متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

59- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ)؛ بكسر السِّين المُهمَلَة، وبالنُّونين، أبو بكرٍ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ)؛ بضمِّ الفاء، وفتح اللَّام، وبسكون المثنَّاة التَّحتيَّة، وفي آخره حاءٌ مُهمَلَةٌ، وهو لقبٌ له، واسمه: عبد الملك، وكنيته: أبو يحيى، (ح) قال البخاريُّ: (وَحَدَّثَنِي)؛ بالإفراد، وفي رواية ابن عساكر: ((قال: وحدَّثنا)) (إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ) المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ) المذكور (قَال: حَدَّثَنِي)؛ بالإفراد، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت: ((حدَّثنا)) (أَبِي) فُلَيْحٌ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ)، ويُقَال له: هلال بن أبي [1] ميمونة، وهلال بن أبي هلالٍ، وهلال بن أسامة؛ نسبةً إلى جدِّه، وقد يظن أنَّهم [2] أربعةٌ، والكلُّ واحدٌ، (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) مولى ميمونة بنت الحارث، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) عبد الرَّحمن بن صخرٍ أنَّه (قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ)؛ أي: الرِّجال فقط، أو والنِّساء تبعًا؛ لأنَّ «القومَ» شاملٌ للرِّجال والنِّساء، (جَاءَهُ)؛ أي: النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم (أَعْرَابِيٌّ)؛ الأعراب: سكَّان البادية، لا واحد له من لفظه، ولم يُعرف اسمه. نعم؛ سمَّاه أبو العالية _فيما [3] نقله عنه البرماويُّ_ رُفيعًا، وفيه استعمال «بينما» بدون «إذ» و«إذا»، وهو فصيحٌ، (فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟)؛ استفهامٌ عن الوقت الذي تقوم فيه، (فَمَضَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُحَدِّثُ)؛ أي: القوم، وفي رواية ابن عساكر وأبي ذَرٍّ [4] عن المستملي والحَمُّويي والكُشْمِيهَنيِّ: ((يحدِّثه))؛ بالهاء؛ أي: يحدِّث القومَ الحديث الذي كان فيه، فلا يعود الضَّمير المنصوب على الأعرابيِّ، (فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: سَمِعَ) عليه الصلاة والسلام (مَا قَالَ، فَكَرِهَ مَا قَالَ)؛ أي: الذي قاله، فحُذِفَ العائد، (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ) قوله، و«بل»: حرف إضرابٍ وَلِيَهُ هنا جملةٌ؛ وهي «لم يسمع»، فيكون بمعنى الإبطال لا العطف، والجملة اعتراضٌ بين «فمضى» وبين قوله: (حَتَّى إِذَا قَضَى) صلى الله عليه وسلم (حَدِيثَهُ) «فحتَّى إذا» [5] : يتعلَّق بقوله: «فمضى يحدِّث»، لا بقوله: «لم يسمع»، وإنَّما لم يُجِبْهُ عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّه يحتمل أن يكون لانتظار الوحي، أو يكون [6] مشغولًا بجواب سائلٍ آخر، ويُؤخَذ منه: أنَّه ينبغي للعالِم والقاضي ونحوهما رعاية تقدُّم الأسبق فالأسبق، (قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (أَيْنَ أُرَاهُ؟)؛ بضمِّ الهمزة؛ أي: أظنُّ أنَّه قال: أين (السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ)؛ أي: عن زمانها، والشَّكُّ من محمَّد بن فُلَيْحٍ، ولم يضبط همزة «أُراه» في «اليونينيَّة»، وفي روايةٍ: ((أين السَّائل))، وهو في الرِّوايتين: بالرَّفع على الابتداء، وخبره «أين» المقدم [7] ، وهو سؤالٌ عنِ المكان، بُنِيَ؛ لتضمُّنه حرف الاستفهام، (قَالَ) الأعرابيُّ: (هَا أَنَا) السَّائلُ (يَا رَسُولَ اللهِ)، فـ: «السَّائل» المُقدَّر خبرُ المبتدأ الذي هو «أنا»، [/ج1ص154/]

و«ها» حرف تنبيهٍ، (قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ؛ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ، قَالَ) الأعرابيُّ: (كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ) عليه الصلاة والسلام مجيبًا له: (إِذَا وُسِّدَ)؛ بضمِّ الواوِ، وتشديد السين؛ أي: جُعِلَ (الأَمْرُ) المتعلِّق بالدِّين؛ كالخلافة، والقضاء، والإفتاء (إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ)؛ أي: بولاية غير أهل الدِّين والأمانات؛ (فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ)؛ الفاء: للتَّفريع، أو جواب شرطٍ محذوفٍ؛ أي: إذا كان الأمر كذلك؛ فانتظرِ السَّاعة، ولا يُقَال: هي جوابُ «إذا وُسِّدَ»؛ لأنَّها لا تتضمَّن ههنا معنى الشَّرط، وقال ابن بطَّالٍ فيه: إنَّ الأئمَّة ائتمنهم الله على عباده، وفرض عليهم النُّصح، وإذا قلَّدوا الأمرَ غير [8] أهل الدِّين؛ فقد ضيَّعوا الأمانة [9] .

