متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

62- وبه قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ)؛ بفتح الميم، وسكون الخاء، أبو الهيثم القَطَوانيُّ؛ بفتح القاف والطَّاء؛ نسبةً لموضعٍ بالكوفة، البجليُّ [1] ، مولاهم الكوفيُّ، تُكلِّم فيه، وقال ابن عَدِيٍّ: لا بأسَ به، المُتوفَّى في المُحرَّم سنة ثلاث عشْرة ومئتين، قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) بن بلالٍ، أبو محمَّدٍ التَّيميُّ القرشيُّ المدنيُّ، الفقيه المشهور، وكان بربريًّا حسن الهيئة، وتُوفِّي سنة اثنتين وسبعين ومئةٍ في خلافة هارون الرَّشيد، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنهما، (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنه (قَالَ: إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً)، زاد المؤلِّف في باب «الفهم في العلم» قال: صحبت ابن عمر إلى المدينة، فقال: كنَّا عند النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فأُتِيَ بجمارةٍ، فقال: «إنَّ من الشَّجر شجرةً» [خ¦72] ، (لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مِثْلُ)؛ بكسر الأوَّل وسكون الثَّاني، وبفتحهما _على ما مرَّ_؛ أي: شبه (الْمُسْلِمِ، حَدِّثُونِي)، كذا في هذه [2] الرِّواية بغير فاءٍ على الأصل، (مَا هِيَ؟ قَالَ: فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي)؛ أي: ذهبت أفكارهم إليها دون النَّخلة، وسقطت لفظة: ((قال)) من الرِّواية الأولى، (قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر رضي الله عنهما: (فَوَقَعَ فِي نَفْسِي)، وفي الرِّواية السَّابقة: ((ووقع في نفسي)) (أَنَّهَا النَّخْلَةُ)، وفي «صحيح أبي عوانة»: قال: فظننت [3] أنَّها النَّخلة من أجل الجُمَّار الذي أُتي به، زاد في رواية أبي ذرٍّ عنِ [4] المستملي وأبي الوقت والأَصيليِّ: ((فاستحييت))، قال في رواية مجاهدٍ عند المؤلِّف في باب «الفهم في العلم» [خ¦72] : فأردت أن أقول: هي النَّخلة، فإذا أنا أصغر القوم، وعنده في «الأطعمة» [خ¦5444] : فإذا أنا عاشر عشرة أنا أَحْدَثُهم، وفي رواية نافعٍ [خ¦4698] : ورأيت أبا بكرٍ وعمر لا يتكلَّمان، فكرهت أن أتكلَّم، (ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا)؛ المُرَاد منه: الطَّلب والسُّؤال، (مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: هِيَ النَّخْلَةُ)، ولابن عساكر: ((حدِّثنا يا رسول الله، قال: هي النَّخلة))، وللأَصيليِّ: ((ثمَّ قالوا: حدِّثنا يا رسول الله))، ووجه الشَّبه بين النَّخلة والمسلم: من جهة عدم سقوط الورق، كما رواه الحارث بن أبي أسامة في هذا الحديث، كما ذكره السُّهيليُّ في «التَّعريف»، وقال: زاد زيادةً تساوي رحلةً، ولفظه: عن ابن عمر قال: كنَّا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يومٍ، فقال: «إنَّ مثل المؤمن كمثل شجرةٍ لا يسقط لها أُبْلُمَةٍ، أتدرون ما هي»؟ قالوا: لا. قال: «هي النَّخلة، لا يسقط لها أُبْلُمَةٍ، ولا يسقط لمؤمنٍ دعوةٌ» فبيَّن وجه الشَّبه [5] ، قال ابن حجرٍ: وعند المؤلِّف في «الأطعمة» من حديث ابن عمر: «بينما نحن عند النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إذ أُتي بجُمَّارةٍ، فقال: «إن من الشَّجر لما بركته كبركة المسلم» [خ¦5444] ، وهذا أعمُّ من الذي قبله، وبركة النَّخلة موجودةٌ في جميع أجزائها، تستمرُّ في جميع أحوالها، فمن [6] حين تطلع إلى حين تيبس تُؤكَل أنواعًا، ثمَّ يُنتفَع بجميع أجزائها، حتَّى النَّوى في علف الدَّوابِّ، واللِّيف في الحبال، وغير ذلك ممَّا لا يخفى، وكذلك بركة المسلم عامَّةٌ في جميع الأحوال، ونفعه مستمرٌّ له ولغيره، وأمَّا من قال: إنَّ وجه الشَّبه كون النَّخلة خُلِقت من فضل طينة آدم؛ فلم يثبت الحديث بذلك، النَّخلة لا يسقط ورقها، والمؤمن لا يتغيَّر إيمانه؛ بخلاف أهوية أهل الباطل [7] .

وفائدة إعادته لهذا الحديث: اختلاف السَّند المُؤذِن بتعدُّد [8] مشايخه، واتِّساع روايته [9] ، مع استفادة الحكم المترتِّب عليه، المقتضي لدقَّة نظره في تصرُّفه في تراجم أبوابه، والله الموفِّق والمعين.

