متن الصحيح الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

1- (باب فَضْلِ الْعِلْمِ) وكِلَا ((كتاب العلم)) و((باب فضل العلم)) ثابتٌ عند ابن عساكر [1] ، (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((عزَّ وجلَّ))، و«قول»: بالجرِّ عطفًا على المُضَاف إليه في قوله: «باب فضلِ العلمِ»، على رواية من أثبت «الباب»، أو على «العلم» في قوله: «كتاب العلم»، على رواية من حذفه، وقال الحافظ ابن حجرٍ: ضبطناه في الأصول بالرَّفع على الاستئناف، وتعقَّبه العينيُّ، فقال: إن أراد بالاستئناف الجواب عن السُّؤال؛ فذا لا يصحُّ؛ لأنَّه ليس في الكلام ما يقتضي هذا، وإن أراد ابتداء الكلام؛ فذا أيضًا لا يصحُّ؛ لأنَّه على تقدير الرَّفع لا يتأتَّى الكلام؛ لأنَّ قوله: «وقولِ الله» ليس بكلامٍ، فإذا رُفِعَ لا يخلو: إمَّا أن يكون رفعه بالفاعليَّة، أو بالابتداء، وكلٌّ منهما لا يصحُّ؛ أمَّا الأوَّل، فواضحٌ، وأمَّا الثَّاني: فلعدم الخبر، فإن قلت: الخبر محذوفٌ، قلت: حذف الخبر لا يخلو: إمَّا أن يكون جوازًا أو وجوبًا؛ فالأوَّل: فيما إذا قامت قرينةٌ؛ كوقوعه [2] في جواب الاستفهام عن المُخبَر به، أو بعد «إذا» الفجائيَّة، أو يكون الخبر فعل قولٍ، وليس شيءٌ من ذلك ههنا، والثَّاني: فيما إذا التزم في موضعه غيره، وليس هذا أيضًا كذلك، فتعيَّن بطلان دعوى الرَّفع، ({يَرْفَعُ})؛ برفع {يرفعُ} في «الفرع»، والتِّلاوة بالكسر للسَّاكنين، وأصلحها في «اليونينيَّة» بكشط الرَّفع وإثبات الكسر، ({اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ})؛ بالنَّصر، وحسن الذِّكر في الدُّنيا، وإيوائِكم غُرَفَ الجنان في الآخرة، ({وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}) منصوبٌ بالكسر مفعول {يرفع}؛ أي: ويرفعُ العلماءَ منكم [3] خاصَّةً درجاتٍ؛ بما جمعوا من العلم والعمل، قال ابن عبَّاسٍ: للعلماء درجاتٌ [4] فوق المؤمنين بسبع مئة درجةٍ، ما بين الدَّرجتين مسيرة خمسِ مئةِ عامٍ، ({وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}) [المجادلة: 11] ؛ تهديدٌ لمن لم يمتثلِ الأمر أو استكرهه، (وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {رَبِّ})، وللأَصيليِّ: (({وَقُلْ رَبِّ})) ({زِدْنِي عِلْمًا}) [طه: 114] ؛ أي: سَلْهُ الزِّيادة منه، واكتفى المصنِّف في بيان فضيلة العلم بهاتين الآيتين؛ لأنَّ القرآنَ العظيم أعظمُ الأدلَّة، أو لأنَّه لم يقع له حديثٌ من هذا النَّوع على شرطه، أو اخترمته المنيَّة قبل أن يُلْحِقَ بالباب حديثًا يناسبه؛ لأنَّه كتب الأبواب والتَّراجم، ثمَّ كان يُلْحِقُ فيها ما يناسبها من الحديث على شرطه، فلم يقع له شيءٌ من ذلك، ولو لم يكن من فضيلة العلم إِلَّا آية {شهد الله} [آل عمران: 18] ، فبدأ الله تعالى بنفسه، وثَنَّى بملائكته، وثَلَّثَ بأهل العلم، وناهيك بهذا شرفًا، و«العلماء ورثة الأنبياء»، كما ثبت في الحديث [خ¦68] ، وإذا كان لا رتبة فوق النُّبوَّة؛ فلا شرف فوق شرف الوراثة لتلك الرُّتبة، وغايةُ العلمِ العملُ؛ لأنَّه ثمرتُه، وفائدةُ العمر، وزادُ الآخرة، فمن ظفر به؛ سعد، ومن فاته؛ خسر، فإذًا: العلم أفضل من العمل به؛ إذ [5] شرفه بشرف معلومه، والعمل بلا علمٍ لا يُسمَّى عملًا، بل هو ردٌّ وباطلٌ، وينقسم العلم بانقسام المعلومات، وهي لا تُحصَى:

