متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

10- هذا (بابٌ)؛ بالتَّنوين، وهو ساقطٌ في رواية الأَصيليِّ، (الْعِلْمُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ)؛ لتقدُّمه بالذَّات عليهما؛ لأنَّه شرطٌ في صحَّتهما؛ إذ إنَّه مصحِّحٌ [1] للنِّيَّة المُصحِّحة للعمل، فنبَّه المؤلِّف على مكانة العلم؛ خوفًا من أن يسبق إلى الذِّهن _من قولهم: لا ينفع العلم إلَّا بالعمل_ توهينُ أمر العلم والتَّساهل في طلبه؛ (لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى)، وللأَصيليِّ: ((عزَّ وجلَّ)): ({فَاعْلَمْ})؛ أي: يا محمَّد، ({أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ}) [محمد: 19] ، (فَبَدَأَ) تعالى (بِالْعِلْمِ) أوَّلًا؛ حيث قال: {فاعلم}، ثمَّ قال: {واستغفرْ}؛ إشارةً إلى القول والعمل، وهذا وإن كان خطابًا له عليه الصلاة والسلام؛ فهو يتناول أمَّته، أوِ الأمر للدَّوام والثَّبات؛ كقوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ} [الأحزاب: 1] ؛ أي: دُمْ على التَّقوى، (وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ) بفتح همزة «أَنَّ» عطفًا على سابقه، أو _بكسرها_ على الحكاية، (وَرَّثُوا)؛ بتشديد الرَّاء المفتوحة؛ أي: الأنبياء، أو بالتَّخفيف مع الكسر، وهو في «اليونينيَّة» من غير رقمٍ [2] ؛ أي: العلماء وَرِثُوا (الْعِلْمَ، مَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ) من ميراث النُّبوَّة (بِحَظٍّ وَافِرٍ)؛ أي: بنصيبٍ كاملٍ، وهذا كلُّه قطعةٌ من حديثٍ عند أبي داودَ، والتِّرمذيِّ، وابن حبَّانَ، والحاكم، مُصحَّحًا من حديث أبي الدَّرداء، وضعَّفه غيرهم بالاضطراب في سنده، لكنْ له شواهدُ يتقوَّى بها، ومُناسَبَته للتَّرجمة؛ من جهة أنَّ الوارث قائمٌ مقام المُورِّث، فله حكمه فيما قام مقامه فيه، (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا) حال كونه (يَطْلُبُ بِهِ)؛ أي: السَّالك (عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقًا)؛ أي: في الآخرة أو في الدُّنيا؛ بأن يوفِّقه للأعمال الصَّالحة الموصلة (إِلَى الْجَنَّةِ)، أو هو [3] بشارةٌ بتسهيل العلم على طالبه؛ لأنَّ طلبه من الطُّرق الموصلة إلى الجنَّة، ونكَّر «علمًا» كـ: «طريقًا»؛ ليندرج فيه القليل والكثير، وليتناول أنواع الطُّرق الموصلة إلى تحصيل العلوم الدينيَّة، وهذه الجملة أخرجها مسلمٌ من حديث الأعمش عن أبي صالحٍ، والتِّرمذيُّ، وقال: حسنٌ، وإنَّما لم يَقُلْ: صحيحٌ؛ لتدليس الأعمش، لكنْ في رواية مسلمٍ عنِ الأعمش: حدَّثنا أبو صالحٍ، فانتفت تهمة تدليسه. وفي «مُسنَد الفردوس» بسنده إلى سعيد بن جبيرٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ارحموا طالب العلم؛ فإنَّه متعوب البدن، لولا أنَّه يأخذ بالعُجْب؛ لصافحته الملائكة مُعايَنةً، ولكنْ يأخذ بالعُجْب ويريد أن يقهر من هو أعلم منه» [4] ، (وَقَالَ) الله (جَلَّ ذِكْرُهُ)، وفي روايةٍ: ((جلَّ وعزَّ)) [5] : ({إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ})؛ أي: يخافه { من عباده العلماءُ} [فاطر: 28] الذين علموا قدرته وسلطانه، فمن كان أَعْلَمَ؛ كان أخشى لله؛ ولذا قال عليه الصلاة والسلام: «أنا أخشاكم لله وأتقاكم له»، (وَقَالَ) تعالى: ({وَمَا يَعْقِلُهَا})؛ أي: الأمثال المضروبة، وحسنها، وفائدتها، ({إِلَّا الْعَالِمُونَ}) [العنكبوت: 43] الذين يعقلون عن الله، فيتدبَّرون الأشياء على ما ينبغي، وقال تعالى حكايةً عن قول الكفَّار حين دخولهمُ النَّار: ({وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ})؛ أي: كلامَ الرُّسلِ، فَنَقْبَلُه جملةً من غير بحثٍ وتفتيشٍ؛ اعتمادًا على ما لاح من صدقهم بالمعجزات، ({أَوْ نَعْقِلُ})؛ فنفكِّر في حكمه ومعانيه تفكُّر المستبصرين؛ ({مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ}) [الملك: 10] ؛ أي: في عدادهم وفي جملتهم، (وَقَالَ) تعالى: ({قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}) [الزمر: 9] ، قال القاضي ناصر الدِّين رحمه الله: [/ ج1ص166/] نفيٌ لاستواء الفريقين؛ باعتبار القوَّة العلميَّة بعد نفيها؛ باعتبار القوَّة العمليَّة على وجهٍ أبلغَ؛ لمزيد فضل العلم [6] ، وقِيلَ: تقرير الأوَّل على سبيل التَّشبيه؛ أي: كما لا يستوي العالِمون والجاهلون؛ لا يستوي القانتون والعاصُون.

(وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) فيما وصله المؤلف بعد بابين [خ¦71] : (مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا؛ يُفَقِّهْهُ) في الدِّين، وللمستملي: ((يُفهِّمه))؛ بالهاء المُشدَّدة المكسورة؛ بعدَها ميمٌ، وأخرجه بهذا اللَّفظ ابن أبي عاصمٍ في كتاب «العلم» بإسنادٍ حسنٍ، والتَّفقُّه: هو التَّفهُّم، (وَإِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ)؛ بضمِّ اللَّام المُشدَّدة على الصَّواب، وليس هو من كلام المؤلِّف، فقد رواه ابن أبي عاصمٍ، والطَّبرانيُّ من حديث معاويةَ مرفوعًا، وأبو نعيمٍ الأصفهانيُّ في «رياض المتعلِّمين» من حديث أبي الدَّرداء مرفوعًا: «إنَّما العلم بالتَّعلُّم، وإنَّما الحلم بالتَّحلُّم، ومن يتحرَّ [7] الخير؛ يعطه»، وفي بعض النُّسخ _وهو في «أصل فرع اليونينيَّة» كهي_ [8] : ((بالتَّعلِيم))؛ بكسر اللَّام، وبالمُثنَّاة التَّحتيَّة، وفي «هامشها»: ((بالتَّعلُّم))؛ بضمِّ اللَّام، قال: وهو الصَّواب.

(وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ) جندب بن جنادة، فيما وصله الدَّارميُّ في «مُسنَده» وغيره من حديث أبي مرثدٍ، لمَّا قال له رجلٌ والنَّاس مجتمعون عليه عند الجمرة الوسطى يستفتونه: ألم تُنْهَ عن الفتيا؟ _وكان الذي منعه عثمان؛ لاختلافٍ حصل بينه وبين معاوية بالشَّام في تأويل: {وَالَّذِيْنَ يَكْنِزُوْنَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ} [التوبة: 34] ، فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب خاصَّةً، وقال أبو ذَرٍّ: نزلت فينا وفيهم. وأدَّى ذلك إلى انتقال أبي ذرٍّ عن المدينة إلى الرَّبَذَة_ [قال: ] أرقيبٌ أنت عليَّ؟ [9] ، (لَوْ وَضَعْتُمُ الصَّمْصَامَةَ)؛ بالمُهمَلَتين؛ الأولى مفتوحةٌ؛ أي: السَّيف الصَّارم الذي لا ينثني، أو الذي له حدٌّ واحد، (عَلَى هَذِهِ، وَأَشَارَ إِلَى قَفَاهُ) كذا في «فرع اليونينيَّة»، وفي غيره: ((إلى القفا)) [10] ، وهو مقصورٌ يُذكَّر ويُؤنَّث، (ثُمَّ ظَنَنْتُ أَنِّي أُنْفِذُ)؛ بضمِّ الهمزة، وكسر الفاء، آخره معجَمةٌ؛ أي: أُمْضِي (كَلِمَةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ)، ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: ((رسول الله)) (صلى الله عليه وسلم قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة، وكسر الجيم، وبعد التَّحتيَّة زايٌ الصَّمْصَامَة (عَلَيَّ)؛ أي: على قفايَ؛ والمعنى: قبل أن تقطعوا رأسي؛ (لأَنْفَذْتُهَا)؛ بفتح الهمزة والفاء، وتسكين الذَّال المُعجَمَة، وإنَّما فعل أبو ذرٍّ هذا؛ حرصًا على تعليم العلم طلبًا للثَّواب، وهو يَعْظُم مع حصول المشقَّة، واستُشكِل الإتيانُ هنا بـ: «لو»؛ لأنَّها لامتناع الثَّاني لامتناع الأوَّل، وحينئذٍ فيكون المعنى: انتفاء الإنفاذ لانتفاء الوضع، وليس المعنى عليه، وأُجِيب: بأنَّ «لو» هنا لِمُجرَّد الشَّرط كان، من غير أن يُلاحَظ الامتناع، أو المُرَاد: أنَّ الإنفاذ حاصلٌ على تقدير الوضع، فعلى تقدير عدم الوضع حصولُه أَوْلى؛ فهو مثل قوله عليه السلام: «نِعْمَ العبدُ صهيبٌ، لو لم يَخَفِ الله؛ لم يَعْصِه»، ولأبي الوقت هنا زيادةٌ؛ وهي قول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: ((ليُبَلِّغِ الشَّاهدُ الغائبَ))، وتقدَّم قريبًا [خ¦67] .