[1] «البجليُّ»: سقط من (ص) و(م).
[2] «هذه»: سقط من (س).
[3] «قال: فظننت»: سقط من (ص).
[4] في (م): «و»، وليس بصحيحٍ.
[5] «فبيَّن وجه الشَّبه»: سقط من (ص).
[6] في (ب) و(س): «من».
[7] قوله: «النَّخلة لا يسقط ورقها، والمؤمن لا يتغيَّر إيمانه؛ بخلاف أهوية أهل الباطل»، سقط من (س).
[8] في (ب)، (ص)، (س): «بتعداد».
[9] في (م): «رواياته».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

61-. حدَّثنا قُتَيْبَةُ [1] : حدَّثنا إِسْماعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينارٍ:

عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لا يَسْقُطُ وَرَقُها، وإِنَّها مَثَلُ [2] المُسْلِمِ، فَحَدِّثُونِي ما هِيَ؟» فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوادِي. قالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّها النَّخْلَةُ، فاسْتَحْيَيْتُ، ثُمَّ قالُوا: حَدِّثْنا ما هِيَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: «هِيَ النَّخْلَةُ».

[1] في رواية ابن عساكر زيادة: «بن سعيد».
[2] في رواية أبي ذر و [عط] : «مِثْلُ».





61- ( فَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ ) بكسر الميم وإسكان الثاء وبفتحهما. [/ج1ص51/]

( قَالَ: هِيَ النَّخْلَةُ ) قال السهيلي في «التعريف»: زاد فيه الحارث بن أبي أسامة [1] في مسنده [2] زيادة تساوي رحلة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «هي النخلة لا تسقط لها أنملة، وكذلك المؤمن لا تسقط له دعوة» فبيَّن فائدة الحديث ومعنى المماثلة.

( فِي شَجَرِ الْبَوَادِي ) في رواية غيره: «الوادي».

[1] قال ابن حجر رحمه الله: رواية الحارث من طريق أخرى في إسنادها ضعف، وقد ساقها ابن العربي في «شرح الترمذي» من طريق الحارث بسنده.
[2] في [ب] : (سننه).





61# (وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ) بفتح الميم والثاء المثلثة، وهو في الأصل بمعنى: المِثْل _ بكسر الميم _ وهو النظير [1] ، واستُعير للحال، أو الصفة [2] ، أو القصة [3] إذا [4] كان لها شأن، وفيها غرابة، كأنه قيل: وإن مثلها؛ أي: حالها العجيبة [5] الشأن كحال المسلم.

(قَالَ: هِيَ النَّخْلَةُ) قال السهيلي في «التعريف» [6] : زاد فيه الحارث بن [أبي] أسامة في «مسنده»: زيادة تساوي رحلةً

@%ج1ص75%

عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((هيَ النَّخلَةُ لا تسقُطُ لهَا أُبْلُمَةٌ [7] ، وكذلِكَ المُؤمنُ لا تسقُطُ لهُ دعوَةٌ))، فبيَّنَ وجهَ الشبه، وساق الطحاوي هذا الحديث في معرض الاستدلال على أن الخبر [8] والحديث واحدٌ.

وردَّه ابنُ المنيِّر: بأنه أُطلق فيه الحديث على المشافهة، ولا خلاف [9] فيه، وإنما الخلاف في إطلاقه على البلاغ فقط.

قال: وأحسنُ ما يشهد لذلك قولُ الرجلِ المؤمنِ الذي هو يومئذٍ خيرُ أهلِ الأرض للدجال: ((أنتَ الدَّجَّالُ الكذَّابُ الَّذي حدَّثنا عنكَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم))، وذلك الرجل إنما سمع بلاغًا، لا شِفاهًا.

[1] في (ق): ((التيقظ)).
[2] في (د) و(ج): ((والصفة)).
[3] في (ق): ((القضية)).
[4] في (ق): ((إذ)).
[5] في (ق): ((العجيب)).
[6] في (ق) زيادة: ((زاد التعريف)).
[7] في (ق): ((أنملة)).
في هامش (ج): قال في «الصحاح»: والأبلم خوص المقل وفيه ثلاث لغات: أَبلَم وأُبلُم وإبلِم والواحدة بالهاء.
[8] في (ق): ((الجزء)).
[9] في (د) و(ج): ((ولا خلاف عندهم))، و((فيه)): ليست من (ج).





61- قوله: (مَثَلُ الْمُسْلِمِ): هو بفتح الميم والثَّاء، وبكسر الميم، وسكون الثَّاء، قال الجوهريُّ: (مثل): كلمة تسوية، يقال: هذا مِثْله ومَثَله؛ كما يقال: شِبْهُه وشَبَهُه بمعنًى) .

