متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

15- هذا (باب الاِغْتِبَاطِ فِي الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ) من باب العطف التَّفسيريِّ، أو من باب عطف الخاصِّ على العامِّ، والاغتباط _بالغين المُعجَمَة_: «افتعالٌ» مِنَ الغبطة؛ وهي تمنِّي مثلَ ما للمغبوط من غير زواله عنه؛ بخلاف الحسد؛ فإنَّه مع تمنِّي الزَّوال عنه، (وقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب رضي الله عنه فيما رواه ابن عبد البرِّ بسندٍ صحيحٍ من حديث ابن سيرين عن [/ج1ص170/] الأحنف عنه: (تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا)؛ بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة، وتشديد الواو؛ أي: تصيروا سادةً، من ساد قومه يسودهم سيادةً، قال أبو عبيد [1] : أي: تفقَّهوا وأنتم صغارٌ قبل أن تصيروا سادةً، فتمنعكم الأنفة عن الأخذ عمَّن هو دونكم، فتبقوا جهَّالًا، ولا وجه لمن خصَّه بالتَّزوُّج؛ لأنَّ السِّيادة أعمُّ؛ لأنَّها قد تكون به وبغيره من الأشياء الشَّاغلة، ولا يخفى تكلُّف من جعله من السَّواد في اللِّحية، فيكون أمر الشَّابِّ بالتَّفقُّه قبل أن تسودَّ لحيته [2] ، والكهل قبل أن تتحوَّل لحيته من السَّواد إلى الشَّيب، وزاد الكُشْمِيهَنيُّ في روايته: ((قال أبو عبد الله؛ أي: المؤلِّف))، وفي نسخةٍ: ((وقال محمَّد بن إسماعيل [3] : وبعد أن تُسَوَّدُوا))، وإنَّما عقَّب المؤلِّف السَّابقَ بهذا اللَّاحق؛ ليبيِّن أنْ لا مفهومَ له؛ خوف أن يُفهَم منه أنَّ السِّيادة مانعةٌ من التَّفقُّه، وإنَّما أراد عمر رضي الله عنه: أنَّه قد يكون سببًا للمنع؛ لأنَّ الرَّئيس قد يمنعه الكبر والاحتشام أن يجلس مجلس المتعلِّمين، وقد تعلَّم أصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في كبر سنِّهم أورده تأكيدًا للسَّابق، وليس قول عمر رضي الله عنه هنا من تمام التَّرجمة. نعم؛ قال البرماويُّ وغيره تبعًا للكرمانيِّ: إلَّا أن يُقَال: الاغتباط في الحكمة على القضاء لا يكون إلَّا قبل كون الغابط قاضيًا، قالوا: ويُؤوَّل حينئذٍ بمصدرٍ، والتَّقدير: باب الاغتباطِ وقول عمر، انتهى. وتُعقِّب: بأنَّه كيف يُؤوَّل الماضي بالمصدر، وتأويل الفعل بالمصدر لا يكون إلَّا بوجود «أنِ» المصدريَّة؟

[1] في (ب) و(س): «أبو عبيدة»، وليس بصحيحٍ.
[2] أي تنبت لحيته وتكتمل.
[3] قوله: «وفي نسخةٍ: «وقال محمَّد بن إسماعيل»، سقط من (ص).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

(15) بابُ [1] الاغْتِباطِ فِي العِلْمِ والحِكْمَةِ

وَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا [2] .

[1] لفظة: «باب» ليست ثابتة في رواية الأصيلي.
[2] في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ زيادة: «قال أبو عبد الله: وبعد أن تُسَوَّدوا، وقد تعلَّم أصحابُ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في كبر سِنِّهم». وانظر تغليق التعليق: 2/83.





( الاِغْتِبَاطِ فِي الْعِلْمِ ) بغين معجمة.

( قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا ) بتاء مضمومة وسين مفتوحة وواو مشدَّدة، يعني: تُعظَّموا. قال أبو عبيد: أي تعلَّموه صغارًا قبل أن تصيروا رؤساء منظورًا إليكم، فإن لم تعلّموا قبل ذلك استحييتم أن تعلموا بعد الكبر فبقيتم جهَّالًا تأخذونه من الأصاغر فيزري ذلك بكم.

