متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

7- (باب مَا يُذْكَرُ) بضمِّ الياء، وفتح الكاف (فِي الْمُنَاوَلَةِ) المقرونة بالإجازة؛ وهي أن يعطيَ الشَّيخُ الكتابَ للطَّالب ويقول: هذا سماعي من فلانٍ أو تصنيفي، وقد أجزت لك أن ترويَه عنِّي، وهي حالَّةٌ محلَّ السَّماع عند يحيى بن سعيدٍ الأنصاريِّ، ومالكٍ، والزُّهريِّ، فيسوغ فيها التَّعبير بالتَّحديث والإخبار، لكنَّها أحطُّ مرتبةً من السَّماع عند الأكثرين، وهذه غير عرض المُنَاوَلَة السَّابق؛ الذي هو أن يُحْضِرَ الطَّالبُ الكتابَ، على أنَّ الجمهور سوَّغوا الرِّواية بها، وتقييد المُناوَلَة باقتران الإجازة مُخْرِجٌ لِمَا إذا ناول الشَّيخُ الكتابَ للطَّالب من غير إجازةٍ، فإنَّه لا تسوغ الرِّواية بها على الصَّحيح، ثمَّ عطف المؤلِّف على قوله: «في المُناوَلَة» قوله: (وَكِتَابِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْعِلْمِ إِلَى) أهل (الْبُلْدَانِ)؛ بضمِّ المُوحَّدة، وأهل القرى والصحارى وغيرهما، والمُكاتَبَة صورتها: أن يكتبَ المحدِّثُ لغائبٍ بخطِّه، أو يأذنَ لثقةٍ يكتب، سواءٌ كان لضرورةٍ أم لا، وسواء سُئِلَ في ذلك أم لا، فيقول بعد البسملة: من فلان ابن فلانٍ، ثمَّ يكتب شيئًا من مرويِّه حديثًا فأكثر، أو من تصنيفه أو نظمه، والإذن له في روايته عنه؛ كأن يكتب: أجزت لك ما كتبته لك، أو ما كتبت به إليك، ويرسله إلى الطَّالب مع ثقةٍ مُؤتَمَنٍ بعد تحريره بنفسه، أو بثقةٍ مُعتَمَدٍ وشدِّه وختمه احتياطًا؛ ليحصل الأمن من توهُّم تغييره، وهذه في القوَّة والصِّحَّة كالمُناوَلَة المقترنة بالإجازة، كما مشى عليه المؤلِّف حيث قال: «ما يُذكَر في المُناوَلَة وكتابِ أهل العلم بالعلم إلى البلدان»، لكن قد رجَّح قومٌ _منهمُ الخطيبُ_ المُناوَلَة عليها؛ لحصول المشافَهَة فيها بالإذن دون المُكاتَبَة، وهذا وإن كان مُرجَّحًا؛ فالمُكاتَبَة أيضًا تترجَّح بكون الكتابة لأجل الطَّالب، وإذا أدَّى المُكاتَب [1] ما تحمَّله من ذلك؛ فبأي صيغةٍ يؤدِّي؟ جوَّز قومٌ _منهمُ اللَّيثُ بن سعدٍ، ومنصور بن المعتمر_ إطلاق «أخبرنا» و«حدَّثنا»، والجمهور: على اشتراط التَّقييد بالكتابة، فيقول: حدَّثنا أو أخبرنا فلانٌ مُكاتَبَةً أو كتابةً أو نحوهما، فإن عَرَتِ الكتابة عن الإجازة؛ فالمشهور تسويغ الرِّواية بها.

(وَقَالَ أَنَسٌ) وللأَصيليِّ: ((أنسُ بن مالكٍ))، كما هو موصولٌ عند المؤلِّف في حديثٍ طويلٍ في «فضائل القرآن» [خ¦4984] ، (نَسَخَ)؛ أي: كتب (عُثْمَانُ الْمَصَاحِفَ)؛ أي: أَمَرَ زيدَ بنَ ثابتٍ، وعبد الله بن الزُّبَيْر، وسعيد بن العاص، وعبد الرَّحمن بن الحارث بن هشامٍ أن ينسخوها، وللأَصيليِّ: ((عثمان بن عفَّان))، وهو أحد العشرة، المُتوفَّى _شهيد الدَّار_ يوم الجمعة لثمانِ عَشْرةَ خَلَتْ من ذي الحجَّة، سنة خمسٍ وثلاثين، وهو ابن تسعين سنةً، وكانت خلافته اثنتي عشرةَ سنةً رضي الله عنه، (فَبَعَثَ بِهَا)؛ أي: أرسل عثمانُ بالمصاحف (إِلَى الآفَاقِ)؛ مصحفًا إلى مكَّة، وآخرَ إلى الشام، وآخرَ إلى اليمن، وآخرَ إلى البحرين، وآخرَ إلى البصرة، وآخرَ إلى الكوفة، وأمسك بالمدينة واحدًا، والمشهور: أنَّها كانت خمسةً، وقال الدَّاني [2] : أكثر الرِّوايات [3] على [/ج1ص161/]

أنَّها أربعةٌ، قلت: وفيما جمعته في «فنون القراءات الأربعَ عشْرةَ» مزيدٌ لذلك، فليُراجَع، ودلالة هذا الحديث على تجويز الرِّواية بالمُكاتَبَة بيِّنٌ غيرُ خفيٍّ؛ لأنَّ عثمان أمرهم بالاعتماد على ما في تلك المصاحف ومُخالفةِ ما عداها، قال ابن المُنَيِّر: والمُستَفَاد من بعثه المصاحفَ إنَّما هو ثبوت إسناد صورة المكتوب فيها إلى عثمان، لا أصل ثبوت القرآن؛ فإنَّه متواترٌ عندهم.

