متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

79- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ)؛ بالمُهمَلَة والمدِّ، المُكنَّى بأبي كُرَيْبٍ؛ بضمِّ الكاف، مُصغَّر «كربٍ»؛ بالمُوحَّدة، وشهرته بكنيته أكثر من اسمه، المُتوفَّى سنة ثمانٍ وأربعين ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ)؛ بضمِّ الهمزة، ابن زيدٍ [1] ، الهاشميُّ، القرشيُّ، الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة إحدى ومئتين، وهو ابن ثمانين سنةً فيما قِيلَ، (عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بضمِّ المُوحَّدة، وفتح الرَّاء، وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، آخره دالٌ مُهملَةٌ، (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ)؛ بضمِّ المُوحَّدة، وإسكان الرَّاء، ابن أبي موسى الأشعريِّ، (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ رضي الله عنه، ولم يَقُلْ: «عن أبيه» بدل قوله: «عن أبي موسى»؛ تفنُّنًا في العبارة، (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَثَلُ) بفتح الميم والمُثلَّثة (مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ)، وللأَصيليِّ: ((ما بعثني به الله)) [2] (مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ)؛ بالجرِّ عطفًا على «الهدى»؛ من: عطف المدلول على الدَّليل؛ لأنَّ «الهدى»: هو الدَّلالة الموصلة للمقصد، و«العلم»: هو المدلول، وهو صفةٌ توجب تمييزًا لا يحتمل النَّقيض، والمُرَاد به هنا: الأدلَّة الشَّرعيَّة؛ (كَمَثَلِ) بفتح الميم والمُثلَّثة (الْغَيْثِ): المطر (الْكَثِيرِ أَصَابَ) [/ج1ص177/] الغيث (أَرْضًا)؛ الجملة من الفعل والفاعل والمفعول في موضع نصبٍ على الحال بتقدير: قد، (فَكَانَ مِنْهَا)؛ أي: من الأرضِ أرضٌ (نَقِيَّةٌ)؛ بنونٍ مفتوحة، وقاف مكسورةٍ، ومُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مُشدَّدةٍ؛ أي: طيِّبةٌ، (قَبِلَتِ الْمَاءَ) بفتح القاف، وكسر المُوحَّدة؛ مِنَ: القبول (فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ)؛ بفتح الكاف واللَّام آخره همزة [3] ، مقصورٌ؛ النَّبات يابسًا ورطبًا، (وَالْعُشْبَ) الرَّطب منه، وهو نصبٌ عطفًا على المفعول، (الْكَثِيرَ) صفةٌ لـ: «العشب»، فهو من ذكر الخاصِّ بعد العامِّ، وفي حاشية أصل أبي ذَرٍّ _وهو عند الخطَّابيِّ والحُميديِّ_: ((ثَغِبَة))؛ بمُثلَّثةٍ مفتوحةٍ، وغَيْنٍ مُعجَمَةٍ مكسورةٍ، وقد تُسكَّن، بعدها باءٌ مُوحَّدةٌ خفيفةٌ مفتوحةٌ، وفي هامش [4] «فرع اليونينيَّة» كـ: «أصلها» لغير الأربعة [5] : ((ثُغْبة))؛ مُضبَّبٌ عليها؛ وهي بضمِّ المُثلَّثة، وتسكين الغَيْن؛ وهو مُستنقَع الماء في الجبال والصُّخور، كما قاله الخطَّابيُّ، لكن ردَّه القاضي عياضٌ، وجزم بأنَّه تصحيفٌ وقلبٌ للتَّمثيل، قال: لأنَّه إنَّما جعل هذا المثل فيما ينبت، والثِّغاب لا تنبت، والذي رويناه من طرق البخاريِّ كلِّها بالنُّون، مثل قوله في «مسلمٍ»: «طائفةٌ طيِّبةٌ قبلت الماء»، (وَكَانَتْ) _وفي بعض النُّسخ: ((وكان))_ (مِنْهَا أَجَادِبُ)؛ بالجيم والدَّال المُهمَلَة، جمع جدَبٍ _بفتح الدَّال المُهمَلَة_ على غير قياسٍ، ولغير الأَصيليِّ: ((أجاذب))؛ بالمُعجَمَة، قال الأَصيليُّ: وبالمُهمَلَة هو الصواب؛ أي: لا تشرب ماءً، ولا تنبت، (أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللهُ بِهَا)؛ أي: بالأجادب، وللأَصيليِّ: ((به)) (النَّاسَ)، والضَّمير المذكَّر [6] للماء، (فَشَرِبُوا) من الماء (وَسَقَوْا) دوابَّهم؛ وهو بفتح السِّين، «وَزَرَعُوا» ما يصلح للزَّرع، ولمسلمٍ وكذا النَّسائيُّ: ((ورعَوا)) مِن: الرَّعيِ، وضبط المازريُّ «أجاذب»؛ بالذَّال المُعجَمَة، وَهَّمه فيه القاضي عياضٌ، ولأبي ذَرٍّ: ((إِخاذات))؛ بهمزةٍ مكسورةٍ، وخاءٍ خفيفةٍ وذالٍ مُعجَمَتين، آخره مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ، قبلها ألفٌ، جمع إخاذٍ؛ وهي الأرض التي تمسك الماء كالغدير، وعند الإسماعيليِّ: ((أحارب))؛ بحاءٍ وراءٍ مُهمَلَتين، آخره مُوحَّدَةٌ، (وَأَصَابَ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى)، وللأَصيليِّ وكريمة: ((وأصابت))؛ أي: أصابت طائفةً أخرى، ووقع كذلك صريحًا عند النَّسائيِّ، (إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ) _بكسر القاف_ جمع قاعٍ؛ وهو أرضٌ مستويةٌ ملساءُ، (لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلأً [7] ) بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة فيهما (فَذَلِكَ)؛ أي: ما ذكر من الأقسام الثَّلاثة (مَثَلُ) بفتح الميم والمُثلَّثة (مَنْ فَقُهَ)؛ بضمِّ القاف، وقد تُكسَر؛ أي: صار فقيهًا (فِي دِينِ اللهِ وَنَفَعَهُ مَا [8] )، وفي رواية أبي الوقت وابن عساكر: ((بما))؛ أي: بالذي (بَعَثَنِي الله) عزَّ وجلَّ (بِهِ، فَعَلِمَ) ما جئت به، (وَعَلَّمَ) غيره، وهذا يكون على قسمين: الأوَّل: العالِم العامل المعلِّم؛ وهو كالأرض الطَّيِّبة شربت، فانتفعت [9] في نفسها، وأنبتت فنفعت غيرها، والثَّاني: الجامع للعلم المستغرق لزمانه فيه، المعلِّم غيره، لكنَّه [10] لم يعمل بنوافله أو لم يتفقَّه [11] فيما جمع، فهو كالأرض التي يستقرُّ فيها الماء، فينتفع النَّاس به، (وَمَثَلُ) بفتح الميم والمُثلَّثة (مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا)؛ أي: تكبَّر، ولم يلتفت إليه من غاية تكبُّره، وهو من دخل في الدِّين ولم يسمعِ العلم، أو سمعه فلم يعمل به ولم يعلِّمه؛ فهو كالأرض السَّبخة [12] التي لا تقبل الماء، وتفسده على غيرها، وأشار بقوله: (وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ): إلى من لم يدخل في الدِّين أصلًا، بل بلغه فكفر به؛ وهو كالأرض الصَّمَّاء الملساء المستوية التي يمرُّ عليها الماء فلا تنتفع به، قال في «المصابيح»: وتشبيه «الهدى» و«العلم» بـ: «الغيث» المذكور تشبيهُ مفرَدٍ بمُركَّبٍ؛ إذ «الهدى» مُفرَدٌ، وكذا «العلم»، والمشبَّه به وهو «غيثٌ كثيرٌ أصاب أرضًا»؛ منها: ما قبلت فأنبتت، ومنها: ما أمسكت خاصَّةً، ومنها: ما لم تنبت ولم تمسك، مُركَّبٌ من عدَّة أمورٍ كما تراه، وشبَّه منِ انتفع بالعلم ونفع به بأرضٍ قبلتِ الماءَ وأنبتتِ الكلأ والعشب؛ وهو تمثيلٌ؛ لأنَّ وجه الشَّبه [13] فيه هو الهيئة الحاصلة من قبول المحلِّ لِمَا يرد عليه من الخير، مع ظهور أماراته [14] وانتشارها على وجهٍ عامِّ الثَّمرة، متعدِّي النَّفع، ولا يخفى أنَّ هذه الهيئة مُنتزَعةٌ من أمورٍ متعدِّدةٍ، ويجوز أن يُشبَّه انتفاعه بقبول الأرض الماء، ونفعه المتعدِّي بإنباتها الكلأ والعشب، والأوَّل أفحل وأجزل؛ لأنَّ لهيئة [15] المُركَّبات من الوقع [16] في النَّفس ما ليس في المفردات من [17] ذواتها، من غير نظرٍ إلى تضامِّها [18] ، ولا التفاتٍ إلى هيئتها الاجتماعيَّة، قال الشَّيخ عبد القاهر في قول القائل: [من الكامل] [/ج1ص178/]

~ وكأنَّ أجرامَ النُّجومِ لوامعًا دُرَرٌ نُشِـرْنَ على بساطٍ أزرقِ

لو قال: كأنَّ النُّجوم دُرَرٌ، وكأنَّ السَّماء بساطٌ أزرقُ؛ كان التَّشبيه مقبولًا، لكن أين هو من التَّشبيه الذي يريك الهيئة التي تملأ النَّواظر عجبًا، وتستوقف العيون، وتستنطق القلوب بذكر الله؛ من طلوع النُّجوم مؤتلفةً متفرِّقة في أديم السَّماء وهي زرقاءُ، زرقتها بحسب الرُّؤية صافيةٌ، والنُّجوم تبرق وتتلألأ في أثناء تلك الزُّرقة؟ ومن لك بهذه الصُّورة إذا جعلت التَّشبيه مُفرَدًا؟ وقد وقع في الحديث أنَّه شبَّه منِ انتفع بالعلم في خاصَّة نفسه ولم ينفع به أحدًا بأرضٍ أمسكتِ الماء ولم تنبت شيئًا، أو شبَّه انتفاعه المُجرَّد بإمساك الأرض للماء مع عدم إنباتها، وشبَّه مَنْ عُدِمَ [19] فضيلتيِ النَّفع والانتفاع [20] جميعًا بأرضٍ لم تمسك ماءً أصلًا، أو شبَّه فوات ذلك له بعدم إمساكها الماء، وهذه الحالات الثَّلاث مستوفيةٌ لأقسام النَّاس، ففيه من البديع: التَّقسيمُ، فإن قلت: ليس في الحديث تعرُّضٌ إلى القسم الثَّاني، وذلك أنَّه قال: «فذلك مَثَلُ مَنْ فَقُه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فَعَلِمَ وعلَّم» وهذا القسم الأوَّل، ثمَّ قال: «ومَثَلُ من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أُرسِلتُ به»، وهذا هو القسم الثَّالث، فأين الثَّاني؟ أُجِيب: باحتمال أن يكون ذَكَرَ من الأقسام أعلاها وأدناها، وطوى ذكر ما هو [21] بينهما لفهمه من أقسام المُشبَّه به المذكورة أوَّلًا، ويحتمل أن يكون قوله: «نفعه...» إلى آخره صلة موصولٍ محذوفٍ، معطوفٍ على الموصول الأوَّل؛ أي: فذلك مَثَله [22] مَثَلُ من فقه في دين الله، ومَثَلُ من [23] نفعه؛ كقول حسَّانَ رضي الله عنه:

~ أَمَنْ يهجو رسولَ الله منكمْ ويمدحُه وينصـرُه سواءُ؟

أي: ومَنْ يمدحه وينصره سواءٌ؟ وعلى هذا فتكون الأقسامُ الثَّلاثة مذكورةً، فـ: «من فقه في دين الله» هو الثَّاني، و«من نفعه الله من ذلك فَعَلِمَ وعَلَّم» هو الأوَّل، و«من لم يرفع بذلك رأسًا» هو الثَّالث، وفيه حينئذٍ لفٌّ ونشرٌ غيرُ مُرتَّبٍ، انتهى. وقال غيره: شبَّه عليه الصلاة والسلام ما جاء به من الدِّين بالغيث العامِّ الذي يأتي النَّاسَ في حال حاجتهم إليه، وكذا كان حال النَّاس قبل مبعثه، فكما أنَّ الغيث يحيي البلد الميت؛ فكذا علوم الدِّين تحيي القلب الميت، ثمَّ شبَّه السَّامعين له بالأراضي المختلفة التي ينزل بها الغيث.