فمنها: العلم [6] الظَّاهر، والمُرَاد به: العلم الشَّرعيُّ المُقيَّد بما يلزم المُكلَّف في أمر دينه عبادةً ومُعامَلَةً، وهو يدور على التَّفسير والفقه والحديث، وقد عدَّ الشَّيخ عزُّ الدِّين بن عبد السَّلام: تعلُّم النَّحو، وحفظ غريب الكتاب والسُّنَّة، وتدوين أصول الفقه من البدع الواجبة.

ومنها: علم الباطن؛ وهو نوعان: الأوَّل: علم المُعامَلَة، وهو [/ج1ص153/] فرضٌ عينٌ في فتوى علماء الآخرة، فالمُعْرِضُ عنه هالكٌ بسطوة مالك الملوك في الآخرة، كما أنَّ المُعْرِضَ عن الأعمال الظَّاهرة هالكٌ بسيف سلاطين الدُّنيا بحكم فتوى فقهاء الدُّنيا [7] ، وحقيقته: النَّظر في تصفية القلب وتهذيب النَّفس؛ باتِّقاء الأخلاق الذَّميمة التي ذمَّها الشَّارع؛ كالرِّياء، والعُجْب، والغشِّ، وحبِّ العلوِّ، والثَّناء، والفخر، والطَّمع؛ ليتَّصِفَ بالأخلاق الحميدة المحمَّديَّة؛ كالإخلاص، والشُّكر، والصَّبر، والزُّهد، والتَّقوى، والقناعة؛ ليصلح عند إحكامه ذلك لعمله بعلمه؛ ليرث ما لم يعلم، فَعِلْمُهُ [8] بلا عملٍ وسيلةٌ بلا غايةٍ، وعكسه جنايةٌ، وإتقانهما بلا ورعٍ كلفةٌ بلا أجرةٍ، فأهمُّ الأمور زهدٌ واستقامةٌ؛ لينتفع بعلمه وعمله، وسأشير إلى نبذٍ [9] منثورةٍ في هذا الكتاب من مقاصد هذا النَّوع _إن شاء الله تعالى_ بألطف إشارةٍ، وأعبِّر عن مهمَّاته الشَّريفة بأرشق عبارةٍ؛ جمعًا لفرائد الفوائد.

وأمَّا النَّوع الثَّاني: فهو علم المكاشفة؛ وهو نورٌ يظهر في القلب عند تزكيته، فتظهر به المعاني المُجمَلَة، فتحصل له المعرفة بالله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وكتبه، ورسله، وتنكشف له الأستار عن مخبَّآت الأسرار، فافهم، وسلِّمْ تسلمْ، ولا تكن من المنكرين تهلكْ مع الهالكين، قال بعض العارفين: من لم يكن له من هذا العلم شيءٌ أخشى عليه سوءَ الخاتمة، وأدنى النَّصيب منه التَّصديقُ به وتسليمُه لأهله، والله تعالى أعلم.

[1] قوله: «وكِلَا «كتاب العلم» و«باب فضل العلم» ثابتٌ عند ابن عساكر»، سقط من (ص).
[2] في (ص): «وهي وقوعه»، وفي (م): «ولكن وقوعه».
[3] في (ص): «منهم».
[4] في (ب) و(س): «درجات العلماء».
[5] في (ب) و(س): «لأنَّ».
[6] «العلم»: سقط من (س).
[7] في (ص): «الدِّين».
[8] في (ب) و(س): «فعلم».
[9] في (ب) و(س): «نبذة».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

(1) بابُ فَضْلِ العِلْمِ [1] ، وقولُِ اللَّهِ تعالىَ [2] : { يَرْفَعِ [3] اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } [المجادلة: 11] ، وَقَوْلُهُ [4] عزَّ وَجَلَّ: { رَبِّ [5] زِدْنِي عِلْمًا } [طه: 114]