(وَرَأَى عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب، أبو عبد الرَّحمن القرشيُّ المدنيُّ العدويُّ، المُتوفَّى سنة إحدى وسبعين ومئة، أو هو عمرو بن العاص، وبالأوَّل: جزم الكرمانيُّ وغيره، وهو موافقٌ لجميع نسخ «البخاريِّ»؛ حيث ضُمَّتِ العينُ من «عُمر» وسقطتِ الواو، وبالثَّاني: قال الحافظ ابن حجرٍ معلّلًا بقرينةِ تقديمِه في الذِّكر على يحيى بن سعيدٍ: لأنَّ يحيى أكبر من العمريِّ، وبأنَّه وجد في كتاب «الوصيَّة» لابن منده من طريق البخاريِّ بسندٍ صحيحٍ إلى [4] عبد الله الْحُبُليِّ؛ بضمِّ المُهمَلَة، والمُوحَّدة: «أنَّه أتى عبد الله بكتاب فيه أحاديث، فقال: انظر في هذا الكتاب، فما عرفته منه؛ اتركه، وما لم تعرفه؛ امْحُه». قال: وعبد الله يحتمل أن يكون ابن عمر بن الخطَّاب، فإنَّ الحُبُليَّ سمع منه، ويحتمل أن يكون ابن عمرو بن العاص، فإنَّ الْحُبُليَّ مشهورٌ بالرِّواية عنه، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ التَّقديم لا يستلزم التَّعيين، فمنِ ادَّعى ذلك؛ فعليه بيان المُلازَمَة، وبأنَّ قول الحُبُليِّ: «إنَّه أتى عبد الله»، لا يدلُّ بحسب الاصطلاح إلَّا على عبد الله بن مسعودٍ، وبأنَّ عمرو بن العاص _بالواو_، وهي ساقطةٌ في جميع نسخ «البخاريِّ». وأجاب في «انتقاض الاعتراض»: بأنَّه لا يلزم من انتفاء المُلازَمَة ألَّا تثبت المُلازَمَة إذا وُجِدَتِ القرينة؛ وهي: أنَّ التقديم [5] يفيد الاهتمام، والاهتمام بالأسنِّ الأوثق، وبأنَّ الحصر الذي ادَّعاه مردودٌ، وقد صرَّح الأئمَّة بخلافه، فقال الخطيب عن أهل الصَّنعة: إذا قال المصريُّ: عن عبد الله؛ فمراده عبد الله بن عمرو بن العاص، وإذا قال الكوفيُّ: عبد الله؛ فمراده ابن مسعودٍ، والحُبُلِيُّ مصريٌّ، انتهى.

(وَ) كذا رأى (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ المدنيُّ، (وَمَالِكٌ) إمام دار الهجرة، وللأَصيليِّ: ((مالك بن أنسٍ))، (ذَلِكَ جَائِزًا)؛ أي: المُناوَلَة والإجازة، على حدِّ قوله تعالى: {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} [البقرة: 68] ؛ أي: ما ذُكِرَ من «الفارض» و«البِكْر»، فأشار بذلك إلى المُثنَّى، (وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الْحِجَازِ) هو شيخ المصنِّف الحميديُّ (فِي) صحَّة (الْمُنَاوَلَةِ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؛ حَيْثُ كَتَبَ)؛ أي: أمر بالكتابة (لأَمِيرِ)، وفي رواية الأَصيليِّ: ((إلى أمير)) (السَّرِيَّةِ)؛ عبد الله بن جحشٍ المُجدَّع، أخي زينب أمِّ المؤمنين، (كِتَابًا، وَقَالَ: لَا تَقْرَأْهُ حَتَّى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا)، وفي رواية عروة أنَّه قال له: «إذا سرتَ يومين؛ فافتحِ الكتاب». وللكُشْمِيهَنِيِّ: ((لا نقرأ))؛ بنون الجمع، مع حذف الضَّمير، ويلزم منه كون «نبلغ»؛ بالنُّون أيضًا، (فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمَكَانَ)؛ وهو نخلةٌ بين مكَّة والطَائف؛ (قَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ، وَأَخْبَرَهُمْ بِأَمْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم)، ولم يذكره المؤلِّف رحمه الله موصولًا. نعم؛ وصله الطَّبرانيُّ بإسنادٍ حسنٍ، وهو في «سيرة ابن إسحاق» مُرسَلًا، ورجاله ثقاتٌ، ووجه الدَّلالة منه غير خفيَّةٍ، فإنَّه جاز له الإخبار بما في الكتاب بمُجرَّد المُناوَلَة، ففيه المُناوَلَةُ ومعنى الكتابة.

[1] في (ص): «الكاتب».
[2] «الدَّاني»: سقط من (م).
[3] في (م): «الرُّواة».
[4] زيد في (ب) و(س): «أبي»، وهو خطأٌ.
[5] في (م): «التقدم».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

(7) بابُ [1] ما يُذْكَرُ فِي المُناوَلَةِ، وَكِتابِ أَهْلِ العِلْمِ بِالعِلْمِ إلىَ البُلْدانِ

وقالَ أَنَسٌ: نَسَخَ عُثْمانُ [2] المَصاحِفَ فَبَعَثَ بها إِلَى الآفاقِ.

وَرأَىَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ وَيَحْيَى بنُ سَعِيدٍ وَمالِكٌ [3] ذَلِكَ جائِزًا.

واحْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الحِجازِ فِي المُناوَلَةِ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَيْثُ كَتَبَ لأَمِيرِ [4] السَّرِيَّةِ كِتابًا وَقالَ: «لا تَقْراهُ [5] حَتَّىَ تَبْلُغَ مَكانَ كَذا وَكَذا». فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ المَكانَ قَراهُ عَلَى النَّاسِ، وأَخْبَرَهُمْ بِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

[1] لفظة: «باب» ليست في رواية الأصيلي.
[2] في رواية الأصيلي: «وقال أنسُ بنُ مالكٍ: نسخَ عثمانُ بنُ عفانَ».
[3] في رواية الأصيلي زيادة: «بن أنس».
[4] في رواية الأصيلي: «إلىَ أمير».
[5] صحَّح عليها في اليونينيَّة، وفي رواية أبي ذر والكُشْمِيْهَنِيِّ: «لا نقرأهُ»، بالنون.





( وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الْحِجَازِ فِي الْمُنَاوَلَةِ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ كَتَبَ لأَمِيرِ السَّرِيَّةِ كِتَابًا وَقَالَ: «لاَ تَقْرَأْهُ حَتَّى تَبْلُغَ مَوْضِعَ كَذَا وَكَذَا [2] » ).

قلت: خَدَشَ البيهقيُّ في هذا الاحتجاج بأن التبديل فيه كان غير متوهم؛ لعدالة الصحابة، وهو بعد ذلك عند تغير الناس متوهَّم. وقال: إن الشافعي أشار إلى ذلك في باب أدب القضاء.

[1] كذا الثانية غير موجودة في الأصل.





(7) [بَابُ مَا يُذْكَرُ فِي الْمُنَاوَلَةِ، وَكِتَابِ أَهْلِ الْعِلْمِ بالْعِلْمِ إِلَى الْبُلْدَانِ]

(نَسَخَ عُثْمَانُ الْمَصَاحِفَ، فَبَعَثَ بهَا إِلَى الآفَاقِ) سُئل ابن المنير عن وجه إدخال هذا في المناولة والإجازة مع أن القرآن إنما يثبت بالتواتر؟

وأجاب: بأنَّ المستفاد من بعث المصاحف والمناولة فيها إنما هو الإسناد إلى عثمان [1] ، لا أصل ثبوت القرآن، فإذا رأينا في الإمام حرفًا مما اختلف السبعة فيه، جاز أن يسند إلى عثمان أنه قرأ بذلك، وإن كنا لم نسمع قراءته، وهذا كما يروي التلميذ عن المقرئين السبع [2] ، ويسند إليهم [3] ، وإن كانت السبع متواترة عنده من غير الشيخ.

قال:

@%ج1ص77%

وهذا [4] تحقيق يرتفعُ به الإشكال عن عنعنة القرآن [5] ، وإسنادِها إلى الآحاد، فلا يُظن أنَّا أثبتنا [6] القرآن بالآحاد، بل بالتواتر، وأولئك الآحاد من جملة عدد التواتر، ومزيتهم الشهرةُ بالحذْقِ [7] والتَّجويد في الأداء.

قلت: وبهذا يُجاب عمَّا حكاه شيخنا أبو عبد الله بن عرفة عن شيخه [8] ابن عبد السلام، وابنِ إدريسَ من أن السبعَ غيرُ متواترة، مستدِلَّيْنِ بأن شرط التواتر استواءُ الطرفين فيه والوسطِ، والسبعُ تنتهي إلى أبي عمرٍو الدَّاني.

قال شيخنا رحمه الله: وكان جوابي للشيخين: منعُ حصْرِ وقفِها على الدَّاني، بل شاركه في ذلك عددٌ كثير، والخاصُّ به شهرتُها فقط، وهذا قريب مما سبق.

(حَيْثُ كَتَبَ لأَمِيرِ السَّرِيَّةِ كِتَابًا) أمير السرية: عبدُ الله بن جحش رضي الله عنه ، وهي ثمانيةُ رَهْطٍ من المهاجرين: سعدُ بنُ أبي وَقَّاص، وعُكَّاشَة، وعُتْبَةُ بنُ غَزوانَ، وأبو حذيفةَ بنُ عتبةَ بنِ ربيعةَ، وسُهَيل بنُ بيضاءَ، وعامرُ بنُ ربيعةَ، وواقدُ بنُ عبد الله، وخالدُ بنُ البُكَير.

ونص الكتاب: ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أمَّا بعد: فَسِرْ علَى برَكَةِ اللهِ بمَنْ معكَ مِن أصحَابكَ حتَّى تنزِلَ ببطْنِ [9] نَخْلَةَ [10] ، فترَصَّدْ بهَا عِيرَ قُرَيشٍ؛ لعلَّكَ أَن تأتِيَنَا منهُ بخبَرٍ)).

[1] في (ق): ((لعثمان)).
[2] في (د) و(ق): ((المقرئ للسبع)).
[3] في (د) و(ق): ((إليه)).
[4] ((وهذا)): ليست في (د).
[5] في (د): ((عن صنعته للقرآن)). وفي (ق): ((عنعنة القراء للقرآن)).
[6] في (د): ((استثناء)).
[7] في (ق): ((بالحذف)).
[8] في (د) و(ج): ((شيخيه)).
[9] في (ق): ((بطن)).
[10] في (ج): ((نخل)).