وهذا الحديث فيه: التَّحديث، والعنعنة، ورواته كلُّهم كوفيُّون، وأخرجه المؤلِّف هنا فقط، ومسلمٌ في «فضائله صلى الله عليه وسلم»، والنَّسائيُّ في «العلم».

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ)؛ أي: البخاريّ، وفي رواية غير الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ [24] ، وابن عساكر: بحذف ذلك، (قَالَ إِسْحَاقُ) بن إبراهيم بن مَخْلَدٍ؛ بفتح الميم، وسكون الخاء، وفتح اللَّام، الحنظليُّ المروزيُّ، المشهور بابن راهويه، المُتوفَّى بنيسابور سنة ثمانٍ [25] وثلاثين ومئتين، وهذا هو الظَّاهر؛ لأنَّه إذا وقع في هذا الكتاب إسحاق غير منسوبٍ فهو _كما قاله الجيَّانيُّ عن ابن السَّكن_ يكون ابن راهويه في روايته عن أبي أسامة: (وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَيَّلَتِ الْمَاءَ) بالمثنَّاة التَّحتيَّة المُشدَّدة بدل قوله: «قبلت»؛ بالمُوحَّدة، وجزم الأَصيليُّ بأنَّها تصحيفٌ من إسحاق، وصوَّبها غيره؛ والمعنى: شربت القَيٍل، وهو شرب نصف النَّهار، وزاد في رواية المستملي هنا: (قَاعٌ)؛ أي: أنَّ «قيعان» المذكورة في الحديث جمعُ قاعٍ، أرضٌ [26] (يَعْلُوهُ الْمَاءُ) ولا يستقرُّ فيه، (وَالصَّفْصَفُ: الْمُسْتَوِي مِنَ الأَرْضِ)، هذا وليس هو [27] في الحديث، وإنَّما ذكره جريًا على عادته في الاعتناء بتفسير ما يقع في الحديث من الألفاظ الواقعة في القرآن، وعند ابن عساكر بعد: «قيَّلت [28] الماء» ((والصَّفصف: المستوي من الأرض)) [29] .

[1] في (ب) و(س): «يزيد»، وهو تحريفٌ.
[2] قوله: «وللأصيليِّ: «ما بعثني به الله»»، مثبت من (م).
[3] في (ب) و(س): «مهموزٌ».
[4] «هامش»: مثبت من (م).
[5] «كأصلها لغير الأربعة»: مثبتٌ من (م).
[6] في(ص) و(م): «المذكور».
[7] في(س): «كلأ».
[8] في (ص): «أولى».
[9] في (ص): «وأينعت».
[10] في (ص): «لكن».
[11] في (ص): «ولم ينفقه».
[12] في (ص): «المسبخة».
[13] في (م): «التَّشبيه».
[14] في (م): «آثاره».
[15] في (ب) و(س): «في الهيئات».
[16] في (ص): «الموقع».
[17] في (ب) و(س): «في».
[18] في (ص): «نظامها».
[19] في (ص): «حوى»، وليس بصحيحٍ.
[20] في(س): «الانتفاء»، وهو تحريفٌ.
[21] «هو»: سقط من (س).
[22] «مثله»: سقط من (س).
[23] في (م): «ما».
[24] «وأبي ذرٍّ»: سقط من (س).
[25] في (ص): «ثلاث»، وهو خطأٌ.
[26] «أرضٌ»: سقط من (م).
[27] «هو»: سقط من (ب) و(س) و(ص).
[28] في (ص): «أن قبلت».
[29] قوله: «وعند ابن عساكر بعد: قيَّلت الماء» والصَّفصف: المستوي من الأرض»»، سقط من (م).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

79-. حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، قالَ: حدَّثنا حَمَّادُ بْنُ أُسامَةَ، عن بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن أَبِي بُرْدَةَ:

عَنْ أَبِي مُوسَىَ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ [1] مِنَ الهُدَىَ والْعِلْمِ، كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أَصابَ أَرْضًا، فَكانَ منها نَقِيَّةٌ [2] قَبِلَتِ الماءَ [3] _قالَ [4] إِسْحاقُ [5] : وَكانَ منها طائِفَةٌ قَبِلَتِ [6] الماءَ [7] _ فأَنْبَتَ [8] الكَلأَ والْعُشْبَ الكَثِيرَ، وَكانَتْ منها أَجادِبُ [9] ، أَمْسَكَتِ المَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بها [10] النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وأَصابَتْ [11] منها طائِفَةً أُخْرَىَ، إِنَّما هِيَ قِيعانٌ، لا تُمْسِكُ ماءً وَلا تُنْبِتُ كَلأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقِهَ [12] فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ ما [13] بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الذِي أُرْسِلْتُ بِهِ».

[1] في رواية الأصيلي: «مَثَلُ ما بعثني بهِ اللهُ».
[2] صحَّح عليها في اليونينيَّة، وكتب بالهامش: «ثَغبَةٌ» بكسر الغين وإسكانها، ولم تتحرر الرموز إلَّا في (ص) ونسخة الزاهدي، فعزاها إلى رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ والحَمُّويي، وعزاها في الفتح إلى حاشية أصل أبي ذر، بينما قرأ القسطلاني الرمز علامةَ تضبيب فقط، و(ثغبة) ضبطت بمثلثة مفتوحة وغين معجمة مكسورة وساكنة معًا بعدها موحدة خفيفة مفتوحة، وضبطت بضم المثلثة وتسكين الغين أيضًا. وفي (ن) نقلًا عن هامش اليونينية: قال القاضي عياض رَحِمَهُ اللهُ: فكان منها «ثغبة» كذا ذكره بعضُهم عن البخاري، ولم يروه عنه، وفسَّره بمستنقع الماء في الجبال، وهو تصحيف وقلب للتمثيل؛ لأنه إنما جعل هذا المثل فيما ينبت والثغاب لا ينبت [في الأصل: يثبت، في الموضعين، وهو تصحيف] والذي رُوِّيناه من طرق البخاري كلها: «فكان منها نقيةٌ» بالنون مثل قوله في مسلم: «طائفة طيبة قبلت الماء»، وذكر بعضهم: «فكان منها بقعة قبلت الماء» والصحيح كما رويناه.اهـ. وانظر المشارق.
[3] في ابن عساكر زيادة: «الصَّفْصَفُ المُسْتَوِي مِنَ الأَرْضِ» (ن، و).
[4] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر: «قال أبو عبد الله: قال».
[5] هو ابن راهويه كما في الفتح، وفي (ن): «بن إسحاق» وأشار إليها في (ق) وهو موافق لرواية كريمة، قال في الفتح: وكان شيخنا العراقي يرجحها، ولم أسمع ذلك منه، وقد وقع في نسخة الصغاني: «وقال إسحاق عن أبي أسامة» وهذا يرجح الأول.اهـ.
[6] بهامش اليونينية: «قَيَّلتِ الماء» بالياء أخت الواو مشدَّدة، قال: ومعنىَ قَيَّلت: أمسكت عند الأصيلي.اهـ. وأثبت في (ب، ص): «قَيَّلتِ» في متن اليونينية.
[7] قول إسحاق مؤخَّر في رواية ابن عساكر ورواية السمعاني عن أبي الوقت إلىَ آخر الباب. وبهامش (ن): «يلي: قال ابن إسحاق: قاع يعلوه الماء والصَّفْصَفُ المُسْتَوِي مِنَ الأَرْضِ». وقول إسحاق مع الزيادة مثبت في متن (ب، ص) آخر الحديث معزوًا إلىَ رواية المستملي.
[8] في (و، ب): «فأنبتت»، وهو موافق لما في (ق).
[9] في رواية أبي ذر: «إخاذات» بهمزة مكسورة وخاء خفيفة وذال معجمتين، آخره مثناة فوقية قبلها ألف جمع إخاذة. وفي (ب، ص) أنَّ رواية الأصيلي: «أَجَادِب». وبهامشهما: بالمهملة، قال الأصيلي: هو الصواب.اهـ.
[10] في رواية الأصيلي: «به».
[11] في رواية أبي ذر ورواية السمعاني عن أبي الوقت وابن عساكر و [ح] و [عط] : «وأصاب». وعزاها في (ب، ص) إلىَ رواية الأصيلي بدل ابن عساكر، وهو موافق لما في نسخة الزاهدي.
[12] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«فَقُهَ».
[13] في رواية ابن عساكر ورواية السمعاني عن أبي الوقت: «بما».





79- ( بُرَيْدِ ) بموحدة مضمومة.

( مَثَلُ ) بفتحتين.

( نَقِيَّةٌ ) بنون مفتوحة ثم قاف مكسورة وهي معنى رواية مسلم: «طيِّبة»، [/ج1ص62/] ويروي: «بقعة» [1] ، وحكى السَّفاقُسِي عن الخطابي: «ثُغْبَة» بالمثلثة والغين المعجمة، وزن بقعة، وهي مستنقع الماء في الجبال والصخور.

( قَبِلَتِ الْمَاءَ ) بالموحدة من القبول.

( أَجَادِبُ ) بجيم ودال مهملة: جمع جَدَب على غير لفظه، والأرض الجدبة: التي لم تمطر، وهي هنا الأرض التي لا تشرب ولا تنبت لصلابتها، ورُوي بذال معجمة، وهي صلاب الأرض التي تمسك الماء.

وروي: «أجارد»، أي: جرداء بارزة لا يسترها النبات.

وروي: «أخاذات» بخاء وذال معجمتين جمع [ب:12] إخاذة، وهي الغُدران التي تمسك الماء، وقال أبو الحسين عبد الغافر الفارسي: إنه الصواب.

( قِيعَانٌ ) جمع قاع، وهو المستوي الواسع في وطأة من الأرض، وأتى به في صفة القلوب التي لا تعي ولا تفهم، وهذا الحديث بديع في التقسيم؛ لاستيفائه أحوال الناس وأنها لا تخرج عن ثلاثة، فشبَّه من تحمَّل العلم وتفقه فيه بالأرض الطيبة أصابها المطر فنبتت وانتفع بها الناس، وشبَّه من حمله ولم يتفقه بالأرض الصلبة التي لا تنبت، ولكنها تمسك فيأخذه الناس وينتفعون به، وشبَّه من لم يحمل ولم يفهم [/ج1ص63/] بالقيعان التي لا تنبت ولا تمسك، وهذه أمثلة ضُربت، فالأول: لمن ينتفع بالعلم وينفع. والثاني: لمن ينفع ولا ينتفع. والثالث: لمن لا ينتفع ولا ينفع.

