متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

76- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) كما في رواية كريمة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابن أنس الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بتصغير «العبد» (ابْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بضمِّ العين، وسكون المُثنَّاة الفوقيَّة، وفتح المُوحَّدة، (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (قَالَ: أَقْبَلْتُ) حال كوني (رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ)؛ بفتح الهمزة وبالمُثنَّاة الفوقيَّة [1] : الأُنثى من الحمير، ولمَّا كان الحمار شاملًا للذَّكر والأنثى؛ خصَّصه بقوله: «أتانٍ»، وإنَّما لم يَقُلْ: حمارة، ويكتفي عن [2] تعميم «حمارٍ» ثمَّ تخصيصه [3] ؛ لأنَّ التَّاء تحتمل الوحدة، كذا قاله الكرمانيُّ، لكن تعقَّبه البرماويُّ: بأنَّ «حمارًا» مُفرَدٌ، لا اسم جنسٍ جمعيٍّ؛ كتمرٍ، وقال العينيُّ: الأحسن في الجواب: أنَّ الحمارة قد تُطلَق على الفرس الهجين، كما قاله الصَّغَّانيُّ، فلو قال: على حمارةٍ؛ لرُبَّما [4] كان يُفهَم أنَّه [/ج1ص174/] أقبل على فرسٍ هجينٍ، وليس الأمر كذلك، على أنَّ الجوهريَّ حكى: أنَّ الحمارة في الأنثى شاذَّةٌ [5] ، و«أتانٍ» بالجرِّ والتَّنوين كسابقه على النَّعت، أو بدلِ الغلط، أو بدلِ بعضٍ من كلٍّ؛ لأنَّ «الحمار» يُطلَق على الجنس فيشمل الذَّكر والأنثى، أو بدل كلٍّ من كلٍّ؛ نحو: شجرةٌ زيتونةٌ، ويُروَى بإضافة ((حمارٍ)) إلى ((أتانٍ))؛ أي: حمار هذا النَّوع؛ وهو الأتان، قال البدر الدَّمامينيُّ: قال سراج بن عبد الملك: كذا وجدته مضبوطًا [6] في بعض الأصول، واستنكرها السُّهيليُّ، وقال: إنَّما يجوِّزه مَنْ جَوَّزَ إضافة الشَّيء إلى نفسه؛ إذا اختلف اللَّفظان، وذكر ابن الأثير: أنَّ فائدة التَّنصيص على كونها أُنثى الاستدلال [7] بطريق الأولى على أنَّ الأنثى من بني آدم لا تقطع الصَّلاة؛ لأنَّهن [8] أشرف، وعُورِضَ: بأنَّ العلَّة ليست مُجرَّد الأنوثة فقط، بلِ الأنوثة بقيد البشريَّة؛ لأنَّها مظنَّة الشَّهوة، (وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ)؛ أي: قاربت (الاِحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي بِمِنًى)؛ بالصَّرف وعدمه، والأَجْوَد الصَّرف، وكتابته بالألف، وسُمِّيت بذلك لِمَا يُمنَى _أي: يُرَاق_ بها من الدِّماء، (إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ)، قال في «فتح الباري»: أي: إلى غير سترةٍ أصلًا، قاله الشَّافعيُّ، وسياق الكلام يدلُّ عليه؛ لأنَّ ابن عبَّاسٍ أورده في معرض الاستدلال على أنَّ المرور بين يديِ المصلِّي لا يقطع صلاته، ويؤيِّده رواية البزَّار بلفظ: «والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يصلِّي المكتوبة ليس شيءٌ يستره» (فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ)؛ أي: قدَّام (بَعْضِ الصَّفِّ)؛ فالتَّعبير بـ: «اليد» مجازٌ، وإلَّا، فالصَّفُّ لا يَدَ له، (وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ)؛ أي: تأكل وترتع، مرفوعٌ [9] ، والجملة في محلِّ نصبٍ على الحال من «الأتان»، وهي حالٌ مُقدَّرةٌ؛ لأنَّه لم يرسلها في تلك الحال، وإنَّما أرسلها قبل، مقدّرًا كونها على تلك الحال، وجوَّز ابن السَّيِّد فيه أن يريد: «لترتع»، فلمَّا حُذِفَ النَّاصب؛ رُفِع [10] كقوله تعالى: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ} [الزمر: 64] ؛ قاله البدر الدَّمامينيُّ، وقِيلَ: «ترتع»: تسرع في المشي، والأوَّل أَصْوَب، ويدلُّ عليه رواية المؤلِّف في «الحجِّ» [خ¦1857] : «نزلت عنها فرتعت»، (وَدَخَلْتُ الصَّفِّ) وللكُشْمِيهَنِيِّ: ((فدخلت)) بالفاء ((في الصَّفِّ))، (فَلَمْ يُنْكَرْ) بفتح الكاف (ذَلِكَ عَلَيَّ)؛ أي: لم ينكره عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا غيره، واستدلَّ المؤلِّف بسياق هذا على ما ترجم له؛ وهو أنَّ التَّحمُّل لا يُشتَرط فيه كمال الأهليَّة، وإنَّما يُشتَرط عند الأداء، ويلحق بالصَّبيِّ في ذلك العبدُ، والفاسق، والكافر، وأدخل المصنِّف هذا الحديث في ترجمة «سماع الصَّبيِّ»، وليس فيه سماعٌ؛ لتنزيل عدم إنكار المرور منزلة قوله: إنَّه جائزٌ، والمُرَاد من الصَّغير غيرُ البالغ، وذكره مع الصَّبيِّ من باب التَّوضيح والبيان [11] .