فائدة: أشبهت النخلة المسلم في كثرة خيرها، ودوام ظلِّها، وطيب ثمرتها، ووجوده على الدَّوام، فإنَّه مِنْ حين تطلع ثمرتها لا يزال يؤكل منه حتَّى ييبس، ويتَّخذ منها منافع كثيرة من خشبها وورقها وأغصانها؛ تُستعمَل جذوعًا، وحطبًا، وعصيًّا، وحُصُرًا، ومخاصر، وحبالًا، وأواني، وغير ذلك، ثُمَّ [1] يُنتفَع بنواها علفًا للإبل وغيرها، ثُمَّ كمال نباتها [2] وحسن ثمرته، وهي كلُّها منافع وخير وجمال، والمؤمن خير كلُّه من كثرة طاعاته، ومكارم أخلاقه، ومواظبته على عبادته وصدقته، وسائر الطَّاعات، هذا هو الصحيح في وجه الشَّبه للمسلم، وقد جاء حديث ذكره الحارث بن أبي [3] أسامة قال: «هي النخلة لا يسقط [4] لها أنملة، وكذلك المؤمن لا يسقط له دعوة»، قال السُّهيليُّ في «التعريف» [5] : (زاد الحارث في متنه زيادةً، وهي تساوي رِحلةً؛ فذكرها) .

وفيه وجهٌ ثانٍ: أنَّ النخلة إذا قُطِع رأسُها؛ ماتت بخلاف الشَّجر، وثالث: من كونها لا تحمل حتَّى تلقح، وفيهما [6] نظر؛ لأنَّ التشبيه إنَّما وقع للمسلم، وهذان شاملان [7] المسلم والكافر، وقيل: لأنَّها فضلة تربة آدم على ما يروى وإنْ كان لا يثبت، قال ابن القيِّم في «الهدْي»: (في إسناده نظر) انتهى، وعلوُّ فرعها كارتفاع عمل المؤمن، وقيل: لأنَّها شديدة الثبوت؛ كثبوت الإيمان في قلب المؤمن، والله أعلم.

[1] في (ب): (مما) .
[2] في (ب): (بنائها) .
[3] (أبي): ليس في (ب) .
[4] في (ج): (تسقط) .
[5] (في التعريف): ليس في (ب) .
[6] في (ب): (وفيه) .
[7] في (ج): (شاهدان) .





61- (فَحَدِّثُونِي): الفاء وقعتْ جوابًا لشرطٍ محذوفٍ؛ أي: إن عرفتموها؛ فحدِّثوني.

(مَا هِيَ): (مَا): مبتدأٌ، و (هِيَ): خبرُه، والجملةُ قائمةٌ مَقام المفعولَين لفعلِ التَّحديث.


61- وبالسَّند إلى المؤلِّف رحمه الله قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) زاد في رواية ابن عساكر: ((ابن سعيدٍ)) _وقد مرَّ_ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) المذكور في باب: «علامة المنافق» [خ¦33] ، (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) السَّابق في باب: «أمور الإيمان» [خ¦9] ، (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنهما أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ)؛ أي: من جنسه، (شَجَرَةً) بالنَّصب اسم «إنَّ»، وخبرها: الجارُّ والمجرور، و«من»: للتَّبعيض، وقوله: (لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا): في محل نصبٍ صفةٌ لـ: «شجرةً»، وهي صفةٌ سلبيَّةٌ تبيِّن أنَّ موصوفها مُختَصٌّ بها دون غيرها، (وَإِنَّهَا مِثْلُ الْمُسْلِم) بكسر الهمزة عطفًا على «إنَّ» الأولى، وبكسر ميم «مِثْل» وسكون المُثلَّثة، كذا في رواية أبي ذَرٍّ، وفي رواية الأَصيليِّ وكريمة: ((مَثَلُ)) بفتحهما كشِبْه وشَبَه؛ لفظًا ومعنًى، واستُعير «المثل» هنا _كاستعارة الأسد للمِقدَام _ للحال العجيبة أو الصِّفة الغريبة، كأنَّه قِيل [1] : حال المسلم العجيب الشَّأن كحال النَّخلة، أو صفته الغريبة كصفتها، فـ: «المسلم» هو المُشبَّه، و«النَّخلة» هي المُشبَّه بها، وقوله: (فَحَدِّثُونِي): فعل أمرٍ؛ أي: إن عرفتموها؛ فحدِّثوني (مَا هِيَ؟) جملةٌ من مبتدأٍ وخبرٍ سدَّت مسدَّ مفعولي التَّحديث، (فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي)؛ أي: جعل كلٌّ منهم يفسِّرها بنوعٍ من الأنواع، وذهلوا عن النَّخلة، (قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنهما: (وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ) بالرَّفع خبر «أنَّ»، وبفتح الهمزة؛ لأنَّها فاعل «وقع»، (فَاسْتَحْيَيْتُ) أن أتكلَّم وعنده أبو بكرٍ وعمر وغيرهما رضي الله عنهم [/ج1ص157/]

هيبةً منه وتوقيرًا لهم، (ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا) بكسر الدَّال، وسكون المُثلَّثة [2] (مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (هِيَ النَّخْلَةُ)، وعند المؤلِّف في «التَّفسير» من طريق نافعٍ عن ابن عمر، قال: كنَّا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أخبروني بشجرةٍ كالرَّجل المسلم، لا يتحاتُّ ورقها ولا ولا ولا» [خ¦4698] ، ذكر النَّفيَ ثلاث مرَّاتٍ على طريق الاكتفاء، وقد ذكروا في تفسيره: ولا ينقطع ثمرها، ولا يُعدَم فيئها [3] ، ولا يبطل نفعها.