[1] لم ترد البسملة في رواية ابن عساكر، والكتاب والتبويب ثابتان عنده أيضًا، وفي رواية الأصيلي و [ع] : «بابُ فضل العلم. بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فَضلُ العلم... »، وفي رواية [عط] : «بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. كتاب العلم. بابُ فضل العلم... »، ولفظة: «باب» ثابتة عند أبي ذر أيضًا.
[2] في رواية أبي ذر: «عزَّ وَجَلَّ».
[3] أهمل ضبطها في (ن) وضبطها في (و، ب، ص) بالرفع، وبهامش (ب، ص) نقلاً عن القسطلاني: برفع: { يَرْفَعِ } في الفرع، والتلاوة بالكسر للساكنَيْن، وأصلحها في اليونينية بكشط الرفع وإثبات الكسر.اهـ.
[4] ضبطت في (ب، ص) بالجر.
[5] في رواية الأصيلي: «{ وَقُل رَّبِّ... }».





1- (باب فَضْلِ الْعِلْمِ) وكِلَا ((كتاب العلم)) و((باب فضل العلم)) ثابتٌ عند ابن عساكر [1] ، (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((عزَّ وجلَّ))، و«قول»: بالجرِّ عطفًا على المُضَاف إليه في قوله: «باب فضلِ العلمِ»، على رواية من أثبت «الباب»، أو على «العلم» في قوله: «كتاب العلم»، على رواية من حذفه، وقال الحافظ ابن حجرٍ: ضبطناه في الأصول بالرَّفع على الاستئناف، وتعقَّبه العينيُّ، فقال: إن أراد بالاستئناف الجواب عن السُّؤال؛ فذا لا يصحُّ؛ لأنَّه ليس في الكلام ما يقتضي هذا، وإن أراد ابتداء الكلام؛ فذا أيضًا لا يصحُّ؛ لأنَّه على تقدير الرَّفع لا يتأتَّى الكلام؛ لأنَّ قوله: «وقولِ الله» ليس بكلامٍ، فإذا رُفِعَ لا يخلو: إمَّا أن يكون رفعه بالفاعليَّة، أو بالابتداء، وكلٌّ منهما لا يصحُّ؛ أمَّا الأوَّل، فواضحٌ، وأمَّا الثَّاني: فلعدم الخبر، فإن قلت: الخبر محذوفٌ، قلت: حذف الخبر لا يخلو: إمَّا أن يكون جوازًا أو وجوبًا؛ فالأوَّل: فيما إذا قامت قرينةٌ؛ كوقوعه [2] في جواب الاستفهام عن المُخبَر به، أو بعد «إذا» الفجائيَّة، أو يكون الخبر فعل قولٍ، وليس شيءٌ من ذلك ههنا، والثَّاني: فيما إذا التزم في موضعه غيره، وليس هذا أيضًا كذلك، فتعيَّن بطلان دعوى الرَّفع، ({يَرْفَعُ})؛ برفع {يرفعُ} في «الفرع»، والتِّلاوة بالكسر للسَّاكنين، وأصلحها في «اليونينيَّة» بكشط الرَّفع وإثبات الكسر، ({اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ})؛ بالنَّصر، وحسن الذِّكر في الدُّنيا، وإيوائِكم غُرَفَ الجنان في الآخرة، ({وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}) منصوبٌ بالكسر مفعول {يرفع}؛ أي: ويرفعُ العلماءَ منكم [3] خاصَّةً درجاتٍ؛ بما جمعوا من العلم والعمل، قال ابن عبَّاسٍ: للعلماء درجاتٌ [4] فوق المؤمنين بسبع مئة درجةٍ، ما بين الدَّرجتين مسيرة خمسِ مئةِ عامٍ، ({وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}) [المجادلة: 11] ؛ تهديدٌ لمن لم يمتثلِ الأمر أو استكرهه، (وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {رَبِّ})، وللأَصيليِّ: (({وَقُلْ رَبِّ})) ({زِدْنِي عِلْمًا}) [طه: 114] ؛ أي: سَلْهُ الزِّيادة منه، واكتفى المصنِّف في بيان فضيلة العلم بهاتين الآيتين؛ لأنَّ القرآنَ العظيم أعظمُ الأدلَّة، أو لأنَّه لم يقع له حديثٌ من هذا النَّوع على شرطه، أو اخترمته المنيَّة قبل أن يُلْحِقَ بالباب حديثًا يناسبه؛ لأنَّه كتب الأبواب والتَّراجم، ثمَّ كان يُلْحِقُ فيها ما يناسبها من الحديث على شرطه، فلم يقع له شيءٌ من ذلك، ولو لم يكن من فضيلة العلم إِلَّا آية {شهد الله} [آل عمران: 18] ، فبدأ الله تعالى بنفسه، وثَنَّى بملائكته، وثَلَّثَ بأهل العلم، وناهيك بهذا شرفًا، و«العلماء ورثة الأنبياء»، كما ثبت في الحديث [خ¦68] ، وإذا كان لا رتبة فوق النُّبوَّة؛ فلا شرف فوق شرف الوراثة لتلك الرُّتبة، وغايةُ العلمِ العملُ؛ لأنَّه ثمرتُه، وفائدةُ العمر، وزادُ الآخرة، فمن ظفر به؛ سعد، ومن فاته؛ خسر، فإذًا: العلم أفضل من العمل به؛ إذ [5] شرفه بشرف معلومه، والعمل بلا علمٍ لا يُسمَّى عملًا، بل هو ردٌّ وباطلٌ، وينقسم العلم بانقسام المعلومات، وهي لا تُحصَى:

