متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

83- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ، ابن أخت الإمام مالكٍ، (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ)؛ هو ابن أنسٍ الإمام، (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، (عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا، القرشيِّ التَّيميِّ التَّابعيِّ، المُتوفَّى سنة مئةٍ، (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي) بإثبات الياء بعد الصَّاد على الأفصح: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) بفتح الواو، اسمٌ من ودَّع، والفتح في حاء «حَجَّة»: هو الرِّواية، ويجوز كسرها؛ أي: حال وقوفه (بِمِنًى) بالصَّرف وعدمه (لِلنَّاسِ) حال كونهم (يَسْأَلُونَهُ) عليه الصلاة والسلام، فهو حالٌ من ضمير «وقف»، ويحتمل أن يكون من «النَّاس»؛ أي: وقف لهم حال كونهم سائلين منه، ويجوز أن يكون استئنافًا بيانيًّا [1] لعلَّة الوقوف، (فَجَاءَهُ رَجُلٌ)، قال في «الفتح»: لم أعرف اسمه، وفي رواية الأَصيليِّ: ((فجاء رجلٌ))، (فَقَالَ): يا رسول الله؛ (لَمْ أَشْعُرْ)؛ بضم العين؛ أي: لم أفطن، (فَحَلَقْتُ) رأسي (قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ) الهديَ، (فَقَالَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم، وللأَصيليِّ وابن عساكر: ((قال)) [2] : (اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ)؛ أي: ولا إثمَ عليك، (فَجَاءَ آخَرُ) غيره (فَقَالَ): يا رسول الله؛ (لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ) هديي (قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ) الجمرة، (قَالَ) عليه الصلاة والسلام، وفي رواية أبي ذَرٍّ [3] : ((فقال)): (ارْمِ) الجمرة (وَلَا حَرَجَ) عليك في ذلك، (فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ شَيْءٍ) من أعمال يوم العيد: الرَّمي والنَّحر والحلق والطَّواف، (قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ)؛ بضمِّ أوَّلهما على صيغة المجهول، وفي الأوَّل حذفٌ؛ أي: لا قُدِّم ولا أُخِّر؛ لأنَّها لا تكون في الماضي إلَّا مُكرَّرةً على الفصيح، وحَسُنَ ذلك هنا أنَّه في سياق النَّفيِ؛ كما في قوله تعالى: {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بي وَلَا بِكُمْ} [الأحقاف: 9] ، ولمسلمٍ: ما سُئِلَ عن شيءٍ قُدِّمَ أو أُخِّر [4] (إِلَّا قَالَ) عليه الصلاة والسلام للسَّائل [5] : (افْعَلْ) ذلك كما فعلته قبل، أو متى شئت، (وَلَا حَرَجَ) عليك [/ج1ص181/] مُطلَقًا، لا في التَّرتيب ولا في ترك الفدية، وهذا مذهب إمامنا الشَّافعيِّ، وأحمد، وعطاءٍ، وطاووسٍ، ومجاهدٍ، وقال مالكٌ وأبو حنيفةَ: التَّرتيب واجبٌ يُجبَر بدمٍ؛ لِمَا رُوي عن [6] ابن عبَّاسٍ أنَّه قال: مَنْ قدَّم شيئًا في حجِّه أو أخَّره؛ فليهرقْ لذلك دمًا، وتأوَّلوا الحديث؛ أي: لا إثم عليكم فيما فعلتموه من هذا؛ لأنَّكم [7] فعلتموه على الجهل منكم لا على القصد، فأسقط عنهمُ الحرج وأعذرهم؛ لأجل النِّسيان وعدم العلم، ويدلُّ له قول السَّائل: «لم أشعر»، ويؤيِّده: أنَّ في رواية عليٍّ عند الطَّحاويِّ بإسنادٍ صحيحٍ بلفظ: رميت وحلقت ونسيت أن أنحر.

