إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب الاغتباط في العلم والحكمة

(15) هذا (باب الاِغْتِبَاطِ فِي الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ) من باب العطف التَّفسيريِّ، أو من باب عطف الخاصِّ على العامِّ، والاغتباط بالغين المُعجَمَة: «افتعالٌ» مِنَ الغبطة؛ وهي تمنِّي مثلَ ما للمغبوط من غير زواله عنه؛ بخلاف الحسد فإنَّه مع تمنِّي الزَّوال عنه (وقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب رضي الله عنه فيما رواه ابن عبد البرِّ بسندٍ صحيحٍ من حديث ابن سيرين عن
ج1ص171
الأحنف عنه: (تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وتشديد الواو، أي: تصيروا سادةً، من ساد قومه يسودهم سيادةً، قال أبو عبيد [1] أي: تفقَّهوا وأنتم صغارٌ قبل أن تصيروا سادةً، فتمنعكم الأنفة عن الأخذ عمَّن هو دونكم، فتبقوا جهَّالًا، ولا وجه لمن خصَّه بالتَّزوُّج لأنَّ السِّيادة أعمُّ؛ لأنَّها قد تكون به وبغيره من الأشياء الشَّاغلة، ولا يخفى تكلُّف من جعله من السَّواد في اللِّحية، فيكون أمر الشَّابِّ بالتَّفقُّه قبل أن تسودَّ لحيته [2]، والكهل قبل أن تتحوَّل لحيته من السَّواد إلى الشَّيب، وزاد الكُشْمِيهَنيُّ في روايته: ((قال أبو عبد الله، أي: المؤلِّف))، وفي نسخةٍ: ((وقال محمَّد بن إسماعيل [3]: وبعد أن تُسَوَّدُوا)) وإنَّما عقَّب المؤلِّف السَّابقَ بهذا اللَّاحق ليبيِّن أنْ لا مفهومَ له؛ خوف أن يُفهَم منه أنَّ السِّيادة مانعةٌ من التَّفقُّه، وإنَّما أراد عمر رضي الله عنه أنَّه قد يكون سببًا للمنع؛ لأنَّ الرَّئيس قد يمنعه الكِبَر والاحتشام أن يجلس مجلس المتعلِّمين، وقد تعلَّم أصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في كبر سنِّهم، أورده تأكيدًا للسَّابق، وليس قول عمر رضي الله عنه هنا من تمام التَّرجمة. نعم؛ قال البرماويُّ وغيره تبعًا للكرمانيِّ: إلَّا أن يُقَال: الاغتباط في الحكمة على القضاء لا يكون إلَّا قبل كون الغابط قاضيًا، قالوا: ويُؤوَّل حينئذٍ بمصدرٍ، والتَّقدير: باب الاغتباطِ وقول عمر. انتهى. وتُعقِّب: بأنَّه كيف يُؤوَّل الماضي بالمصدر، وتأويل الفعل بالمصدر لا يكون إلَّا بوجود «أن» المصدريَّة؟
ج1ص172


[1] في (ب) و(س): «أبو عبيدة»، وليس بصحيحٍ.
[2] أي تنبت لحيته وتكتمل.
[3] قوله: «وفي نسخةٍ: وقال محمَّد بن إسماعيل» سقط من (ص).