قوله: (باب مَا يُذْكَرُ فِي الْمُنَاوَلَةِ): أمَّا (يُذكَر) ؛ فمبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، و (المناولة) معروفة عند أهل الحديث؛ وهي نوعان: مقرونة بالإجازة، فهذه أعلى أنواع الإجازة، وهي صحيحة، والثانية: التي لَمْ تقترن بالإجازة، وفيها قولان، والأصحُّ بطلانها، فإنْ أردت الوقوف عليها؛ فانظرها من «كتاب ابن الصَّلاح» أو غيره من كتب العلوم في الحديث، والله أعلم.

ولا أعلم البخاريَّ حدَّث في هذا «الصَّحيح» بالمناولة وإن بوَّب عليها، [وقد قال أبو عمرو محمَّد بن أبي جعفر أحمد بن حمدان الحيريُّ: كلَّما قال البخاريُّ: (قال لي فلان) ؛ فهو عرض ومناولة، انتهى، وإنَّما هي محمولة على السَّماع، وأنَّها كـ(أخبرنا)] [1] ، وأنَّهم كثيرًا ما يستعملونها في المذاكرة، وأنَّ بعض الناس جعلها من أقسام التعليق، وأنَّ ابن منده جعلها إجازة، ولا أعلم البخاريَّ حدَّث نفسُه في هذا «الصَّحيح» بالمناولة ولا بالإجازة، بل ولا بالكتابة إلَّا في مكان واحد حدَّث بالكتابة من محمَّد بن بشَّار [2] بندار، وسيأتي والله أعلم [3] .

قوله: (نَسَخَ عُثْمَانُ الْمَصَاحِفَ): قال أبو عمرو الدَّاني الحافظ في «المقنع»: (أكثر العلماء على أنَّ عثمان رضي الله عنه لمَّا كتب المصحف؛ جعله على أربع نسخ، وبعث إلى كلِّ ناحية من النواحي بواحدة منها، فوجَّه إلى الكوفة إحداهنَّ، وإلى البصرة أخرى، وإلى الشَّام الثالثة، وأمسك عند نفسه [4] واحدة، وقد قيل: إنَّه جعله سبع نسخ، ووجَّه من ذلك أيضًا نسخة إلى مكَّة، ونسخة إلى اليمن، ونسخة إلى البحرين، والأوَّل أصحُّ، وعليه الأئمَّة [5] ) انتهى.

وقد فهم شيخنا الشَّارح من قوله: (وعليه الأئمَّة) الإجماع، فقال: قال أبو عمرو الدَّاني: (أجمع العلماء) ، فذكر [6] القول [7] الأوَّل، ثُمَّ حكى القول الثَّاني عن أبي حاتم السجستانيِّ، ويحتمل أن يكون أبو عمرو حكى الإجماع في غير «المقنع»، فاطَّلع شيخنا عليه، فيكون صحيحًا، وقد تقدَّم أنَّ شيخنا حكى القولين، وقال قبل ذلك: إنَّ في غير «البخاريِّ» أنَّ عثمان بعث مصحفًا إلى الشَّام، وآخر إلى الحجاز، وآخر إلى اليمن، وآخر إلى البحرين، وأبقى عنده مصحفًا، فهذه خمس، فالحاصل: أنَّ النسخ هل هي أربع، أو خمس، أو سبع؛ أقوال؟ والله أعلم.

قوله: (الآفَاقِ): هو بمدِّ الهمزة؛ وهي النواحي، واحدها أفق؛ بإسكان الفاء وضمِّها، والنسبة إليه: أُفقيٌّ؛ بضمِّ الهمزة والفاء، وبفتحهما؛ لغتان.

تنبيه شارد: [قول الإمام الغزاليِّ [8] وغيره في (كتاب الحجِّ): (الحاجُّ الآفاقيُّ) ؛ منكر؛ فإنَّ الجمع إذا [9] لَمْ يسمَّ به؛ لا ينسب إليه، وإنَّما ينسب إلى واحده] [10] .

قوله: (وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الْحِجَازِ فِي الْمُنَاوَلَةِ): المحتجُّ هذا [11] هو الحميديُّ عبد الله بن الزَّبير شيخه أيضًا.

قوله: (لأَمِيرِ السَّرِيَّةِ): كذا لهم، وعند الأصيليِّ: (إلى أمير السريَّة) ، وهما بمعنًى متقاربٍ، و (إلى) تأتي بمعنى (مع) ، وتأتي بمعنى (اللَّام) أيضًا، وهو عليه الصَّلاة والسَّلام إنَّما كتب الكتاب له ومعه، ولم يرسله إليه، وليست (إلى) ههنا غاية، ويحتمل أنْ تكون على بابها، وذلك لأنَّه أمره ألَّا يفتحه حتَّى يكون بموضع كذا، فصار خطابه إيَّاه في الحكم خطاب الغائب، كما لو كتبه وأرسله إليه وهو في ذلك المكان غائبًا عنه، قاله في «المطالع».

