متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

60- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ عَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ)، واسمه: محمَّدٌ، وعارمٌ: لقبه، السَّدوسيُّ البصريُّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ أو أربعٍ وعشرين ومئتين، وسقط عند ابن عساكر والأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: ((عارم بن الفضل [1] ))، (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) _بفتح العين المُهمَلَة_ الوضَّاحُ اليشكريُّ، (عَنْ أَبِي بِشْرٍ)؛ بكسر المُوحَّدة، وسكون المُعجَمَة، جعفر بن إياسٍ اليشكريِّ، عُرِفَ بابن وحشيَّةَ، الواسطيِّ، الثِّقة، المُتوفَّى سنة أربعٍ وعشرين ومئةٍ، (عَنْ يُوسُفَ)؛ بتثليث السِّين المُهمَلَة، مع الهمز وتركه، (ابْنِ مَاهَكَ) _بفتح الهاء_ غير منصرفٍ؛ للعلميَّة والعجمة؛ لأنَّ «ماهَكَ» بالفارسيَّة: تصغير «ماهٍ»، وهو «القمر» بالعربيِّ، وقاعدتهم إذا صغَّروا الاسم؛ جعلوا في آخره «الكاف»، وفي رواية الأَصيليِّ: ((ماهِكٍ))؛ بكسر الهاء والصَّرف؛ لأنَّه لَاحَظ فيه معنى الصِّفة؛ لأنَّ التَّصغير من الصِّفات، والصِّفة لا تجامع العلميَّة؛ لأنَّ بينهما تضادًّا، وحينئذٍ يصير الاسم بعلَّةٍ واحدةٍ، وهي غير مانعةٍ من الصَّرف، ورُوِيَ بكسر الهاء مصروفًا [2] ؛ اسم فاعلٍ؛ من: مهكت الشَّيء مهكًا؛ إذا بالغت في سحقه، وعلى قول الدَّارقطنيِّ: إنَّ «ماهك» اسمُ أمِّه، يتعيَّن عدم صرفه، للعلميَّة والتَّأنيث، لكنِ الأكثرون على خلافه، وأنَّ اسمها: مسيكة ابنة بُهْزٍ؛ بضمِّ المُوحَّدة، وسكون الهاء، وبالزَّاي، الفارسيِّ المكيِّ، المُتوفَّى سنة ثلاثَ عَشْرَة ومئةٍ، وقِيلَ غير ذلك، (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو)، أي: ابن العاصي رضي الله عنهما، (قَالَ تَخَلَّفَ)، أي: تأخَّر خلفَنا (النَّبِيُّ)، ولأبي ذَرٍّ: ((تخلَّف عنَّا النَّبيُّ)) (صلى الله عليه وسلم فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا) من مكَّة إلى المدينة؛ كما في «مسلمٍ» (فَأَدْرَكَنَا) النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم؛ أي: لَحِقَ بنا؛ وهو بفتح الكاف، (وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا)؛ بتأنيث الفعل؛ أي: غشيتنا (الصَّلَاةُ) بالرَّفع على الفاعليَّة؛ أي: وقت صلاة العصر، كما في «مسلمٍ»، وفي روايةٍ: ((أرهَقْنا))؛ بالتَّذكير، وسكون القاف؛ لأنَّ تأنيث الصَّلاة غير حقيقيٍّ، و«الصَّلاةَ» _بالنَّصب_ على المفعوليَّة؛ أي: أخَّرناها، وحينئذٍ فـ: «نا» ضمير رفعٍ، وفي الرِّواية الأولى: ضمير نصبٍ، (وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ): جملةٌ اسميَّةٌ وقعت حالًا، (فَجَعَلْنَا)؛ أي: كدنا (نَمْسَحُ)؛ أي: نغسل غسلًا خفيفًا؛ أي: مبقعًا حتَّى يُرَى كأنَّه مسحٌ (عَلَى أَرْجُلِنَا)؛ جمع رِجْلٍ؛ لمقابلة الجمع، وإلَّا؛ فليس لكلٍّ إلَّا رِجْلان، ولا يُقَال: يلزم أن يكون لكلِّ واحدٍ رِجْلٌ واحدةٌ؛ لأنَّا نقول: المُرَاد: جنس الرِّجْل، سواءٌ كانت واحدةً أو اثنتين، (فَنَادَى) عليه الصلاة والسلام (بِأَعْلَى صَوْتِهِ: وَيْلٌ) بالرَّفع على الابتداء؛ وهي كلمة عذابٍ وهلاكٍ، (لِلأَعْقَابِ) جمع عقبٍ؛ وهو المستأخر الذي يمسك شراك النَّعل؛ أي: ويلٌ لأصحاب الأعقاب المقصِّرين في غسلها، أو: «العقب» هي المخصوصة بالعقوبة (مِنَ النَّارِ، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا)؛ شَكٌّ منِ ابنِ عمرٍو، و«أل» في «الأعقاب» للعهد، والمُرَاد: الأعقاب التي رآها لم يَنَلْهَا المطهِّر، ويحتمل ألَّا يختصَّ بتلك الأعقاب المرئيَّة له، بلِ المُرَادُ كلُّ عقبٍ لم يعمَّها الماءُ، فتكون عهديَّةً جنسيَّةً.

