متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

58- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ؛ بفتح السِّين الأولى؛ نسبةً إلى سَدُوس بن شيبان، البصريُّ، المعروف بعارمٍ؛ بمُهمَلَتين، المختلط بأخرةٍ، المُتوفَّى بالبصرة سنة أربعَ عَشْرَة ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) بفتح العين والنُّون، الوضَّاح اليشكريُّ، (عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ)؛ بكسر العين المُهمَلَة وبالقاف، ابن مالكٍ الثَّعلبيِّ؛ بالمثلثة والمُهمَلَةَ، الكوفيِّ، المُتوفَّى سنة خمسٍ وعشرين ومئةٍ، أنَّه (قال: سمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) البَجَلِيَّ الأحمسيَّ الصَّحابيَّ المشهور، المُتوفَّى سنة إحدى وخمسين، وله في «البخاريِّ» عشرةُ أحاديث؛ أي: سمعت كلامه، فالمسموع هو الصَّوت والحروف، فلمَّا حذف هذا؛ وقع ما بعده تفسيرًا له؛ وهو قوله: (يَقُولُ)، قال البيضاويُّ في تفسير قوله تعالى: {إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ} [آل عمران: 193] : أوقع الفعل على المُسمِع، وحذف المسموع؛ لدلالة وصفه عليه، وفيه مبالغةٌ ليست في إيقاعه على نفس المسموع، (يَوْمَ)؛ بالنَّصب على الظَّرفيَّة، أُضِيفَ إلى قوله: (مَاتَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) سنة خمسين من الهجرة، وكان واليًا على الكوفة في خلافة معاوية، واستناب عند موته ولده عروة، وقِيلَ: استناب جريرًا؛ ولِذَا خطب، وقد (قَامَ فَحَمِدَ الله)؛ أي: أثنى عليه بالجميل عقب قيامه، وجملة «قام» لا محلَّ لها من الإعراب؛ لأنَّها استئنافيَّةٌ [1] ، (وَأَثْنَى عَلَيْهِ): ذَكَرَه بالخير [2] ، أوِ الأوَّل: وصفٌ بالتَّحلِّي بالكمال، والثَّاني: وصف بالتَّخلِّي عن النَّقائص، وحينئذٍ فالأولى: إشارةٌ إلى الصِّفات الوجوديَّة، والثَّانية: إلى الصِّفات العدميَّة؛ أي: التَّنزُّهات [3] (وَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِاتِّقَاءِ اللهِ)؛ أي: الزموه (وَحْدَهُ) أي: حال كونه منفردًا (لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالْوَقَارِ)؛ أي: الرَّزانة؛ وهو بفتح الواو والجرِّ عطفًا على «اتِّقاء» [4] ؛ أي: وعليكم بالوقار (وَالسَّكِينَةِ)؛ أي: السُّكون (حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمِيرٌ) بدلَ أميرِكم «المغيرةَ» المُتوفَّى، (فَإِنَّمَا يَأْتِيكُمُ الآنَ)؛ بالنَّصب على الظَّرفيَّة؛ أي: المدَّة القريبة من الآن، فيكون الأمير زيادًا؛ إذ ولَّاه معاوية بعد وفاة المغيرة الكوفة، أو المُرَاد: الآن