وفيه: أنَّ السَّاعة لا تقوم حتَّى يُؤتَمن الخائن، وهذا إنَّما يكون؛ إذا غلب الجُهَّال، وضَعُفَ أهلُ الحقِّ عن القيام به ونصرته، وفيه: وجوب تعليم السَّائل؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «أين السَّائل؟»، وفيه: مراجعةُ العالِم عند عدم فهم السَّائل [10] ؛ لقوله: «كيف إضاعتها؟»، وهو ثُمَانيُّ [11] الإسناد، ورجاله كلُّهم مدنيُّون، مع التَّحديث بالإفراد، والجمع، والعنعنة، وأخرجه المصنِّف أيضًا في «الرِّقاق» [12] [خ¦6496] مُختصَرًا، وهو ممَّا انفرد به عن بقيَّة الكتب السِّتَّة.

[1] «أبي»: سقط من (ص).
[2] «أنَّهم»: سقط من (م).
[3] في (م): «ممَّا».
[4] «ابن عساكر وأبي ذرٍّ»: سقط من (ص).
[5] «فحتَّى إذا»: سقط من (ص).
[6] في (م): «كان».
[7] في (ب) و(س): «المتقدم».
[8] في (ب) و(س): «لغير».
[9] في (ب) و(س): «الأمانات».
[10] في (ص): «المسائل».
[11] هكذا قال رحمه الله، والصواب أنهما إسنادان سداسيان.
[12] في (ص): «الزَّكاة»، وهو خطأٌ.





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

59-. حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سِنانٍ: حدَّثنا فُلَيْحٌ.

(ح) وَحدَّثني [1] إِبراهيمُ بنُ المُنْذِرِ [2] : حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ فُلَيْحٍ، قالَ: حدَّثني [3] أَبِي_ قالَ: حدَّثني هِلالُ بنُ عَلِيٍّ، عن عَطاءِ بْنِ يَسارٍ:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: بَيْنَما النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ القَوْمَ، جاءَهُ أَعْرابِيٌّ فقالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَىَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ [4] ، فقالَ بَعْضُ القَوْمِ: سَمِعَ ما قالَ فَكَرِهَ ما قالَ. وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ. حتَّىَ إذا قَضَىَ حَدِيثَهُ قالَ: «أَيْنَ -أُراهُ- السَّائِلُ [5] عن السَّاعَةِ؟». قالَ: ها أَنا يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: «فإذا ضُيِّعَتِ الأَمانَةُ فانْتَظِرِ السَّاعَةَ». قالَ: كَيْفَ إِضاعَتُها؟ قالَ: «إذا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلىَ غَيْرِ أَهْلِهِ فانْتَظِرِ السَّاعَةَ».

[1] في رواية ابن عساكر: «وحدَّثنا»، وضبطت روايته في (ب، ص): «قال: وحدَّثنا».
[2] في (ب، ص) زيادة: «قال».
[3] في رواية الأصيلي وابن عساكر و [عط] ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «حدَّثنا».
[4] في رواية ابن عساكر عن الكُشْمِيْهَنِيِّ، ورواية أبي ذر عن الحَمُّويِي والمستملي: «يُحَدِّثُهُ».
[5] في رواية ابن عساكر وأبي ذر والكُشْمِيْهَنِيِّ ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «أينَ السائلُ»، ولم تضبط: «أراه» في (ن)، ونصَّ القسطلانيُّ على أنَّها لم تُضبط في اليونينية.





59- ( فُلَيْحٍ ) بضم الفاء.

( وُسِّدَ ) [1] أي: جعل له غير أهله وسادًا [2] ، فتكون ( إلى ) بمعنى اللام، ورواه القابسي: «أوسد» بهمزة في أوله. ورواه البخاري في باب رفع الأمانة أواخرَ الكتاب [خ¦6496] : «إذا أسنِد الأمر».

[1] قال محب الدين البغدادي: قوله: ( وُسِّدَ ). قال في «النهاية»: أي: أسند وجعل في غير أهله، يعني: إذا سود وسرف، وقيل: هو من الوسادة؛ أي: إذا وضعت وسادة الملك والأمر والنهي لغير مستحقها، وتكون «إلى» بمعنى اللام.
[2] قال محب الدين البغدادي: قوله: أي جعل له غير أهله وسادة. صوابه: جعل لغير أهله وسادة.





59# (فُلَيْحِ) بضم الفاء مصغَّر.