[1] في (م): «الفضيل»، وهو تحريفٌ.
[2] زيد في (م): «وهو».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

60-. حدَّثنا أَبُو النُّعْمانِ عارِمُ بنُ الفَضْلِ [1] ، قالَ: حدَّثنا أَبُو عَوَانَةَ، عن أَبِي بِشْرٍ، عن يُوسُفَ بْنِ ماهِكٍ [2] :

عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قالَ: تَخَلَّفَ عَنَّا [3] النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفْرَةٍ سافَرْناها، فأَدْرَكَنا وَقَدْ أَرْهَقَتْنا الصَّلاةُ [4] ، وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنا نَمْسَحُ عَلَىَ أَرْجُلِنا، فَنادَىَ بِأَعلىَ صَوْتِهِ: «وَيْلٌ لِلأَعْقابِ مِنَ النَّارِ». مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا.

[1] قوله: «عارم بن الفضل» ليس في رواية الأصيلي وأبي ذر وابن عساكر.
[2] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«مَاهَكَ»، وكتب بهامشها: بكسر الهاء عند الأصيلي ومصحَّح عليه وصَرَفَه.اهـ. وبفتح الهاء غير مصروف كما في الإرشاد.
[3] لفظة: «عنَّا» ثابتة في رواية أبي ذر أيضًا (ب، ص).
[4] في [عط] : «وقد أرهَقْنا الصلاةَ».





60- ( عَارِمُ ) بعين وراء مهملتين.

( عَنْ يُوسُفَ ) بالفتح.

( ابْنِ مَاهَكَ ) ( ابن ) مجرور، و( ماهَك ) بفتح الهاء والكاف: اسم أعجمي لا ينصرف، وعن الأصيلي: كسر الهاء وصرفه.

( وقد أَرْهَقَتْنَا الصَّلاَةُ ) قال القاضي: يروى برفع ( الصلاة ) على أنَّها الفاعل، أي: أعجلتنا لضيق وقتها، وبالنصب على أنَّها مفعولة، أي: أخَّرْنَا الصلاةَ حتى كادت تدنو من الأخرى، وهو الأظهر.

قال صاحب «الأفعال»: أرهقت الصلاة: أخرتها، وأرهَقَتْهُ: أدْرَكَتْهُ.


60# (عَارِمُ) بعين وراء مهملتين.

(مَاهَكَ) بفتح الهاء ولا ينصرف للعُجمة والعَلَمية. وعن الأصيلي: كسر الهاء وصرفه، ورأيت مَن نقلَ أن [1] الدارقطني قال في «الأفراد»: إن ماهك أُمه، واعتذر هذا الناقل عمَّا في الترمذي: ((عن يوسفَ بنِ ماهك، عن أمه مُسَيْكة)) بتجويز أن تكون مُسيكةُ لقبًا، فإن صحَّ هذا، فمنعُ الصرف متحتمٌ.

(وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا) بتاء التأنيث، ونا ضمير نصب، وقوله: ((الصلاة)): مرفوع على أنه فاعل [2] ؛ أي: أعجلَتْنا الصلاة؛ لضيق وقتها، ويروى: ((أَرْهَقْنا)) بدون تاء، ونا [3] فاعل، والصلاةَ مفعول؛ أي: أخرناها.

