متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

77- وبه قال: (حَدَّثَنِي)؛ بالإفراد، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ وابن عساكر: ((حدَّثنا)) (مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ)، هو البيكنديُّ، كما جزم به [1] البيهقيُّ وغيره، وقِيلَ: هو الفريابيُّ، ورُدَّ: بأنَّه لا رواية له عن أبي مُسْهرٍ الآتي، (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ)؛ بضمِّ الميم، وسكون السِّين المُهمَلَة، وكسر الهاء، وآخره راءٌ، عبد الأعلى بن مُسْهرٍ الغسَّانيُّ الدِّمشقيُّ، المُتوفَّى ببغداد [2] سنة ثمانِ عشْرةَ ومئتين، وقد لقيه المؤلِّفُ وسمع منه شيئًا يسيرًا، لكنَّه حدَّث عنه هنا بواسطةٍ، (قَالَ: حَدَّثَنِي)؛ بالإفراد، ولابن عساكر وأبي الوقت: ((حدَّثنا)) (مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ)؛ بفتح الحاء، وسكون الرَّاء المُهمَلَتين، آخره مُوحَّدةٌ، الخولانيُّ الحمصيُّ، المُتوفَّى سنة أربعٍ وسبعين ومئةٍ، وقد شارك أبا مُسْهِرٍ في رواية هذا الحديث عن محمَّد بن حربٍ هذا محمَّدُ بن المُصفَّى، كما عند النَّسائيِّ وابن جوصى عن سلمة بن الخليل وابن التَّقيِّ، كلاهما عن محمَّد بن حربٍ، كما في «المدخل» للبيهقيِّ، فقد رواه ثلاثةٌ غير أبي مُسْهِرٍ عن ابن حربٍ، فاندفع دعوى تفرُّد أبي مُسْهِرٍ به عنه، قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (الزُّبَيْدِيُّ)؛ بضمِّ الزَّاي، وفتح المُوحَّدة، أبو الهذيل محمَّد بن الوليد بن عامرٍ، الشَّاميُّ الحمصيُّ، المُتوفَّى بالشَّام سنة سبعٍ أو ثمانٍ وأربعين ومئةٍ، (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ، (عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ)؛ بفتح الرَّاء، وكسر المُوحَّدة، ابن سراقة، الأنصاريِّ الخزرجيِّ المدنيِّ، المُتوفَّى ببيت المقدس سنة تسعٍ وتسعين، عن ثلاثٍ وتسعين سنةً أنَّه (قَالَ: عَقَلْتُ) _بفتح القاف_ من باب «ضرَب يضرِب»؛ أي: عرفت أو حفظت (مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَجَّةً) بالنَّصب على المفعوليَّة (مَجَّهَا) مِنْ فِيْهِ؛ أي: رمى بها حال كونها (فِي وَجْهِي، وَأَنَا ابن خَمْسِ سِنِينَ)؛ جملة من المُبتدَأ والخبر وقعت حالًا؛ إمَّا من الضَّمير المرفوع في «عقلت» [/ج1ص175/] أو من الياء في «وجهي»، (مِنْ) ماءِ (دَلْوٍ) كان من بئرهم التي في دارهم، وكان فعله عليه الصلاة والسلام لذلك؛ على جهة المُدَاعبَة [3] ، أو التَّبريك عليه، كما كان صلى الله عليه وسلم يفعل مع أولاد الصَّحابة، ثمَّ نقله [4] لذلك الفعل المُنـزَّل منزلة السَّماع، وكونه سنَّةً مقصودةً دليلٌ لأن يُقال لابن خمسٍ: سمع، وقد تعقَّب ابنُ أبي صفرة المؤلِّفَ في كونه لم يذكر في هذه التَّرجمة حديث ابن الزُّبير في رؤيته إيَّاه يوم الخندق يختلف إلى بني قريظة، ففيه السَّماع منه، وكان سنُّه حينئذٍ ثلاث سنين أو أربعًا، فهو أصغر من محمودٍ، وليس في قصَّة محمودٍ ضبطُه لسماع شيءٍ، فكان ذكر حديث ابن الزُّبير أَوْلَى بهذين المعنيين، وأجاب ابن المُنَيِّر _كما قاله في «فتح الباري» و«مصابيح الجامع»_: بأنَّ المؤلِّف إنَّما أراد نقل السُّنن النَّبويَّة، لا الأحوال الوجوديَّة، ومحمودٌ نقل سنَّةً مقصودةً [5] في كون النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مجَّ مجَّةً في وجهه، بل في مُجرَّد رؤيته إيَّاه فائدةٌ شرعيَّةٌ ثبت بها كونه صحابيًّا، وأمَّا قصَّة ابن الزُّبير؛ فليس فيها نقل سنَّةٍ من السُّنن النَّبويَّة حتَّى تدخل في هذا الباب، ولا يُقَال _كما قاله الزَّركشيُّ_: إنَّ قضية [6] ابن الزُّبير تحتاج إلى ثبوت صحَّتها على شرط البخاريِّ؛ أي: حتَّى يتوجَّه الإيراد، بأنَّه قد أخرجها في «مناقب الزُّبير» [خ¦3720] من كتابه هذا، فنفيُ الورود [7] حينئذٍ لا يخفى ما فيه.