(جَاءَهُ أَعْرَابيٌّ) فيه استعمال جواب ((بينما)) [1] بدون إِذْ وإِذا، وهو فصيح، كما أن إثبات أحدهما فيه كذلك، وقد مرَّ.

(أَيْنَ) مبتدؤه [2] محذوف، وفسره [3] الراوي بقوله: (أُرَاهُ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ) و [4] أُراه بضم الهمزة؛ أي: أظنُّه، ويصح في السائل الرفعُ على معنى: أراه يريد: أين السائل؟ فحُذف ما ذُكر، وذُكر ما حُذف، والنصب على معنى: أُراه يريد: السائلَ.

(قَالَ: هَا أَنَا) أي: حاضر.

(قَالَ: فإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ) أي: إن شئت معرفة وقتها، فالفاء رابطةُ جواب الشرط.

(وُسِّدَ) بواو مضمومة عند الجمهور، وزاد القابسي: <أُسِّد> بهمزة كوُقِّتت [5] وأُقِّتت؛ أي: جُعل وأُسند، وفي باب رفع الأمانة، أواخر الكتاب: ((إذَا أُسْنِدَ)).

@%ج1ص74%

(الأمرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ) قال الزركشي: أي: جُعل له غير [6] أهله وسادًا، فتكون ((إلى)) بمعنى اللام.

قال ابن المنيِّر: وينبغي أن يُجعل هذا الحديث أصلًا في أخذِ الدروس والقراءة والحكومات والفتاوى عند الازدحام على السبق.

[1] في (ق): ((بينهما)).
[2] في (ق) و(ج): ((مبتدأ)).
[3] في (ق): ((محذوف الخبر فسره)).
[4] ((الواو)): ليست في (د) و(ج).
[5] في (ق): ((كوقت)).
[6] في (ق): ((جعل لغير)).





59- قوله: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ): هو بضمِّ الفاء، وهو فليح بن سليمان العدويُّ مولاهم، واسمه عبد الملك [1] ، قال ابن معين، وأبو حاتم، والنَّسائيُّ: (ليس بالقويِّ) ، وقال أبو داود: (لا يُحتَجُّ به) ، وقال الدَّارقطنيُّ: (لا بأس به) ، وقال ابن حبَّان: (من متقني أهل المدينة وحفَّاظهم) ، أخرج له الجماعة، وليس لهم في الكتب السِّتَّة راوٍ يقال له: فُلَيح سواه، وهو أحد العلماء الكبار، وقد جاز القنطرة كما تقدَّم، له ترجمة في «الميزان»، والله أعلم.

[قوله: (ح): تقدَّم الكلام عليها في أوَّل هذا التعليق كتابةً ونطقًا؛ فانظره إن أردته] [2] .

قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ): تقدَّم أنَّه عبد الرحمن بن صخر، على الأصحِّ من نحو ثلاثين قولًا مرَّات [3] ، وتقدَّم ما فيه [4] .

قوله: (جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ): هذا الأعرابيُّ لا أعرفه؛ فليُبحَث عنه.

قوله: (إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ): (وُسِّدَ): مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، و (الأمرُ): مرفوع قائم مقام الفاعل، و (وُسِّدَ) في أصلنا مشدَّد بالقلم، وكذا في غيرها، ورأيته في نسخة صحيحة بالتشديد والتخفيف بالقلم، قال ابن قُرقُول: (كذا لكافَّة الرُّواة؛ أي: أُسند وجُعِل إليهم وقُلِّدوه؛ يعني: الإمارة، وعند القابسيِّ: «أُسِّد» [5] ، وقال: الذي أحفظ: «وُسِد»، قال: وفيه عنده إشكال بين وُسِّد وأُسِّد، قال: وهما بمعنًى) ، قال القاضي: (هو كما قال، وقد قالوا: وساد وإساد، واشتقاقهما واحد، والواو [6] هنا بعد الألف، ولعلَّها صورة الهمزة) انتهى.

ومعنى (وُسِّد الأمر): أي: تولَّاه غير أهل الدِّين ومن يعينهم على الظُّلم والفجور.

[1] (واسمه عبد الملك): سقط من (ب) .
[2] ما بين معقوفين ليس في (ب) .
[3] (مرات): ليس في (ب) .
[4] (وتقدم ما فيه): ليس في (ج) .
[5] كذا في النسخ، وفي «المطالع» (*): (أوسد) .
[6] في (ب): (وقالوا: الواو) .





59- قوله [1] : (بَيْنَمَا): تقدَّم الكلام على (بينا) أوَّله، وأصله (بَيْنَ)، فزيدت عليه (ما).

(يُحَدِّثُ): حُذِفَ المبتدأُ، وحُذِفَ مفعولاهُ الأخيرانِ.

قوله [2] : (حَتَّى إِذَا قَضَى): متعلِّقٌ بقوله: (فَمَضَى فِي حَدِيثِهِ)، لا بقوله: (لَمْ يَسْمَعْ).