(وَيْلٌ لِلأَعْقَاب مِنَ النَّارِ) يحتمل أن تكون الألف واللام للعهدِ، والمراد: الأعقاب التي رآها لم ينلها ماءٌ، ويحتمل أن [4] لا يُخَصَّ بتلك الأعقابِ المرئية [5] له، بل المراد: كلُّ عَقِبٍ لم يعمَّها المطهرُ [6] ، فتكون عهديةً جنسيَّة، ولا يجوز أن تكون الأداة للعموم المطلق.

[1] ((أن)): ليست في (د).
[2] ((فاعل)): ليست في (ق).
[3] في (ق): ((وفا)).
[4] في (ق): ((أنه)).
[5] في (ق): ((المريبة)).
[6] في (ج): ((المطر)).





60- قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ): تقدَّم أعلاه أنَّه محمَّد بن الفضل عارم السدوسيُّ، وفي نسخة هي على هامش أصلنا: (عارم بن الفضل) ، وعليها (صح) [1] ، والعارم: الشِّرِّير المُفسِد الخبيث، وقيل: الشَّرس، وكان بعيدًا من العرامة، ذكر أبو عليٍّ الجيَّانيُّ في «تقييده» بسنده إليه قال: (وُلِدت أنا وابن عمِّي هذا، فجاءنا الأسود بن شيبان، وكان شيخ حيٍّ، فسمَّاني عارمًا) .

قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ): تقدَّم أعلاه أنَّه الوضَّاح بن عبد الله، وتقدَّم بعض ترجمته.

قوله: (عَنْ أَبِي [2] بِشْرٍ): هوَ بالموحَّدة المكسورة، ثُمَّ بالشين المعجمة، واسمه جعفر بن أبي وحشيَّة إياس، لقي من الصَّحابة عبَّاد بن شرحبيل اليشكريَّ، وروى عنه حديثًا واحدًا رواه عنه شعبة [3] ، وروى عن سعيد بن جبير، والشعبيِّ، وعنه: هشيم [4] وغيره، صدوق، أخرج له الجماعة، تُوفِّي سنة (125 هـ ) ، قال أبو حاتم وغيره: (ثقة) ، وله ترجمة في «الميزان»، وصحَّح عليه.

قوله: (عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ): هو بفتح الهاء، غير مصروف؛ للعجمة والعلميَّة، ورأيته مصروفًا في بعض النُّسخ الصحيحة، وكذا هو مضبوط في أصلنا في بعض الأماكن، وعن الأصيليِّ: (كسر الهاء وصرفه) انتهى، وهو فارسيٌّ مكيٌّ، عن أبيه، وعائشة، وأبي هريرة، وعنه: أيُّوب، وحُميد، ثقة، أخرج له الجماعة، تُوفِّي سنة (113 هـ ) .

قوله: (فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا): هذه السَّفرة جاءت مُبيَّنة في بعض طرق «مسلم»: (رجعنا مع رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من مكَّة إلى المدينة حتَّى إذا كنَّا في الطَّريق؛ تعجَّل قوم عند العصر فتوضَّؤا وهم عجال...) ؛ الحديث.

قوله: (فَأَدْرَكَنَا): هو بفتح الكاف، والضَّمير منصوب.

قوله: (أَرْهَقَتْنَا الصَّلاَةُ): قال ابن قُرقُول: (كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: «أرهقْنا الصلاةَ»؛ أي: أخَّرناها حتَّى كادت تدنو من الأخرى، [/ج1ص38/] وهذا أظهر وأوجه، قال الخليل: أرهقْنا الصلاةَ: استأخرنا عنها، وقال أبو زيد: أرهقنا نحن الصَّلاة: أخَّرناها، وأرهقتْنا [5] الصلاةُ؛ إذا حانت، وقال النضر: أرهقْنا الصلاةَ، وأرهقتْنا الصلاةُ، يقال: رَهِقت الشَّيء: غشيته، وأرهقني: دنا منِّي، وقال أبو عبيد: رهِقت القوم: غشيتهم ودنوت منهم، وقال ابن الأعرابيِّ: رهِقته وأرهقتُه؛ بمعنى: دنوتُ منه، وأرهق الحُلُمَ: دنا منه، ويكون أرهقتنا الصلاة: أعجلتنا؛ لضيق وقتها، يقال: أرهقتْه: أعجلتْه، وَمنه [6] : المراهَق؛ بالفتح في الحجِّ، ويقال بالكسر؛ أي: أعجله ضيق الوقت أنْ يطوف للورود قبل الوقوف بعرفة) انتهى لفظه.