[1] في (ب) و(س): «قال».
[2] قوله: «بكسر الدَّال، وسكون المُثلَّثة»، سقط من (ص) و(م).
[3] «ولا يُعدَم فيئها»: سقط من (م).





61- ( لاَ يَسْقُطُ وَرَقُهَا ) زاد في التَّفسير: «ولا ولا»، [خ:4698] أي: ولا ينقطع ثمرها، ولا يعدم فيؤها، ولا يبطل نفعها.

( مَثَلُ ) لأبي ذرٍّ: بالكسر والسُّكون، وللأَصِيلي وكريمة: بفتحتين، وهما بمعنى.

وفي الأطعمة: «وإنَّ بركتها كبركة المسلم»، [خ:5444] أي: لأنَّها تؤكل من حين تطلع إلى حين تيبس، ثمَّ بعد ذلك يُنتَفَعُ بجميع أجزائها حتَّى النَّوى في العلف، واللِّيف في الحبال.

( فَوَقَعَ النَّاسُ ) أي: ذهبت أفكارهم في أشجار البادية، فجعل كلٌّ منهم يفسِّرها بنوع، وقد بُيِّن في طريق آخر أَّن الحاضرين كانوا عشرة، منهم: أبو بكر، وعمر، وأنَّهما لم يتكلَّما.

( وَوَقَعَ فِيْ نَفْسِيْ أَنَّهَا النَّخْلَةُ ) زاد أبو عوانة في «صحيحه»: «من أجل الجمَّار الذي أُتِيَ به».

قال ابن حجر: وفيه إشارة إلى أنَّ المُلْغَزَ له ينبغي أن يتفطَّن لقرائن الأحوال الواقعة عند السُّؤال.

( فَاسْتَحْيَيْتُ ) أي: لصغره كما بيَّنه في الحديث الآتي بعد أبواب. [خ: 72]

( قَالَ: هِيَ النَّخْلَةُ ) وفيه زاد الحارث في «مسنده»: «لا تسقط لها أنملة، ولا تسقط لمؤمن دعوة». [/ج1ص226/]

قال السُّهيليُّ: وفيه بيان وجه المماثلة، ولكنَّ اللَّفظ السَّابق عن الأطعمة أعمُّ منه، ومثله ما أخرجه البزَّار من حديث ابن عمر: «مثل المؤمن مثل النَّخلة ما أتاك منها نفعك»، وسنده صحيح.

وعند ابن حبَّان من حديثه: «مَنْ يخبرني عن شجرة مثلها مثل المؤمن، أصلها ثابت وفرعها في السَّماء».

قال القرطبيُّ: وجه الشَّبه أنَّ أصل دين المسلم ثابت، وأنَّ ما يصدر عنه من العلوم والخير قوت للأرواح مستطاب، وأنَّه لا يزال مستورًا بدينه، وأنَّه يُنتفع بكلِّ ما صدر عنه حيًّا وميِّتًا. انتهى.

وقال غيره: المراد بكون فرع المؤمن في السَّماء رفع عمله وقبوله.

قال ابن حجر: وأمَّا مَن زعم أنَّ وجهه: كون النَّخلة إذا قطع رأسها ماتت، أو أنَّها لا تحمل حَّتى تُلقَّح، أو أنَّها تموت إذا غرقت، أو أنَّ لطلعها رائحة مني الآدميِّ، أو أنَّها تعشق، أو أنَّها تشرب من أعلاها، فكلُّها ضعيفة؛ لأنَّ كلَّ ذلك مشترك في الآدميِّين لا يختصُّ بالمسلم.

وأضعف من ذلك من زعم أنَّه لكونها خلقت من فضلة طين آدم، فإنَّ الحديث في ذلك لم يثبت.

ثمَّ هذا الحديث لا ينافي حديث أبي داود: «أنَّه نهى عن الأغلوطات»، أي: صعاب المسائل، فإنَّ ذلك محمول على ما لا نفع فيه أو ما خَرَجَ على سبيل التَّعنُّت والتَّعجيز. [/ج1ص227/]


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

61# حَدَّثَني قُتَيْبَةُ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لاَ يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ المُسْلِمِ، فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ» فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «هِيَ النَّخْلَةُ».

اختلف في هذه المسألة على ثلاثة مذاهب:

أحدها: ما ذكره البخاري وهو جواز إطلاق حدثنا وأخبرنا في قراءة الشيخ، والقراءة عليه، وهو مذهب جماعة من المحدثين، وهم الزهري، ومالك، وابن عيينة، ويحيى القطان، وجماعة من المتقدمين، ومذهب معظم الحجازيين والكوفيين.

قال ابن وهب: قال مالك: حدثنا وأخبرنا واحد، وعنه سواء.

وقال القاضي عياض السبتي: «لا خلاف أنه يجوز في السماع من لفظ الشيخ أن يقول السامع فيه: حدثنا، وأخبرنا، وأنبأنا، وسمعته يقول، وقال لنا فلان، وذكر لنا فلان».