( وَزَرَعُوا ) كذا للبخاري، وقال مسلم: «ورعوا» من الرعي، قال القاضي: وهو الوجه، وروي: «ووعوا»، وهو تصحيف.

( مَنْ فَقُهَ ) بضم القاف في الأجود.

( قال إسحاق: وَكَانَت [2] مِنْهَا طَائِفَةٌ قَيَّلَتِ ) أي: بالياء المثناة تحت المشدَّدة، فقيل: هو تصحيف من إسحاق، وقال بعضهم: بل هو صحيح، ومعناه: شربت، والقَيل: شرب نصف النهار، وقال في «الجمهرة»: قيَّل الماء في المكان المنخفض إذا اجتمع فيه.

( وقال ربيعة: لا ينبغي لمن عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه ) معناه: يهينها، أي: لا يأتي بعلمه أهل الدنيا ويتواضع لهم، ويحتمل أن يريد إهمال نفسه بتضييع ما عنده من علم حتى لا ينتفع به فيه.

[1] قال ابن حجر في «الفتح»: هو بمعنى طائفة، لكن ليس ذلك في شيء من روايات الصحيحين.
[2] جاء في هامش [ب] : نسخة وكان.





79# (بُرَيْدِ) بموحدة مضمومة مُصغَّر [1] .

(مَثَلُ) بفتحتين، وكذا: (كَمَثَلِ الْغَيْثِ) أي: تلك الحال العجيبة الشأن كهذه الحالة العجيبة الشأن.

(نَقِيَّةٌ) بنون مفتوحة فقاف مكسورة، هذا [2] هو المعروف في الرواية.

وحكى السفاقسي عن الخطَّابي: ((ثغبة)) بثاء مثلثة وغين معجمة وباء موحدة: وهي مستنقع الماء

@%ج1ص87%

في الجبال والصخور [3] .

(قَبِلَتِ الْمَاءَ) بالباء الموحدة: من القَبول [4] .

(فَأَنْبَتَتِ [5] الْكَلأَ وَالْعُشْبَ) الكلأ: مهموز مقصور: الرطب واليابسُ من العشب، والرطبُ منه هو العشب.

(أَجَادِبُ) بجيم ودال مهملة، جمع جَدب على غير قياس، والأرض الجَدْبة: التي لم تُمْطَر، وهي هنا: الأرضُ التي لا تشرب، ولا تُنْبت؛ لصلابتها [6] ، وروي: ((أجاذب)): بذال معجمة، وهي صِلابُ الأرض التي تمسك الماء.

وروي: ((أجارد)): أي: جرداء بارزة لا يسترها النبات.

وروي: ((إِخاذات)): بكسر الهمزة وتخفيف الخاء والذال المعجمة [7] : من الأخذ جمع إخاذة، وهي الغدران التي تمسك الماء.

وقال عبدُ الغافر الفارسيُّ: إنه الصواب.

(قِيعَانٌ) جمع قاع، وهو [8] : الأرض المستوية، وقيل: الملساء [9] ، وقيل: التي لا نبات بها، ويجمع أيضًا على أَقْوُع، وأَقْواع، فهي [10] من ذوات الواو.

(فَقُهَ) بضم القاف وكسرها .

(قَالَ إِسْحَاقُ) كذا وقع غير منسوب في غير ما موضع من البخاري، وهو من المواضع المشكلة فيه.

وقد حكى الجياني عن الحافظ ابن السَّكن: ما كان في البخاري: ((عن إسحاق)) غيرَ منسوب، فهو ابنُ راهويه.

(وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَيَّلَتِ) بياء مثناة من تحت مشددة [11] ، فقيل: هو تصحيف من إسحاق، وقيل: بل هو صحيح، ومعناه: شربت القيل، وهو شربُ نصفِ النهار، يقال: قَيَّلَتِ الإِبِلُ: إذا شربتْ في ذلك الوقت.

(والْمُصطَفُ: الْمُسْتَوِي مِنَ الأَرْضِ) كذا وقع في نسخ [12] ، والصواب: ((والصفصف)) كما وقع في كتاب التفسير في سورة طه، وهو إشارة إلى تفسير قوله

@%ج1ص88%

تعالى: {قَاعًا صَفْصَفًا} [طه:106].

وتشبيه الهدى والعلم بالغيث المذكور تشبيهُ مفردٍ بمركب، إذ الهدى مفرد، وكذا العلم، والمشبه به، وهو غيثٌ كثيرٌ أصاب أرضًا، منها ما قبله فأنبت، ومنها ما أمسكه خاصةً، ومنها ما لم ينبت، ولم يمسك، مركبٌ من عدة أمور كما تراه.

وشبه من انتفع بالعلم ونفعَ به [13] بأرض قبلت الماء [14] ، وأنبتت الكلأ والعشب، وهو تمثيلٌ؛ لأنَّ وجه الشبه فيه هو الهيئة الحاصلة من قبول المحل لما يَرِدُ عليه من الخير، مع ظهور آثاره [15] وانتشارها على وجهٍ عامِّ الثمرة، متعدِّي النفع، ولا يخفى أن هذه الهيئة منتزعة [16] من أمور متعددة، ويجوز أن يشبه انتفاعه بقبول الأرض للماء، ونفعه [17] المتعدي بإنباتها الكلأ والعشب، والأول أَفْحَلُ وأَجزل؛ لأن لهيئة [18] المركبات من الموقع [19] في النفس ما ليس في المفردات [20] في ذواتها من غير نظر إلى تَضامِّها [21] ولا التفات [22] إلى هيئتها الاجتماعية.

قال الشيخُ عبدُ القاهر في قول القائل:

~وَكَأَنَّ أَجْرَامَ النُّجُومِ لَوَامِعًا دُرَرٌ نُثِرْنَ [23] عَلَى بِسَاطٍ أَزْرَقِ

لو قلت [24] : كأنَّ النجوم دُرَرٌ [25] ، وكأنَّ السماء بساطٌ أزرقُ؛ كان التشبيه مقبولًا، لكن أين هو من التشبيه [26] الذي يريك الهيئةَ [27] التي تملأ النواظرَ عجبًا، وتستوقف العيون، وتستنطق القلوب بذكر اسم [28] الله من طلوع النُّجوم مؤتلفةً مفترقةً في أديم السماء، وهي زرقاءُ زرقتها [29] الصافية [30] بحسب الرؤية [31] ، والنُّجوم تبرق وتتلألأ في أثناء تلك الزُّرقة.

@%ج1ص89%

ومن لك بهذه الصورة إذا جعلت التشبيه مفردًا، وشبه من انتفع بالعلم [32] في خاصة نفسه، ولم ينفع به أحدًا بأرض أمسكت الماء، ولم تُنبت شيئًا؟!!

أو شبَّه انتفاعَه المجردَ بإمساك [33] الأرض للماء مع عدم إنباتها، وشبه مَنْ عُدِمَ فضيلتي النفع والانتفاع جميعًا بأرضٍ لم تمسك ماء أصلًا، أو شبه فواتَ ذلك له بعدم إمساكها [34] الماء، وهذه الحالات الثلاث مستوفيةٌ لأقسام الناس، ففيه من البديع: التقسيم.

فإن قلت: ليس في الحديث تعرُّض إلى القسم الثاني، وذلك أنه قال: ((فذلك مثل مَنْ فقُه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به، فعلِم وعلَّم))، وهذا هو القسم الأول.

ثم قال: ((ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدى الله الذي أُرسلت به))، وهذا هو القسم الثالث، فأين الثاني؟

قلت: يحتمل أن يكون ذكر من الأقسام أدناها، وطوى [35] ذكر ما هو بينهما؛ لفهمه من أقسام المشبه به [36] المذكورة أولًا، ويحتمل أن يكون قوله: ((نفعه... إلى آخره)) صلة موصول محذوف معطوف على الموصول الأول؛ أي: فذلك مَثَل مَنْ فقه في دين الله، ومثل مَنْ نفعه؛ كقول حسان:

~أَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللهِ مِنْكُمْ وَيَمْدَحُهُ وَيَنصُرُهُ سَوَاءُ

أي: ومن يمدحه وينصره [37] ، وعلى هذا فتكون الأقسام الثلاثة مذكورة، فمن فقه في دين الله هو الثاني، ومن نفعه الله من ذلك [38] فعلِم وعلَّم هو الأول، ومن لم يرفع بذلك رأسًا هو الثالث، وفيه حينئذٍ لَفٌّ ونَشْرٌ غير مرتب،

@%ج1ص90%

فتأمل .

[1] في (ق): ((مصغرة)).
[2] في (د) و(ج): ((وهذا)).
[3] في (ق): ((والصحرى)).
[4] ((من القبول)): ليست في (ق).
[5] في (ج): ((فأينعت)).
[6] في (ج): ((بصلابتها)).
[7] في (ق): ((المعجمتين)).
[8] في (د) و(ق): ((وهي)).
[9] في (د): ((اللمساء)).
[10] في (ق): ((أي)).
[11] في (ق): ((بياء مشددة مثناة من تحت)).
[12] في (ق) زيادة: ((البخاري)).
[13] ((به)): ليست في (ق).
[14] في هامش (ق): ((قال ابن الجوزي رحمه الله: انظر إلى هذا الحديث ما أوقعه على الخلق فإن الفقهاء أولي الفهم كمثل البقاع التي قبلت الماء فأنبتت لأنهم علموا وفهموا وعلَّموا وإن عامة المحدثين الذين لم يرزقوا الفهم كمثل الأجادب حفظوا الماء وأما الذين سمعوا وما عملوا فهم العوام الجهلة)).
[15] في (د) و(ج): ((أمارة)).
[16] في (ق): ((منزعة)).
[17] في (ق): ((ونفع)).
[18] في (د): ((أهلية)).
[19] في (د): ((الوقع)).
[20] في (ق): ((للمفردات)).
[21] في (ق): ((نظامها)).
[22] في (د): ((الالتفات)).
[23] في (ق): ((نثرت)).
[24] في (د): ((قال)).
[25] ((درر)): ليست في (ق).
[26] في (ق): ((التنبيه)).
[27] في (ق): ((الهيأة)).
[28] ((اسم)): ليست في (د) و(ج) و(ق).
[29] في (ق): ((زرقها)).
[30] ((الصافية)): ليست في (د).
[31] في (ج): ((بحسب الرؤية الصافية)).
[32] ((وشبه من انتفع بالعلم)): ليست في (د).
[33] في (ق): ((بإمساكه)).
[34] في (ق) زيادة: ((أي)).
[35] في (د): ((ونوى)).
[36] ((به)): ليست في (ق).
[37] في (د) و(ج) زيادة: ((سواء)).
[38] في (ق): ((الله بذلك)).





79- قوله: (عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ): هو بضمِّ الموحَّدة وفتح الرَّاء تقدَّم، هو حفيد أبي بردة الآتي.

قوله: (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ): هذا قاضي الكوفة، اسمه: الحارث أو عامر، يروي عن أبيه أبي موسى الأشعريِّ، وعليٍّ، والزُّبير، وعنه: بنوه عبد الله، ويوسف، وسعيد، وبلال، وحفيده بريد المذكور قبله، وكان من نبلاء العلماء، توفِّي سنة (104 هـ ) ، أخرج له [1] الجماعة، وثَّقه غير واحد، وقد تقدَّم.

قوله: (عَنْ أَبِي مُوسَى): هوعبد الله بن قيس بن سُليم بن [2] حضَّار تقدَّم رضي الله عنه.