ولفظُ (فَقَالَ) إلى هنا: جملةٌ معترضةٌ بالفاء، وذلك جائزٌ.

فإن قلتَ: علامَ عُطِف (بَلْ لَمْ يَسْمَعْ) ؛ إذ لا يصحُّ أن يُعطف على ما تقدَّم؛ إذِ الإضرابُ إنَّما يكونُ عن كلامِ نفسِه، بل لا يصحُّ عطفٌ أصلًا على كلامِ غيرِ العاطف؟

قلتُ: لا نُسلِّمُ امتناعَ صحَّةِ العطف والإضراب بين كلامين، وما الدَّليل عليه؟ سلمنا، لكن يكون الكلُّ من كلام البعض الأوَّل على طريقة عطف التَّلقين، كأنَّه قال البعض الآخرُ للبعض الأوَّل: قل: بل [لم] يسمع، أو من كلام البعض الآخر [3] بأنْ يقدَّر لفظُ (سمع) قبلَه، كأنَّه قال: سمع بل لم يسمع.

(هَا أَنَا): فـ (أَنَا) مبتدأٌ، وخبرُه محذوفٌ؛ وهو السَّائلُ، و (هَا) حرفُ تنبيهٍ.

[1] (قوله): مثبت من (أ).
[2] (قوله): مثبت من (أ).
[3] في (ب): (الأخير)، وفي (أ) محتملة.





59- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ)؛ بكسر السِّين المُهمَلَة، وبالنُّونين، أبو بكرٍ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ)؛ بضمِّ الفاء، وفتح اللَّام، وبسكون المثنَّاة التَّحتيَّة، وفي آخره حاءٌ مُهمَلَةٌ، وهو لقبٌ له، واسمه: عبد الملك، وكنيته: أبو يحيى، (ح) قال البخاريُّ: (وَحَدَّثَنِي)؛ بالإفراد، وفي رواية ابن عساكر: ((قال: وحدَّثنا)) (إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ) المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ) المذكور (قَال: حَدَّثَنِي)؛ بالإفراد، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت: ((حدَّثنا)) (أَبِي) فُلَيْحٌ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ)، ويُقَال له: هلال بن أبي [1] ميمونة، وهلال بن أبي هلالٍ، وهلال بن أسامة؛ نسبةً إلى جدِّه، وقد يظن أنَّهم [2] أربعةٌ، والكلُّ واحدٌ، (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) مولى ميمونة بنت الحارث، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) عبد الرَّحمن بن صخرٍ أنَّه (قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ)؛ أي: الرِّجال فقط، أو والنِّساء تبعًا؛ لأنَّ «القومَ» شاملٌ للرِّجال والنِّساء، (جَاءَهُ)؛ أي: النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم (أَعْرَابِيٌّ)؛ الأعراب: سكَّان البادية، لا واحد له من لفظه، ولم يُعرف اسمه. نعم؛ سمَّاه أبو العالية _فيما [3] نقله عنه البرماويُّ_ رُفيعًا، وفيه استعمال «بينما» بدون «إذ» و«إذا»، وهو فصيحٌ، (فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟)؛ استفهامٌ عن الوقت الذي تقوم فيه، (فَمَضَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُحَدِّثُ)؛ أي: القوم، وفي رواية ابن عساكر وأبي ذَرٍّ [4] عن المستملي والحَمُّويي والكُشْمِيهَنيِّ: ((يحدِّثه))؛ بالهاء؛ أي: يحدِّث القومَ الحديث الذي كان فيه، فلا يعود الضَّمير المنصوب على الأعرابيِّ، (فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: سَمِعَ) عليه الصلاة والسلام (مَا قَالَ، فَكَرِهَ مَا قَالَ)؛ أي: الذي قاله، فحُذِفَ العائد، (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ) قوله، و«بل»: حرف إضرابٍ وَلِيَهُ هنا جملةٌ؛ وهي «لم يسمع»، فيكون بمعنى الإبطال لا العطف، والجملة اعتراضٌ بين «فمضى» وبين قوله: (حَتَّى إِذَا قَضَى) صلى الله عليه وسلم (حَدِيثَهُ) «فحتَّى إذا» [5] : يتعلَّق بقوله: «فمضى يحدِّث»، لا بقوله: «لم يسمع»، وإنَّما لم يُجِبْهُ عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّه يحتمل أن يكون لانتظار الوحي، أو يكون [6] مشغولًا بجواب سائلٍ آخر، ويُؤخَذ منه: أنَّه ينبغي للعالِم والقاضي ونحوهما رعاية تقدُّم الأسبق فالأسبق، (قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (أَيْنَ أُرَاهُ؟)؛ بضمِّ الهمزة؛ أي: أظنُّ أنَّه قال: أين (السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ)؛ أي: عن زمانها، والشَّكُّ من محمَّد بن فُلَيْحٍ، ولم يضبط همزة «أُراه» في «اليونينيَّة»، وفي روايةٍ: ((أين السَّائل))، وهو في الرِّوايتين: بالرَّفع على الابتداء، وخبره «أين» المقدم [7] ، وهو سؤالٌ عنِ المكان، بُنِيَ؛ لتضمُّنه حرف الاستفهام، (قَالَ) الأعرابيُّ: (هَا أَنَا) السَّائلُ (يَا رَسُولَ اللهِ)، فـ: «السَّائل» المُقدَّر خبرُ المبتدأ الذي هو «أنا»، [/ج1ص154/]