وفي هذا الحديث من الفقه جوازُ إحضار الصِّبيان مجالسَ الحديث، واستُدِلَّ به أيضًا على: أنَّ تعيين وقت السَّماع خمس سنين، وعزاه عياضٌ في «الإلماع» لأهل الصَّنعة، وقال ابن الصَّبَّاغ: وعليه قدِ استقرَّ عمل أهل الحديث المتأخِّرين، فيكتبون لابن خمسٍ فصاعدًا: «سمع»، ولمن لم يَبْلُغْها: «حضر» أو «أُحْضِر»، وحكى القاضي عياضٌ: أنَّ محمودًا حين عقل المجَّة كان ابنَ أربعٍ، ومن ثمَّ صحَّح الأكثرون سماع مَنْ بلغ أربعًا، لكن بالنِّسبة لابن العربيِّ خاصَّةً، أمَّا ابن العجميِّ؛ فإذا بلغ سبعًا، قال في «فتح الباري»: وليس في الحديث ما يدلُّ على تسميع مَنْ عُمُرُه خمس سنين، بل الذي ينبغي في ذلك اعتبار الفهم، فمن فهم الخطاب يسمع [8] وإن كان دون خمسٍ، وإلَّا؛ فلا.

[1] في (ص): «أخرجه».
[2] «ببغداد»: سقط من (ص).
[3] في هامش (ص): «الملاعبة. صح».
[4] في (ص): «نقل».
[5] قوله: «دليلٌ لأن يُقال لابن خمسٍ... الوجوديَّة، ومحمودٌ نقل سنَّةً مقصودةً»، سقط من (ص).
[6] في (ب) و(س): «قصَّة».
[7] في (ص): «المورد».
[8] في (ص): «سمع».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

77-. حدَّثني [1] مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قالَ: حدَّثنا أَبُو مُسْهِرٍ، قالَ: حَدَّثَنِي [2] مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ: حدَّثني الزُّبَيْدِيُّ، عن الزُّهْرِيِّ:

عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، قالَ: عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجَّةً مَجَّها فِي وَجْهِي، وأَنا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ، مِنْ دَلْوٍ.

[1] في رواية أبي ذر وابن عساكر والأصيلي: «حدَّثنا».
[2] في رواية ابن عساكر ورواية السمعاني عن أبي الوقت: «حدَّثنا».





77- ( الزُّبَيْدِيُّ ) بزاي مضمومة نسبة لزبيد قبيلة.

( عَقَلْتُ ) بفتح القاف.

( مَجَّهَا )؛ أي: رمَاها من فيه من الماء.

( وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ ) ويروى خارج «الصحيح»: «وأنا ابن أربع».