قوله: (فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ [3] ): هي بفتح النُّون، وكسر القاف، ثمَّ مثنَّاة تحت مشدَّدة، كذا في أصلنا، قال ابن قُرقُول في (الثَّاء المثلَّثة مع الغين المعجمة): («وكان منها ثَغْبة»: كذا ذكره بعضهم عنِ البخاريِّ، ولم يروه، وفسَّره بمستنقع الماء في الجبال، وهو تصحيف، وقلب للتمثيل؛ لأنَّه إذا جعل هذا المثل فيما ينبت، والثّغبة لا تنبت، والذي رُوِّيناه من طرق البخاريِّ كلِّها: «فكان منها نقيَّة» مثل قوله في «مسلم»: «طائفة طيِّبة قبلت الماء»، وذكر بعضهم: «فكان منها بقعة»، والصَّحيح: ما رُوِّيناه «نقيَّة» كما قيَّدته أوَّلًا) انتهى.

والثغَب؛ بفتح الغين المعجمة وتسكَّن: الغدير يكون في ظل جبل لا تصيبه الشَّمس، فيبرد ماؤه، والجمع: ثِغبان، فالمفرد (ثغْب) ؛ بالسكون ويحرك [4] ، والجمع: ثِغاب، وأثغاب، وثِغبان وثُغبان؛ بالكسر والضَّم.

قوله: (قَبِلَتِ الْمَاءَ): هو بفتح القاف، ثمَّ موحَّدة مكسورة، قال ابن قُرقُول: (كذا في «البخاريِّ» في أوَّل الحديث، ثمَّ قال في آخره: «وقال إسحاق: قيَّلت» كذا قيده الأصيليُّ هنا، قال الأصيليُّ: (و«قيَّلت» تصحيف من إسحاق، وإنَّما هو «قبلت») ، قال غيره [5] : ومعنى (قيَّلت): شربت، والقيل: شرب نصف النهار، يقال: قيَّلت الإبل؛ إذا شربت نصف النهار، وهو القائلة، وقيل: معنى (قيَّلت): جمعت وحبست، قال القاضي: (وقرأت بخطِّ أبي عبيد البكريِّ، قال أبو بكر: تقيَّل الماء في المكان المنخفض: اجتمع فيه) ، قال القاضي: (ليس المراد عندي جمع الماء فقط للانتفاع به؛ فإنَّه قد ذكر هذا في الطَّائفة الثَّانية، وإنَّما معناه هنا: أنَّها جمعته ورويت مِنْهُ، كما قال بإثر كلامه هذا: «فأنبتت الكلأ والعشب»، وإذا تقرَّر هذا؛ فقد روى سائر الرُّواة غير الأصيليِّ «قبلت» في الموضعين؛ أوَّل الحديث وقول إسحاق، وكذا رواه النسفيُّ) انتهى.

وهذا الأخير ليس بظاهر، وإذا كان كما قال في الأصول؛ فإنَّه لا بدَّ لإسحاق أنْ يكون مخالفًا للرواية التِّي ساقها البخاريُّ أوَّلًا، ورأيت [6] في حاشية عنِ الدِّمياطيِّ: (قول إسحاق «قيَّلت» تصحيف، وقيل: معنى «قيَّلت»: جمعت وحبست) انتهى.

وعن شيخنا العراقيِّ: (والصَّواب: أنَّها «قبلت»؛ بالموحَّدة، وأمَّا «قيَّلت» -بالمثنَّاة المشددة-؛ فانفرد بها الأصيليُّ، وقيل: معناها: أمسكت) انتهى.

وسيأتي هل هو إسحاق أو ابن إسحاق بُعَيدَ هذا، والله أعلم.

قوله: (الْكَلأَ): هو مقصور مهموز، يقع على الرطب واليابس من النبات، والخَلَى -بالفتح وفتح الخاء، مقصور- على الرطب، وقال بعضهم: يقع على اليابس، وهو ضعيف.

قوله: (أَجَادِبُ): هو بالجيم والدَّال المهملة، جمع جدب، على غير قياس، وقياسه أن يكون جمع أجدب، وفيه رواية ثانية: بالمعجمة، حكاها في «المطالع» والخطَّابيُّ، وقال: (هي صلاب الأرض التي تمسك الماء) ، قال القاضي: (لَمْ يُرْوَ هذا الحرفُ في «مسلم» وغيره إلَّا بالدَّال المهملة من الجدب الذي هو ضدُّ الخِصب، وصحَّفه بعضهم، فقال: أحارب؛ بالحاء والرَّاء المهملتين، وليس بشيء كما قاله الخطَّابيُّ) ، وقال بعضهم: (أجارد): بالجيم، والرَّاء، والدَّال، وهو صحيح المعنى إن ساعدته الرِّواية، قال الأصمعيُّ: (الأجارد من الأرض: التِّي لا تُنْبِت الكلأَ؛ معناه: أنَّها جرداء بارزة لا يسترها النبات) ، وقال بعضهم: إنَّما هي (إخاذات) ؛ بالخاء والذَّال المعجمتين، سقط منها الألف، جمع إخاذة؛ وهي المساكات التِّي تمسك الماء؛ كالغدران، انتهى [/ج1ص49/] ما قاله شيخنا الشَّارح.

قوله: (وَزَرَعُوا): كذا في أصلنا، قال في «المطالع»: (وفي «الفضائل»: «فسقوا ورعوا»، كذا لكافَّتهم، وفي (كتاب العلم) من «البخاريِّ»: «وزرعوا»، والأوَّل أوجه، وفي رواية بعضهم: «ووعوا»؛ بالواو، وهو تصحيف) انتهى.

قوله: (قِيعَانٌ): بكسر القاف، واحدها: قاع؛ وهو المستوى الواسع من الأرض، وقد يجتمع [7] فيه الماء، وقيل: هي أرض فيها رمل، وقيل غير ذلك.

قوله: (كَلأً): تقدَّم قريبًا أنَّه مهموز مقصور، وتقدَّم ما هو.

قوله: (مَنْ فَقُهَ): هو بضمِّ القاف أشهر من كسرها.

قوله: (قَالَ ابنُ [8] إِسْحَاق [9] ): كذا في أصلنا: (ابن إسحاق) ، و (ابن) مخرَّجة في الهامش، وعليها (صح) ، وفي نسخة الحافظ الدِّمياطيِّ: (قال إسحاق) ، فإسحاق غير منسوب؛ كما وقع في نسخة الدِّمياطيِّ، قيل: ابن راهويه، وقال شيخنا الشَّارح: («قال إسحاق»: كذا وقع غير منسوب في غير ما موضع، وهو من المواضع المشكلة في «البخاريِّ»، وهو يروي عن إسحاق جماعة، وقيل: إنَّه ابن راهويه، قال أَبُو عليٍّ الجيَّانيُّ: «روى البخاريُّ عن إسحاق بن إبراهيم الحنظليِّ، وإسحاق بن إبراهيم السعديِّ، وإسحاق بن منصور الكوسج عن حماد بن أسامة، ورَوى مسلم أيضًا عن إسحاق بن منصور الكوسج عن حمَّاد أيضًا». هذا كلامه، وإسحاق هذا لا يخرج عن أحد هؤلاء، ويظهر أن يكون ابن راهويه) انتهى.

ووقع في بعض النُّسخ: (ابن إسحاق) ، كما وقع في أصلنا، فعن شيخنا العراقيِّ: الصَّواب: ما في أكثر الأصول، يعني: إثبات (ابن) ، قال: (فإنَّ ابن إسحاق قد [10] علَّق عنه البخاريُّ في عدَّة مواضع) انتهى.

فائدة: معنى الحديث: أنَّ الأرض ثلاثة أنواع، وكذلك الناس؛ فالنوع الأول من الأرض: ينتفع بالمطر فيحيا بعد أن كان ميتًا، ويُنبِتُ الكلأَ، فينتفع به الناس والدَّوابُّ بالشَّرب والرعي والزرع وغيرها، وكذا النوع الأوَّل من الناس: يبلغه الهدى والعلم، فيحفظه فيحيا قلبه به، ويعمل به ويعلِّمه غيره، فينتفع وينفع.

والنوع الثَّاني من الأرض: ما لا تقبل الانتفاع في نفسها، لكن فيها فائدة، وهو إمساك الماء لغيرها، فينتفع بها الناس والدَّوابُّ، وكذا النوع الثَّاني من الناس: لهم قلوب حافظة، لكن ليست لهم أفهام ثاقبة، ولا رسوخ لهم في العلم يستنبطون [11] به المعاني والأحكام، وليس عندهم اجتهاد في الطاعة والعمل به، فهم يحفظونه حتَّى يأتي طالب محتاج متعطِّش لما عندهم من العلم أهل للنفع والانتفاع، فيأخذه منهم فينتفع به، فهؤلاء نفعوا بما بلغهم.

والنوع الثَّالث: الأرض السباخ التِّي لا تنبت ونحوها، فهي لا تنتفع بالماء، ولا تمسكه؛ لينتفع به غيرها، وكذا النوع الثَّالث من الناس: ليست لهم قلوب حافظة، ولا أفهام واعية، فإذا سمعوا العلم؛ لا ينتفعون به ولا يحفظونه؛ لينتفع غيرهم، والله أعلم، قاله النَّوويُّ في «شرحه لمسلم».

[1] (له) سقطت من (ج) .
[2] (بن) سقطت من (ب) .
[3] في هامش (ق): (قال أبو ذر: صوابه: بقعة) .
[4] في (ج): (وتحرك) .
[5] في (ج): (عروة) .
[6] في (ب): (ورأيته) .
[7] في (ب): (يجمع) .
[8] (ابن): ليس في «اليونينيَّة».
[9] في هامش (ق): (قال شيخنا: الصواب ما في أكثر الأصول: (قال ابن إسحاق) [فقد علق] عنه البخاري في [عدة مواضع] ، والصواب: [«قبلت»] بالموحدة، وأمَّا [«قيَّلت» بالمثناة تحت] المشددة؛ فانفرد بها [...] ، وقال: معناها [...] ) .
[10] (قد): ليس في (ج) .
[11] في (ب): (فيستنبطون) .