و«ها» حرف تنبيهٍ، (قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ؛ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ، قَالَ) الأعرابيُّ: (كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ) عليه الصلاة والسلام مجيبًا له: (إِذَا وُسِّدَ)؛ بضمِّ الواوِ، وتشديد السين؛ أي: جُعِلَ (الأَمْرُ) المتعلِّق بالدِّين؛ كالخلافة، والقضاء، والإفتاء (إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ)؛ أي: بولاية غير أهل الدِّين والأمانات؛ (فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ)؛ الفاء: للتَّفريع، أو جواب شرطٍ محذوفٍ؛ أي: إذا كان الأمر كذلك؛ فانتظرِ السَّاعة، ولا يُقَال: هي جوابُ «إذا وُسِّدَ»؛ لأنَّها لا تتضمَّن ههنا معنى الشَّرط، وقال ابن بطَّالٍ فيه: إنَّ الأئمَّة ائتمنهم الله على عباده، وفرض عليهم النُّصح، وإذا قلَّدوا الأمرَ غير [8] أهل الدِّين؛ فقد ضيَّعوا الأمانة [9] .

وفيه: أنَّ السَّاعة لا تقوم حتَّى يُؤتَمن الخائن، وهذا إنَّما يكون؛ إذا غلب الجُهَّال، وضَعُفَ أهلُ الحقِّ عن القيام به ونصرته، وفيه: وجوب تعليم السَّائل؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «أين السَّائل؟»، وفيه: مراجعةُ العالِم عند عدم فهم السَّائل [10] ؛ لقوله: «كيف إضاعتها؟»، وهو ثُمَانيُّ [11] الإسناد، ورجاله كلُّهم مدنيُّون، مع التَّحديث بالإفراد، والجمع، والعنعنة، وأخرجه المصنِّف أيضًا في «الرِّقاق» [12] [خ¦6496] مُختصَرًا، وهو ممَّا انفرد به عن بقيَّة الكتب السِّتَّة.

[1] «أبي»: سقط من (ص).
[2] «أنَّهم»: سقط من (م).
[3] في (م): «ممَّا».
[4] «ابن عساكر وأبي ذرٍّ»: سقط من (ص).
[5] «فحتَّى إذا»: سقط من (ص).
[6] في (م): «كان».
[7] في (ب) و(س): «المتقدم».
[8] في (ب) و(س): «لغير».
[9] في (ب) و(س): «الأمانات».
[10] في (ص): «المسائل».
[11] هكذا قال رحمه الله، والصواب أنهما إسنادان سداسيان.
[12] في (ص): «الزَّكاة»، وهو خطأٌ.





59- ( هِلاَلُ بْنُ عَلِيٍّ ) يقال له أيضًا ابن أبي هلال، وابن أبي ميمونة.

( فَمَضَى يُحَدِّثُ ) في رواية المُسْتملي: «يحدِّثه» بزيادة هاء؛ وهي راجعة للحديث الذي كان فيه لا للأعرابيِّ.

( أُرَاهُ ) بالضَّمِّ، أي: أظنُّه، والشَّكُّ من محمَّد بن فُلَيح.

( السَّائِلُ ) بالرَّفع على الحكاية.

( وُسِدَ ) بضمِّ الواو وتخفيف المهملة [1] ، أي: أسند، وهو بهذا اللَّفظ في الرِّقاق، [خ:6496] وأصله من الوسادة، وكان من شأن الأمير عندهم إذا جلس أن تثنى تحته وسادة، أي: جعل له غير أهله وسادًا، فــ «إلى» بمعنى اللَّام. [/ج1ص224/]

[1] كذا ضبطه المؤلف هنا واقتصر على التخفيف، قال ابن حجر: «بضمِّ أوَّله والتشديد، ويخفف».





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

59# البخاري: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، ثَنَا فُلَيْحٌ، ح

وحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، حدثنا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي هِلاَلُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:

بَيْنَمَا رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ القَوْمَ، جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُحَدِّثُ، فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ.

@%ص8%

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ، حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ فقَالَ: «أَيْنَ _ أُرَاهُ _ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ؟» قَالَ: هَا أَنَا ذا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ»، فقَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: «إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ».