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما؛ فيما وصله ابن أبي عاصمٍ والخطيب بإسنادٍ حسنٍ: ({كُونُوا رَبَّانِيِّينَ})؛ أي: (حُلَمَاءَ): جمع حليمٍ _باللَّام_ (فُقَهَاءَ): جمع فقيهٍ، وفي روايةٍ: ((حكماء)) _بالكاف_: جمع حكيمٍ، ((علماء)): جمع عالِمٍ، وهذا تفسير ابن عبَّاسٍ، وقال البيضاويُّ: و«الرَّبانيُّ»: المنسوب إلى الرَّبِّ؛ بزيادة الألف والنُّون، كاللَّحيانيِّ والرَّقبانيِّ؛ وهو الكامل في العلم والعمل، وقال البخاريُّ حكايةً عن قول بعضهم: (وَيُقَالُ: الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ الْعِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ)؛ أي: بجزئيَّات العلم قبل كليَّاته، أو بفروعه قبل أصوله، أو بوسائله قبل مقاصده، أو ما وَضُحَ من مسائله قبل ما دقَّ منها، ولم يذكر المؤلِّف حديثًا موصولًا، ولعلَّه اكتفى بما ذكره، أو غير ذلك من الاحتمالات، والله أعلم.

[1] في (ص): «به تصحُّ».
[2] قوله: «وهو في «اليونينيَّة» من غير رقمٍ»، مثبتٌ من (م).
[3] في (س): «وهو».
[4] قوله: «وفي «مُسنَد الفردوس» بسنده إلى... ويريد أن يقهر من هو أعلم منه»»، سقط من (ص).
[5] قوله: «وفي روايةٍ: «جلَّ وعزَّ»»، سقط من (ص)
[6] في (م): «المعلِّم».
[7] في (ص): «يتخيَّل».
[8] «كهي»: سقط من (س).
[9] قوله: «وكان الذي منعه عثمان؛ لاختلافٍ... أرقيبٌ أنت عليَّ؟»، سقط من (ص).
[10] قوله: «وفي غيره: «إلى القفا»»، سقط من (ص).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

(10) بابٌ [1] : العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ والعَمَلِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالَىَ [2] : { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ } [محمد: 19] فَبَدأَ بِالعِلْمِ.

وأَنَّ [3] العُلَماءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِياءِ، وَرَّثُوا [4] العِلْمَ، مَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وافِرٍ، «وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ [5] عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلى الجَنَّةِ».

وقالَ جَلَّ ذِكْرُهُ [6] : { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء } [فاطر: 28] وقالَ: { وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ } [العنكبوت: 43] { وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ } [الملك: 10] وقالَ: { هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } [الزمر: 9] .

وقالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَهِّمْهُ [7] ». [/ج1ص24/] و«إِنَّما العِلْمُ بِالتَّعْلِيْمِ [8] ».

وَقالَ أَبُو ذَرٍّ: لَوْ وَضَعْتُمُ الصَّمْصامَةَ عَلَىَ هَذِهِ _وأَشارَ إِلَىَ قَفاهُ_ ثُمَّ ظَنَنْتُ أَنِّي أُنْفِذُ [9] كَلِمَةً سَمِعْتُها مِنَ النَّبِيِّ [10] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا عَلَيَّ لأَنْفَذْتُها. [11]

وَقالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: { كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ } [آل عمران: 79] : حُكماءَ فُقَهاءَ [12] . وَيُقالُ: الرَّبَّانِيُّ الذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبارِهِ.

[1] لفظة: «باب» ليست في رواية الأصيلي.
[2] في رواية الأصيلي: «عَزَّ وَجلَّ».
[3] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«إنَّ».
[4] بتشديد الراء المفتوحة، أي: الأنبياء، وبهامش اليونينية بدون رقم: «ورِثوا».اهـ. بالكسر مع علامة التَّخفيف، أي: العلماء ورثوا.
[5] صحَّح عليها في اليونينيَّة.
[6] لفظة: «جلَّ ذكره» ليست في رواية أبي ذر ولا في رواية السَّمعاني عن أبي الوقت، وفي رواية [عط] : «جلَّ وعزَّ».
[7] صحَّح عليها في اليونينيَّة في وسطها وآخرها، وفي رواية الأصيلي وابن عساكر وأبي ذر والمستملي و [ح] : «يفقهه في الدين».
[8] في رواية الأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «بالتَّعلُّم»، وبهامش اليونينية كما في (ص، ب): «وهو الصواب» يعني: رواية الثلاثة.
[9] وضع علامة التَّخفيف على فاء «أُنْفِذُ» في اليونينيَّة.
[10] في رواية أبي ذر وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «رسول الله».
[11] في رواية السَّمعاني عن أبي الوقت زيادة: «وقول النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ليبلِّغ الشاهدُ الغائبَ».
[12] في (ق، ص، ب): «حلماء فقهاء»، وفي رواية [عط] : «حكماء علماء».





( باب الْعِلْمُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ )

قيل: ترجم على مكانة العلم؛ لئلا يسبق إلى الذهن من قولهم: ( العلم لا ينفعُ إلا بالعمل ) تهوين أمره؛ فأراد البخاري أن يبين أن العلم شرط في القول والعمل، فلا يعتبران إلا به، وهو متقدم عليهما.

( وَإِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ ) بضم اللام هو الصواب. ويروى: «بالتعليم»، وهو حديث رواه الحافظ أبو نعيم في كتاب «رياضة المتعلمين» عن أبي الدرداء مرفوعًا: «إنما العلم بالتعلُّم، وإنَّما الحلم بالتحلم، ومَن يتحرَّ الخير يعطه».

( الصَّمصَام ) بفتح الصادين المهملتين، والصَّمْصَامَةَ السيف الصارم.

( أُنْفِذ ) بهمزة مضمومة ثم نون ساكنة ثم فاء مكسورة ثم ذال معجمة، أي: أُمضِي.

( تُجِيزُوا ) بتاء مضمومة وجيم مكسورة وزاي، أي: تقتلوني وتنفذون فيَّ أمركم.


(10) (بابٌ: الْعِلْمُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ) قال ابن المنيِّر: ترجم [1] على مكانة العلم؛ لئلا يسبق إلى الذِّهن من قولهم: إنَّ العلم لا ينفع

@%ج1ص81%

إلَّا بالعمل التَّضجيع [2] في طلبِ العلم، فأراد البُخاري: أنَّ العلم شرط في القول وفي العمل [3] ، لا يُعتبران إلَّا به، وهو متقدمٌ عليهما، وواجبٌ قبلهما؛ لأنه مُصَحِّح للنيةِ [4] المصححةِ للعمل.

(وَإِنَّمَا الْعِلْمُ بالتَّعَلُّمِ) بضم اللام مشددة [5] ، قيل: هو الصواب، ويروى: <بالتعليم>، وهو حديث رواه الحافظ أبو نعيم في «رياضة المتعلمين»: عن أبي الدَّرداء مرفوعاً: ((إنَّما العلمُ بالتَّعلُّمِ [6] ، وإنَّما الحِلمُ بالتَّحلُّمِ، ومَن يتحَرَّ الخيرَ يُعْطَهُ)).

(الصَّمْصَامَةَ) بفتح الصادين المهملتين: السَّيف الصارم.

(أُنْفِذُ) مضارع للمتكلم، بذال معجمة؛ أي: أُمضِي.

(تُجِيزُوا) مضارع أجاز بزاي؛ أي: تقتلوني.

[1] في (ق) زيادة: ((البخاري)).
[2] في (د) و(ق): ((التصحيح)).
[3] في (م) و(د) و(ج): ((العلم)).
[4] في (م) و(ج): ((النية)). وفي (ق): ((إليه)).
[5] في (ق): ((مشدد)).
[6] في (ق): ((بالتعليم)).