[1] «بالمثنَّاة الفوقيَّة»: سقط من (ص).
[2] في (م): «يستغني عن لفظ أتان».
[3] قوله: «تعميم «حمارٍ» ثمَّ تخصيصه»، سقط من (م).
[4] في (ص) و(م): «ربَّما».
[5] في (م): «شاذ».
[6] في (ص): «مبسوطًا».
[7] في (ص) و(م): «للاستدلال».
[8] في (ص): «الصَّلوات لأنَّها».
[9] في (ص): «مفعول»، وهو تحريفٌ.
[10] في (ص): «الرَّافع نُصِب»، وهو خطأٌ.
[11] في (ب): «للبيان».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

76-. حدَّثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ [1] ، قالَ: حدَّثني مالِكٌ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قالَ: أَقْبَلْتُ راكِبًا علىَ حِمارٍ أَتانٍ، وأَنا يَوْمَئِذٍ قَدْ ناهَزْتُ الاحْتِلامَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِمِنًىَ إلىَ غَيْرِ جِدارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، وأَرْسَلْتُ الأَتانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ [2] ، فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَليَّ.

[1] قوله: «بن أبي أويس» ليس في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ولا في رواية السمعاني عن أبي الوقت.
[2] هكذا في حاشية رواية ابن عساكر أيضًا، وفي رواية ابن عساكر والأصيلي ورواية السمعاني عن أبي الوقت ورواية أبي ذر عن الحَمُّويِي والمستملي: «ودخلتُ الصفَّ».





76- ( حِمَارٍ أَتَانٍ ) بمثناة، وهو بتنوينهما، ويكون ( أتان ) نعتًا أو بدلًا، وروي بالإضافة.

( بِمِنىً ) بالصرف وتركه.

( تُرْتَعُ ) بالضم [1] ، أي: تسرع في المشي، وقيل: تأكل ما تشاء، ويقال: ترتِع بالكسر تفتعل من الرعي، والصواب الأول، فقد رواه البخاري في الحج [خ¦1857] فقال: «ثم نزلت عنها فرتعت».

[1] جاء في هامش [ب] : أي ضم العين لئلا يتوهم أن الضم في التاء.





لا تتوفر معاينة

76- قوله: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ): هذا هو ابن أبي أويس، وكذا هو منسوب في هامش أصلنا على أنَّه نسخة، وعليها علامة راويها، وأبو أويس: تقدَّم أنَّ اسمه عَبْد الله، وإسماعيل [1] : ابن أخت مالك، تقدَّم مرَّات.

قوله: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ): تقدَّم أنَّه الزُّهريُّ مرارًا.

قوله: (عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ): الأتان: بفتح الهمزة، ثمَّ مُثنَّاة فوق، وهي الأنثى من جنس الحمر، ولا يُقال [2] : أتانة، وقد حكيت.

و (حمارٍ أتانٍ) ؛ بتنوينهما: إمَّا على البدل، أو على الوصف، وقال بعضهم: هو وصف لـ (حمار) على معنى: صلب قويٍّ، والمراد: بدل الغلط أو بدل البعض من الكلِّ؛ إذ [3] الحمار اسم جنس يشمل الذكر والأنثى، وضُبط بالإضافة أيضًا؛ أي: حمار أنثى، وقال في «النهاية»: وإنَّما استُدرك الحمار بالأتان؛ ليعلم أنَّ الأنثى من الحمر لا تقطع الصَّلاة، وكذلك المرأة.

قوله: (نَاهَزْتُ): أي قاربت.

قوله: (فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيَّ): (يُنكر) مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله.