لا تتوفر معاينة

77- قوله: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ): هذا هو محمَّد بن يوسف البخاريُّ، أبو أحمد البيكنديُّ، عنِ ابن عيينة، وأبي أسامة، ووكيع، والنضر بن شُميل، وخلق، وله رحلة واسعة، وعنه: البخاريُّ، وأحمد بن سيَّار [1] ، وعبيد الله بن واصل وحريث بن عبد الرَّحمن البُخاريَّان، انفرد البخاريُّ بالإخراج له، لَمْ أر فيه تعديلًا ولا تجريحًا، والله أعلم، غير أنَّ البخاريَّ أخرج له محتجًّا به، وهذا تعديل؛ لأجل شرط البخاريِّ، والعدل [2] إذا أخرج عن شخص ليس تعديلًا لذلك الشَّخص على الصَّحيح، ولكن هذا تعديل [3] لشرط البخاريِّ [4] ، والله أعلم.

وقد تقدَّم قريبًا الكلام على محمَّد بن يوسف الفريابيِّ، وعلى محمَّد بن يوسف هذا أبي أحمد البيكنديِّ البخاريِّ، وفي كم مكان أخرج البخاريُّ عن هذا البيكنديِّ؟ في الورقة التي قبل هذه [5] ، والله أعلم.

قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ): هذا اسمه عبد الأعلى بن [6] مُسْهِر بن عبد الأعلى، أبو محمَّد الغسَّانيُّ شيخ الشَّام، عن سعيد بن عبد [7] العزيز ومالك، وعنه: ابن معين وأبو حاتم، وكان من أحفظ النَّاس وأجلِّهم وأفصحهم، جُرِّدَ للقتل على أنْ يقول بخلق القرآن، فأبى فسجن، ثقة، قال أحمد: (ما كان أثبته!) ، وثناء النَّاس عليه كثير، توفِّي في رجب سنة (118 هـ ) ، أخرج له الجماعة.

قوله: (حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ): هو بضمِّ الزاي، واسمه محمَّد بن الوليد، أبو الهذيل الحمصيُّ القاضي، عن مكحول، والزُّهريِّ، وراشد بن سعد، وعنه: محمَّد بن حرب، ويحيى بن حمزة، ثقة، حجة، ثبت، توفِّي سنة (149 هـ ) ، وقيل: (148 هـ ) ، أخرج له البخاريُّ، ومسلم، وأبو داود، والنَّسائيُّ، وابن ماجه.

قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ): تقدَّم مرارًا أنَّه محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عَبْد الله بن شهاب.

قوله: (عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ): هذا محمود بن الربيع بن سراقة الأنصاريُّ الخزرجيُّ، توفِّي سنة (99 هـ ) ، وقيل: سنة (96 هـ ) ، وهو من بني عبد الأشهل، وقيل: من بني الحارث بن الخزرج، وقيل: إنَّه من بني سالم بن عوف، يكنَّى: أبا نعيم، وقيل: أبو محمَّد، معدود في أهل المدينة، وله حين توفِّي ثلاث وتسعون سنة، عقل المجِّة وهو ابن أربع سنين أو خمس، وهي المذكورة هنا، وكذا في «النَّسائيِّ» و«ابن ماجه» من حديثه، وقال ابن عبد البَرِّ: (ابن أربع أو خمس سنين) ، والله أعلم.

غريبة: قال ابن الصَّلاح في «علومه»، [/ج1ص47/] وقد رُوِّيتُها بيني وبينه فيها اثنان، وهذا في غاية العلوِّ، قال: (بلغنا عن إبراهيم بن سعيد الجوهريِّ قال: رأيت صبيًّا ابن أربع سنين، قد حُمِل إلى المأمون، قد قرأ القرآن، ونظر في الرأي، غير أنَّه إذا جاع؛ بكى) .

قال شيخنا العراقيُّ فيما قرأته عليه: (والذي يغلب على الظنِّ عدم صحَّة هذه الحكاية، وقد رواها الخطيب في «الكفاية» بإسناده، وفي سندها أحمد بن كامل القاضي، وكان يعتمد على حفظه فيهم، قال الدَّارقطنيُّ: كان متساهلًا) انتهى.