لا تتوفر معاينة

(وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ): بفتح (أَنَّ)، ورُوي بكسرها، على تقدير: باب هذه الجملة، أو على سبيل الحكاية.

قوله [1] : (بِحَظٍّ وَافِرٍ): الباءُ في المفعول زائدةٌ للتَّوكيدِ.

(طَرِيقًا): نُكِّر؛ ليندرجَ فيه كلُّ نوعٍ من أنواعِ العلومِ الدِّينيَّةِ، ويتناولَ القليلَ منه والكثيرَ، والضَّميرُ في (بِهِ) عائدٌ إلى (مَنْ)، والباءُ للتَّعدية.

({إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}): الاسمُ الجليلُ منصوبٌ، و{العلماءُ} مرفوعٌ، هذه قراءةُ العامَّةِ، والعكسُ قرأ بها عمرُ بنُ عبدِ العزيز، وأبو حنيفةَ [2] ، وأبو حَيْوَةَ، و{يَخْشَى} بمعنى: يعظِّم.

قوله [3] : ({أو نعقل}): حُذف مفعولُ {نعقل}؛ لأنَّه جُعل كالفعل اللَّازم، فمعناه: لو كنَّا من أهل العلم؛ ما كنَّا من أهل النار.

(لَوْ وَضَعْتُمُ): إنْ قلتَ: (لو) لامتناع الثَّاني لامتناع الأوَّل على المشهور، فمعناه: انتفى الإنفاذُ لانتفاء الوضع، وليس المعنى عليه.

قلتُ: هو مثلُ: (لَوْ لَمْ يَخَفِ اللهَ؛ لَمْ يَعْصِهِ) ؛ يعني: يكونُ الحكمُ ثابتًا على تقديرِ النَّقيض بالطَّريق الأولى، فالمرادُ أنَّ الإنفاذَ حاصلٌ على طريق الوضع، فعلى تقديرِ عدمِ الوضع حصولُه أَولى، أو أنَّ (لو) ههنا لمجرَّدِ الشَّرطيَّة؛ يعني: حكمُها حكمُ (إِنْ) من غير أَنْ [4] يُلاحَظ الامتناعُ.

فائدة: قال الشَّيخ شهاب الدِّين أحمد بن إدريس القرافي رحمه الله تعالى: (قاعدة: «لو» إذا دخلتْ على ثبوتين؛ كانا نفيين [5] ، وعلى نفيين؛ كانا [6] ثبوتين، أو نفي وثبوت؛ فالنَّفي ثبوت والثبوت نفي، تقول: «لو جاءني؛ لأكرمته»، فهما ثبوتان، فما جاءك ولا أكرمته، و«لو لم يَسْتَدِنْ؛ لم يُطالَب»، فهما نفيان، وقد استَدانَ وطُولِب، و«لو لم يُؤمِن؛ أُريقَ دمُه»، التَّقدير: أنَّه آمن ولم يُرَق دمُه، وبالعكس: «لو آمن؛ لم يُقتل».

وإذا تقرَّرتْ هذه القاعدة؛ فيلزم أن تكون {كلماتُ} في آيةِ {وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَام [وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ] } [لقمان: 27] قد نَفِدَتْ، وليس كذلك؛ لأنَّ {لَوْ} دخلت على ثبوت أولًا ونفي آخرًا، فيكون الأوَّل نفيًا، وهو كذلك؛ فإن الشَّجرة ليست أقلامًا، ويلزم أن يكون النَّفي الأخير ثبوتًا، فتكون نَفِدَتْ، وليس كذلك، ونظيرُ هذه الآية قولُه عليه الصَّلاة والسَّلام: «نِعْمَ الْعَبْدُ صُهَيْبٌ، لَوْ لَمْ يَخَفِ اللهَ؛ لَمْ يَعْصِهِ»، يقتضي: أنَّه خاف وعصى مع الخوف، وهو أقبحُ، فيكونُ ذلك ذمًّا، لكنَّ الحديثَ سِيقَ للمدحِ، وعادةُ الفضلاءِ الولوعُ بالحديثِ كثيرًا، أمَّا الآيةُ؛ فقليلٌ مَنْ يفطنُ لها، وذَكَرَ الفضلاءُ في الحديث وجوهًا، أمَّا الآيةُ؛ فلم أرَ لأحدٍ فيها شيئًا، ويُمكنُ تخريجُها على ما قالوه في الحديثِ، غيرَ أنِّي ظهرَ لي جوابٌ عن الحديثِ والآيةِ جميعًا، سأذكرُه [بعدَ ذِكْري لأجوبةِ الناسِ؛ لأنَّ مَن سبقَ أَولى بالتقديم] :

قال ابن عُصفور: «لو» في الحديثِ بمعنى «إِنْ» لمُطلَقِ الرَّبطِ، و«إِنْ» لا يكون نفيُها ثبوتًا، ولا ثبوتُها نفيًا، فيندفِعُ الإشكالُ.

وقال الشَّيخ شمسُ الدِّين الخسرو [شاهي] : إنَّ «لو» في أصل اللُّغة لمُطلَقِ الرَّبط، وإنَّما اشتهرتْ في العُرْفِ في انقلابِ ثبوتِها نفيًا، وبالعكس، والحديثُ إنَّما وردَ بمعنى الرَّبْطِ [7] في اللُّغة.

وقال ابن عبد السَّلام [/ص23/] رحمه الله تعالى: الشَّيءُ الواحد قد يكون له سبب واحد فينتفي عند انتفائه، وقد يكون له سببان لا يلزم من عدم أحدهما عدمه؛ لأنَّ السَّبب الثَّاني يخلف الأوَّل؛ كقولنا في زوجٍ هو ابن عمٍّ: لو لم يكن زوجًا؛ لورث؛ أي: بالتَّعصيب، فإنَّهما سببان لا يلزم من عدم أحدهما عدم الآخر، وكذلك هنا النَّاس في الغالب إنَّما لم يعصوا لأجل الخوف، فإذا ذهب الخوف؛ عَصَوا؛ لاتِّحاد السَّبب في حقِّهم، فأخبر عليه الصَّلاة والسَّلام أنَّ صهيبًا رضي الله عنه اجتمع له شيئان [8] يمنعانه من المعصية: [الخوفُ] والإجلالُ [9] ، [فلوِ انتفى الخوفُ في حقِّهِ؛ لانتفى العصيانُ للسبب الآخرِ؛ وهو الإجلالُ] [10] ، وهذا مدحٌ جميلٌ، وكلامٌ حسنٌ.

وأجابَ غيرُهم: بأنَّ الجوابَ محذوفٌ، تقديرُه: لو لم يَخَفِ اللهَ؛ عَصَمَهُ اللهُ، ودلَّ على ذلك قوله: «لم يَعْصِهِ»، وهذه الأجوبةُ تتأتَّى في الآيةِ غيرَ الثَّالث؛ فإنَّ عَدَمَ نفودِ كلماتِ الله وأنَّها غيرُ متناهيةٍ أمرٌ ثابتٌ لها لذاتِها، وما بالذَّاتِ لا يُعلَّلُ بالأسبابِ، فتأمَّل ذلك.

فهذا كلامُ الفضلاءِ الَّذي اتَّصل بي.

والَّذي ظهرَ لي: أنَّ «لو» أصلُها أَنْ تُستعملَ للرَّبط بين شيئين نحوَ ما تقدَّم، ثمَّ إنَّها أيضًا تُستعمل لقطعِ الرَّابطِ، فتكون جوابًا لسؤالٍ محقَّقٍ أو مُتَوَهَّمٍ [11] وَقَعَ فيه ربطٌ فتقطعه أنت؛ لاعتقادِكَ بُطلانَ ذلك الرَّبط؛ كما لو قال القائل: لو لم يكن زيدٌ [12] زوجًا؛ لم يَرِثْ، فتقول أنت: لو لم يكن زوجًا؛ لم يحرم؛ تريد: أنَّ ما ذَكَرَهُ [13] من الرَّبط بين عدم الزوجية وعدم الإرث ليس بحقٍّ، فمقصودُك قطع ربط كلامه، لا ربط كلامك [14] ، وتقول: لو لم يكن زيدٌ عالمًا؛ لَأُكرِم؛ أي: لشجاعته، جوابًا لسؤالِ سائلٍ تتوهَّمُه أو سمعتَه [وهو] يقول: إنَّه إذا لم يكن [15] عالمًا؛ لم يُكرَم، فربطَ بين عدم العلم وعدم الإكرام، فتقطعُ أنت ذلك الرَّابط، وليس مقصودك أَنْ تربطَ بين عدم العلم والإكرام؛ لأنَّ ذلك ليس بمناسبٍ ولا من أغراض الفضلاءِ، ولا يتَّجِه كلامُك إلّا على عدم الرَّبط.

كذلك الحديثُ لمَّا كان الغالبُ على النَّاس أَنْ يرتبط عصيانهم بعدم خوف الله تعالى وأنَّ ذلك في الأوهام؛ فقطعَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم هذا الرَّبط وقال: «لَوْ لَمْ يَخَفِ اللهَ؛ لَمْ يَعْصِه».