[1] زيد في (ج): (هو) ، وضرب عليها في (أ) .
[2] في (أ) و (ب): (يُقل) .
[3] في (أ) ، (ب): (إذا) .





76- (عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ): بالجرِّ بَدَلٌ مِنْ (حِمَارٍ)، أو وصفٌ على معنى: أنثى، وإنَّما لم يقُل: حمارة، ويكتفي عن تعميم (حمار) ثمَّ تخصيصه؛ لأنَّ التَّاء تَحتملُ الوَحْدةَ، كذا قال الكرمانيُّ، وفيه نظرٌ؛ فإنَّ (حمار) مفردٌ، لا اسمُ جنسٍ جمعيٍّ كـ (تمر).


76- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) كما في رواية كريمة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابن أنس الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بتصغير «العبد» (ابْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بضمِّ العين، وسكون المُثنَّاة الفوقيَّة، وفتح المُوحَّدة، (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (قَالَ: أَقْبَلْتُ) حال كوني (رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ)؛ بفتح الهمزة وبالمُثنَّاة الفوقيَّة [1] : الأُنثى من الحمير، ولمَّا كان الحمار شاملًا للذَّكر والأنثى؛ خصَّصه بقوله: «أتانٍ»، وإنَّما لم يَقُلْ: حمارة، ويكتفي عن [2] تعميم «حمارٍ» ثمَّ تخصيصه [3] ؛ لأنَّ التَّاء تحتمل الوحدة، كذا قاله الكرمانيُّ، لكن تعقَّبه البرماويُّ: بأنَّ «حمارًا» مُفرَدٌ، لا اسم جنسٍ جمعيٍّ؛ كتمرٍ، وقال العينيُّ: الأحسن في الجواب: أنَّ الحمارة قد تُطلَق على الفرس الهجين، كما قاله الصَّغَّانيُّ، فلو قال: على حمارةٍ؛ لرُبَّما [4] كان يُفهَم أنَّه [/ج1ص174/] أقبل على فرسٍ هجينٍ، وليس الأمر كذلك، على أنَّ الجوهريَّ حكى: أنَّ الحمارة في الأنثى شاذَّةٌ [5] ، و«أتانٍ» بالجرِّ والتَّنوين كسابقه على النَّعت، أو بدلِ الغلط، أو بدلِ بعضٍ من كلٍّ؛ لأنَّ «الحمار» يُطلَق على الجنس فيشمل الذَّكر والأنثى، أو بدل كلٍّ من كلٍّ؛ نحو: شجرةٌ زيتونةٌ، ويُروَى بإضافة ((حمارٍ)) إلى ((أتانٍ))؛ أي: حمار هذا النَّوع؛ وهو الأتان، قال البدر الدَّمامينيُّ: قال سراج بن عبد الملك: كذا وجدته مضبوطًا [6] في بعض الأصول، واستنكرها السُّهيليُّ، وقال: إنَّما يجوِّزه مَنْ جَوَّزَ إضافة الشَّيء إلى نفسه؛ إذا اختلف اللَّفظان، وذكر ابن الأثير: أنَّ فائدة التَّنصيص على كونها أُنثى الاستدلال [7] بطريق الأولى على أنَّ الأنثى من بني آدم لا تقطع الصَّلاة؛ لأنَّهن [8] أشرف، وعُورِضَ: بأنَّ العلَّة ليست مُجرَّد الأنوثة فقط، بلِ الأنوثة بقيد البشريَّة؛ لأنَّها مظنَّة الشَّهوة، (وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ)؛ أي: قاربت (الاِحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي بِمِنًى)؛ بالصَّرف وعدمه، والأَجْوَد الصَّرف، وكتابته بالألف، وسُمِّيت بذلك لِمَا يُمنَى _أي: يُرَاق_ بها من الدِّماء، (إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ)، قال في «فتح الباري»: أي: إلى غير سترةٍ أصلًا، قاله الشَّافعيُّ، وسياق الكلام يدلُّ عليه؛ لأنَّ ابن عبَّاسٍ أورده في معرض الاستدلال على أنَّ المرور بين يديِ المصلِّي لا يقطع صلاته، ويؤيِّده رواية البزَّار بلفظ: «والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يصلِّي المكتوبة ليس شيءٌ يستره» (فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ)؛ أي: قدَّام (بَعْضِ الصَّفِّ)؛ فالتَّعبير بـ: «اليد» مجازٌ، وإلَّا، فالصَّفُّ لا يَدَ له، (وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ)؛ أي: تأكل وترتع، مرفوعٌ [9] ، والجملة في محلِّ نصبٍ على الحال من «الأتان»، وهي حالٌ مُقدَّرةٌ؛ لأنَّه لم يرسلها في تلك الحال، وإنَّما أرسلها قبل، مقدّرًا كونها على تلك الحال، وجوَّز ابن السَّيِّد فيه أن يريد: «لترتع»، فلمَّا حُذِفَ النَّاصب؛ رُفِع [10] كقوله تعالى: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ} [الزمر: 64] ؛ قاله البدر الدَّمامينيُّ، وقِيلَ: «ترتع»: تسرع في المشي، والأوَّل أَصْوَب، ويدلُّ عليه رواية المؤلِّف في «الحجِّ» [خ¦1857] : «نزلت عنها فرتعت»، (وَدَخَلْتُ الصَّفِّ) وللكُشْمِيهَنِيِّ: ((فدخلت)) بالفاء ((في الصَّفِّ))، (فَلَمْ يُنْكَرْ) بفتح الكاف (ذَلِكَ عَلَيَّ)؛ أي: لم ينكره عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا غيره، واستدلَّ المؤلِّف بسياق هذا على ما ترجم له؛ وهو أنَّ التَّحمُّل لا يُشتَرط فيه كمال الأهليَّة، وإنَّما يُشتَرط عند الأداء، ويلحق بالصَّبيِّ في ذلك العبدُ، والفاسق، والكافر، وأدخل المصنِّف هذا الحديث في ترجمة «سماع الصَّبيِّ»، وليس فيه سماعٌ؛ لتنزيل عدم إنكار المرور منزلة قوله: إنَّه جائزٌ، والمُرَاد من الصَّغير غيرُ البالغ، وذكره مع الصَّبيِّ من باب التَّوضيح والبيان [11] .