قوله: (لأَمِيرِ السَّرِيَّةِ): هو عبد الله بن جحش بن رِياب، أخو أبي أحمد -واسمه عبد- وزينب أمُّ المؤمنين، وأمُّ حبيبة، وحمنة، وأخوهم عبيد الله _ بالتصغير- تنصَّر بأرض الحبشة، وعبد الله يقال له: المجدع في الله، شهد بدرًا، وقتل يوم أحد بعد أن قُطِع أنفه وأذنه، قال ابن إسحاق: (كانت هَذِه السَّريَّة أوَّل سريَّة غنم فيها المسلمون، وكانت في رجب من السَّنة الثانية قبل بدر الكبرى، بعثه عليه الصَّلاة والسَّلام ومعه ثمانية رهط من المهاجرين) ، وقيل: اثنا عشر مهاجرًا، أمَّا الثمانية؛ فهم: أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وعكاشة بن محصن الأسديُّ، وعتبة بن غزوان، وسعد بن أبي وقَّاص، وعامر بن ربيعة من [12] عنْز بن وائل حليف بن عديٍّ، وواقد بن عبد الله أحد بني تميم حليف لهم، وخالد بن البكير، وسهيل بن بيضاء، وكتب له كتابًا، وأمره ألَّا [/ج1ص41/] ينظر فيه حتَّى يسير يومين، ثُمَّ ينظر فيه، فيمضي لما أُمِر به، ولا يستكره من أصحابه أحدًا، فلمَّا سار يومين؛ فتح الكتاب؛ فإِذَا [13] فيه: «إذا نظرت في كتابي؛ فامض حتَّى تنزل نخلة بين مكَّة والطَّائف، فترصد بها قريشًا وتعلم لنا أخبارهم»، فقال عبد الله وأصحابه: سمعًا وطاعة...) إلى آخر القصَّة، وهي معروفة؛ فانظرها إن شئت من السِّير [14] ، والسريَّة تقدَّم الكلام عليها في (الإيمان) ، وذكرت فيها قولين.

[1] ما بين معقوفين سواد في (أ) .
[2] في (ب): (يسار) .
[3] زيد في (ب): (انتهى) .
[4] في (ب): (لنفسه) .
[5] في (ب): (الأمة) .
[6] (فذكر): ليس في (ب) .
[7] في (ب): (قبل) .
[8] (الغزالي): ليس في (ب) .
[9] في (ب): (إن) .
[10] ما بين معقوفين جاء في (ب) بعد قوله: (بن الزبير شيخه أيضًا) .
[11] في (ب): (بهذا) .
[12] في (ب): (بن) .
[13] في (ج): (وإذا) .
[14] زيد في (ب): (قوله) .





(إِلَى الْبُلْدَانِ): متعلِّقٌ بـالـ (كِتَابِ)، ولفظُ الـ (كِتَابِ) يَحتملُ عطفَه على (الْمُنَاوَلَةِ) وعلى (مَا يُذْكَرُ).

(لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ): وعند الأصيلي: (إلى)، وهما بمعنًى متقارب، و (إلى) تأتي بمعنى (مع)، وتأتي بمعنى اللَّام.


7- (باب مَا يُذْكَرُ) بضمِّ الياء، وفتح الكاف (فِي الْمُنَاوَلَةِ) المقرونة بالإجازة؛ وهي أن يعطيَ الشَّيخُ الكتابَ للطَّالب ويقول: هذا سماعي من فلانٍ أو تصنيفي، وقد أجزت لك أن ترويَه عنِّي، وهي حالَّةٌ محلَّ السَّماع عند يحيى بن سعيدٍ الأنصاريِّ، ومالكٍ، والزُّهريِّ، فيسوغ فيها التَّعبير بالتَّحديث والإخبار، لكنَّها أحطُّ مرتبةً من السَّماع عند الأكثرين، وهذه غير عرض المُنَاوَلَة السَّابق؛ الذي هو أن يُحْضِرَ الطَّالبُ الكتابَ، على أنَّ الجمهور سوَّغوا الرِّواية بها، وتقييد المُناوَلَة باقتران الإجازة مُخْرِجٌ لِمَا إذا ناول الشَّيخُ الكتابَ للطَّالب من غير إجازةٍ، فإنَّه لا تسوغ الرِّواية بها على الصَّحيح، ثمَّ عطف المؤلِّف على قوله: «في المُناوَلَة» قوله: (وَكِتَابِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْعِلْمِ إِلَى) أهل (الْبُلْدَانِ)؛ بضمِّ المُوحَّدة، وأهل القرى والصحارى وغيرهما، والمُكاتَبَة صورتها: أن يكتبَ المحدِّثُ لغائبٍ بخطِّه، أو يأذنَ لثقةٍ يكتب، سواءٌ كان لضرورةٍ أم لا، وسواء سُئِلَ في ذلك أم لا، فيقول بعد البسملة: من فلان ابن فلانٍ، ثمَّ يكتب شيئًا من مرويِّه حديثًا فأكثر، أو من تصنيفه أو نظمه، والإذن له في روايته عنه؛ كأن يكتب: أجزت لك ما كتبته لك، أو ما كتبت به إليك، ويرسله إلى الطَّالب مع ثقةٍ مُؤتَمَنٍ بعد تحريره بنفسه، أو بثقةٍ مُعتَمَدٍ وشدِّه وختمه احتياطًا؛ ليحصل الأمن من توهُّم تغييره، وهذه في القوَّة والصِّحَّة كالمُناوَلَة المقترنة بالإجازة، كما مشى عليه المؤلِّف حيث قال: «ما يُذكَر في المُناوَلَة وكتابِ أهل العلم بالعلم إلى البلدان»، لكن قد رجَّح قومٌ _منهمُ الخطيبُ_ المُناوَلَة عليها؛ لحصول المشافَهَة فيها بالإذن دون المُكاتَبَة، وهذا وإن كان مُرجَّحًا؛ فالمُكاتَبَة أيضًا تترجَّح بكون الكتابة لأجل الطَّالب، وإذا أدَّى المُكاتَب [1] ما تحمَّله من ذلك؛ فبأي صيغةٍ يؤدِّي؟ جوَّز قومٌ _منهمُ اللَّيثُ بن سعدٍ، ومنصور بن المعتمر_ إطلاق «أخبرنا» و«حدَّثنا»، والجمهور: على اشتراط التَّقييد بالكتابة، فيقول: حدَّثنا أو أخبرنا فلانٌ مُكاتَبَةً أو كتابةً أو نحوهما، فإن عَرَتِ الكتابة عن الإجازة؛ فالمشهور تسويغ الرِّواية بها.