فمنها: العلم [6] الظَّاهر، والمُرَاد به: العلم الشَّرعيُّ المُقيَّد بما يلزم المُكلَّف في أمر دينه عبادةً ومُعامَلَةً، وهو يدور على التَّفسير والفقه والحديث، وقد عدَّ الشَّيخ عزُّ الدِّين بن عبد السَّلام: تعلُّم النَّحو، وحفظ غريب الكتاب والسُّنَّة، وتدوين أصول الفقه من البدع الواجبة.

ومنها: علم الباطن؛ وهو نوعان: الأوَّل: علم المُعامَلَة، وهو [/ج1ص153/] فرضٌ عينٌ في فتوى علماء الآخرة، فالمُعْرِضُ عنه هالكٌ بسطوة مالك الملوك في الآخرة، كما أنَّ المُعْرِضَ عن الأعمال الظَّاهرة هالكٌ بسيف سلاطين الدُّنيا بحكم فتوى فقهاء الدُّنيا [7] ، وحقيقته: النَّظر في تصفية القلب وتهذيب النَّفس؛ باتِّقاء الأخلاق الذَّميمة التي ذمَّها الشَّارع؛ كالرِّياء، والعُجْب، والغشِّ، وحبِّ العلوِّ، والثَّناء، والفخر، والطَّمع؛ ليتَّصِفَ بالأخلاق الحميدة المحمَّديَّة؛ كالإخلاص، والشُّكر، والصَّبر، والزُّهد، والتَّقوى، والقناعة؛ ليصلح عند إحكامه ذلك لعمله بعلمه؛ ليرث ما لم يعلم، فَعِلْمُهُ [8] بلا عملٍ وسيلةٌ بلا غايةٍ، وعكسه جنايةٌ، وإتقانهما بلا ورعٍ كلفةٌ بلا أجرةٍ، فأهمُّ الأمور زهدٌ واستقامةٌ؛ لينتفع بعلمه وعمله، وسأشير إلى نبذٍ [9] منثورةٍ في هذا الكتاب من مقاصد هذا النَّوع _إن شاء الله تعالى_ بألطف إشارةٍ، وأعبِّر عن مهمَّاته الشَّريفة بأرشق عبارةٍ؛ جمعًا لفرائد الفوائد.

وأمَّا النَّوع الثَّاني: فهو علم المكاشفة؛ وهو نورٌ يظهر في القلب عند تزكيته، فتظهر به المعاني المُجمَلَة، فتحصل له المعرفة بالله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وكتبه، ورسله، وتنكشف له الأستار عن مخبَّآت الأسرار، فافهم، وسلِّمْ تسلمْ، ولا تكن من المنكرين تهلكْ مع الهالكين، قال بعض العارفين: من لم يكن له من هذا العلم شيءٌ أخشى عليه سوءَ الخاتمة، وأدنى النَّصيب منه التَّصديقُ به وتسليمُه لأهله، والله تعالى أعلم.