[1] «بالمثنَّاة الفوقيَّة»: سقط من (ص).
[2] في (م): «يستغني عن لفظ أتان».
[3] قوله: «تعميم «حمارٍ» ثمَّ تخصيصه»، سقط من (م).
[4] في (ص) و(م): «ربَّما».
[5] في (م): «شاذ».
[6] في (ص): «مبسوطًا».
[7] في (ص) و(م): «للاستدلال».
[8] في (ص): «الصَّلوات لأنَّها».
[9] في (ص): «مفعول»، وهو تحريفٌ.
[10] في (ص): «الرَّافع نُصِب»، وهو خطأٌ.
[11] في (ب): «للبيان».





76- ( حِمَارٍ ): اسم جنس يقع على الذَّكر والأنثى.

( أَتَانٍ ): بفتح الهمزة _ وحُكِيَ كسرها _ ومثنَّاة: الأنثى خاصَّة، وهما بالتَّنوين، فالثَّاني نعت أو بدل أو بيان، وروي بالإضافة.

( نَاهَزْتُ ): قاربت.

( إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ ) أي: غير سترة.

( تَرْتَعُ ) بمثنَّاتين مفتوحتين وضمِّ العين، أي: تأكل ما تشاء، وقيل: تسرع في المشي، وروي بكسر العين بوزن تفتعل من الرَّعي، وأصله ترتعي حذفت الياء تخفيفًا، والأصوب الأوَّل، ففي الحجِّ: «نزلت عنها فرتعت». [خ:1857]

( وَدَخَلْتُ ) للكُشْمِيهنيِّ: «فدخلت».


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

76- وبه قال: ((حدثنا إسماعيل)) هو ابن عبد الله المشهور بابن أبي أويس، كما في رواية ((قال: حدثني)) بالإفراد ((مالك)) هو ابن أنس الإمام، ((عن ابن شهاب)) محمد بن مسلم الزهري، ((عن عبيد الله)) بالتصغير ((بن عبد الله)) ؛ بالتكبير، ((بن عُتْبَة)) ؛ بضم العين، وسكون المثناة الفوقية، وفتح الموحدة، ((عن عبد الله بن عباس)) رضي الله عنهما، ((قال: أقبلت)) حال كوني ((راكبًا على حمارٍأَتَانٍ)) ؛ بفتح الهمزة، وبالمثناة الفوقية، آخره نون؛ وهي الأنثى من الحمر، وإنما لم يقل: حمارة؛ لأنَّ الحمارة قد تطلق على الفرس الهجين، كما قاله الصاغاني، فلو قال: على حمارة؛ لربما كان يُفهم أنَّه أقبل على فرس هجين، وليس كذلك، على أنَّ الجوهريَّ حكى أنَّ الحمارة في الأنثى شاذَّة، و (أتانٍ) بالجر والتنوين كسابقه على النعت، أو بدل الغلط، أو بدل البعض من كلٍّ؛ لأنَّ الحمار يطلق على الجنس فيشمل الذكر والأنثى، أو بدل كل من كل، نحو: {شَجَرَةٍ... زَيْتُونَةٍ} [النور: 35] ، وفي رواية: بإضافة (حمار) إلى (أتان) ؛ أي: حمار هذا النوع وهو الأتان، كذا في «عمدة القاري»، وهذا أوجه وأحسن مما ذكره الكرماني، والدماميني، والبِرماوي؛ لأنَّه مخالف لما قاله أهل اللغة، كما لا يخفى على مَن تتبع.