وكذا قال أبو جعفر الطحاوي قال: «لم يفرق القرآن بين الخبر والتحديث ولا السنة، قال الله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ} [الزمر:23]، وقال تعالى: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا } [الزلزلة:4]، فجعل الحديث والخبر واحداً، وقال تعالى: {قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ} [التوبة:94]، وهي الأشياء التي كانت بينهم، و {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ } [البروج:17]، {وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً} [النساء:42].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الأَنْصَارِ؟»، و«أخبرني تميم الداري» فذكر قصة الجن، وقال هنا: «حدثوني عن الشجرة»،

وزاد غيره قوله عليه السلام: «وأخبروا به من ورائكم».

والمذهب الثاني :

@%ص14%

مذهب طائفة منعت حدثنا وأخبرنا في القراءة على الشيخ إلا مقيدة، مثل: حدثنا فلان قراءة عليه، وأخبرنا قراءة عليه، وهو مذهب أحمد وابن المبارك، ويحيى بن يحيى، والمشهور عن النسائي.

والمذهب الثالث: وهو الفرق بين قراءة الشيخ والسماع عليه، وهو أن حدثنا لما سمعه من لفظ الشيخ، وأخبرنا لما قرئ عليه، وهو مذهب الشافعي وأصحابه، والأوزاعي، وابن جريج، والجمهور، وأكثر أصحاب الحديث، ومذهب مسلم بن الحجاج رحمه الله، وجمهور أهل العلم بالمشرق.

قال أبو عمرو بن الصلاح: «وهذا هو الشائع الغالب على أهل الحديث»، قال: «وخير ما يقال فيه أنه اصطلاح منهم أرادوا به التمييز بين النوعين، وخصصوا قراءة الشيخ بحدثنا لقوة إشعاره بالنطق.

والاحتجاج على التفرقة بينهما [من حيث اللغة عناء] [1] وتكلف.

وأما ما يحكى عن الأئمة من [جعل حدثنا مكان أخبرنا وعكسه] [2] فكان هذا قبل أن يشيع تخصيص أخبرنا بالقراءة على الشيخ، كما حكي عن يزيد بن هارون، وهشيم، وعبد الرزاق أنهم لا يقولون إلا أخبرنا في الجميع، فإذا رأيت عنهم: حدثنا فاعلم أنه من خطأ الكاتب.

وأَسَدُّ العبارات على كل حال: قرأت على فلان، أو قرئ على فلان وأنا أسمع فأقر به.

وكذلك اختلفوا في الراجح منهما، فقيل: هما متساويان، وهو مذهب الإمام البخاري ومالك وأشياخه من علماء المدينة، ومعظم علماء الحجاز والكوفة.

وقيل: القراءة على الشيخ أرجح من قراءة الشيخ وسماعه، نقل ذلك عن أبي حنيفة، وابن أبي ذئب، وقاله مالك في رواية أيضاً [3].

والثالث: ترجيح السماع من لفظ الشيخ على القراءة عليه، قال أبو عمر: «هذا هو الصحيح، وقد قيل إنه مذهب جمهور أهل المشرق، والله أعلم».

قلت: روينا

@%ص15%

بسند صحيح إلى محمد بن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: سألت مالك بن أنس وعبيد الله العمري، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وعبد الحكم بن عبد الله بن أبي فروة، وعبد الرحمن بن وثاب، وأبا بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن قراءة الحديث على المحدث أو حديثه هو به، فقالوا: هو سواء، وهو علم بلدنا».

أخرج البخاري هذا الحديث هنا في كتاب العلم في ثلاثة مواضع عن قتيبة، عن إسماعيل بن جعفر، عن ابن دينار، عن ابن عمر، وعن خالد بن مَخْلَدٍ، عن سليمان، عن ابن دينار به، وعن علي عن سفيان عن ابن أبي نَجِيحٍ عن مجاهد، وعن إسماعيل، عن مالك، عن ابن دينار به، وفيه: «فقالوا: يا رسول الله أخبرنا بها».[خ¦ 131]

وأخرجه في «البيوع» في «باب بيع الجُمَّارِ وأَكْلِه» عن أبي الوليد، عن أبي عَوانة، عن أبي بِشْر عن مجاهد، عن ابن عمر.[خ¦ 2209]

وفي «الأطعمة» عن عمر بن حفص، عن أبيه، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر، وعن أبي نُعَيم، عن محمد بن طلحة، عن زُبَيدٍ، عن مجاهد، عن ابن عمر، ولفظ حديث عمر بن حفص: بينا نحن عند النبي صلى الله عليه وسلم جلوس إذ أتي بجُمَّار نخلة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من الشجر لما بركته كبركة المسلم» فظننت أنه يعني النخلة، فأردت أقول: هي النخلة يا رسول الله، ثم التفت فإذا أنا عاشر عشرة أنا أحدثهم، فسكتُّ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هي النخلة».[خ¦ 5444]

وفي أول بعض طرقه: «كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وهو يأكل الجُمَّار».[خ¦ 2209]