قال الخطيب: وهو شبيه بحديث ابن المبارك: «لن يزالَ الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم، فإذا أتاهم من أصاغرهم فقد هلكوا».


(15) (بَابُ الاِغْتِبَاطِ فِي الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ) الاغتباط بغين معجمة.

(وَقَالَ عُمَرُ [1] : تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا) وذلك لأن من سَوَّده الناس يستحيي أن يقعدَ مقعدَ المتعلم [2] خوفًا على رئاستهِ عند العامة.

ووجه مطابقة الترجمة: أنَّ في هذه الوصية ما يُحقق استحقاقَ العلم؛ لأن يُغْبَطَ به صاحبُه حيثُ وقع التحذيرُ من أن تكون السيادة

@%ج1ص83%

مانعًا [3] من طلبه، ومراده: اطلبوا العلم قبل السيادة وبعدها، ولا يكن [4] وجودُها مانعًا كما في الطباع.

وتسوَّدوا: تُفَعَّلُوا؛ من ساد يسود.

وحكى الزبيدي في «طبقات النحويين»: أن أبا محمد الأعرابي قال لإبراهيم بن الحجَّاج الثائر بإِشْبيلِيَّةَ: أيها الأمير! ما سَيَّدَتْكَ العربُ إلا بحقِّك [5] _ يقولها بالياء _ فلما أُنكر عليه، قال: السواد: السُّخام، وأصرَّ [6] على أن الصواب معه.

[1] ((عمر)): ليست في (ق).
[2] في (ق): ((التعلم)).
[3] في (ق): ((مانعة)).
[4] في (ق): ((يكون)).
[5] في (ق): ((بحق)).
[6] في (ق): ((وأخبر)).





(باب الاِغْتِبَاطِ فِي الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ) وسيأتي الكلام على الغبطة قريبًا ما هي.

قوله: (وَقَالَ عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا): قال ابن المنيِّر: (وجه مطابقة قول عمر رَضِيَ اللهُ عَنْهُ للترجمة أنَّه جعل السيادة من ثمرات العلم، وأوصى الطالب باغتنام الزيادة قبل بلوغ درجة السيادة، وذلك يحقِّق استحقاق العلم؛ لأن يُغتبَط به صاحبه؛ لأنَّه سبب لسيادته) انتهى.

قوله: (قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا): هو بتشديد الواو المفتوحة؛ معناه: تُعظَّموا؛ والمعنى: تعلَّموا العلم ما دمتم صغارًا قبل أن تصيروا سادة رؤساء يُنظَر إليكم، فإن لَمْ تتعلَّموا قبل ذلك؛ استحييتم أن تتعلَّموا بعد الكبر، فبقيتم جهَّالًا، ويؤيِّد هذا القول -وأنَّه مراد البخاريِّ- قول البخاريِّ بعد ذلك: (وقد تعلَّم أصحاب النَّبيِّ صلى الله علَيْهِ وَسَلَّم في كبر سنِّهم) ، وفيه قول ثان: وَهْوَ أنَّ معناه: لا تأخذوا عَن الأصاغر، فيُزرى بكم ذلك، وثالث: وَهْوَ أنَّ معناه: قبل أنْ تزوَّجوا، فتصيروا سادة بالحكم على الأزواج والاشتغال بهنَّ لهوًا، ثمَّ تمحُّلًا للنفقة.

قال شيخنا الشارح: (وحكاه صاحب «مجمع الغرائب» احتمالًا، وَهْوَ متَّجه، وجزم به البيهقيُّ في «مدخله»، ولم يذكر غيره، فقال: معناه: قبل أن تتزوَّجوا، فتصيروا أربابًا، قاله شمر) انتهى.

وحَكى ابن الأثير في «نهايته» القولين؛ الأوَّل والآخر.



