل اليسير في الصلاة وأنَّه لا يبطلها، وهو مذهبنا، وأنَّ الغشي لا ينقض الوضوء ما دام العقل والفهم باقيًا، وهو مذهبنا، وأمَّا صبُّ الماء؛ فالمراد به بعمل قليل؛ بحيث لا يعدُّه الناظر كثيرًا، وإلَّا لفسدت الصلاة، والله أعلم.

[1] في الأصل: (بدور) تبعًا لـ«عمدة القاري».
[2] في الأصل: (يقولان) .
[3] زيد في الأصل: (في) .