وفي «النهاية»: (أرهقنا الصلاةَ؛ أي: أخَّرناها عن وقتها حتَّى كدنا نغشاها ونلحقها بالصلاة الأخرى التي بعدها) .

قوله: (لِلأَعْقَابِ): هو جمع عَقِب؛ بفتح العين، وكسر القاف وتُسكَّن، وبالموحَّدة؛ وهو ما أُخِّر من القدم، وهي مؤنَّثة [7] ، وقال الأصمعيُّ: (العقب: ما أصاب من مؤخِّر القدم الأرضَ إلى الشراك) ، وقال ثابت: ما فضل من مؤخِّر القدم على الساق، ومعنى الحديث: ويل للأعقاب! إذ [8] لَمْ يهتبلوا بغسلها في الوضوء، ويحتمل أن يخصَّ العقب نفسها بألم من العذاب يتعذَّب صاحبها.

[1] (صح): ليس في (ب) .
[2] في (ج): (ابن) .
[3] زيد في (ج): (وروي عن شعبة) .
[4] في (ب): (هشام) .
[5] في (ب): (وأرهقنا) .
[6] ما بين قوسين ليس في (ب) .
[7] (وهي مؤنثة): ليس في (ب) .
[8] في (ب): (إن) .





60- (سَافَرْنَاهَا): الضَّميرُ وقعَ مفعولًا مطلقًا؛ أي: سافرنا تلك السَّفرةَ؛ وذلك كقولهم: زيدٌ أظنُّه منطلقٌ؛ أي: زيدٌ منطلقٌ أظنُّ الظَّنَّ، أو ظنًّا.

قوله [1] : (وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ): [إنْ قلتَ] : اللَّامُ للاختصاص النَّافع ههنا؛ [إذِ المشهور: أنَّ اللَّامَ تُستعملُ في الخير، و (على) تُستعمل في الشرِّ؛ قلتُ: هو للاختصاص] ؛ نحو: {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7] .

[1] (قوله): مثبت من (أ).





60- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ عَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ)، واسمه: محمَّدٌ، وعارمٌ: لقبه، السَّدوسيُّ البصريُّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ أو أربعٍ وعشرين ومئتين، وسقط عند ابن عساكر والأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: ((عارم بن الفضل [1] ))، (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) _بفتح العين المُهمَلَة_ الوضَّاحُ اليشكريُّ، (عَنْ أَبِي بِشْرٍ)؛ بكسر المُوحَّدة، وسكون المُعجَمَة، جعفر بن إياسٍ اليشكريِّ، عُرِفَ بابن وحشيَّةَ، الواسطيِّ، الثِّقة، المُتوفَّى سنة أربعٍ وعشرين ومئةٍ، (عَنْ يُوسُفَ)؛ بتثليث السِّين المُهمَلَة، مع الهمز وتركه، (ابْنِ مَاهَكَ) _بفتح الهاء_ غير منصرفٍ؛ للعلميَّة والعجمة؛ لأنَّ «ماهَكَ» بالفارسيَّة: تصغير «ماهٍ»، وهو «القمر» بالعربيِّ، وقاعدتهم إذا صغَّروا الاسم؛ جعلوا في آخره «الكاف»، وفي رواية الأَصيليِّ: ((ماهِكٍ))؛ بكسر الهاء والصَّرف؛ لأنَّه لَاحَظ فيه معنى الصِّفة؛ لأنَّ التَّصغير من الصِّفات، والصِّفة لا تجامع العلميَّة؛ لأنَّ بينهما تضادًّا، وحينئذٍ يصير الاسم بعلَّةٍ واحدةٍ، وهي غير مانعةٍ من الصَّرف، ورُوِيَ بكسر الهاء مصروفًا [2] ؛ اسم فاعلٍ؛ من: مهكت الشَّيء مهكًا؛ إذا بالغت في سحقه، وعلى قول الدَّارقطنيِّ: إنَّ «ماهك» اسمُ أمِّه، يتعيَّن عدم صرفه، للعلميَّة والتَّأنيث، لكنِ الأكثرون على خلافه، وأنَّ اسمها: مسيكة ابنة بُهْزٍ؛ بضمِّ المُوحَّدة، وسكون الهاء، وبالزَّاي، الفارسيِّ المكيِّ، المُتوفَّى سنة ثلاثَ عَشْرَة ومئةٍ، وقِيلَ غير ذلك، (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو)، أي: ابن العاصي رضي الله عنهما، (قَالَ تَخَلَّفَ)، أي: تأخَّر خلفَنا (النَّبِيُّ)، ولأبي ذَرٍّ: ((تخلَّف عنَّا النَّبيُّ)) (صلى الله عليه وسلم فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا) من مكَّة إلى المدينة؛ كما في «مسلمٍ» (فَأَدْرَكَنَا) النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم؛ أي: لَحِقَ بنا؛ وهو بفتح الكاف، (وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا)؛ بتأنيث الفعل؛ أي: غشيتنا (الصَّلَاةُ) بالرَّفع على الفاعليَّة؛ أي: وقت صلاة العصر، كما في «مسلمٍ»، وفي روايةٍ: ((أرهَقْنا))؛ بالتَّذكير، وسكون القاف؛ لأنَّ تأنيث الصَّلاة غير حقيقيٍّ، و«الصَّلاةَ» _بالنَّصب_ على المفعوليَّة؛ أي: أخَّرناها، وحينئذٍ فـ: «نا» ضمير رفعٍ، وفي الرِّواية الأولى: ضمير نصبٍ، (وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ): جملةٌ اسميَّةٌ وقعت حالًا، (فَجَعَلْنَا)؛ أي: كدنا (نَمْسَحُ)؛ أي: نغسل غسلًا خفيفًا؛ أي: مبقعًا حتَّى يُرَى كأنَّه مسحٌ (عَلَى أَرْجُلِنَا)؛ جمع رِجْلٍ؛ لمقابلة الجمع، وإلَّا؛ فليس لكلٍّ إلَّا رِجْلان، ولا يُقَال: يلزم أن يكون لكلِّ واحدٍ رِجْلٌ واحدةٌ؛ لأنَّا نقول: المُرَاد: جنس الرِّجْل، سواءٌ كانت واحدةً أو اثنتين، (فَنَادَى) عليه الصلاة والسلام (بِأَعْلَى صَوْتِهِ: وَيْلٌ) بالرَّفع على الابتداء؛ وهي كلمة عذابٍ وهلاكٍ، (لِلأَعْقَابِ) جمع عقبٍ؛ وهو المستأخر الذي يمسك شراك النَّعل؛ أي: ويلٌ لأصحاب الأعقاب المقصِّرين في غسلها، أو: «العقب» هي المخصوصة بالعقوبة (مِنَ النَّارِ، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا)؛ شَكٌّ منِ ابنِ عمرٍو، و«أل» في «الأعقاب» للعهد، والمُرَاد: الأعقاب التي رآها لم يَنَلْهَا المطهِّر، ويحتمل ألَّا يختصَّ بتلك الأعقاب المرئيَّة له، بلِ المُرَادُ كلُّ عقبٍ لم يعمَّها الماءُ، فتكون عهديَّةً جنسيَّةً.

[1] في (م): «الفضيل»، وهو تحريفٌ.
[2] زيد في (م): «وهو».





60- ( [مَاهَكَ] [1] ) بفتح الهاء، وحُكي بكسرها ممنوعًا ومصروفًا، ومعناه: القُمير، تصغير القمر.

( أَرْهَقَتْنَا الصَّلاَةُ ) أي: أعجلتنا بضيق وقتها، وفي رواية: «أرهقنا الصَّلاةَ» بالنَّصب، أي: أخَّرناها حتَّى كادت تدنو من الأخرى.

( لِلأَعْقَابِ ): جمع عقب، وهو مُؤَخَّر القَدَم. /

[1] ما بين معقوفتين في [ع] تصحيفًا: (ماهل) والمثبت من غيرها





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

60# حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا فَأَدْرَكَنَا _ وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلاَةُ _ وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثاً.

وأخرجه في «العلم» أيضاً عن مسدد وفيه: «وقد أرهقنا الصلاةَ صلاة العصر»، والباقي مثله.

وفي «الطهارة» عن موسى (وبوب عليه: باب غسل الرجلين ولا يمسح على القدمين، وباب من أعاد الحديث ثلاثاً ليفهم) [1].

وأخرجه مسلم في «الطهارة» عن شيبان وأبي كامل، كلهم عن أبي عوانة عن أبي بشر به، ولفظ مسلم في بعض طرقه قال: «رجعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة حتى إذا كنا في الطريق تعجل قوم عند العصر، فتوضؤوا وهم عجال، فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء».