لا تتوفر معاينة

79- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ)؛ بالمُهمَلَة والمدِّ، المُكنَّى بأبي كُرَيْبٍ؛ بضمِّ الكاف، مُصغَّر «كربٍ»؛ بالمُوحَّدة، وشهرته بكنيته أكثر من اسمه، المُتوفَّى سنة ثمانٍ وأربعين ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ)؛ بضمِّ الهمزة، ابن زيدٍ [1] ، الهاشميُّ، القرشيُّ، الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة إحدى ومئتين، وهو ابن ثمانين سنةً فيما قِيلَ، (عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بضمِّ المُوحَّدة، وفتح الرَّاء، وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، آخره دالٌ مُهملَةٌ، (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ)؛ بضمِّ المُوحَّدة، وإسكان الرَّاء، ابن أبي موسى الأشعريِّ، (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ رضي الله عنه، ولم يَقُلْ: «عن أبيه» بدل قوله: «عن أبي موسى»؛ تفنُّنًا في العبارة، (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَثَلُ) بفتح الميم والمُثلَّثة (مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ)، وللأَصيليِّ: ((ما بعثني به الله)) [2] (مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ)؛ بالجرِّ عطفًا على «الهدى»؛ من: عطف المدلول على الدَّليل؛ لأنَّ «الهدى»: هو الدَّلالة الموصلة للمقصد، و«العلم»: هو المدلول، وهو صفةٌ توجب تمييزًا لا يحتمل النَّقيض، والمُرَاد به هنا: الأدلَّة الشَّرعيَّة؛ (كَمَثَلِ) بفتح الميم والمُثلَّثة (الْغَيْثِ): المطر (الْكَثِيرِ أَصَابَ) [/ج1ص177/] الغيث (أَرْضًا)؛ الجملة من الفعل والفاعل والمفعول في موضع نصبٍ على الحال بتقدير: قد، (فَكَانَ مِنْهَا)؛ أي: من الأرضِ أرضٌ (نَقِيَّةٌ)؛ بنونٍ مفتوحة، وقاف مكسورةٍ، ومُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مُشدَّدةٍ؛ أي: طيِّبةٌ، (قَبِلَتِ الْمَاءَ) بفتح القاف، وكسر المُوحَّدة؛ مِنَ: القبول (فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ)؛ بفتح الكاف واللَّام آخره همزة [3] ، مقصورٌ؛ النَّبات يابسًا ورطبًا، (وَالْعُشْبَ) الرَّطب منه، وهو نصبٌ عطفًا على المفعول، (الْكَثِيرَ) صفةٌ لـ: «العشب»، فهو من ذكر الخاصِّ بعد العامِّ، وفي حاشية أصل أبي ذَرٍّ _وهو عند الخطَّابيِّ والحُميديِّ_: ((ثَغِبَة))؛ بمُثلَّثةٍ مفتوحةٍ، وغَيْنٍ مُعجَمَةٍ مكسورةٍ، وقد تُسكَّن، بعدها باءٌ مُوحَّدةٌ خفيفةٌ مفتوحةٌ، وفي هامش [4] «فرع اليونينيَّة» كـ: «أصلها» لغير الأربعة [5] : ((ثُغْبة))؛ مُضبَّبٌ عليها؛ وهي بضمِّ المُثلَّثة، وتسكين الغَيْن؛ وهو مُستنقَع الماء في الجبال والصُّخور، كما قاله الخطَّابيُّ، لكن ردَّه القاضي عياضٌ، وجزم بأنَّه تصحيفٌ وقلبٌ للتَّمثيل، قال: لأنَّه إنَّما جعل هذا المثل فيما ينبت، والثِّغاب لا تنبت، والذي رويناه من طرق البخاريِّ كلِّها بالنُّون، مثل قوله في «مسلمٍ»: «طائفةٌ طيِّبةٌ قبلت الماء»، (وَكَانَتْ) _وفي بعض النُّسخ: ((وكان))_ (مِنْهَا أَجَادِبُ)؛ بالجيم والدَّال المُهمَلَة، جمع جدَبٍ _بفتح الدَّال المُهمَلَة_ على غير قياسٍ، ولغير الأَصيليِّ: ((أجاذب))؛ بالمُعجَمَة، قال الأَصيليُّ: وبالمُهمَلَة هو الصواب؛ أي: لا تشرب ماءً، ولا تنبت، (أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللهُ بِهَا)؛ أي: بالأجادب، وللأَصيليِّ: ((به)) (النَّاسَ)، والضَّمير المذكَّر [6] للماء، (فَشَرِبُوا) من الماء (وَسَقَوْا) دوابَّهم؛ وهو بفتح السِّين، «وَزَرَعُوا» ما يصلح للزَّرع، ولمسلمٍ وكذا النَّسائيُّ: ((ورعَوا)) مِن: الرَّعيِ، وضبط المازريُّ «أجاذب»؛ بالذَّال المُعجَمَة، وَهَّمه فيه القاضي عياضٌ، ولأبي ذَرٍّ: ((إِخاذات))؛ بهمزةٍ مكسورةٍ، وخاءٍ خفيفةٍ وذالٍ مُعجَمَتين، آخره مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ، قبلها ألفٌ، جمع إخاذٍ؛ وهي الأرض التي تمسك الماء كالغدير، وعند الإسماعيليِّ: ((أحارب))؛ بحاءٍ وراءٍ مُهمَلَتين، آخره مُوحَّدَةٌ، (وَأَصَابَ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى)، وللأَصيليِّ وكريمة: ((وأصابت))؛ أي: أصابت طائفةً أخرى، ووقع كذلك صريحًا عند النَّسائيِّ، (إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ) _بكسر القاف_ جمع قاعٍ؛ وهو أرضٌ مستويةٌ ملساءُ، (لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلأً [7] ) بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة فيهما (فَذَلِكَ)؛ أي: ما ذكر من الأقسام الثَّلاثة (مَثَلُ) بفتح الميم والمُثلَّثة (مَنْ فَقُهَ)؛ بضمِّ القاف، وقد تُكسَر؛ أي: صار فقيهًا (فِي دِينِ اللهِ وَنَفَعَهُ مَا [8] )، وفي رواية أبي الوقت وابن عساكر: ((بما))؛ أي: بالذي (بَعَثَنِي الله) عزَّ وجلَّ (بِهِ، فَعَلِمَ) ما جئت به، (وَعَلَّمَ) غيره، وهذا يكون على قسمين: الأوَّل: العالِم العامل المعلِّم؛ وهو كالأرض الطَّيِّبة شربت، فانتفعت [9] في نفسها، وأنبتت فنفعت غيرها، والثَّاني: الجامع للعلم المستغرق لزمانه فيه، المعلِّم غيره، لكنَّه [10] لم يعمل بنوافله أو لم يتفقَّه [11] فيما جمع، فهو كالأرض التي يستقرُّ فيها الماء، فينتفع النَّاس به، (وَمَثَلُ) بفتح الميم والمُثلَّثة (مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا)؛ أي: تكبَّر، ولم يلتفت إليه من غاية تكبُّره، وهو من دخل في الدِّين ولم يسمعِ العلم، أو سمعه فلم يعمل به ولم يعلِّمه؛ فهو كالأرض السَّبخة [12] التي لا تقبل الماء، وتفسده على غيرها، وأشار بقوله: (وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ): إلى من لم يدخل في الدِّين أصلًا، بل بلغه فكفر به؛ وهو كالأرض الصَّمَّاء الملساء المستوية التي يمرُّ عليها الماء فلا تنتفع به، قال في «المصابيح»: وتشبيه «الهدى» و«العلم» بـ: «الغيث» المذكور تشبيهُ مفرَدٍ بمُركَّبٍ؛ إذ «الهدى» مُفرَدٌ، وكذا «العلم»، والمشبَّه به وهو «غيثٌ كثيرٌ أصاب أرضًا»؛ منها: ما قبلت فأنبتت، ومنها: ما أمسكت خاصَّةً، ومنها: ما لم تنبت ولم تمسك، مُركَّبٌ من عدَّة أمورٍ كما تراه، وشبَّه منِ انتفع بالعلم ونفع به بأرضٍ قبلتِ الماءَ وأنبتتِ الكلأ والعشب؛ وهو تمثيلٌ؛ لأنَّ وجه الشَّبه [13] فيه هو الهيئة الحاصلة من قبول المحلِّ لِمَا يرد عليه من الخير، مع ظهور أماراته [14] وانتشارها على وجهٍ عامِّ الثَّمرة، متعدِّي النَّفع، ولا يخفى أنَّ هذه الهيئة مُنتزَعةٌ من أمورٍ متعدِّدةٍ، ويجوز أن يُشبَّه انتفاعه بقبول الأرض الماء، ونفعه المتعدِّي بإنباتها الكلأ والعشب، والأوَّل أفحل وأجزل؛ لأنَّ لهيئة [15] المُركَّبات من الوقع [16] في النَّفس ما ليس في المفردات من [17] ذواتها، من غير نظرٍ إلى تضامِّها [18] ، ولا التفاتٍ إلى هيئتها الاجتماعيَّة، قال الشَّيخ عبد القاهر في قول القائل: [من الكامل] [/ج1ص178/]

~ وكأنَّ أجرامَ النُّجومِ لوامعًا دُرَرٌ نُشِـرْنَ على بساطٍ أزرقِ

لو قال: كأنَّ النُّجوم دُرَرٌ، وكأنَّ السَّماء بساطٌ أزرقُ؛ كان التَّشبيه مقبولًا، لكن أين هو من التَّشبيه الذي يريك الهيئة التي تملأ النَّواظر عجبًا، وتستوقف العيون، وتستنطق القلوب بذكر الله؛ من طلوع النُّجوم مؤتلفةً متفرِّقة في أديم السَّماء وهي زرقاءُ، زرقتها بحسب الرُّؤية صافيةٌ، والنُّجوم تبرق وتتلألأ في أثناء تلك الزُّرقة؟ ومن لك بهذه الصُّورة إذا جعلت التَّشبيه مُفرَدًا؟ وقد وقع في الحديث أنَّه شبَّه منِ انتفع بالعلم في خاصَّة نفسه ولم ينفع به أحدًا بأرضٍ أمسكتِ الماء ولم تنبت شيئًا، أو شبَّه انتفاعه المُجرَّد بإمساك الأرض للماء مع عدم إنباتها، وشبَّه مَنْ عُدِمَ [19] فضيلتيِ النَّفع والانتفاع [20] جميعًا بأرضٍ لم تمسك ماءً أصلًا، أو شبَّه فوات ذلك له بعدم إمساكها الماء، وهذه الحالات الثَّلاث مستوفيةٌ لأقسام النَّاس، ففيه من البديع: التَّقسيمُ، فإن قلت: ليس في الحديث تعرُّضٌ إلى القسم الثَّاني، وذلك أنَّه قال: «فذلك مَثَلُ مَنْ فَقُه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فَعَلِمَ وعلَّم» وهذا القسم الأوَّل، ثمَّ قال: «ومَثَلُ من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أُرسِلتُ به»، وهذا هو القسم الثَّالث، فأين الثَّاني؟ أُجِيب: باحتمال أن يكون ذَكَرَ من الأقسام أعلاها وأدناها، وطوى ذكر ما هو [21] بينهما لفهمه من أقسام المُشبَّه به المذكورة أوَّلًا، ويحتمل أن يكون قوله: «نفعه...» إلى آخره صلة موصولٍ محذوفٍ، معطوفٍ على الموصول الأوَّل؛ أي: فذلك مَثَله [22] مَثَلُ من فقه في دين الله، ومَثَلُ من [23] نفعه؛ كقول حسَّانَ رضي الله عنه:

~ أَمَنْ يهجو رسولَ الله منكمْ ويمدحُه وينصـرُه سواءُ؟

أي: ومَنْ يمدحه وينصره سواءٌ؟ وعلى هذا فتكون الأقسامُ الثَّلاثة مذكورةً، فـ: «من فقه في دين الله» هو الثَّاني، و«من نفعه الله من ذلك فَعَلِمَ وعَلَّم» هو الأوَّل، و«من لم يرفع بذلك رأسًا» هو الثَّالث، وفيه حينئذٍ لفٌّ ونشرٌ غيرُ مُرتَّبٍ، انتهى. وقال غيره: شبَّه عليه الصلاة والسلام ما جاء به من الدِّين بالغيث العامِّ الذي يأتي النَّاسَ في حال حاجتهم إليه، وكذا كان حال النَّاس قبل مبعثه، فكما أنَّ الغيث يحيي البلد الميت؛ فكذا علوم الدِّين تحيي القلب الميت، ثمَّ شبَّه السَّامعين له بالأراضي المختلفة التي ينزل بها الغيث.

وهذا الحديث فيه: التَّحديث، والعنعنة، ورواته كلُّهم كوفيُّون، وأخرجه المؤلِّف هنا فقط، ومسلمٌ في «فضائله صلى الله عليه وسلم»، والنَّسائيُّ في «العلم».