((وأنا يومئذ)) الواو: للحال، و (أنا) مبتدأ، وخبرُه قوله: ((قد ناهزت)) ؛ أي: قاربت، ((الاحتلام)) وهو يسمى مراهق، و (الاحتلام) : البلوغ الشرعي، مشتق من الحلُم؛ بالضم: ما يراه النائم، ((ورسول الله صلى الله عليه وسلم)) الواو: للحال، مبتدأ، خبرُه قوله: ((يصلي)) ، وفي رواية البزار: (المكتوبة) ، ولم أقف على تعيين هذه الصلاة ((بمنًى)) منصوب على الظرفية بالصرف وعدمه، ولهذا يكتب بالألف والياء، والأحسن صرفها وكتابتها بالألف، سمِّيت بها؛ لما يمنى بها من الدماء؛ أي: تراق، وهو موضع بمكة يذبح فيه الهدايا وترمى فيه الجمرات، ((إلى غير جدار)) في محل نصب على الحال، وفيه حذفٌ؛ تقديره: يصلِّي غير متوجِّهٍ إلى جدار؛ بكسر الجيم: الحائط، والمراد به: السترة؛ يعني: إلى غير سترة أصلًا، ويدل له ما في رواية البزار بلفظ: (والنبي عليه السلام يصلي المكتوبة ليس شيء يستره) ، ((فمررت بين يدي)) أي: قُدَّام ((بعض الصف)) فالتعبير بـ (اليد) ؛ مجاز؛ لأنَّ الصف لا يد له، والمراد بـ (بعض الصف) : صف من الصفوف أو بعض من الصف الواحد، ((وأرسلتُ)) ؛ بضم التاء: فعل وفاعل، ومفعوله قوله: ((الأتانَ تَرتَعُ)) ؛ بتاءين مثناتين فوقيَّتين مفتوحتين، وضم العين المهملة؛ أي: تأكل ما تشاء، أو تسرع في المشي، والأول أصوب، و (ترتعُ) مرفوع، والجملة محلُّها النصب على الحال من الأحوال المقدَّرة؛ أي: مقدار رتعها، ((ودخلت الصف)) وفي رواية: (فدخلت –بالفاء- في الصف) ((فلم ينكِر)) ؛ بكسر [1] الكاف على صيغة المعلوم ((ذلك عليَّ)) ؛ أي: فلم ينكر النبي الأعظم عليه السلام عليَّ ذلك ولا غيره، وفي رواية: بلفظ المجهول،؛ أي: لم ينكر أحد لا رسول الله عليه السلام ولا غيره ممن كانوا معه.

واستدل المؤلف بهذا على أنَّ التحمُّل لا يُشترط فيه كمال الأهليَّة، وإنَّما يُشترط عند الأداء، ويلحق بالصبي في ذلك العبد، والفاسق، والكافر، وفيه دليل على جواز مَن عَلِمَ الشيءَ صغيرًا وأدَّاه كبيرًا بالإجماع، وكذا الفاسق والكافر إذا أدَّيا حالَ الكمال.

وفيه جواز الركوب لصلاة الجماعة، وأنَّ مرور الحمار غير قاطع للصلاة، وعليه بوَّب أبو داود، وما ورد محمولٌ على قطع الخشوع، وفيه صحة صلاة الصبي، وأنَّه إذا فُعِل بين يدي النبي عليه [السلام] شيء ولم ينكره؛ فهو حجة، وأنَّ سُترة الإمام سُترةٌ لمن خلفه، وعليه بوَّب المؤلِّف وهو بالإجماع، والمرور بين يدي المصلي مكروه إذا كان إمامًا أو منفردًا وصليا إلى سُترة، وأمَّا المأموم؛ فلا يضرُّه؛ لأنَّه خلف الإمام وهو سُترة لمن خلفه، وسيأتي بقيَّة مباحثه إن شاء [الله تعالى] .

[1] في الأصل: (بفتح) ، ولا يستقيم مع قوله: (على صيغة المعلوم) .