قال الذَّهبيُّ في «ميزانه»: أحمد بن كامل بن شجرة القاضي البغداديُّ ليَّنه الدَّارقطنيُّ وقال: كان متساهلًا ومشَّاه غيره، وكان من أوعية العلم، كان يعتمد على حفظه فيهم، انتهى.

لكنِّي أنا رأيت [8] صبيًّا من أهل المدينة المشرَّفة مع والده في سنة سبعين وسبع مئة، ووالده من أهل الحديث، يقال له الشَّيخ نور الدين الفويُّ، وقد سمعت بقراءة والده بحلب والصبيُّ في الخامسة، وقد أقرأه من آخر القرآن إلى سورة الأنبياء، وقد سأل الإمام صدر الدين الياسوفي والده بحضوري: أأكتب [9] أبا الطيِّب _ وهي كنية الصبيِّ- سامعًا أم حاضرًا؟ فقال والده: سله، فقال له الشَّيخ صدر الدين: يا أبا الطيِّب؛ أكتبك [10] سامعًا أم حاضرًا؟ فقال في جوابه: يا سيدي؛ اكتبني سامعًا؛ لأنَّي أفهم الخطاب، وأرد الجواب، فجاء في الجزء المقروء ذكر الكوب، فقال له الشيخ صدر الدين [11] في المجلس: يا أبا الطيِّب؛ ما الكوب؟ فقال: ما لا خرطوم له ولا عروة، انتهى.

وقد رأيت بالقاهرة في سنة (785 هـ ) أو بعدها صبيًّا مع والده، وذكروا أنَّه في الخامسة، يقال لوالده: ابن الهاشم، وهو من أهل العلم _ أعني والده- ذكروا أنَّه حفظ القرآن و«العمدة الصُّغرى» لعبد الغني المقدسيِّ في الحديث، وأخبرني بعض الحلبيِّين العلماء من أصحابنا [12] : أنَّه عرض «العمدة» على شيخ الإسلام شيخنا [13] البلقينيِّ، انتهى.

ورأيت أنا [14] بالمدرسة السَّابقيَّة بالقاهرة صبيًّا آخر في الخامسة ومعه أبوه، والصبيُّ يقال له: ابن [15] اليمنيِّ، ووالده يقرئ الأولاد بمصر، جاء إلى شيخنا سراج الدين ابن الملقِّن الأنصاريِّ؛ ليعرض عليه «ألفيَّة ابن مالك»، وقد قرأ القرآن، (وغالب ظنِّي أنَّه عرضها بحضوري وهو لا يعرف الكتابة، غير أنَّه أيُّ بيت قال له الشَّخص عنه ويشير إليه بيده؛ يقول له: هذا كذا وكذا، وهذا) [16] من قوَّة حفظه لها في تلك النُّسخة، وقد أخذت «الألفيَّة» منه وقلت له: هذه نسختي -ألعب معه- وما هي لك، فجاذبني النُّسخة وهمَّ عليَّ، ثمَّ إنِّي رأيته مرَّة أخرى بسوق الكتب بالقاهرة مع أبيه، وأخبرني والده أنَّه افتتح كتابًا آخر أوأنَّه ختمه، ولكن ما أعرف الآن ما الكتاب الثَّاني، والله أعلم.

قوله: (مَجَّةً مَجَّهَا): المَجَّة: الواحدة، والمَجُّ: هو إرسال الماء من الفم مع نفخ، وقيل: لا يكون مجًّا حتَّى يتباعد به.