وفي الحديث: جواز سؤال العالِم راكبًا وماشيًا وواقفًا، وعلى كلِّ حالٍ، ولا يُعارَض هذا بما رُوِيَ عن مالكٍ من كراهة ذكر العلم والسُّؤال عن الحديث في الطَّريق؛ لأنَّ الموقف بمنًى لا يُعدُّ من الطُّرقات؛ لأنَّه موقفُ سنَّةٍ وعبادةٍ وذكرٍ، ووقت حاجةٍ إلى التَّعلُّم خوف الفوات؛ إمَّا بالزَّمان أو بالمكان.

[1] في (س) و(م): «بيانًا».
[2] «وللأصيليِّ وابن عساكر قال»: مثبتٌ من (س).
[3] «أبي ذَرٍّ»: سقط من (ص).
[4] في (ص): «ولا أخرى»، وهو خطأٌ.
[5] «للسَّائل»: سقط من (ص).
[6] «عن»: سقط من غير (م).
[7] في (ص): «هذه إلَّا أنكم».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

83-. حدَّثنا إِسْماعِيلُ، قالَ: حدَّثني مالِكٌ، عن ابْنِ شِهابٍ، عن عِيسَىَ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَداعِ بِمِنًىَ لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ، فَجاءَهُ [1] رَجُلٌ فقالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ. فقالَ [2] : «اذْبَحْ وَلا حَرَجَ». فَجاءَ آخَرُ فقالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ. قالَ [3] : «ارْمِ وَلا حَرَجَ». فَما سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن شَيْءٍ قُدِّمَ وَلا أُخِّرَ إِلَّا قالَ: «افْعَلْ وَلا حَرَجَ».

[1] في رواية الأصيلي: «فجاء».
[2] في رواية الأصيلي وابن عساكر و [عط] : «قال».
[3] في رواية أبي ذر: «فقال».





83- ( ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي ) بإثبات الياء على الأصح.


لا تتوفر معاينة

83- قوله: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ): [تقدَّم أنَّه ابن أبي أويس ابن أخت مالك الإمام مرارًا، وقدَّمت أنَّ أبا أويس اسمه عبد الله.

قوله: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ)] [1] : تقدَّم أنَّه الزُّهريُّ مرارًا، وأنَّه أبو بكر محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب.

قوله: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ): كذا في أصلنا بغير ياء، وقد تقدَّم أنَّ النَّوويُّ قال: (إنَّ الصَّحيح في «العاصي» و«ابن أبي الموالي» و«ابن الهادي» و«اليماني» إثباتُ الياء) ، وتُذكَر هنا زيادةٌ؛ لأنَّه وقع هنا منسوبًا إلى (العاصي) ؛ وهو أنَّ أبا عمرو بن الصَّلاح قال في الكلام على المسلسل بالأوَّلية الذي أفرده بالتأليف -وقد روِّيته من طريقه وبيني وبينه فيه شخصان وهذا عالٍ- ما لفظه: (العاصي: يقوله كثير من أهل الضَّبط في حالة الوصل بالياء، جريًا على الجادَّة، والمتداول والمشهور حذف الياء، وهو أشكل [2] على من استطرف من العربية ولم يُوغِلْ، وربَّما أنكروه، ولا وجه لإنكاره، فإنَّه لغة لبعض العرب، شُبِّه فيها ما فيه الألف واللَّام بالمنوَّن؛ لما بينهما من التعاقب، وبها قرأ عدَّة من القرَّاء السبعة؛ كما في قوله تعالى: {الكَبِيرُ المُتَعَالِ} [الرعد: 9] وشبهه، والله أعلم) انتهى، وقد تقدَّم كلام النَّوويِّ أعلاه.

وقد [3] أثبت الياء في {المتعالي} في الحالين ابنُ كثير، وحذفها فيهما الباقون.