وفيه عن عمر: «أن رجلاً توضَّأَ فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ارجع فأحسن وضوءك، فرجع، ثم صلى».

وله عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً لم يغسل عقبه فقال: «ويل للأعقاب من النار».

قلت: وفي حديثي مسلم تصريح بأن الوعيد وقع على عدم استيعاب الرجل بالماء، وحديث البخاري يدل على أن المسح لا يجزي عن الغسل في الرجل، ويحتمل أن ترد الأحاديث إلى معنى واحد، ويكون معنى قوله: «لم يمسها الماء» أي بالغسل، وإن مسها بالمسح، فيكون الوعيد وقع على الاقتصار على المسح دون الغسل، والله أعلم.

وقوله: «وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلاَةُ» قال القاضي عياض: روي برفع

@%ص11%

الصلاة على أنها الفاعل، أي: أعجلتنا لضيق وقتها، وروي: «أَرْهَقْنا الصلاةَ» بالنصب على أنه مفعولة، أي: أخرنا الصلاة حتى كادت تدنو من الأخرى، قال: وهذا أظهر، قال صاحب الأفعال: أرهقت الصلاة أخرتها، ورهقته وأرهقته أدركته.

وقال الخليل: أرهقنا الصلاة استأخرنا عنها، وقال أبو زيد: رهقتنا الصلاة؛ إذا حانت.

وقال أبو عبيد: رهقت القوم عيشتهم، ودنوت منهم، وقال ابن الأعرابي: رهقته وأرهقته بمعنى دنوت منه، وقال الجوهري: رهقه بالكسر، يرهقه رهقاً؛ أي: غشيه، قال الله تعالى: { وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ }.

وقال أبو زيد: أرهقه عسراً؛ إذا كلفه إياه، يقال: لا ترهقني لا أرهقك الله، أي: لا تعسرني لا أعسرك الله.

وقد قيل في قوله تعالى: {وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً} [الكهف:73] أي: لا تلحق بي، من قولهم: رهقه الشيء إذا غشيه، وقيل: لا تعجلني، ويجيء على قول أبي زيد لا تكلفني.

[واعلم أن الصحابة إنما أخروا] [2] الصلاة عن الوقت الفاضل، فكان ذلك طمعاً أن يصلوها مع النبي صلى الله عليه وسلم، لفضل الصلاة معه، فلما خافوا الفوات استعجلوا، فأنكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم.

وفيه: جواز رفع الصوت في مثله عند الإنكار.

وقد استدل العلماء بهذا الحديث على وجوب استيعاب غسل الرجلين، وأنه لا يجزئ المسح، ولا يجب مع الغسل مسحهما، وهو إجماع ممن يعتد به.

وقالت الشيعة: الواجب مسحهما، وقال محمد بن جرير والجبائي المعتزلي: يتخير بينهما، وقال بعض أهل الظاهر: يجب الجمع بينهما.

والدليل على مذهب الجماعة وهو وجوب الغسل خاصة هذا الحديث مع غيره من الأحاديث، وأن كل من وصف وضوء النبي صلى الله عليه وسلم في اختلاف المواطن والصفات إنما وصفه مع غسل الرجلين.

قوله: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» [3] (ويل) مقابل (ويح)، يقال لمن وقع فيما لا يستحقه: (ويحه)

@%ص12%

ترحماً عليه، ويقال: (ويل) لمن وقع فيما يستحقه.

وعن أبي سعيد الخدري: «ويل وادٍ في جهنم لو أرسلت فيه الجبال لماعت من حره» [4].

وقيل: (ويل) صديد أهل النار.

والأعقاب: جمع عقب، وهي مؤخر [5] القدم، قال الأصمعي: «هو ما أصاب الأرض من مؤخر الرجل إلى موضع الشراك». وقال ثابت: «العقب ما فضل من مؤخر القدم إلى الساق».

وأما معنى الحديث: فهو على حذف المضاف، والتقدير: ويل لأصحاب الأعقاب، ويحتمل أن تخص العقب نفسها بألم العذاب، فيقال: عَقِب وعَقْب بكسر القاف وسكونها [6].

وفي السند:

أبو النعمان محمد، وأبو عوانة الوضاح، وقد تقدما.