[1] في (ب): (يسار) .
[2] في (ب): (المعدل) .
[3] في (ب): (التعديل) .
[4] في (ب): (بشرط) ، وفي (ج): (لشرط للبخاري) .
[5] (هذه): ليس في (ج) .
[6] (بن): ليس في (ب) .
[7] (عبد): مثبت من (ب) .
[8] زيد في (ب): (العلماء من أصحابنا) .
[9] في (ب): (أكتب) .
[10] في (ب): (أكتب) .
[11] (صدر الدين): سقط من (ب) .
[12] (العلماء من أصحابنا): سقطت من (ج) .
[13] في (ب): (شيخنا شيخ الإسلام) .
[14] (أنا): ليست من (ج) .
[15] في (ج): (أبو) .
[16] ما بين قوسين سقط من (ب) .





77- قوله [1] : (مَجَّهَا): الضَّميرُ في (مَجَّهَا) راجعٌ إلى (مَجَّةً)، فهو مفعولٌ مطلقٌ، ويَحتملُ أَنْ يكون مفعولًا به.

(وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ): جملةٌ حاليةٌ مِنَ التَّاء في (عَقَلْتُ)، أو مِنَ الياء في (وَجْهِي).

[1] (قوله): مثبت من (أ).





77- وبه قال: (حَدَّثَنِي)؛ بالإفراد، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ وابن عساكر: ((حدَّثنا)) (مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ)، هو البيكنديُّ، كما جزم به [1] البيهقيُّ وغيره، وقِيلَ: هو الفريابيُّ، ورُدَّ: بأنَّه لا رواية له عن أبي مُسْهرٍ الآتي، (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ)؛ بضمِّ الميم، وسكون السِّين المُهمَلَة، وكسر الهاء، وآخره راءٌ، عبد الأعلى بن مُسْهرٍ الغسَّانيُّ الدِّمشقيُّ، المُتوفَّى ببغداد [2] سنة ثمانِ عشْرةَ ومئتين، وقد لقيه المؤلِّفُ وسمع منه شيئًا يسيرًا، لكنَّه حدَّث عنه هنا بواسطةٍ، (قَالَ: حَدَّثَنِي)؛ بالإفراد، ولابن عساكر وأبي الوقت: ((حدَّثنا)) (مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ)؛ بفتح الحاء، وسكون الرَّاء المُهمَلَتين، آخره مُوحَّدةٌ، الخولانيُّ الحمصيُّ، المُتوفَّى سنة أربعٍ وسبعين ومئةٍ، وقد شارك أبا مُسْهِرٍ في رواية هذا الحديث عن محمَّد بن حربٍ هذا محمَّدُ بن المُصفَّى، كما عند النَّسائيِّ وابن جوصى عن سلمة بن الخليل وابن التَّقيِّ، كلاهما عن محمَّد بن حربٍ، كما في «المدخل» للبيهقيِّ، فقد رواه ثلاثةٌ غير أبي مُسْهِرٍ عن ابن حربٍ، فاندفع دعوى تفرُّد أبي مُسْهِرٍ به عنه، قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (الزُّبَيْدِيُّ)؛ بضمِّ الزَّاي، وفتح المُوحَّدة، أبو الهذيل محمَّد بن الوليد بن عامرٍ، الشَّاميُّ الحمصيُّ، المُتوفَّى بالشَّام سنة سبعٍ أو ثمانٍ وأربعين ومئةٍ، (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ، (عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ)؛ بفتح الرَّاء، وكسر المُوحَّدة، ابن سراقة، الأنصاريِّ الخزرجيِّ المدنيِّ، المُتوفَّى ببيت المقدس سنة تسعٍ وتسعين، عن ثلاثٍ وتسعين سنةً أنَّه (قَالَ: عَقَلْتُ) _بفتح القاف_ من باب «ضرَب يضرِب»؛ أي: عرفت أو حفظت (مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَجَّةً) بالنَّصب على المفعوليَّة (مَجَّهَا) مِنْ فِيْهِ؛ أي: رمى بها حال كونها (فِي وَجْهِي، وَأَنَا ابن خَمْسِ سِنِينَ)؛ جملة من المُبتدَأ والخبر وقعت حالًا؛ إمَّا من الضَّمير المرفوع في «عقلت» [/ج1ص175/] أو من الياء في «وجهي»، (مِنْ) ماءِ (دَلْوٍ) كان من بئرهم التي في دارهم، وكان فعله عليه الصلاة والسلام لذلك؛ على جهة المُدَاعبَة [3] ، أو التَّبريك عليه، كما كان صلى الله عليه وسلم يفعل مع أولاد الصَّحابة، ثمَّ نقله [4] لذلك الفعل المُنـزَّل منزلة السَّماع، وكونه سنَّةً مقصودةً دليلٌ لأن يُقال لابن خمسٍ: سمع، وقد تعقَّب ابنُ أبي صفرة المؤلِّفَ في كونه لم يذكر في هذه التَّرجمة حديث ابن الزُّبير في رؤيته إيَّاه يوم الخندق يختلف إلى بني قريظة، ففيه السَّماع منه، وكان سنُّه حينئذٍ ثلاث سنين أو أربعًا، فهو أصغر من محمودٍ، وليس في قصَّة محمودٍ ضبطُه لسماع شيءٍ، فكان ذكر حديث ابن الزُّبير أَوْلَى بهذين المعنيين، وأجاب ابن المُنَيِّر _كما قاله في «فتح الباري» و«مصابيح الجامع»_: بأنَّ المؤلِّف إنَّما أراد نقل السُّنن النَّبويَّة، لا الأحوال الوجوديَّة، ومحمودٌ نقل سنَّةً مقصودةً [5] في كون النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مجَّ مجَّةً في وجهه، بل في مُجرَّد رؤيته إيَّاه فائدةٌ شرعيَّةٌ ثبت بها كونه صحابيًّا، وأمَّا قصَّة ابن الزُّبير؛ فليس فيها نقل سنَّةٍ من السُّنن النَّبويَّة حتَّى تدخل في هذا الباب، ولا يُقَال _كما قاله الزَّركشيُّ_: إنَّ قضية [6] ابن الزُّبير تحتاج إلى ثبوت صحَّتها على شرط البخاريِّ؛ أي: حتَّى يتوجَّه الإيراد، بأنَّه قد أخرجها في «مناقب الزُّبير» [خ¦3720] من كتابه هذا، فنفيُ الورود [7] حينئذٍ لا يخفى ما فيه.