حقيقةً، فيكون الأمير جريرًا بنفسه؛ لِمَا رُوِيَ أنَّ المغيرة استخلف جريرًا على الكوفة عند موته، وإنَّما أمرهم بما ذكره مُقدِّمًا لـ: تقوى الله تعالى؛ لأنَّ الغالب أنَّ وفاة الأمراء تؤدِّي إلى الاضطراب والفتنة، ولاسيَّما ما كان عليه أهل الكوفة؛ إذ ذاك من مخالفة ولاة الأمور، ومفهوم الغاية من «حتَّى» هنا، وهو أنَّ المأمور به؛ وهو الاتِّقاء به [5] ينتهي بمجيء الأمير؛ ليس مُرَادًا، بل يلزم [6] عند مجيء الأمير بطريق الأَوْلى، وشرط اعتبار مفهوم المُخالَفَة ألَّا يعارضه مفهوم المُوافَقَة، (ثُمَّ قَالَ) جريرٌ: (اسْتَعْفُوا)؛ بالعين المُهمَلَة؛ أي: اطلبوا العفوَ (لأَمِيرِكُمْ) المُتوفَّى من الله تعالى؛ (فَإِنَّهُ)؛ أي: الأمير، والفاء: للتَّعليل، (كَانَ يُحِبُّ الْعَفْوَ) عن ذنوب النَّاس، فالجزاء من جنس العمل، وفي رواية أبي الوقت وابن عساكر: ((استغفروا لأميركم))؛ بِغَيْنٍ مُعجَمَةٍ وزيادة راءٍ، (ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ) بالبناء على الضَّمِّ، ظرفُ زمانٍ، حُذِفَ منه المُضَاف إليه ونُوِيَ معناه، وفيه معنى الشَّرط، تلزم الفاء في تاليه، والتَّقدير: أمَّا بعدَ كلامي هذا؛ (فَإِنِّي [7] أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قُلْتُ)، لم يأتِ بأداة العطف؛ لأنَّه بدل اشتمالٍ [8] من «أتيت»، أوِ استئنافٌ، وفي رواية أبي الوقت: ((فقلت له: يا رسول الله))؛ (أُبَايِعُكَ عَلَى الإِسْلَامِ، فَشَرَطَ) صلى الله عليه وسلم (عَلَيَّ)؛ بتشديد الياء؛ أي: الإسلام (وَالنُّصْحِ) بالجرِّ عطفًا على قوله: «الإسلامِ»، وبالنَّصب عطفًا على المُقدَّر [9] ؛ أي: شرط عليّ الإسلامَ، وشرط النَّصح (لِكُلِّ مُسْلِمٍ)، وكذا لكلِّ ذُمِّيٍّ بدعائه إلى الإسلام، وإرشاده إلى الصَّواب إذا استشار، فالتَّقييد بـ: «المسلم» من حيث الأغلب، (فَبَايَعْتُهُ عَلَى هَذَا) المذكور من الإسلام والنُّصح، (وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ)؛ أي: مسجد الكوفة إن كانت خطبته ثَمَّ، أو أشار به إلى المسجد الحرام، ويؤيِّده ما في رواية الطَّبرانيِّ بلفظ: «وربِّ الكعبة»؛ تنبيهًا على شرف المُقسَم به؛ ليكون أقرب إلى القلوب [10] ، (إِنِّي لَنَاصِحٌ لَكُمْ)؛ فيه إشارةٌ إلى أنَّه وَفَّى بما بايع به النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، وأنَّ كلامه عارٍ عن الأغراض الفاسدة، والجملة جواب القسم مُؤكَّدٌ بـ: «إنَّ» و«اللَّام»، والجملةِ الاسميَّة، (ثُمَّ اسْتَغْفَرَ) [/ج1ص152/] الله، (وَنَزَلَ) عن المنبر، أو قعد من قيامه؛ لأنَّه خطب قائمًا؛ كما مرَّ.