وكذلك لمَّا كان الغالبُ على الأوهام أنَّ الأشجارَ كلَّها إذا صارت أقلامًا، والبحرَ المِلْحَ مع غيرِه [مِدادًا] يُكتبُ به [16] ، فيقول الوهمُ: ما يُكتب بهذا شيءٌ إلَّا نَفِدَ، وما عساهُ أن يكونَ؛ فقطعَ اللهُ هذا الرَّبط وقال: {مَا نَفِدَتْ}.

وهذا الجوابُ أصلحُ الأجوبةِ المتقدِّمةِ من وجهين:

أحدهما: شمولُه لهذين الموضعين، وبعضها [17] لم يَشمل كما تقدَّم [بيانُه] .

وثانيهما: أنَّ «لَوْ» بمعنى [«إِنْ» خلافُ الظاهر ومخالفٌ للعُرْف، وادعاءُ النقل خلافُ الأصل والظاهر، وحذفُ الجواب] [18] خلافُ الظَّاهر، وما ذكرتُه مِن الجوابِ ليس مخالفًا لعُرْف أهل اللغة؛ فإنَّ أهلَ العُرْف يستعملونَ ما ذكرتُه، ولا يفهمونَ غيرَه في تلك الموارد.

ونِعْمَ هذا الجوابُ الواجب لذاته ولصفات الله تعالى وكلماته، والممكن القابل للتعليل لطاعة صهيب رضي الله عنه!) انتهى كلامُ الشيخ شهاب الدين رحمه الله تعالى [19] . [/ص24/]

تنبيه: قولُه [20] : (قولُه عليه الصلاة والسلام: «نِعْمَ العبدُ صهيبٌ») اعلم أنَّ غيرَه قال: (قولُ عمرَ: نِعْمَ العبدُ صهيبٌ... إلى آخره)، قال بهاءُ الدين ابنُ السُّبْكِيِّ: (لم أرَ هذا الكلامَ في شيءٍ من كُتُبِ الحديث، لا مرفوعًا ولا موقوفًا، لا عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ولا عن عمر، مع شِدَّةِ الفحصِ) انتهى.

وقال السُّبْكِيُّ: (رأيتُ ابنَ العربيِّ نسبَهُ إلى عمرَ، إلَّا أنَّه لم يُبْدِ له إسنادًا).

وقال شيخُ والدي العِراقيُّ: (لا أصلَ لهذا الحديثِ عنِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ولم أقفْ له على إسنادٍ قطُّ في شيءٍ من كُتُبِ الحديث، وبعضُ النُّحاةِ ينسبونَهُ إلى عمرَ مِن قولِه، ولم أرَ له إسنادًا إلى عمرَ).

وقال ابنُ الدَّمامينيِّ: (وفي «الحلية» في ترجمةِ سالمٍ مولى أبي حذيفةَ رضي الله عنه حديثٌ رفعَهُ مِن طريق عمرَ بن الخطاب [21] قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «إنَّ سالمًا شديدُ الحُبِّ للهِ عزَّ وجلَّ، لو كانَ لا يخافُ اللهَ؛ ما عصاهُ»)، وكذا رأيتُهُ بخطِّ شيخِنا أبي الفَضْلِ أنَّه في «الحليةِ» مرفوعًا.

[1] (قوله): مثبت من (أ).
[2] زيد في (ب) وهامش (أ): (الدينوري)، وهو في كتب التفسير مطلق، ويحمل على الإمام أبي حنيفة النُّعْمان بن ثابت التيميِّ الكوفيِّ، مولى بني تيم، فقيه المِلَّة، وعالم العراق، الإمام، المجتهد، صاحب المذهب الحَنَفِيِّ، المولود سنة (80هـ)، أدرك بعض الصحابة، وعُني بطلب الآثار، وإليه يعود الرأي في الفقه، والتدقيق في غوامضه، حتى قيل: الناسُ عِيالٌ في الفقه على أبي حنيفة، توفِّي سنة (150هـ)، انظر «تهذيب الكمال» (29/417)، «سير أعلام النبلاء» (6/390)، «الوافي بالوفيات» (27/89)، «غاية النهاية» (2/342).
نعم؛ لأبي حنيفة الدينوري أحمد بن داود بن وَنَنْد النحويِّ المتوفَّى سنة (282هـ) تفسيرٌ كبير، إلَّا أنَّه لم يُذكر في القرَّاء، انظر «سير أعلام النبلاء» (13/422)، «الأعلام» للزركلي (1/123).
[3] (قوله): مثبت من (أ).
[4] أن: سقطت من (ب).
[5] في النسختين: (منفيين)، وفي «الفروق»: (عادا نفيين).
[6] في «الفروق»: (عادا).
[7] في النسختين و«الفروق»: (اللفظ)، وأشار في (أ) إلى تصحيحها في الهامش، وهو الصواب.
[8] في (ب): (سببان)، وكذا في «الفروق».
[9] قوله: (والإجلال) تصحَّف في النسختين إلى: (والإخلال).
[10] ما بين معقوفين سقط من النسختين، وهو مستدركٌ من مصدرهقوله: (والإجلال) تصحَّف في النسختين إلى: (والإخلال).
[11] في النسختين: (ومتوهم)، والمثبت من مصدره.
[12] في النسختين: (ذلك)، والمثبت من مصدره.
[13] في النسختين: (ذكرته)، ولا يصح، والمثبت من مصدره.
[14] في النسختين: (كلامه)، ولا يصح، وفي «الفروق»: (لا ارتباط كلامك).
[15] في النسختين: (أو سمعته يقول: إنه إذا كان)، ولا يصح، والمثبت من مصدره.
[16] زيد في النسختين: (الجميع)، ولا يستقيم، والمثبت من مصدره.
[17] في النسختين: (وبعضهما)، ولا يصح، والمثبت من مصدره.
[18] ما بين معقوفين سقط من النسختين، وهو مستدركٌ من مصدره.
[19] «الفروق» (1/160-63).
[20] أي: قول القرافي.
[21] (بن الخطاب): مثبت من (ب).





10- هذا (بابٌ)؛ بالتَّنوين، وهو ساقطٌ في رواية الأَصيليِّ، (الْعِلْمُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ)؛ لتقدُّمه بالذَّات عليهما؛ لأنَّه شرطٌ في صحَّتهما؛ إذ إنَّه مصحِّحٌ [1] للنِّيَّة المُصحِّحة للعمل، فنبَّه المؤلِّف على مكانة العلم؛ خوفًا من أن يسبق إلى الذِّهن _من قولهم: لا ينفع العلم إلَّا بالعمل_ توهينُ أمر العلم والتَّساهل في طلبه؛ (لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى)، وللأَصيليِّ: ((عزَّ وجلَّ)): ({فَاعْلَمْ})؛ أي: يا محمَّد، ({أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ}) [محمد: 19] ، (فَبَدَأَ) تعالى (بِالْعِلْمِ) أوَّلًا؛ حيث قال: {فاعلم}، ثمَّ قال: {واستغفرْ}؛ إشارةً إلى القول والعمل، وهذا وإن كان خطابًا له عليه الصلاة والسلام؛ فهو يتناول أمَّته، أوِ الأمر للدَّوام والثَّبات؛ كقوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ} [الأحزاب: 1] ؛ أي: دُمْ على التَّقوى، (وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ) بفتح همزة «أَنَّ» عطفًا على سابقه، أو _بكسرها_ على الحكاية، (وَرَّثُوا)؛ بتشديد الرَّاء المفتوحة؛ أي: الأنبياء، أو بالتَّخفيف مع الكسر، وهو في «اليونينيَّة» من غير رقمٍ [2] ؛ أي: العلماء وَرِثُوا (الْعِلْمَ، مَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ) من ميراث النُّبوَّة (بِحَظٍّ وَافِرٍ)؛ أي: بنصيبٍ كاملٍ، وهذا كلُّه قطعةٌ من حديثٍ عند أبي داودَ، والتِّرمذيِّ، وابن حبَّانَ، والحاكم، مُصحَّحًا من حديث أبي الدَّرداء، وضعَّفه غيرهم بالاضطراب في سنده، لكنْ له شواهدُ يتقوَّى بها، ومُناسَبَته للتَّرجمة؛ من جهة أنَّ الوارث قائمٌ مقام المُورِّث، فله حكمه فيما قام مقامه فيه، (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا) حال كونه (يَطْلُبُ بِهِ)؛ أي: السَّالك (عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقًا)؛ أي: في الآخرة أو في الدُّنيا؛ بأن يوفِّقه للأعمال الصَّالحة الموصلة (إِلَى الْجَنَّةِ)، أو هو [3] بشارةٌ بتسهيل العلم على طالبه؛ لأنَّ طلبه من الطُّرق الموصلة إلى الجنَّة، ونكَّر «علمًا» كـ: «طريقًا»؛ ليندرج فيه القليل والكثير، وليتناول أنواع الطُّرق الموصلة إلى تحصيل العلوم الدينيَّة، وهذه الجملة أخرجها مسلمٌ من حديث الأعمش عن أبي صالحٍ، والتِّرمذيُّ، وقال: حسنٌ، وإنَّما لم يَقُلْ: صحيحٌ؛ لتدليس الأعمش، لكنْ في رواية مسلمٍ عنِ الأعمش: حدَّثنا أبو صالحٍ، فانتفت تهمة تدليسه. وفي «مُسنَد الفردوس» بسنده إلى سعيد بن جبيرٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ارحموا طالب العلم؛ فإنَّه متعوب البدن، لولا أنَّه يأخذ بالعُجْب؛ لصافحته الملائكة مُعايَنةً، ولكنْ يأخذ بالعُجْب ويريد أن يقهر من هو أعلم منه» [4] ، (وَقَالَ) الله (جَلَّ ذِكْرُهُ)، وفي روايةٍ: ((جلَّ وعزَّ)) [5] : ({إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ})؛ أي: يخافه { من عباده العلماءُ} [فاطر: 28] الذين علموا قدرته وسلطانه، فمن كان أَعْلَمَ؛ كان أخشى لله؛ ولذا قال عليه الصلاة والسلام: «أنا أخشاكم لله وأتقاكم له»، (وَقَالَ) تعالى: ({وَمَا يَعْقِلُهَا})؛ أي: الأمثال المضروبة، وحسنها، وفائدتها، ({إِلَّا الْعَالِمُونَ}) [العنكبوت: 43] الذين يعقلون عن الله، فيتدبَّرون الأشياء على ما ينبغي، وقال تعالى حكايةً عن قول الكفَّار حين دخولهمُ النَّار: ({وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ})؛ أي: كلامَ الرُّسلِ، فَنَقْبَلُه جملةً من غير بحثٍ وتفتيشٍ؛ اعتمادًا على ما لاح من صدقهم بالمعجزات، ({أَوْ نَعْقِلُ})؛ فنفكِّر في حكمه ومعانيه تفكُّر المستبصرين؛ ({مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ}) [الملك: 10] ؛ أي: في عدادهم وفي جملتهم، (وَقَالَ) تعالى: ({قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}) [الزمر: 9] ، قال القاضي ناصر الدِّين رحمه الله: [/ ج1ص166/] نفيٌ لاستواء الفريقين؛ باعتبار القوَّة العلميَّة بعد نفيها؛ باعتبار القوَّة العمليَّة على وجهٍ أبلغَ؛ لمزيد فضل العلم [6] ، وقِيلَ: تقرير الأوَّل على سبيل التَّشبيه؛ أي: كما لا يستوي العالِمون والجاهلون؛ لا يستوي القانتون والعاصُون.

(وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) فيما وصله المؤلف بعد بابين [خ¦71] : (مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا؛ يُفَقِّهْهُ) في الدِّين، وللمستملي: ((يُفهِّمه))؛ بالهاء المُشدَّدة المكسورة؛ بعدَها ميمٌ، وأخرجه بهذا اللَّفظ ابن أبي عاصمٍ في كتاب «العلم» بإسنادٍ حسنٍ، والتَّفقُّه: هو التَّفهُّم، (وَإِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ)؛ بضمِّ اللَّام المُشدَّدة على الصَّواب، وليس هو من كلام المؤلِّف، فقد رواه ابن أبي عاصمٍ، والطَّبرانيُّ من حديث معاويةَ مرفوعًا، وأبو نعيمٍ الأصفهانيُّ في «رياض المتعلِّمين» من حديث أبي الدَّرداء مرفوعًا: «إنَّما العلم بالتَّعلُّم، وإنَّما الحلم بالتَّحلُّم، ومن يتحرَّ [7] الخير؛ يعطه»، وفي بعض النُّسخ _وهو في «أصل فرع اليونينيَّة» كهي_ [8] : ((بالتَّعلِيم))؛ بكسر اللَّام، وبالمُثنَّاة التَّحتيَّة، وفي «هامشها»: ((بالتَّعلُّم))؛ بضمِّ اللَّام، قال: وهو الصَّواب.

(وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ) جندب بن جنادة، فيما وصله الدَّارميُّ في «مُسنَده» وغيره من حديث أبي مرثدٍ، لمَّا قال له رجلٌ والنَّاس مجتمعون عليه عند الجمرة الوسطى يستفتونه: ألم تُنْهَ عن الفتيا؟ _وكان الذي منعه عثمان؛ لاختلافٍ حصل بينه وبين معاوية بالشَّام في تأويل: {وَالَّذِيْنَ يَكْنِزُوْنَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ} [التوبة: 34] ، فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب خاصَّةً، وقال أبو ذَرٍّ: نزلت فينا وفيهم. وأدَّى ذلك إلى انتقال أبي ذرٍّ عن المدينة إلى الرَّبَذَة_ [قال: ] أرقيبٌ أنت عليَّ؟ [9] ، (لَوْ وَضَعْتُمُ الصَّمْصَامَةَ)؛ بالمُهمَلَتين؛ الأولى مفتوحةٌ؛ أي: السَّيف الصَّارم الذي لا ينثني، أو الذي له حدٌّ واحد، (عَلَى هَذِهِ، وَأَشَارَ إِلَى قَفَاهُ) كذا في «فرع اليونينيَّة»، وفي غيره: ((إلى القفا)) [10] ، وهو مقصورٌ يُذكَّر ويُؤنَّث، (ثُمَّ ظَنَنْتُ أَنِّي أُنْفِذُ)؛ بضمِّ الهمزة، وكسر الفاء، آخره معجَمةٌ؛ أي: أُمْضِي (كَلِمَةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ)، ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: ((رسول الله)) (صلى الله عليه وسلم قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة، وكسر الجيم، وبعد التَّحتيَّة زايٌ الصَّمْصَامَة (عَلَيَّ)؛ أي: على قفايَ؛ والمعنى: قبل أن تقطعوا رأسي؛ (لأَنْفَذْتُهَا)؛ بفتح الهمزة والفاء، وتسكين الذَّال المُعجَمَة، وإنَّما فعل أبو ذرٍّ هذا؛ حرصًا على تعليم العلم طلبًا للثَّواب، وهو يَعْظُم مع حصول المشقَّة، واستُشكِل الإتيانُ هنا بـ: «لو»؛ لأنَّها لامتناع الثَّاني لامتناع الأوَّل، وحينئذٍ فيكون المعنى: انتفاء الإنفاذ لانتفاء الوضع، وليس المعنى عليه، وأُجِيب: بأنَّ «لو» هنا لِمُجرَّد الشَّرط كان، من غير أن يُلاحَظ الامتناع، أو المُرَاد: أنَّ الإنفاذ حاصلٌ على تقدير الوضع، فعلى تقدير عدم الوضع حصولُه أَوْلى؛ فهو مثل قوله عليه السلام: «نِعْمَ العبدُ صهيبٌ، لو لم يَخَفِ الله؛ لم يَعْصِه»، ولأبي الوقت هنا زيادةٌ؛ وهي قول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: ((ليُبَلِّغِ الشَّاهدُ الغائبَ))، وتقدَّم قريبًا [خ¦67] .

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما؛ فيما وصله ابن أبي عاصمٍ والخطيب بإسنادٍ حسنٍ: ({كُونُوا رَبَّانِيِّينَ})؛ أي: (حُلَمَاءَ): جمع حليمٍ _باللَّام_ (فُقَهَاءَ): جمع فقيهٍ، وفي روايةٍ: ((حكماء)) _بالكاف_: جمع حكيمٍ، ((علماء)): جمع عالِمٍ، وهذا تفسير ابن عبَّاسٍ، وقال البيضاويُّ: و«الرَّبانيُّ»: المنسوب إلى الرَّبِّ؛ بزيادة الألف والنُّون، كاللَّحيانيِّ والرَّقبانيِّ؛ وهو الكامل في العلم والعمل، وقال البخاريُّ حكايةً عن قول بعضهم: (وَيُقَالُ: الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ الْعِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ)؛ أي: بجزئيَّات العلم قبل كليَّاته، أو بفروعه قبل أصوله، أو بوسائله قبل مقاصده، أو ما وَضُحَ من مسائله قبل ما دقَّ منها، ولم يذكر المؤلِّف حديثًا موصولًا، ولعلَّه اكتفى بما ذكره، أو غير ذلك من الاحتمالات، والله أعلم.

[1] في (ص): «به تصحُّ».
[2] قوله: «وهو في «اليونينيَّة» من غير رقمٍ»، مثبتٌ من (م).
[3] في (س): «وهو».
[4] قوله: «وفي «مُسنَد الفردوس» بسنده إلى... ويريد أن يقهر من هو أعلم منه»»، سقط من (ص).
[5] قوله: «وفي روايةٍ: «جلَّ وعزَّ»»، سقط من (ص)
[6] في (م): «المعلِّم».
[7] في (ص): «يتخيَّل».
[8] «كهي»: سقط من (س).
[9] قوله: «وكان الذي منعه عثمان؛ لاختلافٍ... أرقيبٌ أنت عليَّ؟»، سقط من (ص).
[10] قوله: «وفي غيره: «إلى القفا»»، سقط من (ص).





( وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ... إلى قوله: وَافِرٍ ): طرف من حديث أخرجه أبو داود والتِّرمذيُّ وابن حبَّان والحاكم من حديث أبي الدَّرداء.

( وَأَنَّ ): بالفتح، ويجوز بالكسر على الحكاية.

( وَرَّثوا ): بتشديد الرَّاء المفتوحة، أي: الأنبياء، وبكسرها مخففة، أي: العلماء. [/ج1ص237/]

( بِحَظٍّ ): نصيب.

( وَمَنْ سَلَكَ... ) إلى آخره: حديث أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة.

( سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقًا ) أي: في الآخرة، أو في الدُّنيا بأن يوفِّقه للأعمال الصَّالحة.

( يُفَقِّهْهُ ) للمُسْتملي: «يفهِّمه»، وهو باللَّفظ الأوَّل موصول في الكتاب، وبالثَّاني في كتاب «العلم» لابن أبي عاصم من حديث ابن عمر عن عمر مرفوعًا بسند حسن.

( وَإِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ ): هو حديث أخرجه الطَّبرانيُّ من حديث معاوية، وأبو نعيم من حديث ابن مسعود وأبي الدَّرداء.

( وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ ) وصله الدَّارميُّ في «مسنده» عن مَرْثَدٍ قال: «أتيت أبا ذرٍّ وهو جالس عند الجمرة الوسطى، وقد اجتمع عليه النَّاس يستفتونه، فأتاه رجل فوقف عليه ثمَّ قال: ألم تُنْهَ عن الفتيا ؟ فقال: لو وضعتم...» إلى آخره.

( الصَّمْصَامَةَ ) بمهملتين: الأولى مفتوحة: السَّيف الصَّارم الذي لا ينثنى، وقيل: الذي له حدٌّ واحد. [/ج1ص238/]

( أُنْفِذُ ) بضمِّ الهمزة وكسر وضمِّ الفاء وذاله معجمة، أي: أُمضي.

( تُجِيزُوا عَلَيَّ ) بضمِّ الفوقيَّة وكسر الجيم وبعد الياء زاي، أي: تُكمِلُوا قتلي.

( صِغَارِ الْعِلْمِ ): ما وَضَح من مسائله، وكبارُه: ما دقَّ منها.


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

(10) بَابٌ: العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ

لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد:19] فَبَدَأَ بِالعِلْمِ، «وَأَنَّ العُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَرَّثُوا العِلْمَ، مَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ [1] وَافِرٍ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَطْلُبُ بِهِ عِلْماً سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقاً إِلَى الجَنَّةِ»، وَقَالَ عزَّ وجَلَّ: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ} [فاطر:28]، وَقَالَ: {وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا العَالِمُونَ} [العنكبوت:43]، {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك:10]، وَقَالَ: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} [الزمر:9]، وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»، وَإِنَّمَا العِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: «لَوْ وَضَعْتُمُ الصَّمْصَامَةَ عَلَى هَذِهِ _ وَأَشَارَ إِلَى قَفَاهُ _ ثُمَّ ظَنَنْتُ أَنِّي أُنْفِذُ كَلِمَةً سَمِعْتُهَا مِنَ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا عَلَيَّ لَأَنْفَذْتُهَا»، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} [آل عمران:79] حُلَمَاءَ فُقَهَاءَ، وَيُقَالُ: الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ.

قوله تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله} قال الزجاج والنقاش وغيرهما: هو متعلق بمحذوف؛ المعنى: قد بيَّنا وقلنا ما يدل على أن الله واحد، فاعلم ذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم قد علم ذلك، ولكنه خطاب يدخل الناس مع النبي صلى الله عليه وسلم فيه، كقوله تعالى: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن} [الطلاق:1]، والمعنى: من علم فليقم على ذلك العلم، كقوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة:6] أي: ثبِّتنا.

وقيل: يتعلق بما قبله، المعنى: إذا جاءتهم الساعة فاعلم أن لا مُلكَ ولا حُكْمَ لأحدٍ إلا لله، ويبطل ما عداه.

@%ص47%

وسئل سفيان بن عيينة عن فضل العلم، فقال: «ألم تسمع قوله تعالى حين بدأ به فقال: {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك} [محمد:19] فأمره بالعمل بعد العلم».

وقال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} [الأنفال:28]، ثم قَالَ: {فَاحْذَرُوهُمْ} [التغابن:14].

وقد استدل بالآية من أوجب معرفة الله تعالى على الأعيان بالدليل ولم يكتف بالتقليد، قال: ولا يتوصل إلى المعرفة إلا بالنظر، وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب.

قال تعالى: {قل انظروا ماذا في السماوات والأرض} فالنظر الموصل إلى المعارف واجب، فأول واجب على المكلف خطاباً ومقصوداً معرفة الله سبحانه وتعالى، وأول واجب اشتغالاً النظر والقصد إليه.

وقال الأكثرون: يكفي الاعتقاد الجازم وإن لم يعرف الأدلة، قالوا: وهذا هو المعروف من سيرة السلف [2]، وقد تقدم الكلام مستوعباً على هذا في «كتاب الإيمان».

قال المهلب: العمل لا يكون إلا مقصوداً به معنى متقدماً، وذلك هو علم ما وعد الله عليه من الثواب والإخلاص لله تعالى، فعند ذلك يُرجى النفع بالعمل إذا تقدمه العلم، ومتى خلا العمل عن النية، ورجاء الثواب، فليس بعمل، وقد تبيَّن ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: «الأعمال بالنيات».

قوله: «وَأَنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ» هذا قطعة من حديث طويل رواه أبو داود والترمذي عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاً لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب

@%ص48%

وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، ورَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر».

فأراد البخاري بذكره هذه النبذة لينبه على الحديث بجملته، وليفهم أنه لم يخف عليه.

ورواية الترمذي فيها انقطاع، ورواه أبو داود من طريق متصلة.

قوله: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ [فِي الدِّينِ]» أتى به البخاري معلقاً، وقد تقدم مراراً أن ما كان من هذا فهو عنده في حكم المتصل لإيراده له بصيغة الجزم، مع أنه قد أسنده بعدُ قريباً عن معاوية رضي الله عنه.

وإنما سمَّى العلماءَ ورثةَ الأنبياء لقوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} [فاطر:32]، وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن حتى إني لأرى الري يجري ثم أعطيت عمر»، ولمسلم: «يجري في أظفاري فأعطيت فضلي عمر بن الخطاب»، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: «العلم».

وقول أبي ذر: «لَوْ وَضَعْتُمُ الصَّمْصَامَةَ» رويناه متصلاً، قرأت على الشيخ الحافظ عبد المؤمن بن خلف قلت له: أنبأك الحسين الخليلي، أنا عبد الله بن دَهْبَل بالحَرِيم الطَّاهري [3]، أنا القاضي أبو بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري، عن ابن حيويه، عن ابن معروف، عن الحسين بن فهم، عن محمد بن منيع، عن سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن مرثد بن أبي مرثد، عن أبيه قال: جلست إلى أبي ذر الغفاري إذ وقف عليه رجل فقال: ألم ينهك أمير المؤمنين عن الفتيا؟ فقال أبو ذر: «والله لو وضعتم الصمصامة عَلَى هذِه _ وأشار إلى حلقه _ عَلَى أن أترك كلمةً سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنفذتها

@%ص49%

قبل أن يكون ذَلِكَ».

الصَّمصامة _بفتح الصادين المهملتين_: السيف بحد واحد، قال الجوهري: الصمصام والصمصمامة: السيف الصارم الذي لا ينثني.

وقوله: «قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا عَلَيَّ» أي: تقطعوا رأسي، أراد أبو ذر رضي الله عنه الحض على العلم، والاغتباط بفضله، حيث سهل عليه قتل نفسه في جنب ما يرجو من ثواب نشره وتبليغه.

وفيه من الفقه: أنه يجوز للعالم أن يأخذ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالشدة، ويحتمل الأذى ويحتسبه رجاء ثواب الله، ويباح له أن يسكت إذا خاف الأذى؛ كما قال أبو هريرة: «لو حدثتكم بكل ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم لقطع هذا البلعوم».

قلت: هكذا قال بعضهم، ويمكن حمل كلام أبي هريرة على كتمان ما لا يتعلق به حكم، كما قيل إنه عنى به بعض أخبار بني أمية مما لا يتعلق بذكره مصلحة شرعية.

وعن أبي هريرة قال: «لو حدثتكم بكل ما في جوفي لرميتموني بالبعر»، قال الحسن: «صدق، لو حدثنا أن بيت الله يهدم أو يحرق ما صدقه الناس».