قوله: (بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ): وذكر في موضع آخر: (أنَّ ذاك حال خطبته يوم النحر) ، وفي موضع آخر [4] : (رأيته عند الجمرة) ، فيحتمل -والله أعلم- أن تكون الواقعة واحدة؛ لأنَّ الجمرة والخطبة كلاهما بمنًى، وأنَّ تكون متعدِّدة بأن يكون السؤال وقع مرَّة في منًى، ومرَّة في الخطبة، ومرَّة عند الجمرة، وفي موضع آخر من حديث ابن عبَّاس رَضِيَ الله عنهما: (رميت بعدما أمسيت) ، وهو دالٌّ على التعدُّد، والله أعلم.

قوله: (فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ): هذا الرجل لا أعلم أحدًا سمَّاه، والله أعلم.

قوله: (لَمْ أَشْعُرْ): أي: لَمْ أعلم.

قوله: (وَلاَ حَرَجَ): أي: لا إثم عليك فيما فعلت.

قوله: (قُدِّمَ وَلاَ أُخِّرَ): هما مبنيَّان لما لَمْ يسمَّ فاعلهما.

[1] ما بين معقوفين ليس في (ب) .
[2] في (ج): (يشكل) .
[3] كتب في هامش (أ): (مطلب: لم تثبت الياء في {المتعال}وحُذِفت) .
[4] (آخر): ليس في (ب) .





83- (يَسْأَلُونَهُ): إمَّا حالٌ من فاعل (وقف) ؛ أي: وقف رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم مسؤولًا، وإمَّا من (النَّاس) ؛ أي: وقف لهم سائلينَ عنه، وإمَّا استئنافٌ؛ بيانًا لعلَّةِ الوقوف.

(قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ): لا بُدَّ فيه من تقدير (لا) في الأوَّل؛ لأنَّ الكلامَ الفصيحَ قلَّما تقعُ (لا) الدَّاخلةُ على الماضي فيه إلَّا مكررةً، وحسُنَ ذلك هنا؛ لأنَّه وقعَ في سياقِ النَّفي، ونظيرُه قولُه تعالى: {وَمَا [1] أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُم} [الأحقاف: 9] ، وفي «مسلم»: (مَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ أَوْ أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: افْعَلْ وَلَا حَرَجَ).

(وَلَا حَرَجَ): خبرُ (لَا) محذوفٌ؛ أي: لا حرجَ عليك.[/ص25/]

وقال الزَّركشيُّ: (قولُه: «وَلَا حَرَجَ» فيه حذفُ خبرِ «لَا» للعلمِ به؛ كقوله تعالى: {لَا ضَيرَ} [الشعراء: 50] .

[1] في النسختين: (ما).





83- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ، ابن أخت الإمام مالكٍ، (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ)؛ هو ابن أنسٍ الإمام، (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، (عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا، القرشيِّ التَّيميِّ التَّابعيِّ، المُتوفَّى سنة مئةٍ، (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي) بإثبات الياء بعد الصَّاد على الأفصح: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) بفتح الواو، اسمٌ من ودَّع، والفتح في حاء «حَجَّة»: هو الرِّواية، ويجوز كسرها؛ أي: حال وقوفه (بِمِنًى) بالصَّرف وعدمه (لِلنَّاسِ) حال كونهم (يَسْأَلُونَهُ) عليه الصلاة والسلام، فهو حالٌ من ضمير «وقف»، ويحتمل أن يكون من «النَّاس»؛ أي: وقف لهم حال كونهم سائلين منه، ويجوز أن يكون استئنافًا بيانيًّا [1] لعلَّة الوقوف، (فَجَاءَهُ رَجُلٌ)، قال في «الفتح»: لم أعرف اسمه، وفي رواية الأَصيليِّ: ((فجاء رجلٌ))، (فَقَالَ): يا رسول الله؛ (لَمْ أَشْعُرْ)؛ بضم العين؛ أي: لم أفطن، (فَحَلَقْتُ) رأسي (قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ) الهديَ، (فَقَالَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم، وللأَصيليِّ وابن عساكر: ((قال)) [2] : (اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ)؛ أي: ولا إثمَ عليك، (فَجَاءَ آخَرُ) غيره (فَقَالَ): يا رسول الله؛ (لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ) هديي (قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ) الجمرة، (قَالَ) عليه الصلاة والسلام، وفي رواية أبي ذَرٍّ [3] : ((فقال)): (ارْمِ) الجمرة (وَلَا حَرَجَ) عليك في ذلك، (فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ شَيْءٍ) من أعمال يوم العيد: الرَّمي والنَّحر والحلق والطَّواف، (قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ)؛ بضمِّ أوَّلهما على صيغة المجهول، وفي الأوَّل حذفٌ؛ أي: لا قُدِّم ولا أُخِّر؛ لأنَّها لا تكون في الماضي إلَّا مُكرَّرةً على الفصيح، وحَسُنَ ذلك هنا أنَّه في سياق النَّفيِ؛ كما في قوله تعالى: {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بي وَلَا بِكُمْ} [الأحقاف: 9] ، ولمسلمٍ: ما سُئِلَ عن شيءٍ قُدِّمَ أو أُخِّر [4] (إِلَّا قَالَ) عليه الصلاة والسلام للسَّائل [5] : (افْعَلْ) ذلك كما فعلته قبل، أو متى شئت، (وَلَا حَرَجَ) عليك [/ج1ص181/] مُطلَقًا، لا في التَّرتيب ولا في ترك الفدية، وهذا مذهب إمامنا الشَّافعيِّ، وأحمد، وعطاءٍ، وطاووسٍ، ومجاهدٍ، وقال مالكٌ وأبو حنيفةَ: التَّرتيب واجبٌ يُجبَر بدمٍ؛ لِمَا رُوي عن [6] ابن عبَّاسٍ أنَّه قال: مَنْ قدَّم شيئًا في حجِّه أو أخَّره؛ فليهرقْ لذلك دمًا، وتأوَّلوا الحديث؛ أي: لا إثم عليكم فيما فعلتموه من هذا؛ لأنَّكم [7] فعلتموه على الجهل منكم لا على القصد، فأسقط عنهمُ الحرج وأعذرهم؛ لأجل النِّسيان وعدم العلم، ويدلُّ له قول السَّائل: «لم أشعر»، ويؤيِّده: أنَّ في رواية عليٍّ عند الطَّحاويِّ بإسنادٍ صحيحٍ بلفظ: رميت وحلقت ونسيت أن أنحر.

وفي الحديث: جواز سؤال العالِم راكبًا وماشيًا وواقفًا، وعلى كلِّ حالٍ، ولا يُعارَض هذا بما رُوِيَ عن مالكٍ من كراهة ذكر العلم والسُّؤال عن الحديث في الطَّريق؛ لأنَّ الموقف بمنًى لا يُعدُّ من الطُّرقات؛ لأنَّه موقفُ سنَّةٍ وعبادةٍ وذكرٍ، ووقت حاجةٍ إلى التَّعلُّم خوف الفوات؛ إمَّا بالزَّمان أو بالمكان.

[1] في (س) و(م): «بيانًا».
[2] «وللأصيليِّ وابن عساكر قال»: مثبتٌ من (س).
[3] «أبي ذَرٍّ»: سقط من (ص).
[4] في (ص): «ولا أخرى»، وهو خطأٌ.
[5] «للسَّائل»: سقط من (ص).
[6] «عن»: سقط من غير (م).
[7] في (ص): «هذه إلَّا أنكم».





83- ( وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ) زاد في الحجِّ: «على ناقته». [خ:1738] [/ج1ص250/]


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

83- وبه قال: ((حدثنا إسماعيل)) بن أبي أويس ابن أخت مالك، ((قال: حدثني)) بالإفراد، ((مالك)) بن أنس الإمام، ((عن ابن شهاب)) محمد بن مسلم الزهري، ((عن عيسى بن طلحة بن عُبيد الله)) ؛ بالتصغير؛ بضم العين: القرشي التيمي التابعي، المتوفى سنة مئة.