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ)؛ أي: البخاريّ، وفي رواية غير الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ [24] ، وابن عساكر: بحذف ذلك، (قَالَ إِسْحَاقُ) بن إبراهيم بن مَخْلَدٍ؛ بفتح الميم، وسكون الخاء، وفتح اللَّام، الحنظليُّ المروزيُّ، المشهور بابن راهويه، المُتوفَّى بنيسابور سنة ثمانٍ [25] وثلاثين ومئتين، وهذا هو الظَّاهر؛ لأنَّه إذا وقع في هذا الكتاب إسحاق غير منسوبٍ فهو _كما قاله الجيَّانيُّ عن ابن السَّكن_ يكون ابن راهويه في روايته عن أبي أسامة: (وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَيَّلَتِ الْمَاءَ) بالمثنَّاة التَّحتيَّة المُشدَّدة بدل قوله: «قبلت»؛ بالمُوحَّدة، وجزم الأَصيليُّ بأنَّها تصحيفٌ من إسحاق، وصوَّبها غيره؛ والمعنى: شربت القَيٍل، وهو شرب نصف النَّهار، وزاد في رواية المستملي هنا: (قَاعٌ)؛ أي: أنَّ «قيعان» المذكورة في الحديث جمعُ قاعٍ، أرضٌ [26] (يَعْلُوهُ الْمَاءُ) ولا يستقرُّ فيه، (وَالصَّفْصَفُ: الْمُسْتَوِي مِنَ الأَرْضِ)، هذا وليس هو [27] في الحديث، وإنَّما ذكره جريًا على عادته في الاعتناء بتفسير ما يقع في الحديث من الألفاظ الواقعة في القرآن، وعند ابن عساكر بعد: «قيَّلت [28] الماء» ((والصَّفصف: المستوي من الأرض)) [29] .

[1] في (ب) و(س): «يزيد»، وهو تحريفٌ.
[2] قوله: «وللأصيليِّ: «ما بعثني به الله»»، مثبت من (م).
[3] في (ب) و(س): «مهموزٌ».
[4] «هامش»: مثبت من (م).
[5] «كأصلها لغير الأربعة»: مثبتٌ من (م).
[6] في(ص) و(م): «المذكور».
[7] في(س): «كلأ».
[8] في (ص): «أولى».
[9] في (ص): «وأينعت».
[10] في (ص): «لكن».
[11] في (ص): «ولم ينفقه».
[12] في (ص): «المسبخة».
[13] في (م): «التَّشبيه».
[14] في (م): «آثاره».
[15] في (ب) و(س): «في الهيئات».
[16] في (ص): «الموقع».
[17] في (ب) و(س): «في».
[18] في (ص): «نظامها».
[19] في (ص): «حوى»، وليس بصحيحٍ.
[20] في(س): «الانتفاء»، وهو تحريفٌ.
[21] «هو»: سقط من (س).
[22] «مثله»: سقط من (س).
[23] في (م): «ما».
[24] «وأبي ذرٍّ»: سقط من (س).
[25] في (ص): «ثلاث»، وهو خطأٌ.
[26] «أرضٌ»: سقط من (م).
[27] «هو»: سقط من (ب) و(س) و(ص).
[28] في (ص): «أن قبلت».
[29] قوله: «وعند ابن عساكر بعد: قيَّلت الماء» والصَّفصف: المستوي من الأرض»»، سقط من (م).





79- ( بُرَيْدِ ): بضمِّ الموحَّدة و فتح الرَّاء.

( مَثَلُ ): بفتحتين، أي: صفة.

( نَقِيَّةٌ ): بالنُّون المفتوحة وكسر القاف وتشديد التَّحتيَّة من النَّقاء، وروي خارج «الصَّحيح»: «بقعة»، و«ثَغِبَة» بمثلَّثة وغين معجمة مكسورة وموحَّدة خفيفة مفتوحة: مستنقع الماء في الجبال، وفي مسلم: «طائفة طيِّبة».

( قَبِلَتْ ): من القبول.

( الْكَلأَ ): بالهمز بلا مدٍّ، يطلق على الرَّطب واليابس.

( وَالْعَشْبَ ) خاصٌّ بالرَّطب.

( أَجَادِبُ ): بالجيم والدَّال المهملة والموحَّدة، جمع جَدَب بفتح الجيم والدَّال: الأرض الصَّلبة التي لا ينصبُّ منها الماء.

وضبطه المازريُّ بالذَّال المعجمة، وغلَّطه عياض.

ولأبي ذرٍّ: « [إخاذات] [1] » بكسر الهمزة وإعجام الخاء والذَّال آخره فوقيَّة، جمع إخاذة: وهي الأرض التي تمسك الماء، وعند الإسماعيليِّ: «أحارب» بحاء وراء مهملتين، وغُلِّطَتْ.

وروي: «أجارد» بجيم وراء ودال مهملة، جمع جرداء: وهي البارزة التي لا تنبت.

( فَنَفَعَ اللهُ بِهَا ) أي: بالأجادب، وللأَصِيلي: «به» أي: بالماء.

( وَزَرَعُوا ) من الزَّرع، وفي مسلم: «ورعوا» من الرَّعي، قال النَّوويُّ: كلاهما صحيح، وروي: «ووعوا» بواوين من الوعي، وهو تصحيف.

( وَأَصَابَ ) أي: بالماء، وللأَصِيلي وكريمة: «أصابت»، والفاعل ( طَائِفَة ) أي: قطعة. [/ج1ص247/]

( قِيعَانٌ ): بكسر القاف، جمع قاع، الأرض المستوية الملساء التي لا تنبت.

( فَقُهَ ): بالضَّمِّ، أي: صار فقيهًا.

( قَالَ إِسْحَاقُ: وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَيَّلَتِ الْمَاءَ ) أي: خالف ابن راهويه في هذا الحرف، حيث رواه عن أبي أسامة بالتَّحتيَّة، فقيل: هو تصحيف منه، وقيل: صوابٌ، / ومعناه: شربت. و«القيل» الشُّرب في القائلة نصف النَّهار، وقال ابن دريد: تقيَّل الماءُ في المكان المنخفض: اجتمع فيه..

( قَاعٌ يَعْلُوْهُ الْمَاءُ وَالصَّفْصَفُ الْمُسْتَوِي مِنَ الأَرْضِ ) ثبت هذا للمُسْتملي وحده، وفي بعض النُّسخ: «والمصطفُّ» وهو تصحيف.

[1] ما بين معقوفتين في [ع] تصحيفًا: (إخاذان) والمثبت من غيرها





25/79# قال أبو عبد الله: حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ قالَ: حدَّثنا حَمَّادُ بْنُ أُسامَةَ، عن بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عن أَبِي بُرْدَةَ:

عَنْ أَبِي مُوسَىَ، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللهُ بِهِ مِنَ الهُدَىَ والْعِلْمِ كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أَصابَ أَرْضاً، فَكانَ منها ثَغِبةً [1] قَبِلَتِ الماءَ فأَنْبَتتَ الكَلأَ والْعُشْبَ الكَثِيرَ، وَكانَتْ منها أَجادِبُ أَمْسَكَتِ المَاءَ، فَنَفَعَ اللهُ بها [2] النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وأَصابَتْ منها طائفَةً أُخْرَىَ إِنَّما هِيَ قِيعانٌ لا تُمْسِكُ ماءً وَلا تُنْبِتُ كَلأً». وذكر الحديث.

(الثَّغِبة): مستنقع الماء في الجبال والصخور [3] ، وهو الثَّغَبُ [4] أيضاً، وتجمع على الثغبان [5] [111] .

و (الأجادب): صِلابُ الأرض التي تُمسك الماء فلا يُسرع إليه النُّضوب.

وقد اختُلف في هذا الحرف، فقال بعضهم: أحارب _بالحاء والراء_ هكذا حدَّثنيه أحمد بن إبراهيم قال: حدَّثنا [6] أبو يعلى قال: حدَّثنا أبو كُرَيب. وذكر الحديث بإسناده، والأحارب ليس بشيء.

وقال بعضهم: أجارد [7] _بالجيم والدال_ وهو صحيح في المعنى إن ساعدته الرواية [8] ، قال الأصمعيُّ: الأجارد من الأرض ما لم تُنبت الكلأ، هي [9] جرادءُ بارزةٌ لا يسترها النبات [10] .

وقال بعضهم: إنَّما هي إخاذاتٌ [11] ، سقط منها الألف، والإخاذات: مَسَّاكات [12] الماء [13] ، واحدتها: إخاذة.

وهي أمثالٌ ضُربت لمن قَبِلَ الهدى، وعَلِم ثم علَّم [14] غيرَه، فنفعه الله ونفع به، ولمن لم يقبل الهدى، فلم ينتفع بالعلم ولم يُنتَفَع به.

[1] في (م): (بقعة).
[2] في (م): (به).
[3] في (أ): (في الصخور والجبال).
[4] انظر التاج (ثغب)، عن ابن الأعرابي.
[5] قوله: (وتجمع على الثغبان) سقط من الأصل و (ط) والمثبت من الفروع.
[6] قال القاضي عياض في المشارق (1/134) ونقله في الفتح (1/176): وهو غلط وتصحيف وقلب لمعنى التمثيل؛ لأنه إنما جعل هذا الفصل من المثل فيما تنبت والثغاب لا تنبت.
[7] (قال حدثنا) سقط من (ط).
[8] في (ط): (الأجارد).
[9] انظر النهاية لابن الأثير عن أبي موسى 1/257، والتاج (جرد).
[10] في (أ) و (ف): (معناه أنها) وفي (ر) و (م): (يعنى أنها).
[11] انظر: (التاج (جرد) عن الأصمعي.
[12] في (ط): (إحادات) بالحاء والدال المهملتين.
[13] في (ر): (مساحل) تصحيفاً.
[14] في النسخ الفروع: (المياه).
[15] في (أ): (فيعلم ويعلم) وفي (ر) و (ف) و (م): (فتعلم وعلم).





لا تتوفر معاينة

79# حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاَءِ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدَى وَالعِلْمِ، كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضاً، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ، قَبِلَتِ المَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الكَلَأَ وَالعُشْبَ الكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ، أَمْسَكَتِ المَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لاَ تُمْسِكُ مَاءً وَلاَ تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْساً، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي جئتُ بِهِ».

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ إِسْحَاقُ: وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَيَّلَتِ المَاءَ، قَاعٌ يَعْلُوهُ المَاءُ، وَالصَّفْصَفُ المُسْتَوِي مِنَ الأَرْضِ.

الشرح:

الحديث أخرجه البخاري هنا عن أبي كُرَيب محمد بن العلاء، وأخرجه مسلم في «فضائل النبي صلى الله عليه وسلم» عنه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعبد الله بن برَّاد؛ كلهم عن أبي أسامة حماد بن أسامة [1].

قال العلماء: هذا الحديث من بديع كلامه صلى الله عليه وسلم في التشبيه والتقسيم ورد الكلام بعضه على بعض، فهو من بديع الإيجاز والبلاغة فإنه ذكر ثلاثة أمثلة ضربها في الأرض، اثنان منها محمودان، ثم جاء بعده بكلام

@%ص99%

واحد يتضمن الثلاثة، اثنان محمودان وواحد مذموم، فالمحمودان قوله: «فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ [2] فَعَلِمَ وَعَلَّمَ».

فالأول منهما: مثل الأرض التي قبلت الماء، وأنبتت الكلأ والعشب الكثير، فانتفعت بالري والثرى [3] في نفسها وانتفع الناس بالرعي لما أنبتته، فهذا كالذي فقه في نفسه وعلم ما تحمله وعلمه الناس.

والثاني من تحمل ما تحمله ولم يفتح له بالمنفعة فيه، لكنه حفظ ما تحمله، وعمل منه ما يسر له، وبلغه غيره، فهذا هو الذي يرجع إليه قوله: «وَكَانَت مِنْهَا أَجَادِبُ، أَمْسَكَتِ المَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا» [4].