قوله: «إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ» أي بولايةِ غيرِ أهل الدِّين والأمانات، ومن يعينهم على الظلم والفجور، وعند ذلك تكون الأئمة قد ضيعوا الأمانة التي فرض الله عليهم بتولية أهل غير الدين.

وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يُؤتَمَنَ الخائن، ويُستخون الأمين» [6872]، ولفظه: «ويخون الأمين»، وذكر في «مجمع الزوائد» (7/557) أن فيه رجلاً مجهولاً، لكن للحديث شواهد، ولم أجد لفظ: «يستخون» إلا عند ابن بطال في شرحه (1/138)، وابن الملقن في «التوضيح» (3/256). '>[6514]، و [6872]، ولفظه: «ويخون الأمين»، وذكر في «مجمع الزوائد» (7/557) أن فيه رجلاً مجهولاً، لكن للحديث شواهد، ولم أجد لفظ: «يستخون» إلا عند ابن بطال في شرحه (1/138)، وابن الملقن في «التوضيح» (3/256). '>[1].

وهذا إنما يكون إذا غلب الجهل، وضعف أهل الحق عن القيام به.

وأما تأخيره جواب السائل إلى أن قضى حديثه؛ فقيل: يحتمل أن يكون كان قد شرع في جواب سائل تقدمه، فكان أحق بتمام الجواب، أو أنه إن أخذ في الجواب ... [2] كان فيه، أو كانت الحاجة إليه أمس، فخاف فوته، والسؤال عن الساعة سؤال عن أمر ما يكون.

السند:

فيه: إبراهيم بن المنذر بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام بن خويلد، القرشي الأسدي الحزامي المديني، روى عنه أبو حاتم، وأبو زرعة، وابن ماجه وغيرهم، وروى البخاري عنه، وروى أيضاً عن محمد بن غالب عنه، وروى النسائي عن رجل عنه.

توفي سنة ست وثلاثين ومئتين، وقيل: سنة خمس وثلاثين ومئتين.

تكلم فيه أحمد ابن حنبل، ووثقه يحيى بن معين وغيره، وقال النسائي: «ليس به بأس».

وفيه: محمد بن سِنَان، أبو بكر العَوَقي، ولم يكن من العَوَقة _ وهم حيٌّ من عبد القيس _ وإنما نزل فيهم، كان لهم محلة في البصرة فنزل عندهم فنسب إلى العوقة.

روى عنه البخاري وأبو داود وأبو حاتم الرازي، قال يحيى بن معين: «ثقة مأمون»، وروى أبو داود والنسائي وابن ماجه عن رجل عنه.

توفي سنة ثلاث وعشرين ومئتين.

وفيه: فُلَيح بن سُليمان بن أبي المغيرة ،

@%ص9%

وهو ابن أخي عُبَيد بن حنين، وكان اسمه: عبد الملك، ولقبه فليح فاشتهر بلقبه.

وكنيته أبو يحيى، يقال: مولى زيد بن الخطاب، وقيل: مولى علي، وقال البخاري: الخزاعي، ويقال: الأسلمي مولاهم.

روى عنه عبد الله بن وهب، ويحيى الوحاظي، والحكم بن محمد بن أعين، وسريج بن النعمان وغيرهم.

قال يحيى بن معين: «هو ضعيف, ما أقربه من ابن أبي أويس»، وفي رواية عنه: «ليس بقوي ولا يحتج به»، وقال أبو حاتم: «ليس بالقوي»، وقال أحمد بن شعيب النسائي أيضاً: «ليس بالقوي»، وقال ابن عدي: «هو عندي لا بأس به، وقد اعتمده البخاري في صحيحه، وقد روى عنه زيد بن أبي أنيسة».

روى له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي، قال الحاكم ابنُ البَيِّع: «واجتماع البخاري ومسلم عليه في إخراجهما عنه في الأصول يؤكد أمره، ويسكن القلب فيه إلى تعديله».

توفي سنة ثمان وستين ومئة.

[وفيه: محمد بن فليح بن سليمان، أخرج البخاري] عن إبراهيم بن المنذر عنه عن أبيه، وموسى بن عقبة في العلم والتوحيد وسورة الأحزاب، قال أبو حاتم الرازي: «ما به بأس، ليس بذاك القوي»، توفي سنة سبع وسبعين ومئة، روى له البخاري والنسائي وابن ماجه [3].

وفيه: هِلال بن أبي ميمونة، وقيل: هِلال بن أبي هِلال، قال البخاري: «وهو هلال بن علي»، قال الباجي: «واسم أبي هلال: علي»، قال: «وقال مالك: هلال بن أسامة»، تابعه على ذلك أسامة بن زيد الليثي، وقال: «هو الفهر».

وسمع أنس بن مالك، وعطاء بن يسار، روى عنه مالك وغيره، قال أبو حاتم: «يكتب حديثه، وهو شيخ»، وقال الواقدي: «مات في آخر خلافة هشام»، روى له الجماعة.