((عن عبد الله بن عمرو بن العاصي)) الجمهورُ على كتابته بالمثناة آخره، وهو الفصيح، والأعياص جمع عِيص؛ بكسر العين المهملة: الشجر الكثير الملتفُّ، والأعياص مِن قريش أولاد أُميَّة بن عبد شمس الأكبر؛ وهم أربعة: العاصي، وأبو العاصي، والعيص، وأبو العيص، والعيصان من معادن بلاد العرب.

((أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف)) جملةٌ محلُّها الرفع خبر (أنَّ) ، ((في حِجة)) ؛ بكسر الحاء المهملة وفتحها، والمعروف من الرواية الفتح، ((الوَداع)) ؛ بفتح الواو، اسم: التوديع، ولا يجوز الكسر، خلافًا لما زعمه بعضهم، ((بمنى)) في محلِّ نصب على الحال، وهي قرية قرب مكة، يُذبح فيها الهدايا، وتُرمى فيها الجمرات، وهو مقصور بالصرف وعدمه، والأول أحسن كما تقدم.

((للناس)) حال كونهم، ((يسألونه)) عليه السلام، فهو حال من ضمير وقف، ويَحتمل أن يكون من الناس؛ أي: وقف لهم حال كونهم سائلين منه، ويجوز أن يكون استئنافًا بيانيًا لعِلَّة الوقوف، كذا قرَّره في «عمدة القاري».

((فجاءه رجل)) قيل: لم يُعرف اسمه، وفي رواية: (فجاء رجل) ، ((فقال)) : يا رسول الله، ((لم أشعُر)) ؛ بضم العين؛ أي: لم أعلم؛ أي: لم أفطنه، ((فحلقت)) رأسي، و (الفاء) سببية، ((قبل أن أذبح)) ؛ أي: الهدي، ((فقال)) رسول الله عليه السلام، ((اذبح)) هديك، ((ولا حرج)) ؛ أي: ولا إثم عليك.

((فجاء آخر)) ؛ أي: رجل غير الأول، ((فقال)) : يا رسول الله، ((لم أشعُر)) ؛ بضم العين؛ أي: لم أفطن، ((فنحرت)) هديي، من النحر في اللبة، مثل الذبح في الحلق، والفاء سببية أيضًا، كأنَّه جعل الحلق والنحر كلًّا منهما سببًا عن عدم شعوره، وكأنَّه يعتذر لتقصيره، ((قبل أن أرمي)) الجمرة، (أنْ) مصدريَّة: أي: قبل الرمي. ((قال)) عليه السلام، وفي رواية: (فقال) : ((ارمِ)) الجمرة، ((ولا حرج)) ، فـ (لا) لنفي الجنس، و (حرج) اسمُها مبنيٌّ على الفتح، وخبرُها محذوف تقديرُه: لا حرج عليك.

((فما سُئل)) ؛ بصيغة المجهول، ((النبيُّ)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم عن شيء)) من أعمال يوم العيد؛ من الرمي، والنحر، والحلق، والطواف، ((قُدِّمَ ولا أُخِّر)) ؛ بضم أوَّلهما على صيغة المجهول، وفي الأول حذف؛ أي: لا قُدِّم ولا أُخِّر؛ لأنَّها لا تكون في الماضي إلَّا مكررة على الفصيح، وحسُن ذلك هنا؛ لأنَّه وقع في سياق النفي، وتمامه في «عمدة القاري».

((إلَّا قال)) عليه السلام للسائل: ((افعل)) ذلك كما فعلتَه قبلُ أو متى شئت، ((ولا حرج)) عليك، ولا إثم عليكم فيما فعلتموه من هذا؛ لأنَّكم فعلتموه على الجهل منكم لا على القصد منكم خلاف السُّنَّة، وكانت السُّنَّة خلاف هذا، وأسقط عنهم الحرج وأعذرهم؛ لأجل النسيان وعدم العلم، والدليل عليه قول السائل: (فلم أشعر) .