وهذا الحديث من الرُّباعيَّات، ورواته ما بين كوفيٍّ، وبصريٍّ وواسطيٍّ، مع التَّحديث والسَّماع والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الشُّروط» [خ¦2714] ، ومسلمٌ في «الإيمان»، والنَّسائيُّ في «البيعة» والسِّيَر» و«الشُّروط»، والله أعلم.

[1] في (ص): «مستأنفة».
[2] في (ص): «بجميل».
[3] في (س) و(ص): «التَّنزيهات».
[4] «على اتِّقاء»: سقط من (ص) و(م).
[5] «به»: سقط من (س).
[6] في (م): «يستلزم».
[7] قوله: «والتَّقدير: أمَّا بعدَ كلامي هذا؛ (فَإِنِّي»، سقط من (ص).
[8] «اشتمال»: سقط من (ص) و(م).
[9] في (م): «المقدرة».
[10] في (س): «القبول».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

58-. حدَّثنا أَبُو النُّعْمانِ، قالَ: حدَّثنا أَبُو عَوانَةَ، عن زِيَادِ بنِ عِلَاقَةَ، قالَ:

سَمِعْتُ جَرِيرَ بنَ عَبْدِ اللَّهِ [1] يَوْمَ ماتَ المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، قامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وأَثْنَىَ عَلَيْهِ، وقالَ: عَلَيْكُمْ بِاتِّقاءِ اللَّهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والوَقارِ، والسَّكِينَةِ، حتَّىَ يأتِيَكُمْ أَمِيرٌ، فإِنَّما يأتِيكُمُ الآنَ. ثُمَّ قالَ: اسْتَعْفُوا [2] لأَمِيرِكُمْ؛ فإِنَّهُ كان يُحِبُّ العَفْوَ. ثُمَّ قالَ: أَمَّا بَعْدُ فإِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ [3] : أُبايِعُكَ عَلَى الإِسْلامِ، فَشَرَطَ عَلَيَّ: «والنُّصْحِ [4] لِكُلِّ مُسْلِمٍ». فَبايَعْتُهُ عَلَىَ هذا، وَرَبِّ هذا المَسْجِدِ إِنِّي لَناصِحٌ لَكُمْ. ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَنَزَلَ.

[1] في رواية الأصيلي وأبي ذر زيادة: «يقول».
[2] في نسخة عند ابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «استغفروا».
[3] في رواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «فقلت».
[4] صحَّح عليها في اليونينيَّة.





58- ( زِيَادِ بْنِ عِلاَقَةَ ) بكسر العين. [/ج1ص50/]


58# (عِلاَقَةَ) بكسر العين.

(فشَرَطَ عَلَيَّ: وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ) النُّصح بالجر معطوفٌ على محذوفٍ، تقديره: فشرط عليَّ المبايعةَ على الإسلامِ والنصحِ.


لا تتوفر معاينة

58- (سَمِعْتُ جَرِيرًا): المسموعُ هو الصَّوت والحرف فقط، لكنَّ لفظ: (حمِد الله) مقدَّرٌ بعدَه، وتقديره: سمعتُ جريرًا حَمِدَ الله، والمذكورُ بعدَه مفسِّرٌ له، و (قَامَ): استئناف.

قال الزَّمخشريُّ في قوله: {سَمِعْنَا مُنَادِيًا} [آل عمران: 193] : (تقولُ: «سمعتُ رجلًا يتكلَّم»، فتوقِعُ الفعلَ على الرَّجل، وتحذفُ المسموعَ؛ لأنَّك وصفتَه بما يُسمع، أو جعلتَه حالًا عنه، فأغناك عن ذكره، ولولا الوصف أو الحال؛ لم يكن منه بدٌّ، وأن يقال: سمعت كلامه).

(وَحْدَهُ): تقدَّم [1] .

وقال الكرمانيُّ: (منصوبٌ على الحاليَّة وإن كان معرفةً؛ لأنَّه يُؤوَّل؛ إمَّا بأنَّه في معنى «واحد»، وإمَّا بأنَّه مصدر «وَحَدَ يَحِدُ وَحْدًا»؛ نحو: «وَعَدَ يَعِدُ وَعْدًا») انتهى.

وقال ابنُ مالكٍ:

~ وَالْحَالُ إِنْ عُرِّفَ لَفْظًا فَاعْتَقِدْ تَنْكِيرَهُ مَعْنًى؛ كَوَحْدَكَ اجْتَهِدْ

قال بعض الشُّرَّاح: (قالوا: «جاء وحدَه»؛ أي: منفردًا، و«رَجَعَ عَوْدَهُ على بَدْئِه»؛ أي: عائدًا، و«ادْخُلوا الأوَّلَ فالأوَّلَ»؛ أي: مترتِّبين، و«جاؤوا الجمَّاءَ الغفيرَ»؛ أي: جميعًا، و: [من الوافر]

~ « [فَـ] أَرْسَلَهَا الْعِرَاكَ»..... ... ... . ..... ... ... ... ... ... ... .

أي: معتركة).

(قُلْتُ: أُبَايِعُكَ): تَرَكَ الواوَ العاطفةَ؛ لأنَّه إمَّا بدلٌ عن (أَتَيْتُ)، أوِ استئنافٌ.

(وَالنُّصْحِ): مجرورٌ، ومثلُه يُسمَّى بالعطف التَّلقيني؛ يعني: لَقَّنَهُ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَنْ يَعطفَ (النُّصْحِ) على (الْإِسْلَامِ) ؛ وذلك كقوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَتِي} [البقرة: 124] ، وفي بعضِها: (وَالنُّصْحَ) ؛ بالنَّصبِ عطفًا على مقدَّرٍ؛ أي: شَرَطَ الإسلامَ والنُّصْحَ.