(وَقَالَ أَنَسٌ) وللأَصيليِّ: ((أنسُ بن مالكٍ))، كما هو موصولٌ عند المؤلِّف في حديثٍ طويلٍ في «فضائل القرآن» [خ¦4984] ، (نَسَخَ)؛ أي: كتب (عُثْمَانُ الْمَصَاحِفَ)؛ أي: أَمَرَ زيدَ بنَ ثابتٍ، وعبد الله بن الزُّبَيْر، وسعيد بن العاص، وعبد الرَّحمن بن الحارث بن هشامٍ أن ينسخوها، وللأَصيليِّ: ((عثمان بن عفَّان))، وهو أحد العشرة، المُتوفَّى _شهيد الدَّار_ يوم الجمعة لثمانِ عَشْرةَ خَلَتْ من ذي الحجَّة، سنة خمسٍ وثلاثين، وهو ابن تسعين سنةً، وكانت خلافته اثنتي عشرةَ سنةً رضي الله عنه، (فَبَعَثَ بِهَا)؛ أي: أرسل عثمانُ بالمصاحف (إِلَى الآفَاقِ)؛ مصحفًا إلى مكَّة، وآخرَ إلى الشام، وآخرَ إلى اليمن، وآخرَ إلى البحرين، وآخرَ إلى البصرة، وآخرَ إلى الكوفة، وأمسك بالمدينة واحدًا، والمشهور: أنَّها كانت خمسةً، وقال الدَّاني [2] : أكثر الرِّوايات [3] على [/ج1ص161/]

أنَّها أربعةٌ، قلت: وفيما جمعته في «فنون القراءات الأربعَ عشْرةَ» مزيدٌ لذلك، فليُراجَع، ودلالة هذا الحديث على تجويز الرِّواية بالمُكاتَبَة بيِّنٌ غيرُ خفيٍّ؛ لأنَّ عثمان أمرهم بالاعتماد على ما في تلك المصاحف ومُخالفةِ ما عداها، قال ابن المُنَيِّر: والمُستَفَاد من بعثه المصاحفَ إنَّما هو ثبوت إسناد صورة المكتوب فيها إلى عثمان، لا أصل ثبوت القرآن؛ فإنَّه متواترٌ عندهم.

(وَرَأَى عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب، أبو عبد الرَّحمن القرشيُّ المدنيُّ العدويُّ، المُتوفَّى سنة إحدى وسبعين ومئة، أو هو عمرو بن العاص، وبالأوَّل: جزم الكرمانيُّ وغيره، وهو موافقٌ لجميع نسخ «البخاريِّ»؛ حيث ضُمَّتِ العينُ من «عُمر» وسقطتِ الواو، وبالثَّاني: قال الحافظ ابن حجرٍ معلّلًا بقرينةِ تقديمِه في الذِّكر على يحيى بن سعيدٍ: لأنَّ يحيى أكبر من العمريِّ، وبأنَّه وجد في كتاب «الوصيَّة» لابن منده من طريق البخاريِّ بسندٍ صحيحٍ إلى [4] عبد الله الْحُبُليِّ؛ بضمِّ المُهمَلَة، والمُوحَّدة: «أنَّه أتى عبد الله بكتاب فيه أحاديث، فقال: انظر في هذا الكتاب، فما عرفته منه؛ اتركه، وما لم تعرفه؛ امْحُه». قال: وعبد الله يحتمل أن يكون ابن عمر بن الخطَّاب، فإنَّ الحُبُليَّ سمع منه، ويحتمل أن يكون ابن عمرو بن العاص، فإنَّ الْحُبُليَّ مشهورٌ بالرِّواية عنه، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ التَّقديم لا يستلزم التَّعيين، فمنِ ادَّعى ذلك؛ فعليه بيان المُلازَمَة، وبأنَّ قول الحُبُليِّ: «إنَّه أتى عبد الله»، لا يدلُّ بحسب الاصطلاح إلَّا على عبد الله بن مسعودٍ، وبأنَّ عمرو بن العاص _بالواو_، وهي ساقطةٌ في جميع نسخ «البخاريِّ». وأجاب في «انتقاض الاعتراض»: بأنَّه لا يلزم من انتفاء المُلازَمَة ألَّا تثبت المُلازَمَة إذا وُجِدَتِ القرينة؛ وهي: أنَّ التقديم [5] يفيد الاهتمام، والاهتمام بالأسنِّ الأوثق، وبأنَّ الحصر الذي ادَّعاه مردودٌ، وقد صرَّح الأئمَّة بخلافه، فقال الخطيب عن أهل الصَّنعة: إذا قال المصريُّ: عن عبد الله؛ فمراده عبد الله بن عمرو بن العاص، وإذا قال الكوفيُّ: عبد الله؛ فمراده ابن مسعودٍ، والحُبُلِيُّ مصريٌّ، انتهى.