[1] قوله: «وكِلَا «كتاب العلم» و«باب فضل العلم» ثابتٌ عند ابن عساكر»، سقط من (ص).
[2] في (ص): «وهي وقوعه»، وفي (م): «ولكن وقوعه».
[3] في (ص): «منهم».
[4] في (ب) و(س): «درجات العلماء».
[5] في (ب) و(س): «لأنَّ».
[6] «العلم»: سقط من (س).
[7] في (ص): «الدِّين».
[8] في (ب) و(س): «فعلم».
[9] في (ب) و(س): «نبذة».





{دَرَجَاتٍ}: منصوبٌ مفعولُ {يرفع}.


قوله: (باب فَضْلِ الْعِلْمِ): سؤال: إن قلت: ما وجه الفضيلة في الحديث؟

فالجواب: ما قاله ابن المُنَيِّر قال: (قلت: لأنَّه عبَّر به عنِ العلم بأنَّه فضلة [1] النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ونَصيب ممَّا آتاه الله، وناهيك به فضلًا، فإنَّه جزء من النُّبوَّة) انتهى.

[1] في (ب): (فضيلة) .







((بسم الله الرحمن الرحيم)) وفي رواية: ثبوتها قبل (كتاب) .

((باب فضل العلم)) وإنما قال: (فضل العلم) ، ولم يقل: فضل العلماء؛ لأنَّ بيان فضل العلم يستلزم بيان فضل العلماء؛ لأنَّ العلم صفة قائمة بالعالم، فذِكْر بيان فضل الصفة يستلزم بيان فضل من هي قائمة به.

((وقول الله تعالى)) ؛ بالجرِّ عطفًا على المضاف إليه، إمَّا (فضل العلم) أو على (العلم) في (كتاب العلم) بناء على إثبات الباب وحذفه، وقال ابن حجر: ضبطناه في الأصول بالرفع على الاستئناف، قلت: هذا ليس بشيء، كما لا يخفى على أنه قد رده الشيخ الإمام بدر الدين العيني بما يطول، إلى أن قال: فتعين بطلان دعوى الرفع؛ فليحفظ: (({يَرْفَعِ})) ؛ بالكسر في الفرع والتلاوة؛ للساكنين (({اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ})) بالنصر وعلوِّ الكلمة، ودخول الجنة في الآخرة (({وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ})) ؛ منصوب بالكسرة، مفعول {يَرْفَعِ}؛ أي: ويرفع العلماء منكم خاصة درجات بما جمعوا من العلم والعمل، قال ابن عباس: درجات العلماء فوق المؤمنين بسبع مئة درجة، ما بين الدرجتين خمس مئة عام، (({وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ})) [المجادلة: 11] تهديد لمن لم يمتثل الأمر أو استكرهه.

((وقوله)) عز وجل: (({رَّبِّ})) وللأصيلي: {وقل رب}، (({زِدْنِي عِلْمًا})) [طه: 114] ؛ أي: سَلْهُ الزيادة منه؛ أي: بالقرآن؛ لأنَّه عليه السلام كلما نزل عليه شيء من القرآن ازداد به علمًا، وإنما اقتصر على هاتين [1] الآيتين في الاستدلال لما ترجم له؛ إمَّا لأنَّ القرآن العظيم أعظم الأدلة، أو لأنَّه لم يقع له حديث من هذا النوع على شرطه؛ لأنَّه أوَّلًا كان يكتب الأبواب والتراجم ثم يلحق فيها ما يناسبها من الأحاديث التي على شرطه، ولو لم يكن من فضيلة العلم وأهله إلَّا آية {شَهِدَ اللهُ} [آل عمران: 18] فبدأ الله[/ص38/] تعالى بنفسه، ثم ثنَّى بملائكته، وثلَّث بأهل العلم؛ لكفى.

وفي الحديث: «العلماء ورثة الأنبياء»، وغاية العلم العمل، والعالم بلا عمل كالشجرة بلا ثمر، فمن عمل به سَعِدَ في الدنيا والآخرة.

[1] في الأصل (هذين)، ولعل المثبت هو الصواب.