قوله «{كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} حُلَمَاءَ فُقَهَاءَ»، ويقال الرباني: الذي يربي الناس بكبار العلم قبل صغاره، قال الجوهري: «الرَّبَّاني: المتألِّه العارف بالله عز وجل».

وقال غيره: هو الذي يطلب بعلمه وجه الله، وقيل: العالم العامل المعلم.

وقال عياض: «الربانيون العلماء، قيل: سموا به لقيامهم بالكتب والعلم، وقيل: نسبوا إلى العلم بالرب»، ويقرب منه قول صاحب «العين»: الرباني نسب إلى معرفة الربوبية، وقيل: لأنهم أصحاب العلم وأربابه، وزيدت الألف والنون للمبالغة.

وقيل: أصله من ربَّ الشيء إذا سَاسَه وقام به، فزيد ياء مثل جُمَّاني للعظيم الجُمَّة، وسكران للممتلئ سكراً.

وقيل: من معنى التربية كانوا يربون المتعلمين بصغار العلم قبل كباره.

وقال محمد بن الحنفية يوم مات ابن عباس: «اليوم مات رباني هذه الأمة».

ويقال فيه: ربى أيضاً على الأصل، قال الله تعالى: {ربيون كثير}.

@%ص50%

وفي السند:

أبو ذَرٍّ، واسمه جُنْدبُ _ بضم الجيم مع ضم الدال المهملة وفتحها _ ابن جُنَادة _ بضم الجيم _ ابن سفيان بن عُبيد بن الوقيعة بن حرام بن غفار بن مُليل بن ضمرة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر.

وقيل: اسم أبي ذر بُرَير _ بموحدة من تحت مضمومة وراء مكررة _ ابن جندب.

وقيل: اسمه جندب بن عبد الله، وقيل: جندب بن السكن، والمشهور الأول.

أسلم قديماً أول الإسلام، ثم رجع إلى بلاد قومه بإذن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.

روي عنه أنه قال: «أنا رابع الإسلام».

كان زاهداً مُتقَلِّلاً من الدنيا، وكان من مذهبه أن كل ما فضل عن حاجة الإنسان كنز، ويروى عنه غيره.

والصحيح الذي عليه الجمهور: أن الكنز المال الذي لم يؤدَّ زكاته.

روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مئتا حديث وثمانون حديثاً، اتفقا منها على اثني عشر حديثاً، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بسبعة عشر.

روى عنه: أنس بن مالك، وابن عباس، وعبد الرحمن بن غنم، وغيرهم.

مات بالرَّبَذَة، وصلى عليه ابن مسعود سنة اثنتين وثلاثين، ثم قدم ابن مسعود [المدينة] [4] فأقام عشرة أيام ثم مات، روى له الجماعة.

[1] جاء في هامش الأصل: «الحظ: النصيب، الحض على الشيء: الحث عليه، والحضيض: قرار الأرض».
[2] كتب في هامش الأصل بخط ولون مغاير: «قال أبو الوليد بن رشد: قول البخاري باب العلم قبل القول والعمل ذهاب منه إلى أن الواجب أولاً النظر والاستدلال لأنه تعالى لا يعلم ضرورة؛ بل بالنظر، وهذا الذي ذهب إليه القاضي أبو بكر الباقلاني، فقال: الإيمان هو العلم، وكل مؤمن بالله عالم به، ومن لم يكن عالماً فهو جاهل، والجاهل كافر، قلت: وهو قول إمام الحرمين، واختيار جماعة، قال الإمام: أول ما يجب على العاقل البالغ شرعاً القصد إلى النظر الصحيح المفضي إلى العلم بحدوث العالم، وحكى المازري عن الأشعري أنه قال: أول واجب الإقرار بالله ورسوله وكتبه ... » والتعليق طويل وفيه كلمات ليست بواضحة.
[3] الحريم الطاهري: محلة ببغداد، منسوبة إلى طاهر بن الحسين بن مصعب، «معجم البلدان» (2/251).
[4] ما بين معقوفتين ليس في الأصل، أثبته من «التوضيح» (16/140).





(10) (باب العلم، وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ [1] الأَنْبِيَاءِ...)؛ الحديث إلى آخره.

قوله: (الصَّمْصَامَةَ): السَّيف بحدٍّ واحد.

[1] في «اليونينيَّة»: (هم ورثة).





هذا ((بابٌ)) بالتنوين، وهو ساقط في رواية، ((العلم قبل القول والعمل)) يعني: أنَّ الشيء يُعلم أولًا ثم يُقال ويُعمل به، فالعلم مقدَّم عليهما بالذات وبالشرف؛ لأنَّه عمل القلب، وهو أشرف أعضاء البدن، ((لقول الله تعالى)) ، وللأصيلي: (عزَّ وجلَّ) : (({فَاعْلَمْ})) ؛ أي: يا محمد، (({أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ} [محمد: 19] فبدأ)) الله تعالى ((بالعلم)) أولًا ثم قال: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} [محمد: 19] ، وهو قول وعمل، والخطاب وإن كان للنبي الأعظم عليه السلام، لكنَّه عامٌّ متناولٌ لأمَّته، والأمر للدوام، كما في قوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ} [الأحزاب: 1] ؛ أي: دُمْ على التقوى.

((وأنَّ العلماء)) يجوز في (أنَّ) فتح همزتها عطفًا على سابقه وكسرُها على الحكاية، ((هم ورثة الأنبياء)) عليهم السلام؛ أي: مسميين بذلك، لقوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا [1] مِنْ عِبَادِنَا} [فاطر: 32] ؛ أي: وهم العلماء ((وَرَّثوا)) ؛ بفتح الواو مع تشديد الراء المفتوحة؛ أي: الأنبياء، أو بفتح الواو مع كسر الراء المخففة؛ أي: العلماء، ويجوز ضم الواو وتشديد الراء المكسورة أيضًا؛ أي: العلماء، وما قاله ابن حجر فليس بصحيح، كما نبَّه عليه في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.

((العلم، مَن أخذه أخذ)) من ميراث النبوة ((بحظ)) ؛ أي: نصيبٍ ((وافر)) ؛ أي: كثير كامل، وهذا قطعة من حديث أخرجه الترمذي، وابن حبان، والحاكم من حديث أبي الدرداء: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَن سلك طريقًا يطلب فيه علمًا؛ سهَّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإنَّ الملائكة لتضعُ أجنحتَها رضًىلطالب العلم، وإنَّ العالم تستغفر له مَن في السماوات ومَن في الأرض، حتى الحيتان في الماء، وفضلُ العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإنَّ العلماء ورثة الأنبياء، وإنَّ الأنبياء لم يُوَرِّثوا دينارًا ولا درهمًا وإنَّما ورثوا العلم، فمَن أخذه أخذ بحظٍّ وافر» اهـ، وتُكُلِّم في سنده كما هو مبسوطٌ في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.

((ومن سلك طريقًا)) حال كونه ((يطلب به)) ؛ أي: السالك، على حدِّ {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8] ، ((علمًا)) نكَّره؛ ليتناول العلوم الدينية، وليشمل الكثير والقليل، ((سهَّل الله له طريقًا)) ؛ أي: في الآخرة أو في الدنيا بأن يوفِّقَه للأعمال الصالحة الموصلة (إلى الجنة) ، أو هو بشارة بتسهيل العلم على طالبه؛ لأنَّ طلبه موصل إلى الجنة.

وفي «مسند الفردوس» بسنده إلى سعيد بن جبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ارحموا طالب العلم؛ فإنَّه متعوب البدن، لولا أنَّه يأخذ بالعجب؛ لصافحته الملائكة معاينة، ولكن يأخذ بالعجب ويريد أن يقهر مَن هو أعلم منه) .

وهذه الجملة التي ساقها المؤلف أخرجها مسلم من حديث الأعمش، عن أبي صالح، والترمذي، وقال: حسن، ولم يقل: صحيح؛ لتدليس الأعمش، لكن في رواية مسلم عن الأعمش: (حدثنا أبو صالح) ، فانتفت تهَمة تدليسه، كما بسطه في «عمدة القاري».

((وقال)) الله ((جلَّ ذكره)) ، وفي رواية: (جلَّ وعزَّ) : (({إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ})) ؛ أي: يخافه، (({مِنْ عِبَادِهِ})) ؛ أي: من علم قدرته وسلطانه، (({العُلَمَاءُ} [فاطر: 28] )) ، قاله ابن عباس، وقرئ: برفع الجلالة ونصب {العُلَمَاءُ}، وهي قراءة الإمام الأعظم وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما؛لأنَّ الخشية فيها تكون استعارة، والمعنى: إنَّما يُجِلُّهم ويعظِّمُهم.

ومن لوازم الخشية التعظيم، فيكون من قبيل ذكر الملزوم وإرادة اللازم، فإن قلت: خشية الله مقصورة على العلماء بقضية كلام هذه الآية، وقد ذكر الله أيضًا: أنَّ الجنة لمن يخشى وهو: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} [البينة: 8] ، فيلزم من ذلك ألَّا تكون الجنةُ إلَّا للعلماء خاصَّةً.