وقال ابن بطال في هذا النوع من الناس: هم الذين حالهم حال من يقبل العلم، ويمسكه ولا يعرفه [5] ولا يفهمه؛ بل يحفظه لمن يثبت عنده ويثمر، فهم حمال العلم.

وأما قوله: «وَزَرَعُوا» وفي مسلم: «ورعوا» فقد قال القاضي: هذا راجع إلى المثال الأول؛ إذ ليس في المثال الثاني أنها أنبتت شيئاً، فهذا المثل جامع للمثلين.

قلت: ويحتمل أن يريد بقوله: «ورعوا» الناسَ الذين أخذوا العلم عن الذين حملوه، ويكونوا شربوا وسقوا وزرعوا، فجمعوا وجوه الانتفاعات، ويكون هذا عائداً على الناس، وهم غير الأصناف الثلاثة على رأي جماعة [6].

قوله: «وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْساً» إلى آخره قال النواوي: هذا النوع الثالث من الناس ليست لهم قلوب حافظة، ولا أفهام واعية، فإذا سمعوا العلم لا ينتفعون به، ولا يحفظونه

@%ص100%

لغيرهم ليُنتَفع به، فهؤلاء مثلهم مثل النوع الثالث من الأرض، وهي القيعان السباخ التي لا تنبت، فهي لا تنتفع بالماء ولا تمسكه ليُنتَفع به.

وقال ابن بطال: النوع الأول المضروب لهم المثل بالأرض النقية، الذين قبلوا ما أنزل الله من الهدى والدين هم من كان قلبه نقياً من الإشراك والشك، فإذا وعت العلم حَيَتْ به فعملت وأنبتت ما يحيى به الناس من الانتفاع به.

والنوع الثاني هم حمال العلم يحملونه إلى من يثمر عنده كما تقدم حكايته عنه.

والثالث: هم الذين ليست لهم قلوب تحفظ وتفقه؛ بل تسمع الكلام ولا تفهمه ولا تحفظه، فهي كالسباخ المالحة التي لا تمسك ولا تنبت.

والغيث: المطر، وغيثت الأرض فهي مغيثة ومغوثة، يقال: غاث الغيثُ الأرضَ إذا أصابها وغاث الله البلاد يغيثها غيثاً.

قال بعضهم: كان ينبغي للبخاري أن يخرج في هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» فإنه ظاهر المناسبة [7].

قوله: «فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ» هو بنون مفتوحة ثم قاف مكسورة ثم ياء آخر الحروف، وهو بمعنى قوله: «طيبة»، الواردة في موضع «نقية» في صحيح مسلم.

ورواه الخطابي وغيره: «ثغبة» بالثاء المثلثة والغين المعجمة والباء الموحدة، قال: وهو مستنقع الماء في الجبال والصخور.

قال القاضي عياض: هذا تصحيف، ولم نروه إلا نقية؛ يعني بالنون والقاف كما تقدم.

والذي ذكره الخطابي

@%ص101%

فيه قلب للمعنى، لأن الثغاب لا تنبت، وإنما يمكن حمله على الطائفة الثانية دون الأولى، قال: وذكر بعضهم أيضاً: «وكان منها بقعة»، قال: والصحيح ما ذكرناه أولاً _ وهي روايتنا_ : «فكان منها نقية» والله أعلم.

قوله: «قَبِلَتِ المَاءَ» بالباء المعجمة، وهذا الموضع لا خلاف فيه.

قوله: «فَأَنْبَتَتِ الكَلَأَ وَالعُشْبَ» الكلأ مقصور مهموز، قال ابن فارس والجوهري والقاضي عياض: الكلأ يطلق على الرطب واليابس من النبات.

قال الجوهري: ويطلق العشب والكلأ على الرطب منه، ولا يقال له إذا كان رطباً: حشيش.

وذكر ابن مكي وغيره في لحن العوام: قولهم للرطب حشيش.

قال النواوي: وقول الخطابي وابن فارس أن الكلأ يقع على اليابس شاذ ضعيف، وقال أهل اللغة: يقال لليابس الهشيم، والحشيش.

قوله: «كَانَت مِنْهَا أَجَادِبُ» بالجيم والدال المهملة، قال القاضي عياض وابن بطال: جمع جدب على غير قياس، وقياسه أن يكون جمع أجدب لو قيل، وهذا كما قالوا في جمع حُسن محاسن، وقياسه أن يكون مَحْسَن، ومَشَابه جمع شَبه، وقياسه جمع مَشْبَه.

قال القاضي: ورواه بعضهم بذال معجمة، وكذلك ذكره الخطابي، وقال: هي صلاب الأرض التي تمسك الماء، قال الخطابي: وقال بعضهم: «أحارب» بالحاء المهملة والراء، قال: وليس بشيء.

قال: وقيل: «أجارد» بالجيم والدال، قال: وهو صحيح المعنى إن ساعدته الرواية.

قال الأصمعي: الأجارد من الأرض ما لا تنبت الكلأ، معناه أنها جرداء بارزة لا يسترها النبات

@%ص102%

قال: وقال بعضهم: «إخاذات» بالخاء والذال المعجمتين، جمع إخاذة، وهي المسَّاكات التي تمسك الماء، كالغدران سقط منها الألف، قال: ويروى: أحادب أي مستقيمة، كما قال تعالى: {وهم من كل حدب ينسلون} أي من كل فج.

قال القاضي عياض في شرح مسلم: «لم نرو هذا الحرف في مسلم وغيره إلا بالدال المهملة من الجدب الذي هو ضد الخصب، وعليه شرح الشارحون».

قوله: «وَسَقَوْا» يقال: سقى وأسقى لغتان بمعنى، قال النواوي: وقيل سقاه ناوله ليشرب، وأسقاه جعل له سقيا.

قوله: «طَائِفَة» الطائفة القطعة من الشيء، قال ابن عباس في قوله تعالى: {وليشهد عذابهما طائفة} الواحد فما فوقه طائفة.

قوله: «إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ» القيعان بكسر القاف جمع قاع، وهي الأرض المستوية، وقيل: الملساء، وقيل: التي لا نبات فيها، ويجمع أيضاً على قُوع وأقواع، والقيعة بكسر القاف بمعنى القاع.

وأما الفقه: فهو في اللغة الفهم في كل شيء، قال القاضي: يقال منه: فقِه بالكسر، يفقه فقهاً بفتح القاف، يعني مثل: فرح يفرح فرحاً، ويقال أيضاً: فقْهاً بسكونها، وأفقهته فهمته، وأما الفقه في الشرع: فقال صاحب العين والهروي وغيرهما فيه: فقُه بالضم، وقال ابن دريد بالكسر كالأول، وقالوا: فقُه بالضم أيضاً.

وقال غيره: الفقه والعلم والشعر والطب في اللغة الفهم، ثم اختص كل واحد بصنف، فالطب لمعرفة المزاج، والشعر للأوزان، والفقه للأحكام.

وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: الفقه في اللغة إدراك الأشياء الخفية

@%ص103%

تقول: فقهت كلامك، ولا تقول: فقهت السماء والأرض، وقال غيره: يقال فقه بكسر القاف إذا فهم، وبفتحها إذا سبق غيره إلى الفهم، وبضمها إذا كان الفقه سجية له، قاله ابن عطية في التفسير.

قال النواوي: وقد روي هنا بالوجهين بالضم والكسر، والضم أشهر.

قوله: «وقَالَ إِسْحَاقُ: وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَيَّلَتِ المَاءَ» قال القاضي: كذا قيده الأصيلي، يعني بالياء آخر الحروف، قال الأصيلي: «قيلت» تصحيف من إسحاق، وإنما هي: «قبلت» كما ذكر أول الحديث.

وقال غيره: معنى «قيلت» شربت القيل وهو شرب نصف النهار، وقيل: معنى «قيلت» جمعت وحبست، قال القاضي: وقد رواه سائر الرواة غير الأصيلي: «قبلت» يعني بالباء الموحدة في الموضعين في أول الحديث وفي قول إسحاق، فعلى هذا إنما خالف إسحاق في لفظ «طائفة» جعلها مكان «نقية».

قوله: «وَالصَّفْصَفُ المُسْتَوِي مِنَ الأَرْضِ» هذا هو صوابه، وكذا ذكره البخاري في كتاب التفسير في سورة طه، ووقع في نسخ: المصطف بالطاء، وهو تصحيف.

قوله: «وقَالَ إِسْحَاقُ» قلت: هذا من المواضع المشكلة في كتاب البخاري فإنه ذكر جماعة في كتابه لم ينسبهم، فوقع من بعض الناس اعتراض عليه بسبب ذلك لما يحصل من اللبس وعدم البيان، ولا سيما إذا شاركهم ضعيف في تلك الترجمة.

وأزال الحاكم ابن البيع اللبس بأن نسب بعضهم، واستدل على نسبته، وذكر الكلاباذي بعضهم، وذكر ابن السكن بعضاً، ثم جماعة، وقد تقدم في مقدمة الكتاب التنبيه على بعضها.

ومن جملة التراجم المعتَرَضة: إسحاق، فإنه ذكر هذه الترجمة في مواضع من كتابه مهملة، وهي كثيرة جداً، قال أبو علي الجياني: روى البخاري عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي

@%ص104%

وإسحاق بن إبراهيم بن نصر السعدي، وإسحاق بن منصور الكوسج، عن أبي أسامة حماد بن أبي أسامة، وقد حدث مسلم أيضاً عن إسحاق بن منصور الكوسج عن أبي أسامة.

قلت: فإسحاق المذكور هنا لا يخرج عن أحد الثلاثة، ويترجح أن يكون إسحاق بن راهويه لكثرة روايته عنه، وقد حكى الجياني عن سعيد بن السكن الحافظ: أن ما كان في كتاب البخاري عن إسحاق غير منسوب فهو ابن راهويه.

وفي السند:

محمد بن العلاء بن كُرَيب، أبو كُرَيب الهَمْداني الكوفي، روى عنه أصحاب الكتب الستة، والذهلي، وعبد الله بن أحمد ابن حنبل، وغيرهم.

قال أبو حاتم: «صدوق»، وقال الترمذي: «لا بأس به»، وقال ابن نُمَير: «ما بالعراق أكثر حديثاً من أبي كُرَيب، ولا أعرف بحديث بلدنا منه».

وقال أبو العباس بن سعيد: «ظهر لأبي كُرَيب بالكوفة ثلاث مئة ألف حديث».

أخرج البخاري له في «العلم» و«الصلاة» وعدة مواضع عنه عن ابن المبارك وابن فضيل وحسين الجعفي وأبي أسامة.

قال البخاري: «مات سنة ثمان وأربعين ومئتين»، روى له الجماعة.

وفيه: حماد بن أسامة بن زيد القرشي الهاشمي، أبو أسامة الكوفي، مولى زيد بن علي، وقيل: مولى الحسن بن سعد مولى الحسن بن علي.

أخرج البخاري في «العلم» و«الصلاة» وغير موضع عن إسحاق بن راهويه، وعبيد بن إسماعيل، وأبي كُرَيب وغيرهم عنه عن عبيد الله بن عمر، وهشام بن عروة، وغيرهما.

وروى عنه أيضاً الشافعي، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وإبراهيم بن سعيد الجوهري، وغيرهم.

قال أحمد: «كان ثبتاً، ما كان أثبته، لا يكاد يخطئ، وكان صحيح الكتاب، ضابط الحديث، كيساً صدوقاً».

وقال يحيى بن معين: «ثقة».

روي عنه أنه قال: «كتبت بإصبعيَّ هاتين مئة ألف حديث».