(وَ) كذا رأى (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ المدنيُّ، (وَمَالِكٌ) إمام دار الهجرة، وللأَصيليِّ: ((مالك بن أنسٍ))، (ذَلِكَ جَائِزًا)؛ أي: المُناوَلَة والإجازة، على حدِّ قوله تعالى: {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} [البقرة: 68] ؛ أي: ما ذُكِرَ من «الفارض» و«البِكْر»، فأشار بذلك إلى المُثنَّى، (وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الْحِجَازِ) هو شيخ المصنِّف الحميديُّ (فِي) صحَّة (الْمُنَاوَلَةِ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؛ حَيْثُ كَتَبَ)؛ أي: أمر بالكتابة (لأَمِيرِ)، وفي رواية الأَصيليِّ: ((إلى أمير)) (السَّرِيَّةِ)؛ عبد الله بن جحشٍ المُجدَّع، أخي زينب أمِّ المؤمنين، (كِتَابًا، وَقَالَ: لَا تَقْرَأْهُ حَتَّى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا)، وفي رواية عروة أنَّه قال له: «إذا سرتَ يومين؛ فافتحِ الكتاب». وللكُشْمِيهَنِيِّ: ((لا نقرأ))؛ بنون الجمع، مع حذف الضَّمير، ويلزم منه كون «نبلغ»؛ بالنُّون أيضًا، (فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمَكَانَ)؛ وهو نخلةٌ بين مكَّة والطَائف؛ (قَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ، وَأَخْبَرَهُمْ بِأَمْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم)، ولم يذكره المؤلِّف رحمه الله موصولًا. نعم؛ وصله الطَّبرانيُّ بإسنادٍ حسنٍ، وهو في «سيرة ابن إسحاق» مُرسَلًا، ورجاله ثقاتٌ، ووجه الدَّلالة منه غير خفيَّةٍ، فإنَّه جاز له الإخبار بما في الكتاب بمُجرَّد المُناوَلَة، ففيه المُناوَلَةُ ومعنى الكتابة.

[1] في (ص): «الكاتب».
[2] «الدَّاني»: سقط من (م).
[3] في (م): «الرُّواة».
[4] زيد في (ب) و(س): «أبي»، وهو خطأٌ.
[5] في (م): «التقدم».





( وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الْحِجَازِ ): هو: الحُمَيديُّ. [/ج1ص231/]

( بِحَدِيثِ النَّبي صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم حَيْثُ كَتَبَ ): هذا الحديث أخرجه الطَّبرانيُّ بسند حسن من حديث جُنْدُب البَجَليِّ، وله طرق أخرى.

( لأَمِيرِ السَّرِيَّةِ ): هو عبد الله بن جحش، والسَّريَّة: بفتح المهملة وكسر الرَّاء وتشديد التَّحتيَّة: القطعة من الجيش، وكانوا اثني عشر رجلًا من المهاجرين.

( حَتَّى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا ) في رواية عند ابن إسحاق: «إذا سرت يومين فافتح الكتاب». /


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

(7) بَابُ مَا يُذْكَرُ فِي المُنَاوَلَةِ، وَكِتَابِ أَهْلِ العِلْمِ بِالعِلْمِ إِلَى البُلْدَانِ

وَقَالَ أَنَسُ: «نَسَخَ عُثْمَانُ المَصَاحِفَ فَبَعَثَ بِهَا إِلَى الآفَاقِ»، وَرَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَمَالِكٌ ذَلِكَ جَائِزاً.

وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الحِجَازِ فِي المُنَاوَلَةِ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَيْثُ كَتَبَ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ كِتَاباً وَقَالَ: «لاَ تَقْرَأْهُ حَتَّى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا». فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ المَكَانَ قَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ، وَأَخْبَرَهُمْ بِأَمْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.


لا تتوفر معاينة

هذا ((باب ما يُذكَر)) ؛ بضم المثناة التحتية وفتح الكاف، ((في المناولة)) من النوال وهو العطاء، وهي نوعان:

أحدهما: المقرونة بالإجازة؛ وهي أن يرفع الشيخ إلى الطالب أصل سماعه مثلًا ويقول: هذا سماعي وأجزت لك روايته عني، وهذه حالة محل السماع عند مالك والزهري وغيرهما، فيجوز إطلاق (حدثنا) و (أخبرنا) فيها، والصحيح: أنَّه منحطٌّ عن درجته، وعليه الأكثر.

والآخر: المناولة المجرَّدة عن الإجازة، وهي بأنْ يُناوله أصل السماع كما علمت، ولا يقول له: أجزت لك الرواية عني، وهذه لا تجوز الرواية بها على الصحيح، ومراد المؤلف القسم الأول، وهو غير العرض السابق؛ فافهم.

((وكتابِ أهل العلم بالعلم)) بجرِّ (كتاب) عطفًا على قوله: (في المناولة) ، ((إلى)) أهل ((البُلْدان)) ؛ بضمِّ الموحدة وسكون اللام، جمع بلد، وأهل القرى وغيرهما، وهي أن يكتب الشيخ إلى الطالب شيئًا من حديثه، وهي نوعان؛ أحدهما: المقرونة بالإجازة، وثانيهما: الخالية عنها، والصحيح في الثانية: أنَّه يجوز الرواية بها؛ بأن يقول: كتب إليَّ فلان قال: حدثنا بكذا.