وفي هذا الحديث من الفقه جوازُ إحضار الصِّبيان مجالسَ الحديث، واستُدِلَّ به أيضًا على: أنَّ تعيين وقت السَّماع خمس سنين، وعزاه عياضٌ في «الإلماع» لأهل الصَّنعة، وقال ابن الصَّبَّاغ: وعليه قدِ استقرَّ عمل أهل الحديث المتأخِّرين، فيكتبون لابن خمسٍ فصاعدًا: «سمع»، ولمن لم يَبْلُغْها: «حضر» أو «أُحْضِر»، وحكى القاضي عياضٌ: أنَّ محمودًا حين عقل المجَّة كان ابنَ أربعٍ، ومن ثمَّ صحَّح الأكثرون سماع مَنْ بلغ أربعًا، لكن بالنِّسبة لابن العربيِّ خاصَّةً، أمَّا ابن العجميِّ؛ فإذا بلغ سبعًا، قال في «فتح الباري»: وليس في الحديث ما يدلُّ على تسميع مَنْ عُمُرُه خمس سنين، بل الذي ينبغي في ذلك اعتبار الفهم، فمن فهم الخطاب يسمع [8] وإن كان دون خمسٍ، وإلَّا؛ فلا.

[1] في (ص): «أخرجه».
[2] «ببغداد»: سقط من (ص).
[3] في هامش (ص): «الملاعبة. صح».
[4] في (ص): «نقل».
[5] قوله: «دليلٌ لأن يُقال لابن خمسٍ... الوجوديَّة، ومحمودٌ نقل سنَّةً مقصودةً»، سقط من (ص).
[6] في (ب) و(س): «قصَّة».
[7] في (ص): «المورد».
[8] في (ص): «سمع».