وأخرجه في «الأدب» في «باب الاستحياء من الحق» عن آدم عن شعبة، عن محارب، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمن كمثل شجرة خضراء لا يسقط ورقها، ولا يتحات»، فقال القوم: هي شجرة كذا، هي شجرة كذا، فأردت أن أقول: هي النخلة، وأنا غلام شاب فاستحييت، فقال: «هي النخلة».[خ¦ 6122]

وعن شعبة عن خُبَيب عن حفص عن ابن عمر مثله، وزاد: «فحدثت به عمر فقال: لو كنت قلتها لكان أحب إلي من كذا وكذا».[خ¦ 6122]

وأخرجه مسلم تلو «كتاب التوبة» عن محمد بن عُبَيد، عن حمَّاد، عن أيوب، عن أبي الخليل، وعن أبي بكر

@%ص16%

وابن أبي عمر، عن سفيان، عن ابن أبي نَجِيح، وعن ابن نُمَيرٍ عن أبيه عن سيف بن سليمان، ويقال: ابن أبي سليمان، كلهم عن مجاهد به.

وعن قتيبة وابن أيوب وابن حُجْر عن إسماعيل بن جعفر، عن ابن دينار، عن عمر به، وفيه: «فذكرت ذلك لعمر فقال: لأن تكون قلت هي النخلة أحب إلي من كذا وكذا»، وفي بعضها قال ابن عمر: فألقي في نفسي _ أو روعي _ أنها النخلة فإذا أسنان القوم، فأهاب أن أتكلم، فلما سكتوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هي النخلة».

وجاء في مسلم من رواية مجاهد عن ابن عمر: «فأخبروني»، وهذا أقوى في الدلالة لما أراده البخاري، أو يكون البخاري أشار إلى هذا أنه روي كذا وكذا فأدخله في الباب لينبه الناظر فينظر طرق الحديث فيجد فيه إشارة لما أراد، وقد وقع هذا فيما يأتي في بعض الأبواب، والله أعلم.

قوله: «فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي» أي: ذهبت أفكارهم إلى شجر البوادي، وذهلوا عن النخلة فقال [4] القوم هي شجرة كذا هي شجرة كذا.

وذكر العلماء في هذا الحديث فوائد؛ منها:

استحباب إلقاء العالم المسائل ليختبر أفهامهم، وضرب الأمثال، وتوقير الأكابر كما فعل ابن عمر، أما إذا لم ينتبه لها الكبار فللصغير أن يقولها.

وفيه: فضل النخل، وقد قال المفسرون في قوله تعالى: {ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} قال المفسرون: {كلمة طيبة}: لا إله إلا الله، {كشجرة طيبة} هي النخلة، {أصلها ثابت} في الأرض، {وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} أي: رأسها، {تُؤْتِي أُكُلَهَا} أي: ثمرها {كُلَّ حِينٍ} [إبراهيم:24 - 25]، فشبه عمل المؤمن في كل وقت بالنخلة التي تؤتي أكلها كل وقت.

قال العلماء: وأشبهت النخلةُ المسلمَ في كثرة خيرها، ودوام ظلها، وطيب ثمرها، ووجوده عَلَى الدوام، فإنه من حين يطلع ثمرها لا يزال يؤكل منه حتَّى ييبس، وبعد أن ييبس ويتخذ منه منافع

@%ص17%

كثيرة من خشبها، وورقها، وأغصا نها فتستعمل جذوعاً، وحطباً، وعصياً، ومخاصر [5]، وحصراً، وحبالاً، وأواني، وغير ذَلِكَ مما يتعدد، ثم آخرها نواها ينتفع به علفاً للإبل وغيرها.

ثمَّ جمال نباتها، وحسن هيئة ثمرها، وهي كلها منافع وخير وجمال، والمؤمن خير كله من كثرة طاعاته، ومكارم أخلاقه، ومواظبته على صلاته وصيامه وذكره والصدقة، وسائر الطاعات [6].

فهذا هو الصحيح في وجه الشبه للمسلم.

وقيل: وجه الشبه أن النخلة إذا قُطِع رأسُها ماتت بخلاف باقي الشجر.

وقيل: من كونها لا تحمل حتَّى تلقح.

والصواب الأول، والوجهان الأخيران ضعيفان من جهة أن التشبيه إنما وقع بالمسلم، وهذان المعنيان يشملان المسلم والكافر، والله أعلم.

ورجال الإسناد تقدموا إلا أبا العالية البرَّاء بالراء المشددة، واسمه: زياد بن فيروز البصري القرشي مولاهم.

وقيل: اسمه أذينة، وقيل: كلثوم، وقيل: زياد بن أذينة.

سمع ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وغيرهم.

قال أبو زرعة: «ثقة»، توفي سنة تسعين، روى له البخاري ومسلم.

وإنما قيل له البَرَّاء: لأنه كان يبري النبل، ومثله: أبو معشر البَرَّاء، واسمه: يوسف، كان يبري النبل، وقيل: يبري [العود] [7]، ومن عَدَاهما: البراء مخفف، وكله ممدود، والله أعلم.