قال البخاري: «مات سنة إحدى ومئتين، وهو ابن ثمانين سنة فيما قيل»، روى له الجماعة.

@%ص105%

وبُرَيد، وأبو بُرْدَة عامر، وأبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري، تقدَّم التعريف بهم في الجزء الأول في «كتاب الإيمان».

[1] كتب بهامش الأصل: «وأخرجه النسائي عن القاسم بن زكريا عن أبي أسامة به».
[2] في الأصل: «ونفعه الله بما بعثني» وقد أثبت السياق الذي ذكره المصنف نفسه قبل قليل.
[3] كتب في هامش الأصل بلون مغاير: «من الصحاح: رويت من الماء: أروي رِياً ورَياً، الثرى: التراب الندي، وأرض ثريا: ذات نَدى، ويقال: التقى الثريان، إذا نزل المطر فرسَخ في الأرض حتَّى يلتقي هو وندى الارض».
[4] في الأصل: «فشرب منها الناس وسقوا»، وقد أثبت لفظ الحديث كما ساقه المؤلف نفسه.
[5] في الأصل: «يصرفه»، والمثبت هو الأنسب كما في شرح ابن بطال.
[6] كتب بعد هذا: «ومن وافقه» لكن ضرب عليها بخط فوقها.
[7] وقد أخرجه البخاري في «فضائل القرآن» في رواية: «إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه».





79# قوله: (نَقِيَّةٌ): أي: طيَّبة، وهو مستنقع الماء في الجبال والصخور.

(الْكَلأَ): يقع على الرَّطب واليابس من النَّبات.

قوله: (أَجَادِبُ): هي صلاب الأرض التي تمسك الماء.

قوله: (طَائِفَةً): أي: قطعة.

و(القِيْعَان): هي الأرض المستوية، وقيل: الملساء التي لا نبات فيها.

فالأوَّل مثل الأرض التي [1] قبلت الماء، وأنبتت الكلأ والعشب الكثير، فانتفعت بالرِّيِّ والتزيُّن في نفسها، وانتفع النَّاس فيها [2] بالرَّعي بما أنبتت، فهذا كالذي فقه في نفسه، وكان قلبه نقيًّا من الشُّكوك، فعلم ما تحمله وعلَّمه النَّاس، والثَّاني: مثل الأرض التي أمسكت الماء، فانتفع النَّاس [3] به، فشربوا وسقَوا وزرعوا بهذا الماء؛ كالذي حمل علمًا وبلَّغه غيره فانتفع ذلك الغير به، والثَّالث: مثل الأرض السِّباخ التي [4] لا تُنبِت كلأ، ولا تمسك ماء؛ كالذي سمع العلم فلم ينتفع به.

[1] في (أ): (الذي).
[2] (فيها): ليس في (أ).
[3] في (ب): (بالرعي).
[4] في (أ): (الذي).





79- وبه قال: ((حدثنا محمد بن العلاء)) ؛ بالمهملة والمدِّ، المكنى بأبي كُريب؛ بضم الكاف، مصغَّر ((كرب)) بالموحدة، الهمداني؛ بسكون الميم والدال المهملة، وشهرته بكنيته أكثر من اسمه، المتوفى سنة ثمان وأربعين ومئتين، ((قال: حدثنا حماد بن أُسامة)) ؛ بضم الهمزة: ابن يزيد الهاشمي القرشي الكوفي، المتوفى سنة إحدى ومئتين عن ثمانين سنة، ((عن بُرَيد بن عبد الله)) ؛ بضم الموحدة، وفتح الراء، وسكون المثناة التحتية، آخره دال مهملة، ابن أبي بُرْدة ابن أبي موسى الأشعري.

((عن أبي بُرْدة)) ؛ بضمِّ الموحدة وإسكان الراء، ابن أبي موسى الأشعري، ((عن أبي موسى)) عبد الله بن قيس الأشعري، وإنَّما لم يقل: عن أبيه؛ لأجل التفنن في الإسناد، ((عنِ النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم قال: مَثَل)) ؛ بفتح الميم والثاء المثلثة؛ أي: الصفة العجيبة، ((ما بعثني الله به من الهدى)) الرشاد والدلالة يذكَّر ويؤنَّث، وهو لغة: المعرفة، واصطلاحًا: الدلالة الموصلة إلى البُغية، ((والعلم)) ؛ بالجر عطفًا على (الهدى) ، وهو صفة توجب تمييزًا لا يَحتمل النقيض، والمراد به هنا الأدلة الشرعيَّة، ((كمَثَل)) ؛ بفتح الميم والمثلثة: خبر للمبتدأ الذي هو لفظ (مَثَل) ، ((الغيث)) ؛ المطر، ((الكثير أصاب)) الغيث، ((أرضًا)) ، والجملة من الفعل والفاعل والمفعول محلها نصب على الحال بتقدير (قد) ، ((فكان منها)) ؛ أي: من الأرض أرض ((نَقِيَّة)) ؛ بفتح النون، وكسر القاف، وبالمثناة التحتية المشددة؛ أي: طيبة، كما في رواية في «مسلم».

((قَبِلت الماء)) ؛ بفتح القاف وكسر الموحدة، من القبول، ولا خلاف في هذا، خلافًا لمن وهم، ((فأنبتت الكَلَأ)) ؛ بفتح الكاف واللام آخره مهموز مقصور: النبات يابسًا ورطبًا، ((والعشب)) النبات الرطب، وهو بالنصب عطفًا على المفعول، ((الكثير)) بالنصب صفة للعشب، وهو من ذكر الخاصِّ بعد العام، ((وكانت)) ، وفي رواية: (وكان) عطف على (فكان) ، وقوله: ((منها)) خبر (كان) مقدَّمًا، وقوله: ((أجادب)) بالرفع اسم (كان) مؤخرًا، وهو بالدال المهملة جمع جدب؛ بفتح الدال المهملة على غير قياس، وفي رواية (أجاذب) ؛ بالذال المعجمة، قال الأصيلي: والصواب: بالمهملة، وفي رواية: (إخاذات) ؛ بكسر الهمزة، ومعجمة مخففة، ومعجمة، وفي أخرى: (أحارب) ؛ بحاء مهملة وراء مهملة، والمراد بها الأرض التي لا تشرب لصلابتها فلا تُنبت شيئًا.

((أمسكت الماء)) جملة محلُّها الرفع صفة (أجادب) ، ((فنفع الله بها)) ؛ أي: بالأجادب، وللأصيلي: (به) ، ((الناس)) فيكون الضمير المذكور للماء، ((فشربوا)) من الماء، ((وسَقَوا)) دوابَّهم؛ بفتح السين والقاف وسكون الواو، ((وزرعوا)) ما يصلح للزرع، وعند مسلم والنسائي: (ورعَوا من الرعي) .

((وأصاب منها)) ؛ أي: الغيث، ((طائفةً)) بالنصب مفعوله، ((أخرى)) صفة (طائفة) ؛ أي: قطعة أخرى من الأرض، وفي رواية: (وأصابت) ؛ أي: أصابت طائفة أخرى، كما صرح به النسائي، ((إنَّما هي قِيعان)) ؛ أي: ما هي إلَّا قِيعان؛ بكسر القاف، جمع قاع: وهو الأرض المتسعة، وقيل: اللمساء، وقيل: التي لا نبات فيها، وهذا هو المراد في الحديث، وأصل قِيعان: قوعان، قلبت الواو ياء؛ لسكونها وانكسار[/ص52/] ما قبلها.

((لا تُمسك ماء)) في محل رفع صفة (قِيعان) ، ((ولا تُنبت كلأ)) صفة أيضًا؛ بضم المثناة الفوقية فيهما، ((فذلك)) ؛ أي ما ذكر من الأقسام الثلاثة محله رفع مبتدأ، ((مَثَل)) خبره؛ بفتح الميم والمثلثة، ((مَن)) موصولة محلُّها [1] الجرُّ بالإضافة، ((فقُه)) ؛ بضم القاف وقد تكسر؛ أي صار فقيهًا، ((في دين الله)) تعالى، ((ونفعه ما)) ، وفي رواية: (بما) ؛ أي: بالذي، ((بعثني الله)) سبحانه، ((به، فعلِم)) ما جئتُ به، ((وعلَّم)) غيرَه.

وهذا على قسمين؛ الأول: العالم العامل المعلِّم، كالأرض الطيبة شربت فانتفعت بنفسها وأنبتت فنفعت غيرها.

والثاني: الجامع للعلم، المستغرق لأوقاته فيه، المعلِّم غيرَه، لكنه لم يعمل بنوافله، كالأرض التي يستقر فيها الماء فينتفع الناس به، وتمام تحقيقه في «عمدة القاري».

((ومَثَل)) ؛ بفتح الميم والمثلثة، ((مَن)) موصولة، ((لم يرفع بذلك رأسًا)) يعني: تكبر ولم يلتفت إليه من غاية تكبره؛ بأن دخل الدين ولم يسمع العلم، أو سمعه ولم يعمل به ولم يعلِّمه، كالأرض السبخة التي لا تقبل الماء وتفسده على غيرها.

((ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به)) ؛ أي: مَن لم يدخل في الدين أصلًا؛ بل بلغه فكفر به، كالأرض الصمَّاء الملساء المستوية التي يمر عليها الماء فلا تنتفع به، شبَّه عليه السلام ما جاء به من الدين بالغيث العام الذي يأتي الناس في حال حاجتهم، وكذا حال الناس قبل مبعثه عليه السلام، فكما أنَّ الغيث يحيي البلد الميت كذلك علوم الدين تحيي القلب الميت، ثم شبَّه السامعين له بالأراضي المختلفة التي ينزل بها الغيث، وتمامه في «عمدة القاري».

((قال أبو عبد الله)) ؛ أي: المؤلِّف، وهو ساقط في رواية، ((قال إسحاق)) بن إبراهيم بن مَخْلَد، بفتح الميم، وإسكان الخاء المعجمة، وفتح اللام: أبو يعقوب الحنظلي المِروزي المشهور بابن راهَوَيه؛ بالهاء والواو المفتوحتين آخره تحتية ساكنة، وقيل: بضم الهاء وفتح التحتية، المتوفى سنة ثمان وثلاثين ومئتين، أو هو إسحاق ابن إبراهيم بن نصر السعدي البخاري نزيل المدينة، المتوفى سنة اثنين وثلاثين ومئتين، أو هو إسحاق بن منصور بن بَهْرام الكوسج المِروزي، المتوفى سنة إحدى وخمسين ومئتين، والظاهر الأول؛ لأنَّه أطلق، فالمراد هو كذا قيل.

((وكان منها طائفة)) ؛ أي: قطعة من الأرض، ((قيَّلت الماء)) ؛ بالمثناة التحتية المشدَّدة، بدل قوله: (قبلت) ؛ بالموحدة، وجزم الأصيلي أنَّها تصحيف من إسحاق، وصوَّبها غيرُه، و (قيلت) من القيلولة؛ أي: شربت نصف النهار، وزاد في رواية هنا: ((قاع)) ؛ أي: قِيعان المذكور في الحديث، جمع قاع؛ أرض ((يعلوه الماء)) ولا يستقرُّ فيه.

((والصفصف المستوي من الأرض)) هذا ليس في الحديث، وإنَّما ذكره جريًا على عادته في الاعتناء في تفسير ما يقع في الحديث من الألفاظ الواقعة في القرآن العظيم، ووقع فيه: {قاعًا صفصفًا} [طه: 106] ، وما فسَّره المؤلف هو قول أكثر أهل اللغة، وتمامه في «عمدة القاري».

[1] في الأصل: (محله)، وليس بصحيح.