15- هذا (باب الاِغْتِبَاطِ فِي الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ) من باب العطف التَّفسيريِّ، أو من باب عطف الخاصِّ على العامِّ، والاغتباط _بالغين المُعجَمَة_: «افتعالٌ» مِنَ الغبطة؛ وهي تمنِّي مثلَ ما للمغبوط من غير زواله عنه؛ بخلاف الحسد؛ فإنَّه مع تمنِّي الزَّوال عنه، (وقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب رضي الله عنه فيما رواه ابن عبد البرِّ بسندٍ صحيحٍ من حديث ابن سيرين عن [/ج1ص170/] الأحنف عنه: (تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا)؛ بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة، وتشديد الواو؛ أي: تصيروا سادةً، من ساد قومه يسودهم سيادةً، قال أبو عبيد [1] : أي: تفقَّهوا وأنتم صغارٌ قبل أن تصيروا سادةً، فتمنعكم الأنفة عن الأخذ عمَّن هو دونكم، فتبقوا جهَّالًا، ولا وجه لمن خصَّه بالتَّزوُّج؛ لأنَّ السِّيادة أعمُّ؛ لأنَّها قد تكون به وبغيره من الأشياء الشَّاغلة، ولا يخفى تكلُّف من جعله من السَّواد في اللِّحية، فيكون أمر الشَّابِّ بالتَّفقُّه قبل أن تسودَّ لحيته [2] ، والكهل قبل أن تتحوَّل لحيته من السَّواد إلى الشَّيب، وزاد الكُشْمِيهَنيُّ في روايته: ((قال أبو عبد الله؛ أي: المؤلِّف))، وفي نسخةٍ: ((وقال محمَّد بن إسماعيل [3] : وبعد أن تُسَوَّدُوا))، وإنَّما عقَّب المؤلِّف السَّابقَ بهذا اللَّاحق؛ ليبيِّن أنْ لا مفهومَ له؛ خوف أن يُفهَم منه أنَّ السِّيادة مانعةٌ من التَّفقُّه، وإنَّما أراد عمر رضي الله عنه: أنَّه قد يكون سببًا للمنع؛ لأنَّ الرَّئيس قد يمنعه الكبر والاحتشام أن يجلس مجلس المتعلِّمين، وقد تعلَّم أصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في كبر سنِّهم أورده تأكيدًا للسَّابق، وليس قول عمر رضي الله عنه هنا من تمام التَّرجمة. نعم؛ قال البرماويُّ وغيره تبعًا للكرمانيِّ: إلَّا أن يُقَال: الاغتباط في الحكمة على القضاء لا يكون إلَّا قبل كون الغابط قاضيًا، قالوا: ويُؤوَّل حينئذٍ بمصدرٍ، والتَّقدير: باب الاغتباطِ وقول عمر، انتهى. وتُعقِّب: بأنَّه كيف يُؤوَّل الماضي بالمصدر، وتأويل الفعل بالمصدر لا يكون إلَّا بوجود «أنِ» المصدريَّة؟

[1] في (ب) و(س): «أبو عبيدة»، وليس بصحيحٍ.
[2] أي تنبت لحيته وتكتمل.
[3] قوله: «وفي نسخةٍ: «وقال محمَّد بن إسماعيل»، سقط من (ص).





( الاِغْتِبَاطِ ): بغين معجمة.

( تُسَوَّدُوا ): بضمِّ الفوقيَّة وفتح المهملة والواو المشدَّدة، أي: تُجْعَلُوا سادة، زاد الكُشْمِيهنيُّ: «قال أبو عبد الله _ أي: البخاريَّ _: وبعد أن تُسوَّدوا». [/ج1ص241/]


(15) (باب الاغتباط في العِلم والحِكمة) [1]

[1] ما بين قوسين زيادة من هامش (ر).





لا تتوفر معاينة

(15) بَابُ الِاغْتِبَاطِ فِي العِلْمِ وَالحِكْمَةِ

وَقَالَ عُمَرُ: «تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا»، وفي بعض النسخ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: «وَبَعْدَ أَنْ تُسَوَّدُوا وَقَدْ تَعَلَّمَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي كِبَرِ سِنِّهِمْ».