وفيه: عطاء بن يسار، أخو سليمان وعبد الملك وعبد الله بنو يسار مولى ميمونة بنت الحارث، تابعي سمع أبي بن كعب وجماعة كثيرة من الصحابة، روى البخاري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وزيد بن أسلم، وشريك، وصفوان، وهلال بن أبي ميمونة، عنه، عن أبي هريرة، وزيد بن ثابت، وزيد بن خالد وغيرهم.

أجمع على جلالته وتوثيقه، توفي سنة ثلاث ومئة، وقيل: سنة أربع وتسعين، وقيل: سنة سبع وتسعين، روى له الجماعة.

وأما قول مسلم رحمه الله قبيل كتاب الصلاة: «عن عمير قال: أقبلت أنا وعبد الرحمن بن يسار مولى ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم»، فقد قال جميع المتكلمين على هذا السند: ذِكْرُ عبد الرحمن فيه وهم، و

@%ص10%

الصواب: عبد الله، وكذا رواه البخاري وأبو داود والنسائي وغيرهم قالوا فيه: عبد الله ين يسار.

قال القاضي وغيره: هم أربعة إخوة؛ عطاء، وسليمان، وعبد الملك، وعبد الله بنو يسار مولى ميمونة، واعترضوا على مسلم رحمه الله في قوله: عبد الرحمن [4].

[1] أخرجه أحمد في «المسند» [6514]، و [6872]، ولفظه: «ويخون الأمين»، وذكر في «مجمع الزوائد» (7/557) أن فيه رجلاً مجهولاً، لكن للحديث شواهد، ولم أجد لفظ: «يستخون» إلا عند ابن بطال في شرحه (1/138)، وابن الملقن في «التوضيح» (3/256).
[2] هنا مقدار كلمة في الأصل غير واضحة.
[3] هذه الترجمة كتبت بهامش الأصل، وأشير إليها بلحق، ولكن ذهب أولها، فكتبته تقديراً.
[4] وقد أشار المازري وعياض إلى أن الخطأ ليس من مسلم، وإنما من بعض نسخ مسلم، وَوُقِفَ على الصواب في نسخ أخرى.





59# ومعنى (وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ): أي: تولَّاه غير أهل الدِّين والأمانة ومن يعينهم على الظُّلم والفجور والجهل، فعند

@%ج1ص9%

ذلك تضيع الأمانة التي فرض الله عليهم، حتَّى يؤتمن الخائن، ويُستَخوَن الأمين، وهذا في أحكامه.


59- وبه قال: ((حدثنا محمد بن سِنان)) ؛ بكسر السين المهملة وبالنونين: أبو بكر الباهلي البصري، المتوفى سنة ثلاث وعشرين ومئتين ((قال: حدثنا فُلَيح)) ؛ بضم الفاء، وفتح اللام، وسكون المثناة التحتية، آخره حاء مهملة، وهو لقبه، واسمه عبد الملك، وكنيته أبو يحيى، ابن سليمان الخزاعي المدني، المتوفى سنة ثمان وستين ومئة.

((ح)) للتحويل، قال المؤلف: ((وحدثني)) بالإفراد، وفي رواية: (قال: وحدثنا) ((إبراهيم بن المنذر)) القرشي الحزامي المدني، أبو إسحاق، المتوفى سنة ست أو خمس وثلاثين بالمدينة ((قال: حدثنا محمد بن فليح)) المذكور، المتوفى سنة سبع وتسعين ومئة ((قال: حدثني)) بالإفراد، وفي رواية: (حدثنا) ((أبي)) هو فُليح المذكور ((قال: حدثني)) بالإفراد ((هلال بن علي)) ويقال له: هلال بن أبي ميمون، وهلال بن أبي هلال، وهلال ابن أسامة؛ نسبة إلى جده، وقد يُظَنُّ أنَّهم أربعة، والكلُّ واحدٌ، الفهري القرشي المدني، المتوفى في آخر خلافة هشام، كذا في «عمدة القاري»، ((عن عطاء بن يسار)) مولى ميمونة بنت الحارث، ((عن أبي هريرة)) عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه أنه ((قال: بينما)) أصله (بين) فزيدت عليه (ما) ، وهو ظرف زمان بمعنى المفاجأة ((النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم في مجلس)) حال كونه ((يحدِّث القوم)) الجملة من الفعل والفاعل والمفعول خبر عن المبتدأ؛ وهو (النبي) ، و (القوم) : الرجال دون النساء وتدخلن تَبَعًا، وجمعه: أقوام، وجمع الجمع: أقاوم، والمفعول الثاني محذوف؛ أي: الحديث؛ ((جاءه)) ؛ أي: النبي عليه السلام ((أعرابي)) منسوب إلى الأعراب؛ بفتح الهمزة: سكَّان البادية، لا واحد له من لفظه، قال في «عمدة القاري»: ولم يُعرف اسم هذا الأعرابي، قلت: قيل: إنَّ اسمه رُفيع؛ فتأمَّل، وفيه استعمال (بينما) بدون (إذ) و (إذا) ؛ وهو فصيح، انتهى، ((فقال: متى الساعة؟)) استفهام عن الوقت التي تقوم فيه القيامة، وسميت بذلك؛ لأنَّها تَفْجَأ الناس في ساعة،فيموت [1] الخلق كلهم بصيحة واحدة، و (الساعة) : القيامة، وأصلها (سوعة) ، قلبت الواو ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها.