وفيه: حُذَيفة بن اليمان الصحابي المشهور، الإمام الزاهد، واسم اليمان: حِسْل بكسر الحاء وإسكان السين المهملتين، ويقال: حُسَيل بالتصغير، ابن جابر بن عمرو بن رَبِيعة بن جِرْوة _ بجيم مكسورة _ ابن الحارث بن مازن بن قطيعة بن عبس بن بَغيض _ بفتح الموحدة وغين وضاد معجمتين _ ابن رَيثِ _ براء مفتوحة ثم ياء مثناة آخر الحروف ثم مثلثة _ ابن غَطَفَان بن سعد بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، العبسي، حليف بني عبد الأشهل، من الأنصار.

قالوا: واليمان لقب حِسْل، وقال الكلبي وابن سعد: هو لقب

@%ص18%

جِرْوة، وإنما لقب اليمان لأن جِرْوة أصاب دماً في قومه فهرب إلى المدينة فحالف بني عبد الأشهل من الأنصار، فسماه قومه اليمان لأنه حالف اليمانية.

أسلم هو وأبوه، وشهد أحداً، وقتل أبوه يومئذ، قتله المسلمون خطأ، فوهب لهم دمه، وأسلمت أم حذيفة وهاجرت، وأراد أن يشهد بدراً فاستحلفهما المشركون أن لا يشهدا مع النبي صلى الله عليه وسلم فحلفا لهم، ثم سألا النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم» [1787]. '>[8].

وكان صاحبَ سرِّ النبي صلى الله عليه وسلم في المنافقين، يعلمهم وحده، وسأله عمر: «هل في عمالي أحد منهم؟ قال: نعم واحد، قال: من هو؟ قال: لا أذكره»، فعزله عمر كأنما دُلَّ عليه، وكان عمر إذا مات ميت فإن حضر الصلاة عليه حذيفة صلى عليه عمر، وإلا فلا يصلي عليه.

وحديثه ليلة الأحزاب مشهور، فيه معجزات، وكان فتح هَمَذان والرَّي والدّينور على يده، وولَّاهُ عمرُ المدائنَ، وقال عمر لأصحابه: تمنَّوا، فتمنَّوا ملءَ البيت الذي هم فيه جوهراً لينفقوه في سبيل الله، فقال عمر: لكني أتمنَّى رجالاً مثل أبي عبيدة ومعاذ وحذيفة أستعملهم في طاعة الله عز وجل.

وكان كثير السؤال لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفتن والشر ليجتنبها، وسأله رجل: أي الفتن أشد؟ قال: «أن يعرض عليك الخير والشر فلا تدري أيهما تترك».

ومناقبه كثيرة مشهورة، أخرجا له اثني عشر حديثاً، اتفقا عليهما، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بسبعة عشر، توفي بالمدائن سنة ست وثلاثين، بعد قتل عثمان رضي الله عنه بأربعين ليلة، ولم يدرك حذيفة وقعة الجمل لأنها كانت في جمادى الأولى سنة ست وثلاثين، وكان قتل عثمان لثمان عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، رضي الله عنهم.

روى لحذيفة الجماعة، أما عبد الله بن مسعود فتقدم.

@%ص19%

[1] ما بين معقوفتين ذاهب من الأصل، أتممته من مقدمة ابن الصلاح (ص:140).
[2] ما بين معقوفتين ذاهب من الأصل، أتممته تقديراً.
[3] جاء في حاشية الأصل: «خ: ورجحه أصحاب الأصول».
[4] طمس في الأصل مكان: «فقال».
[5] ما يتوكأ عليه كالعصا ونحوها.
[6] كتب في هامش الأصل بخط مغاير وأشير إليه بلحق: «وشبه الله تعالى ورسوله الإيمان بالنخلة لثبات الإيمان في قلب المؤمن كثبات النخلة في منبتها، وشبه ارتفاع عمله إلى السماء بارتفاع فروع النخلة، وما يكتسبه المؤمن من بركة الإيمان وثوابه في كل وقت وزمان بما ينال من ثمر النخلة في أوقات السنة كلها من الرطب والتمر»، والعبارة بحرفها في «عمدة القاري» للعيني (2/15) في غير سياقها الوارد هنا.
[7] ما بين معقوفتين ليس في متن الأصل، لكن وضع لحق وكتبت كلمة في الهامش، لكنها مطموسة، وقد أثبتها من «التوضيح» (3/270).
[8] أخرجه مسلم [1787].





61# قوله: (فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي): ذهبت أفكارهم إلى ذلك وذهلوا عن النَّخلة.

شبَّه النَّخلة للمسلم في كثرة خيرها، ودوام ظلِّها، وطيب ثمرها، ووجوده على الدَّوام، ويُتَّخَذ منه منافع كثيرة؛ من خشبها، وورقها، وأغصانها، وجذوعها، وحطبها [1] ، وحُصرًا، ومخاصر، وحبالًا، وأواني وغير ذلك، ثمَّ كلٌّ ينتفع بنواها علفًا للإبل وغيرها، والمؤمن خيرٌ كلُّه؛ من كثرة طاعته، ومكارم أخلاقه، وصدقته، وسائر طاعاته، هذا هو الصَّحيح في وجه الشَّبه للمسلم.

[1] زيد في (أ): (وأغصانها)، وهو تكرار.