حمل البخاري ما وقع من لفظ الحسد على الغبطة، فأخرجه عن ظاهره وحمله على الغبطة وتمني الأعمال الصالحة.

وأما مطابقة قول عمر للتبويب فقال بعضهم: المعنى فيه أنه جعل السيادة من ثمرات العلم، فأوصى الطالب باغتنام الزيادة قبل بلوغ درجة السيادة، فإنه إذا كان العلم سبباً للسيادة فهو جَدِيْرٌ أن يغتبط به صاحبه؛ لأنه سبب لسيادته.

وذكر أبو الفرج بن الجوزي عن سفيان بن عيينة عن الأحنف قال: قال لنا عمر رضي الله عنه: تفقهوا قبل أن تسودوا، قال سفيان: لأن الرجل إذا فقه لم يطلب السؤدد [1].

[1] هذا النقل عن ابن الجوزي كتب بهامش الأصل وأشير إليه بلحق.





(15) (باب الاغْتِبَاطِ فِي الْعِلْمِ [1] وَالْحِكْمَةِ).

[1] في (ب): (بالعلم).





هذا ((باب الاغتباط في العلم والحكمة)) الاغتباط: افتعال من الغبطة، وهي: أن يتمنى مثل حال المغبوط من غير أن يريد زوالها عنه، والحسد: أن يتمنى زوال ما فيه، والحكمة: معرفة الأشياء على ما هي عليه، فهي مرادفة للعلم، فالعطف عليه من باب العطف التفسيري.

((وقال عمر)) بن الخطاب ((رضي الله عنه)) فيما أخرجه أبو عمرو بإسناد صحيح من حديث ابن سيرين عن الأحنف عنه، وأخرجه الخوزي، وابن أبي شيبة، والبيهقي، كما بسطه في «عمدة القاري»: ((تفقهوا قبل أن تُسَوَّدوا)) ؛ بضمِّ المثناة الفوقيَّة، وفتح السين المهملة، وتشديد الواو؛ أي: قبل أن تصيروا [1] سادة، وتعلموا العلم ما دُمتُم صغارًا قبل السيادة والرئاسة؛ لأنَّ مَن سوَّده الناس يستحي أن يَقعُد مقعد المتعلِّم؛ خوفًا على رئاسته عند العامة، فيبقى على جهله، وقيل: معناه: قبل أن تتزوَّجوا، وقيل: معناه: قبل أن تَسْوَدَّ لحيتكم، والمعنى الأول أعم، وتمامه في «عمدة القاري».

وفي رواية الكشميهني زاد قوله: ((قال أبو عبد الله)) ؛ أي: المؤلف، وفي رواية: (قال محمد بن إسماعيل) ؛ أي: المؤلف: ((وبعد أن تُسَوَّدوا)) ؛ بضمِّ المثناة الفوقيَّة، وفتح السين المهملة، وتشديد الواو، عطف على قول عمر رضي الله عنه؛ أي: تفقهوا قبل أن تُسَوَّدوا وتفقهوا بعد أن تُسَوَّدوا؛ أي: بعد أن تصيروا سادةً كبارًا؛ لأنَّه لا يجوز ترك التفقه بعد السيادة إذا فاته قبلَها حتى يمضي عمره باشتغاله في العلم لينال الشهادة الواردة في الأحاديث الجمَّة.

ويدل لذلك أيضًا: أنَّ المؤلف أكَّد ذلك بقوله: ((وقد تعلَّم أصحاب النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) العلم ((في كبر سنهم)) ؛ لأنَّ الناس الذين آمنوا بالنبي عليه السلام وهم كبارٌ ما تفقَّهوا إلَّا في كبر سنهم، وما ذكره الكرماني وتبعه القسطلاني كلُّه تعسُّفٌ وخروجٌ عن مقصود المؤلف، مع ما فيه من التكلف الذي لا حاجة إليه، كما نبَّه عليه الشيخ الإمام بدر الدين العيني رضي الله تعالى عنه ونفعنا به في الدارين؛ فليحفظ.

[1] في الأصل: (تصير) .