77- ( محمَّد بْنُ يُوسُفَ ) هو: البيكنديُّ، إذ لا رواية للفِرْيابيِّ عن أبي مسهر.

( عَقَلْتُ ) بفتح القاف: حفظت. [/ج1ص244/]

( مَجَّةً ) بفتح الميم وتشديد الجيم، والمجُّ: إرسال الماء من الفم، وفعله النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم معه تبريكًا.

( وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ ) قال القاضي عياض: وروي: «وأنا ابن أربع» قال ابن حجر: ولم أقف على هذه الرِّواية بعد التَّتبُّع التَّامِّ.

( مِنْ دَلْوٍ ) زاد النَّسائيُّ: «معلَّق»، ولابن حبَّان: «معلَّقة»، والدَّلو: يُذكَّر ويُؤنَّث. [/ج1ص245/]


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

77- وبه قال: ((حدثني)) بالإفراد، وفي رواية: بالجمع ((محمد بن يوسف)) هو البيكندي أبو أحمد، وما قيل: إنَّه الفِريابي؛ فمردودٌ بعدم الرواية عن أبي مُسْهِر الآتي، ((قال: حدثنا أبو مُسْهِر)) ؛ بضم الميم، وإسكان السين المهملة، وكسر الهاء، آخرُه راء، عبد الأعلى بن مُسْهِر الغسَّاني الدمشقي، المتوفى ببغداد سنة ثمان عشرة ومئتين ((قال: حدثني)) بالإفراد، وفي رواية: بالجمع ((محمد بن حَرْب)) ؛ بفتح الحاء وإسكان الراء المهملتين، آخره موحدة، هو الأبرش؛ أي: الذي فيه نكت صغار تخالف لونه، الخولاني الحمصي، أبو عبد الله قاضي دمشق، المتوفى سنة أربع وسبعين ومئة، وما قيل: إنَّه تفرَّد أبو مُسْهِر برواية هذا الحديث عن ابن حرب؛ مردودٌ، فقد رواه ثلاثةٌ غير أبي مُسْهِر كما عند النَّسائي والبيهقي ((قال: حدثني)) بالإفراد ((الزُّبَيدي)) ؛ بضم الزاي وفتح الموحدة: أبو الهذيل محمد بن الوليد بن عامر الشامي، قاضي حمص، المتوفى بالشام سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة عن سبعين سنة، ((عن الزهري)) محمد بن مسلم ابن شهاب، ((عن محمود بن الرَّبيْع)) ؛ بفتح الراء وكسر الموحدة، ابن سراقة الأنصاري الخزرجي، أبو نعيم وأبو محمد، المدني، المتوفى ببيت المقدس سنة تسع وتسعين، عن ثلاث وتسعين سنة ((قال: عَقَلت)) ؛ بفتح العين المهملة، بابه (ضرب) ؛ أي: عرفت أو حفظت ((من النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم مَجَّةً)) بالنصب على المفعولية؛ بفتح الميم والتنوين ((مجَّها)) من فيه؛ أي: رمى بها حال كونها ((في وجهي)) ، وقيل: المَجُّ: إرسال الماء من الفم مع نفخ، ((وأنا ابن خمس سنين)) مبتدأ وخبره، والجملة معترضة وقعت حالًا، إمَّا من التاء في (عَقَلتُ) أو من الياء في (وجهي) ، ((من)) ماء ((دَلْو)) ؛ بفتح الدال المهملة وإسكان اللام، وفي رواية النَّسائي: (من دلو معلق) ، وفي (الرِّقاق) عن معمر: (من دلو كانت في دارهم) ، وفي (الصلاة) : (من بئر) ، ولا تعارض بين هذه الروايات؛ لحمل ذلك على أنَّه أخذ بالدلو من البئر وتناوله عليه السلام من الدلو؛ وهو وعاء يتخذ من جلد يستسقى فيه الماء في الآبار، وفي الحديث بركة النبي الأعظم عليه السلام وسماع الصغير وضبطه بالسنن، وجواز ملاعبة الصبيان.