61- وبه قال: ((حدثنا قتيبة)) ، وفي رواية: (ابن سعيد) ((قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر)) هو ابن أبي كثير الأنصاري، ((عن عبد الله بن دينار)) القرشي العدوي المدني مولى ابن عمر، ((عن ابن عمر)) عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ((قال: قال رسول الله الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ مِنَ الشَّجر)) ؛ بفتح المعجمة؛ وهو ما كان على ساق من نبات الأرض، والمراد: مِن جنسه ((شجرةً)) بالنصب اسم (إنَّ) ، وخبرها الجار والمجرور، و (مِن) للتبعيض، وقوله: ((لا يسقط ورقها)) في محل نصب صفة لـ (شجرة) ، وهي صفة سلبية تبين أن موصوفها مختصٌّ بها دون غيرها، ((وإنَّها)) ؛ بكسر الهمزة عطف على (إنَّ) الأولى ((مَثَلُ المسلم)) ؛ بفتح الميم والثاء المثلثة معًا، وفي رواية: بكسر الميم وسكون الثاء؛ كـ (شَبَه) و (شِبْه) لفظًا ومعنًى، واستعير (المثل) هنا كاستعارة (الأسد) لـ (المقدام) للحال العجيبة أو الصفة الغريبة، كأنَّه قال: حال المسلم العجيب الشأن كحال النخلة، أو صفته الغريبة كصفتها، فـ (المسلم) هو المشبَّه و (النخلة) هي المشبَّه بها، وقوله: ((فحدِّثوني)) فعل أمر؛ أي: إنْ عرفتموها؛ فحدِّثوني ((ما هي)) مبتدأ وخبر، والجملة سدتْ مسدَّ مفعولي التحديث، ((فوقع الناس في شجر البوادي)) جمع بادية؛ خلاف الحاضرة؛ أي: ذهبت أفكارهم إلى شجر البوادي، وجعل كل منهم يفسرها بنوع من الأنواع، وذهلوا عن النخلة، وفي رواية: (البواد) بحذف المثناة التحتية، وهي لغة.

((قال عبد الله)) بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما: ((ووقع في نفسي)) أي: فكري ((أنَّها)) أي: الشجرة المسؤول عنها ((النخلةُ)) ؛ بالرفع خبر (أن) ، وبفتح الهمزة؛ لأنَّها فاعل (وقع) ؛ ((فاستحييت)) ، زاد في رواية: (فأردتُ أن أقول: هي النخلة، فإذا أنا أصغر القوم) ، وفي أخرى: (فإذا أنا عاشرُ عشرة أنا أحدثهم) ، وفي أخرى: (ورأيتُ أبا بكر وعمرَ لا يتكلَّمان، فكرهت أن أتكلم) ، وفي أخرى: (قال عبد الله: فحدثتُ أبي بما وقع في نفسي فقال: لإنْ كنتَ قلتَها؛ أحبُّ إليَّ من أن يكون لي كذا وكذا) ، زاد في أخرى: (أحسبه قال: حمر النعم) .

((ثم قالوا: حدِّثْنا)) بكسر الدال المهملة وسكون المثلثة ((ما هي يا رسول الله، قال)) عليه السلام: ((هي النخلة)) مبتدأ وخبر، والجملة وقعت مقول القول؛ واحدة النخل، والنخل والنخيل بمعنى واحد، الواحدة: نخلة.

وفي (التفسير) : (قال عبد الله: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أخبروني بشجرة كالرجل المسلم لا يتحات ورقها، ولا ولا ولا) ، ذكر النفي ثلاث مرات على الاكتفاء، وتفسيرُه؛ أي: ولا ينقطع ثمرها، ولا يعدم فيؤها، ولا يبطل نفعها.

وأما وجه الشبه؛ فقد اختلف فيه: فقيل: وجه الشبه: أن النخلة إذا قَطَعتَ رأسها؛ ماتت، بخلاف باقي الشجر، وقيل: لأنها لا تحمل حتى تلقح، وقيل: لأنَّها تموت إذا غرقت أو فسد ما هو كالقلب لها، وقيل: لأنَّ لطلعها رائحة المني، وقيل: لأنَّها تعشق كالإنسان، والصحيح: هو كثرة خيرها، ودوام ظلها، وطيب ثمرها، ووجودها على الدوام، فإنَّه من حين يطلع ثمرها لا يزال يؤكل منه حتى ييبس، وبعد اليُبس يتخذ منها منافع كثيرة من خشبها، وورقها، وأغصانها، فيستعمل جذوعًا، وحطبًا، وعصيًّا، وحصرًا، وحبالًا، وأواني، وغير ذلك، ثم آخرها نواها ينتفع به علفًا للإبل، ثم جمال ثباتها وحسن ثمرتها، وكلها منافع، وكذلك المؤمن خيرٌ كله؛ من كثرة الطاعات، ومكارم الأخلاق، ومواظبته على صلاته، وصيامه، وذكره، والصدقة، وسائر الطاعات، وإنما كان هذا هو الصحيح؛ لأنَّ التشبيه إنَّما وقع بالمسلم، والأقوال السابقة تشمل المسلم والكافر؛ فهي ضعيفة، والمعتمد هذا، كذا في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.