((فمضى)) أي: اشتغل ((رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدِّث)) ؛ أي: القوم، وفي رواية: (يحدثه) بالهاء؛ أي: يحدث القوم الحديث الذي كان فيه، فلا يعود الضمير المنصوب على الأعرابي، وفي رواية: (بحديثه) ، ((فقال بعض القوم: سمع)) عليه السلام ((ما)) أي: الذي ((قال)) ؛ أي: قاله الأعرابي، ((فكره)) عليه السلام ((ما)) أي: الذي ((قال)) ؛ أي: قاله الأعرابي، فحذف العائد، والجملة مفعول (سمع) ، ويجوز أن تكون (ما) مصدرية؛ أي: سمع قوله، ((وقال بعضهم: بل لم يسمع)) النبي عليه السلام قوله، و (بل) حرف للإضراب، وَلِيَها هنا جملة؛ أعني قوله: (لم يسمع) ؛ فكان الإضراب بمعنى الإبطال، والجملة اعتراض بين (فمضى) وبين قوله: ((حتى إذا قضى)) ؛ أي: كمَّل وتمَّم عليه السلام ((حديثَه)) ، وقوله: (حتى إذا) يتعلَّق بقوله: (فمضى يحدِّث) لا بقوله: (لم يسمع) ، وإنَّما لم يجبه عليه السلام؛ لأنَّه كان يكره السؤال عن هذه المسألة بخصوصها، أو كان ينتظر الوحي، أو كان مشغولًا بجواب سائل آخر، ويؤخذ منه أنه ينبغي للعالم، أو القاضي، أو المفتي رعاية تقدم الأسبق فالأسبق في السؤال.

((قال)) عليه السلام: ((أين أُراه)) ؛ بضمِّ الهمزة؛ أي: أظن أنَّه قال: أين ((السائل)) ؛ بالرفع مبتدأ مؤخر، خبره (أين) مقدمًا، و (أُراه) معترضة بين المبتدأ وخبره، وقول ابن حجر: إنَّه مرفوع على الحكاية، خطَّأه في «عمدة القاري»؛ فليحفظ، ((عن الساعة)) ؛ أي: عن زمانها، والشكُّ من محمد بن فُليح، و (أين) سؤال عن المكان، بُنِيَ؛ لتضمُّنه حرف الاستفهام، ((قال)) الأعرابي: ((ها أنا)) السائل ((يا رسول الله)) ، فالسائل المقدر خبر المبتدأ الذي هو (أنا) ، و (ها) بالمد: حرف تنبيه، ((قال)) عليه السلام: ((إذا ضُيِّعت الأمانة)) (إذا) تتضمن معنى الشرط، ولذا جاء جوابها بالفاء وهو قوله: ((فانتظر الساعة، قال)) الأعرابي: ((كيف إضاعتُها)) ؛ أي: الأمانة يا رسول الله؟ ((قال)) عليه السلام مجيبًا له: ((إذا وُسِّد)) ؛ بضم الواو مع تشديد السين؛ أي: فُوِّض وأُسْنِد ((الأمرُ)) المتعلِّق بالدين كالخلافة، والقضاء، والإفتاء ((إلى غير أهله)) ؛ أي: بولاية غير أهل الدين والأمانات؛ لغلبة الجهل وضعف أهل الحق عن القيام به؛ ((فانتظر الساعة)) (الفاء) للتفريع أو جواب شرط محذوف؛ أي: إذا كان الأمر كذلك؛ فانتظر الساعة، وليست هي جواب (إذا) التي في قوله: (إذا وُسِّد) ؛ لأنَّها لا تتضمَّن ههنا معنى الشرط، وإنَّما قال: (إلى غير أهله) ولم يقل: لغير أهله؛ ليدل على معنى تضمين الإسناد.

وفيه أنَّ الأئمة إذا قَلَّدوا الأمر لغير أهل الدين؛ فقد ضيَّعوا الأمانات؛ لأنَّ الله ائتمنهم على عباده وفرض عليهم النصح، وفيه أنَّ الساعة لا تقوم حتى يؤتمن الخائن، وفيه وجوب تعليم السائل ومراجعة العالم عند عدم فهم السائل، والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل (فتموت)، ولعل المثبت هو الصواب.