وقد سوَّى المؤلف الكتابة المقرونة بالإجازة بالمناولة، ورجَّح قوم المناولة عليها؛ لحصول المشافهة بها بالإذن دون المكاتبة، وجوَّز جماعة الإخبار فيهما، والأَولى ما عليه المحقِّقون من اشتراط بيان ذلك.

((وقال أنس)) وفي رواية: (أنس بن مالك) ، كما وصله المؤلف في (فضائل القرآن) : ((نسخ عثمان)) وفي رواية: (عثمان بن عفان) أحد الخلفاء والعشرة، المتوفى شهيد الدار يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة، سنة خمس وثلاثين، عن تسعين سنة، ومدَّةُ خلافته ثنتي عشرة سنة رضي الله عنه ((المصاحف)) ؛ بفتح الميم جمع مصحف، ويجوز في ميمه الحركات الثلاث، مأخوذة من أصحف؛ أي: جمعت فيه الصُّحُف؛ بضمتين جمع صحيفة؛ وهي الكتابة، قال المؤلف في (فضائل القرآن) : إنَّ حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية، وفيه: ففزع [1] حذيفةُ من اختلافهم في القراءة، فقال لعثمان: أدركْ هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلافَ اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة بنت عمر رضي الله عنهماأنْ أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردُّها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وفيه: حتى إذا نسخوها ردَّ عثمان الصحف إلى حفصة ((فبعث بها)) ؛ أي: أرسل عثمان بالمصاحف ((إلى الآفاق)) ؛ بمدِّ الهمزة، جمع أفق؛ أي: أرسل إلى كلِّ أُفق بمصحف ممَّا نسخوا، وفي غير «البخاري»: أنَّ عثمان أرسل مصحفًا إلى الشام، ومصحفًا إلى الحجاز، ومصحفًا إلى اليمن، ومصحفًا إلى البحرين، وأبقى عنده مصحفًا؛ لتجتمع الناس على قراءة ما يُعلم ويُتقن.

وقيل: هي أربعة، بعث واحدًا إلى البصرة، وآخر إلى الكوفة، وآخر إلى الشام، وحبس عنده آخر، وعليه الأكثر، وقيل: إنها سبعة، ودلالة هذا على تجويز الرواية بالمكاتبة ظاهرة، فإنَّ عثمان أمرهم بالاعتماد على ما في تلك المصاحف ومخالفة ما عداها، والمستفاد من بعثه المصاحف إنَّما هو قبول إسنادِ صورة المكتوب بها، لا أصل ثبوت القرآن؛ فإنَّه متواتر عندهم؛ فافهم.

((ورأى عبد الله بن عمر)) هو ابن عاصم بن عمر بن الخطاب، أبو عبد الرحمن القرشي العدوي المدني، المتوفى سنة إحدى وسبعين ومئة، وقال ابن حجر العسقلاني: عبد الله هذا هو ابن عَمرو ابن العاص، مستدلًا بكلامٍ أوهنَ من العنكبوت، ولا يقوله من سكن البيوت، فلا يعول عليه، وقد ردَّه الشيخ الإمام بدر الدين العيني بما يطول، ونقله عنه القسطلاني وأقرَّه، والصواب: ما قلناه، وبه جزم الكرماني وقطب الدين وغيرهما؛ فليحفظ.

((و)) كذا رأى ((يحيى بن سعيد)) الأنصاري المدني ((ومالك)) ، وللأصيلي: (مالك بن أنس) الإمام، ((ذلك جائزًا)) إشارة إلى كل واحد من المناولة والكتابة باعتبار ووردت الإشارة بذلك إلى المثنى كما في قوله تعالى: {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} [البقرة: 68] ؛ أي: ما ذكر من الفارض والبكر، فأشار بذلك إلى المثنى، أفاده في «عمدة القاري»، وفيه كلام يتعلَّق بالمناولة، وأنَّها ثمانية أقسام؛ فراجِعْها فإنَّها مفيدة، ولولا الإطالة لذكرتها؛ فافهم.

((واحتج بعض أهل الحجاز)) هو الحُميدي شيخ المؤلف، وإنَّما سُمِّيتْ بذلك؛ لأنَّها حجزت بين نجد والغور، وقيل: هي مكة والمدينة ويمامة وقراها ((في)) صحة ((المناولة بحديث النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم؛ حيث كتب)) ؛ أي: أمر بالكتابة ((لأمير)) وفي رواية: (إلى أمير) ، ((السَّرِيَّة)) ؛ بفتح السين المهملة وتشديد المثناة التحتية؛ قطعة من الجيش، وهو عبد الله بن جحش المجدع، أخ زينب أم المؤمنين ((كتابًا وقال: لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا وكذا)) وفي رواية عروة: أنه قال: (إذا سرت يومين فافتح الكتاب) ، وفي أخرى: (لا نقرأ) بنون الجمع مع حذف الضمير، ويلزم منه كون (نبلغ) بالنون أيضًا؛ كذا قيل.

((فلما بلغ ذلك المكان)) وهو نخلة بين مكة والطائف، ((قرأه على الناس وأخبرهم بأمر النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) ، ولم يذكره المؤلف موصولًا في كتابه هذا، لكن وصله الطبراني بإسنادٍ حسن، وذكره ابن إسحاق في «المغازي» مرسلًا، وساقه إمامنا بدر الدين العيني في «شرحه»؛ فيراجع، والدلالة منه ظاهرة، فإنه جاز له الإخبار بما في الكتاب بمجرد المناولة، ففيه المناولة ومعنى الكتابة.

[1] في الأصل: (ففرغ) .