وفيه: أبو بِشْر؛ جعفر بن إياس، وهو جعفر بن أبي وحشية، واسم أبي وحشية إياس الواسطي، وقيل: البصري، أبو بشر اليشكري، قال أحمد ويحيى بن معين وأبو حاتم [7]: ثقة»، وقال محمد بن سعد: «ثقة كثير الحديث».

مات سنة أربع وعشرين ومئة [8]، روى له الجماعة.

وفيه: يوسف بن مَاهَك؛ بفتح الهاء اسم أعجمي، عَلَمٌ غير مصروف، الفارسي المكي، نزلها، سمع ابن عمر وعائشة وغيرهما، وسمع أباه ماهك، وأمه: مسيكة [9].

وقال الدارقطني: ماهك أمه.

ويذكر عن أبي داود وعلي بن المديني أن يوسف بن ماهك ويوسف بن ماهان واحد.

قال يحيى بن معين: «يوسف هذا ثقة».

وتوفي سنة ثلاث عشرة ومئة في قول الواقدي وعمرو بن علي، وقال ابن سعد: قال الهيثم: توفي سنة عشر ومئة ، روى له الجماعة.

[1] ما بين هلالين كتب في الحاشية وأشير إليه بلحق، والذي في المطبوع من البخاري: «ليفهم عنه».
[2] ما بين معقوفتين مطموس في الأصل، أثبته من «التوضيح» (3/264) فإن العبارة موجودة فيه بحرفها تقريباً.
[3] كتب في حاشية الأصل وأشير إليه بلحق: «وفي بعض طرق مسلم: ويل للعراقيب من النار».
[4] أخرجه ابن أبي حاتم في «التفسير» (1/153)، وابن جرير في «التفسير» (1/423) وغيرهما لكن عن عطاء بن يسار، لا عن أبي سعيد الخدري.
[5] كتبت في الأصل مع الضبط: «مَأخِرُ»، وكتبت في الهامش: «مأ اخر».
[6] جاء في هامش الأصل وأشير إليه بلحق: «والعرقوب: العصب الغليظ الموتر فوق عقب الإنسان، وعرقوب الدابة في رجلها بمنزلة الركبة في يدها. قال الأَصْمَعِيُّ: وكُلُّ ذات أَرْبعٍ عُرْقُوبَاه في رِجْلَيْه ورُكِبتَاه في يَدَيْه».
[7] هنا مقدار كلمتين أو ثلاثة ذاهبة في الأصل، أكملتها من عمدة القاري.
[8] عبارة: «أربع وعشرين ومئة»، طمس أكثرها في الأصل، وهذا ما تبين لي في قراءتها، وفي وفاته أقوال، فقيل سنة (124هـ)، وقيل: (125هـ)، وقيل: (126هـ).
[9] وضع على كلمة: «وأمه» إشارة لحق في الهامش جاء فيه: «اسمها» وضعت عليه علامة تصحيح، لكن يترجح عندي أن الصواب بدونها، لأن القصد العطف، فيوسف سمع من أبيه ومن أمه، وله رواية عنها، والله أعلم.





60# قوله: (وَيْلٌ): وادٍ في جهنم.

و(العُقْبُ): هو ما أصاب الأرض، وقيل: موضع الشِّراك إلى السَّاق.


60- وبه قال: ((حدثنا أبو النعمان عارم بن الفضل)) واسمه محمد، وعارم لقبه، السدوسي البصري، المتوفى سنة ثلاث أو أربع وعشرين ومئتين، وسقط في رواية: (عارم بن الفضل) ، وعليها شَرَحَ إمامُنا الشيخ بدر الدين العيني ((قال: حدثنا أبو عَوانة)) ؛ بفتح العين المهملة: الوضاح اليشكري، ((عن أبي بِشْر)) ؛ بكسر الموحدة وسكون المعجمة: جعفر بن إياس اليشكري المعروف بابن أبي وحشية، الواسطي، وقيل: البصري، المتوفى سنة أربع وعشرين ومئة، ((عن يوسف)) ؛ بتثليث السين المهملة مع الهمز وتركه، ((بن ماهَك)) ؛ بفتح الهاء، غير منصرف؛ للعلمية والعجمة، لأنَّه بالفارسية تصغير (ماه) ؛ وهو القمر بالعربي، وقاعدتهم إذا صغروا الاسم؛ جعلوا في آخره الكاف، وفي رواية بالصرف، فلوحظ فيه معنى الصفة؛ لأنَّ التصغير من الصفات، فيصير الاسم بعلَّة واحدة؛ وهي غير مانعة، ورُوي بكسر الهاء مصروفًا، اسم فاعل من (مهكتَ الشيء مهكًا) ؛ إذا بالغتَ في سحقه، وعلى قول الدارقطني: إن ماهك اسم أمه، يتعيَّن عدم صرفه؛ للعلمية والتأنيث، لكن الأكثرون على خلافه، وأنَّ اسمها مُسيكة ابنة بُهْز؛ بضم الموحدة، وسكون الهاء، وبالزاي، الفارسي المكي، المتوفى سنة ثلاث عشرة ومئة، وتمامه في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.