وجاء ذلك مصرَّحًا في حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أخرجه الحافظ الطحاوي بإسناد صحيح: أنَّ رسول الله عليه السلام سأله رجل في حجته فقال: إنِّي رميت وأفضت ونسيت فلم أحلق، قال: «فاحلق ولا حرج»، ثم جاء رجل آخر فقال: إنِّي رميت وحلقت ونسيت أن أنحر، فقال: «انحر ولا حرج»، فدلَّ ذلك أنَّ الحرج الذي رفعه الله عنهم إنَّما كان لأجل النسيان والجهل بأمر المناسك؛ لأنَّ السائلين كانوا ناسًا أعرابًا لا عِلم لهم بالمناسك، فأجابهم عليه السلام بقوله: «لا حرج»؛ يعني: فيما فعلتم بالنسيان وبالجهل، فإنَّه أباح لهم ذلك فيما بعدُ.

وممَّا يؤيِّد هذا قولُ حبْر الأُمَّة ابن عباس رضي الله عنهما: مَن قدَّم شيئًا من حجه أو أخَّره؛ فليُهرق لذلك دمًا، والحال أنَّه أحد رواة الحديث المذكور، فلو لم يكن معنى الحديث عنده على ما ذكرنا؛ لما قال بخلافه، والدليل على هذا ما رواه أبو سعيد الخدري كما أخرجه الحافظ الطحاوي، قال: سُئل رسول الله عليه السلام وهو بين الجمرتين عن رجل حلق قبل أن يرميَ، قال: «لا حرج»،[/ص54/] وعن رجل ذبح قبل أن يرميَ، قال: «لا حرج»، ثم قال: «عباد الله؛ وضع الله عنكم الحرج والضيق، فتعلَّموا مناسككم؛ فإنَّها من دينكم».

قال الحافظ الطحاوي: أفلا يرى إلى أنَّه أمرهم بتعلُّم مناسكهم؛ لأنَّهم كانوا لا يُحسنونها، فدل ذلك على أنَّ الحرج الذي رفعه الله عنهم هو لجهلهم بأمر المناسك لا لغير ذلك، فعلم ما قرَّرناه: أنَّ الترتيب في أعمال الحج واجبٌ يتعلَّق الدمُ بتركه، وهذا مذهب إمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم التابعي الجليل، والإمام مالك، وابن جُبير، والحسن، والنَّخَعي، وقتادة وغيرهم، فلو حلق قبل أن يذبح؛ فعليه دمٌ، وإن كان قارنًا؛ فعليه دمان عندنا.

وقال الإمام زفر: إذا حلق قبل أن ينحر؛ فعليه ثلاثة دماء؛ دمان [1] للقِران، ودم للحلق قبل النحر، وقال الإمام أبو يوسف والإمام محمد: عليه دمٌ واحد، وقال الإمام الشافعي وأحمد ابن حنبل: الترتيب في الأعمال المذكورة في الحديث سُنَّة، فلا شيء بتركه، واستدلا بالحديث المذكور، وقالا: معنى قوله: «لا حرج»؛ أي: لا شيء عليك مطلقًا من الإثم، لا في الترتيب، ولا في ترك الفدية، ولا حجة لهما في الحديث؛ لما علمتَ أنَّه أسقط الحرج للنسيان وعدم العلم، ولعله لم يبلغهما الأحاديث الواردة في ذلك؛ فتأمَّل.

وفي الحديث جواز سؤال العالم راكبًا، وماشيًا، وواقفًا، وجواز الجلوس على الدابة وهي واقفة للحاجة، والله أعلم.

[1] في الأصل (دمين) والصواب أنها بدل من (ثلاثة) المبتدأ.