[1] في شرح الحديث رقم (7)، انظر (ص).





58- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ؛ بفتح السِّين الأولى؛ نسبةً إلى سَدُوس بن شيبان، البصريُّ، المعروف بعارمٍ؛ بمُهمَلَتين، المختلط بأخرةٍ، المُتوفَّى بالبصرة سنة أربعَ عَشْرَة ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) بفتح العين والنُّون، الوضَّاح اليشكريُّ، (عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ)؛ بكسر العين المُهمَلَة وبالقاف، ابن مالكٍ الثَّعلبيِّ؛ بالمثلثة والمُهمَلَةَ، الكوفيِّ، المُتوفَّى سنة خمسٍ وعشرين ومئةٍ، أنَّه (قال: سمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) البَجَلِيَّ الأحمسيَّ الصَّحابيَّ المشهور، المُتوفَّى سنة إحدى وخمسين، وله في «البخاريِّ» عشرةُ أحاديث؛ أي: سمعت كلامه، فالمسموع هو الصَّوت والحروف، فلمَّا حذف هذا؛ وقع ما بعده تفسيرًا له؛ وهو قوله: (يَقُولُ)، قال البيضاويُّ في تفسير قوله تعالى: {إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ} [آل عمران: 193] : أوقع الفعل على المُسمِع، وحذف المسموع؛ لدلالة وصفه عليه، وفيه مبالغةٌ ليست في إيقاعه على نفس المسموع، (يَوْمَ)؛ بالنَّصب على الظَّرفيَّة، أُضِيفَ إلى قوله: (مَاتَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) سنة خمسين من الهجرة، وكان واليًا على الكوفة في خلافة معاوية، واستناب عند موته ولده عروة، وقِيلَ: استناب جريرًا؛ ولِذَا خطب، وقد (قَامَ فَحَمِدَ الله)؛ أي: أثنى عليه بالجميل عقب قيامه، وجملة «قام» لا محلَّ لها من الإعراب؛ لأنَّها استئنافيَّةٌ [1] ، (وَأَثْنَى عَلَيْهِ): ذَكَرَه بالخير [2] ، أوِ الأوَّل: وصفٌ بالتَّحلِّي بالكمال، والثَّاني: وصف بالتَّخلِّي عن النَّقائص، وحينئذٍ فالأولى: إشارةٌ إلى الصِّفات الوجوديَّة، والثَّانية: إلى الصِّفات العدميَّة؛ أي: التَّنزُّهات [3] (وَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِاتِّقَاءِ اللهِ)؛ أي: الزموه (وَحْدَهُ) أي: حال كونه منفردًا (لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالْوَقَارِ)؛ أي: الرَّزانة؛ وهو بفتح الواو والجرِّ عطفًا على «اتِّقاء» [4] ؛ أي: وعليكم بالوقار (وَالسَّكِينَةِ)؛ أي: السُّكون (حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمِيرٌ) بدلَ أميرِكم «المغيرةَ» المُتوفَّى، (فَإِنَّمَا يَأْتِيكُمُ الآنَ)؛ بالنَّصب على الظَّرفيَّة؛ أي: المدَّة القريبة من الآن، فيكون الأمير زيادًا؛ إذ ولَّاه معاوية بعد وفاة المغيرة الكوفة، أو المُرَاد: الآن حقيقةً، فيكون