((عن عبد الله بن عَمرو)) ؛ بفتح العين؛ هو ابن العاصي رضي الله عنهما ((قال: تخلَّف)) ؛ بتشديد اللام؛ أي: تأخَّر خلفنا ((النبي)) ) الأعظم، وفي رواية: (تخلَّف عنا النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم في سَفرة)) بفتح السين المهملة ((سافرناها)) من مكة إلى المدينة؛ كما في «مسلم»، ((فأدركَنا)) ؛ بفتح الكاف؛ أي: لحق بنا النبي عليه السلام، ((وقد أرهقتنا)) بتأنيث الفعل؛ أي: غشيتنا ((الصلاةُ)) وقتها، أو حملتنا الصلاة أدائها، أو أعجلتنا لضيق وقتها، و (الصلاة) بالرفع فاعل، وروي: (أَرْهَقْنا) بالتذكير وسكون القاف؛ لأنَّ تأنيث (الصلاة) غير حقيقي، و (الصلاةَ) بالنصب مفعول؛ أي: أخرناها، و (نا) ضمير رفع، وفي الرواية الأولى: ضمير نصب، وهذه الصلاة هي صلاة العصر؛ كما في «مسلم»،ى ((ونحن نتوضأ)) جملة اسمية وقعت حالًا، ((فجعلنا)) من أفعال المقاربة، ويستعمل استعمال (كاد) ؛ أي: كِدْنا ((نمسح)) ؛ أي: نغسل غسلًا خفيفًا؛ أي: مبقعًا حتى يُرى كأنَّه مسح؛ كذا حققه في «عمدة القاري»، ((على أرجلنا)) جمع رِجل؛ لمقابلة الجمع، وإلَّا فليس لكلٍّ إلَّا رجلان، لا يقال: إنَّه يلزم أن يكون لكلِّ واحدٍ رجلٌ واحدة؛ لأنَّ المراد جنس الرِّجْل سواء كانت واحدة أو ثنتين، ((فنادى)) عليه السلام ((بأعلى صوته: ويلٌ)) بالرفع على الابتداء؛ وهي كلمة عذاب وهلاك، وقيل: إنه اسمُ وادٍ في جهنم، وقيل: صديد أهل النار، والتحقيق الأول؛ فليحفظ ((للأعقاب)) جمع عقب؛ وهو المستأخر الذي يُمسك شِراكَ النعل؛ أي: ويل لأصحاب الأعقاب المقصِّرين في غسلها، أو العقب هي المخصوصة بالعقوبة، وتمامه في «عمدة القاري» ((من النار)) قالها ((مرتين أو ثلاثًا)) شكٌّ من ابن عَمرو، و (أل) للعهد، والمراد: الأعقاب التي رآها لم ينلها المطهر، أو للجنس، فيكون المراد: كلَّ عقب لم يعمها الماء.

وإنَّما أخَّرت الصحابة الصلاة عن الوقت المستحب؛ محافظةً وطمعًا أن يصلُّوها مع النبي عليه السلام، وفيه دليل على وجوب غسل الرجلين في الوضوء، وفيه وجوب تعميم الأعضاء بالمطهر، وأن الجسد يعذب، وجواز رفع الصوت في المناظرة بالعلم، وفيه أن العالم ينكر ما يرى من التضييع للفرائض والسنن ويغلظ القول في ذلك، ويرفع صوته للإنكار، وغير ذلك مما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، اللهم إنِّي أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وعملًا متقبلًا، وعمرًا طويلًا، وأولادًا كثيرة، يا أرحم الراحمين.[/ص39/]