أجاب شيخ الشيخ الإمام بدر الدين العيني: بأنَّ المراد من العلماء الموحِّدون، وأنَّ الجنة ليست إلَّا للموحدين الذين يخشون الله تعالى؛ أي: يخافونه [2] ، ومَنِ ازداد علمًا؛ ازدادَ مِنَ الله خوفًا، وفي الحديث: «أعلمُكم بالله أشدُّكم له خشيةً»، وقال عليه السلام أيضًا: «أنا أخشاكم لله وأتقاكم له».

((وقال)) الله تعالى: (({وَمَا يَعْقِلُهَا})) ؛ أي: الأمثال المضروبة، (({إِلَّا العَالِمُونَ} [العنكبوت: 43] )) الذين يعقلون عن الله تعالى، وروى جابر: أنَّ النبي الأعظم قرأ هذه الآية قال: «العالم الذي عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه»، (({وَقَالُوا})) ؛ أي: الكفَّار حين دخولهم النار: (({لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ})) الإنذار سماع قبول للحق، وإنَّما حذف المفعول؛ لأنَّه كالفعل اللازم، (({أَوْ نَعْقِلُ})) كلامَ الرسل عقلَ متأملين، (({مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 11] )) ؛ أي: في جملتهم في النار، والمراد من (العقل) هنا: العلم؛ لأنَّهم تمنَّوا أن لو كان لهم عقل؛ لما دخلوا النار، وروى أبو سعيد الخدري مرفوعًا: «أنَّ لكل شيء دِعامة، ودِعامة المؤمن عقلُه، فبقدر ما يعقل يعبد ربَّه، ولقد ندم الفجار يوم القيامة فقالوا: {لَوْ كُنَّا...}؛ الآية».

وروى أنس مرفوعًا: «أنَّ الأحمق يصيب بحمقه أعظم من فجور الفاجر، وإنَّما يرتفع العباد غدًا في الدرجات وينالون الزلفى من ربِّهم على قدر عقولهم».

((وقال)) الله تعالى: {قُلْ} (({هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9] )) نفى المساواة بين العلم والجهل، فيقتضي نفي المساواة أيضًا بين العالم والجاهل، وفيه مدح للعلم وذم الجهل.

((وقال النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) فيما أخرجه ابن أبي عاصم بهذا اللفظ في كتاب العلم من طريق ابن عمر عن أبيه مرفوعًا بإسناد حسن، ووصله المؤلف بعد بابين ((من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين)) ، وفي رواية: (يفهِّمه) ؛ بالهاء المشددة المكسورة بعدها ميم، فالفقه لغة: الفهم، قال تعالى: {يَفْقَهُوا قَوْلِي} [طه: 28] ؛ أي: يفهموا، ثم خص به علم الشريعة، والعالم به يسمى فقيهًا، ((«وإنما العلم بالتعَلُّم»)) ؛ بفتح العين وتشديد اللام المضمومة، وفي رواية: (بالتعلِيم) بكسر اللام وبالمثناة التحتية.

وليس هذا من كلام المؤلف، كما قاله الكرماني؛ بل هو حديث أورده ابن أبي عاصم والطبراني من حديث معاوية، ولفظه: «يا أيها الناس؛ تعلموا العلم، إنَّما العلم بالتعلُّم، والفقه بالتفقه، ومَنْ يردِ الله به خيرًا يفقهه في الدين» إسناده حسن، ورواه أبو نعيم من حديث أبي الدرداء، ولفظه: «إنَّما العلم بالتعلُّم، وإنَّما الحلم بالتحلُّم، ومَن يتحرَّ الخير؛ يعطَه»؛ فافهم.

((وقال أبو ذر)) جندب بن جنادة الغفاري فيما وصله الدارمي في «مسنده» وغيره من حديث أبي مرثد، كما بسطه في «عمدة القاري»، وذلك لما قال له رجل والناس مجتمعون عليه عند الجمرة الوسطى يستفتونه: ألم تُنهَ عن الفُتيا؟ وكان الذي منعه عثمان؛ لاختلافٍ حصل بينه وبين معاوية بالشام في تأويل: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} [التوبة: 34] ، فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب خاصَّةً، وقال أبو ذرٍّ: نزلت فينا وفيهم، فكتب معاوية إلى عثمان، فأرسل إلى أبي ذرٍّ، وحصلت منازعة أدت إلى انتقال أبي ذرٍّ عن المدينة إلى الرَّبَذَة؛ بفتح الراء المهملة، والباء الموحدة، والذال المعجمة، إلى أن مات: (أرقيبٌ أنت عليَّ؟) ((لو وضعتم الصمصامة)) ؛ بالمهملتين، الأولى مفتوحة؛ أي: السيف الصارم الذي لا ينثني، أو الذي له حدٌّ واحد، ((على هذه، وأشار)) بقوله: (هذه) ((إلى قفاه)) ، وفي رواية: (إلى القفا) وهو مقصور: مؤخَّرُ العنق، يُذَكَّر ويؤنَّث، ((ثم ظننت أنَّي أُنْفِذ)) ؛ بضم الهمزة، وكسر الفاء، آخره معجمة؛ أي: أقدر على إنفاذ، ((كلمة)) ؛ أي: تبليغها، ((سمعتها من النبي)) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) ((صلى الله عليه وسلم قبل أن تُجِيزوا)) ؛ بضم المثناة فوق، وكسر الجيم، وبعد التحتية زاي معجمة، الصمصامة ((عليَّ)) ؛ أي: على قفاي؛ أي: قبل أن تقطعوا رأسي، ((لأنفذتها)) ؛ بفتح الهمزة والفاء وإسكان الذال المعجمة، وإنَّما فعل أبو ذرٍّ هذا؛ حرصًا على تعليم العلم لطلب الثواب، ولأمر النبي عليه السلام بالتبليغ عنه، وللوعيد في حقِّ الكتمان.

وزاد في رواية: (وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليبلغ الشاهد الغائب») وتقدم قريبًا، وفيه دليل على أنَّ أبا ذرٍّ كان لا يرى بطاعة الإمام إذا نهاه عن الفتيا، و (لو) هنا لمجرَّد الشرط كـ (إن) من غير ملاحظة الامتناع، أو المراد: أنَّ الإنفاذ حاصل على تقدير الوضع، فعلى تقدير عدم الوضع حصولُه أولى، كقوله: نِعْمَ العبد صهيب لو لم يخفِ الله؛ لم يعصه.

وفيه جواز الشِّدَّة وتحمُّل الأذى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويباح له أن يسكت إذا خاف الأذى، كما قال أبو هريرة: (لو حدثتكم بكل ما في جوفي؛ لرميتموني بالبعر) ، قال الحسن: صدق، وأراد بذلك ما يتعلَّق بالفتن ممَّا لا يتعلَّق بذكره مصلحةٌ شرعية، وإلَّا لما كتمه، وسيأتي في محلِّه، والله تعالى أعلم، وأستغفر الله العظيم.

((وقال ابن عباس)) رضي الله عنهمافيما وصله ابن أبي عاصم والخطيب بإسناد حسن، (({كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} [آل عمران: 89] )) ؛ أي ((حلماء)) جمع حليم؛ باللام وضم الحاء المهملة؛ وهو الطمأنينة عند الغضب، (فقهاء) جمع فقيه؛ وهو العالم بالأحكام الشرعيَّة العلميَّة من أدلتها التفصيليَّة، وفي رواية: (حكماء) جمع حكيم، وهي الفقه في الدين، وقيل: صحة القول، والعقد، والفعل، (علماء) جمع عالم، وهذا تفسيره.

وقال في «عمدة القاري»: (الرباني[/ص46/] منسوب إلى الرب، وأصله: «ربي»، فزيدت فيه الألف والنون؛ للتأكيد والمبالغة في النسبة، العالي الدرجة في العلم بأن يكون عالمًا ومعلمًا، وإنَّما سمِّي العلماء ربانيين؛ لأنَّهم يربون العلم؛ أي: يقومون به) ، وتمامه فيه.

وقال المؤلف حكاية عن بعضهم: ((ويقال: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره)) ؛ أي: بجزئيات العلم قبل كلياته، أو بفروعه قبل أصوله، أو بمقدماته قبل مقاصده، وإنَّما لم يذكرِ المؤلف حديثًا موصولًا في هذا الباب؛ إمَّا أنه لم يثبت عنده بشرطه أو اكتفى بما ذكره تعليقًا؛ لأنَّ المقصود من الباب بيان فضيلة العلم، ويُعلم ذلك من المذكور آية، وحديثًا، وإجماعًا سكوتيًا من الصحابةرضي الله عنه، وتمامه في «عمدة القاري»، والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: (اصطفيانهم) .
[2] في الأصل: ( يخافوه).