الأمير جريرًا بنفسه؛ لِمَا رُوِيَ أنَّ المغيرة استخلف جريرًا على الكوفة عند موته، وإنَّما أمرهم بما ذكره مُقدِّمًا لـ: تقوى الله تعالى؛ لأنَّ الغالب أنَّ وفاة الأمراء تؤدِّي إلى الاضطراب والفتنة، ولاسيَّما ما كان عليه أهل الكوفة؛ إذ ذاك من مخالفة ولاة الأمور، ومفهوم الغاية من «حتَّى» هنا، وهو أنَّ المأمور به؛ وهو الاتِّقاء به [5] ينتهي بمجيء الأمير؛ ليس مُرَادًا، بل يلزم [6] عند مجيء الأمير بطريق الأَوْلى، وشرط اعتبار مفهوم المُخالَفَة ألَّا يعارضه مفهوم المُوافَقَة، (ثُمَّ قَالَ) جريرٌ: (اسْتَعْفُوا)؛ بالعين المُهمَلَة؛ أي: اطلبوا العفوَ (لأَمِيرِكُمْ) المُتوفَّى من الله تعالى؛ (فَإِنَّهُ)؛ أي: الأمير، والفاء: للتَّعليل، (كَانَ يُحِبُّ الْعَفْوَ) عن ذنوب النَّاس، فالجزاء من جنس العمل، وفي رواية أبي الوقت وابن عساكر: ((استغفروا لأميركم))؛ بِغَيْنٍ مُعجَمَةٍ وزيادة راءٍ، (ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ) بالبناء على الضَّمِّ، ظرفُ زمانٍ، حُذِفَ منه المُضَاف إليه ونُوِيَ معناه، وفيه معنى الشَّرط، تلزم الفاء في تاليه، والتَّقدير: أمَّا بعدَ كلامي هذا؛ (فَإِنِّي [7] أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قُلْتُ)، لم يأتِ بأداة العطف؛ لأنَّه بدل اشتمالٍ [8] من «أتيت»، أوِ استئنافٌ، وفي رواية أبي الوقت: ((فقلت له: يا رسول الله))؛ (أُبَايِعُكَ عَلَى الإِسْلَامِ، فَشَرَطَ) صلى الله عليه وسلم (عَلَيَّ)؛ بتشديد الياء؛ أي: الإسلام (وَالنُّصْحِ) بالجرِّ عطفًا على قوله: «الإسلامِ»، وبالنَّصب عطفًا على المُقدَّر [9] ؛ أي: شرط عليّ الإسلامَ، وشرط النَّصح (لِكُلِّ مُسْلِمٍ)، وكذا لكلِّ ذُمِّيٍّ بدعائه إلى الإسلام، وإرشاده إلى الصَّواب إذا استشار، فالتَّقييد بـ: «المسلم» من حيث الأغلب، (فَبَايَعْتُهُ عَلَى هَذَا) المذكور من الإسلام والنُّصح، (وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ)؛ أي: مسجد الكوفة إن كانت خطبته ثَمَّ، أو أشار به إلى المسجد الحرام، ويؤيِّده ما في رواية الطَّبرانيِّ بلفظ: «وربِّ الكعبة»؛ تنبيهًا على شرف المُقسَم به؛ ليكون أقرب إلى القلوب [10] ، (إِنِّي لَنَاصِحٌ لَكُمْ)؛ فيه إشارةٌ إلى أنَّه وَفَّى بما بايع به النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، وأنَّ كلامه عارٍ عن الأغراض الفاسدة، والجملة جواب القسم مُؤكَّدٌ بـ: «إنَّ» و«اللَّام»، والجملةِ الاسميَّة، (ثُمَّ اسْتَغْفَرَ) [/ج1ص152/] الله، (وَنَزَلَ) عن المنبر، أو قعد من قيامه؛ لأنَّه خطب قائمًا؛ كما مرَّ.

وهذا الحديث من الرُّباعيَّات، ورواته ما بين كوفيٍّ، وبصريٍّ وواسطيٍّ، مع التَّحديث والسَّماع والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الشُّروط» [خ¦2714] ، ومسلمٌ في «الإيمان»، والنَّسائيُّ في «البيعة» والسِّيَر» و«الشُّروط»، والله أعلم.

[1] في (ص): «مستأنفة».
[2] في (ص): «بجميل».
[3] في (س) و(ص): «التَّنزيهات».
[4] «على اتِّقاء»: سقط من (ص) و(م).
[5] «به»: سقط من (س).
[6] في (م): «يستلزم».
[7] قوله: «والتَّقدير: أمَّا بعدَ كلامي هذا؛ (فَإِنِّي»، سقط من (ص).
[8] «اشتمال»: سقط من (ص) و(م).
[9] في (م): «المقدرة».
[10] في (س): «القبول».





58- ( يَوْمَ مَاتَ الْمُغِيرَةُ ) وذلك في سنة خمسين من الهجرة، وإنَّما خاطبهم آمرًا بذلك؛ لأَّن الغالب أنَّ وفاة الأمراء تؤدِّي إلى الاضطراب والفتنة لا سيَّما ما كان عليه أهل الكوفة إذ ذاك من مخالفة ولاة الأمور.

( فَإِنَّمَا يَأْتِيكُمُ الآنَ ): أراد به تقريب المدَّة تسهيلًا عليهم، وكان كذلك؛ لأنَّ معاوية لما بلغه موت المغيرة كتب إلى نائبه على البصرة، وهو زياد أن يسير إلى الكوفة أميرًا عليها.

( اسْتَعْفُوا ) أي: اطلبوا له العفو من الله، وفي رواية ابن عساكر: «استغفروا».

( فَشَرَطَ عَلَيَّ وَالنُّصْحِ ): بالجرِّ عطفًا على الإسلام، ويُسمَّى بالعطف التَّلقينيِّ.

( وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ )، للطَّبرانيِّ: «وربِّ الكعبة». [/ج1ص222/]


لا تتوفر معاينة

58 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلاَقَةَ، [1]سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رضيَ الله عنه، يَوْمَ مَاتَ المُغِيرَةُ رضيَ اللهُ عنه، قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ تعالى وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِاتِّقَاءِ اللَّهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَالوَقَارِ، وَالسَّكِينَةِ، حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمِيرٌ، فَإِنَّمَا يَأْتِيكُمُ الآنَ، ثُمَّ قَالَ: اسْتَغْفِروا [2]لِأَمِيرِكُمْ، فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ العَفْوَ، ثُمَّ [3] قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: أُبَايِعُكَ عَلَى الإِسْلاَمِ فَشَرَطَ عَلَيَّ: ((وَالنُّصْحَ لِكُلِّ مُسْلِمٍ)) فَبَايَعْتُهُ عَلَى ذَلِك [4]، وَرَبِّ هَذَا المَسْجِدِ إِنِّي لَنَاصِحٌ لَكُمْ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَنَزَلَ.

الشرح:

أما الإسناد الأول ففيهم: (مُسَدَّدٌ) و(يَحْيَى) وهو ابن سعيد القطان، و(إِسْمَاعِيلَ) وهو ابن أبي خالد التابعي، وقد سبق بيانهم.

وأما (جَرِيرَ) فهو أبو عبد الله جريرُ بنُ عبد الله، البَجَلِيُّ، منسوب إلى بَجِيلَة، وهي قبيلة معروفة، نسبوا إلى بجيلة بنت صعب بن سعد العشيرة، روي لجرير رضي الله عنه عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مائة حديث، اتفقا منها على ثمانية، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بستة.

نزل الكوفة، ثم تحول إلى قرقيسيا [5]، وبها توفي سنة إحدى وخمسين.

وأما (قَيْسُ) فهو أبو عبد الله قيسُ بنُ أبي حازم، واسم أبي حازم [6] عوف بن الحارث، ويقال: عوف بن عبد الحارث بن عوف، الأحمسي البجلي، وقيس كوفي تابعي جليل، أدرك الجاهلية، وجاء ليبايع النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم فقبض صلى الله عليه وسلم وهو في الطريق، وأبوه صحابي رضيَ الله عنه، سمع قيس خلائق من كبار الصحابة رضي الله عنهم منهم: الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم.

قال ابن خراش والحاكم أبو عبد الله وغيرهما: سمع قيس العشرة المشهود لهم بالجنة رضي الله عنهم، وروى عنهم.

قالوا: ولا يعرف أحد روى عن العشرة رضيَ اللهُ عنهم غيره، وقيل: لم يسمع

#%ص207%

عبد الرحمن بن عوف، روى عنه جماعات من التابعين، واتفقوا على جلالته.

قال أبو داود: أجود الناس إسنادًا قيس.

ومن طُرَفِ أحواله: أنه روى عن جماعة من الصحابة رضيَ اللهُ عنهم لم يرو عنهم غيره، منهم: أبوه، ودكين بن سعيد، والصنابح بن الأعسر [7]، ومرداس الأسلمي رضي الله عنهم.

توفي سنة أربع - وقيل: سبع - وثمانين، وقيل: ثمان وتسعين.

وأما الإسناد الثاني ففيه: (زِيَادِ) [8]، وهو أبو مالك زيادُ بنُ عِلَاقَةَ - بكسر العين - ابن مالك، الثعلبي - بالمثلثة - الكوفي، سمع جريرًا، وعمه قطبة بن مالك، وأسامة بن شريك [9]، والمغيرة بن شعبة، الصحابيين رضي الله عنهم، وغيرهم.

روى عنه جماعة من التابعين منهم: السبيعي، والأعمش، وآخرون.

وأما (أَبُو عَوَانَةَ): فبفتح العين المهملة، واسمه الوضَّاحُ بنً عبدِ الله اليَشْكُريُّ الواسطي، مولى يزيد بن عطاء الواسطي، ويقال: مولى عطاء بن عبد الله الواسطي.

رأى الحسن، وابن سيرين، وسمع من محمد بن المنكدر حديثًا، وسمع عمرو بن دينار، وقتادة، وخلقًا من التابعين فمن بعدهم.

روى عنه: شعبة، وابن عُلَيَّة، ووكيع، وابن مهدي، وخلائق من الكبار.

توفي سنة خمس - وقيل: ست - وسبعين ومائة.

وأما (أَبُو النُّعْمَانِ) [10]فهو محمدُ بنُ الفَضْلِ، الدوسي [11]البصري، المعروف بعارم، وهو لقب له، وهو لقب رديء؛ لأن العارم الشرير المفسد، وكان رضي الله عنه بعيدًا من هذا، لكن لزمه هذا اللقب فاشتهر به.

سمع الحمادين [12]، وجرير بن حازم، وابن المبارك، وخلائق.

روى عنه الذهلي وقال: كان بعيدًا من العرامة، والمسندي، وهارون بن عبد الله، وعبد بن حميد، وحجاج بن الشاعر، وابن المثنى، والبخاري، وأبو حاتم، وابن وَارَه [13]، وآخرون من الأعلام.

قال أبو حاتم: إذا حدثك عارم فاحتم [14].

فصل: قد ذكر البخاري رحمه الله تعالى في [15] الباب ثلاثة أحاديث: حديثين مسندين عن جرير رضيَ اللهُ عنه، والثالث حديث: (الدِّينُ النَّصِيحَةُ) ذكره تعليقًا كما تراه، وهذا الحديث المعلق قد رواه مسلم [16]: عن تميم الداري رضي الله عنه: أن النبي صلَّى الله تعالى عليه وسلَّم

#%ص208%

قال: ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ )). قلنا: لمن؟ قال: ((للهِ, وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ)) وليس لتميم رضي اللهُ عنه في «صحيح البخاري» عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم شيء، ولا في «صحيح مسلم» غير هذا الحديث.

وهذا الحديث عظيم الشأن، بل عليه مدار الإسلام، وأما ما قاله جماعة من كبار العلماء: إنه ربع الإسلام - أي أحد الأحاديث [17] الأربعة التي عليها مدار الإسلام، أي التي تجمع أموره - فليس كما قالوا، بل هو وحده محصل لغرض [18]، كما ستراه في شرحه إن شاء الله تعالى.

وقد بسط العلماء رحمهم الله تعالى شرحه بسطًا منتشرًا: فأول من عَلِمْتُه بسطه الإمام أبو سليمان الخطابي، ثم تابعه الأئمة وزادوا فيه.

قال الخطابي: النصيحة كلمة [19] جامعة معناها: حيازة الحظ للمنصوح له، قال: وهو من وجيز الأسماء ومختصر الكلام، ويقال: إنه ليس في كلام العرب كلمة مفردة تستوفى [20] بها [21] العبارة عن معنى هذه الكلمة، كما قالوا في الفلاح، ليس في كلام العرب كلمة أجمع لخيري [22] الدنيا والآخرة [23]منه.

قال: وقيل: [24] النصيحة مأخوذة من نَصَحَ الرجل ثوبَه إذا خاطه، فشبهوا فعل الناصح - فيما يتحراه من صلاح المنصوح له - بما يسده [25]من خلل الثوب.

قال: وقيل: إنها مأخوذة من نصحت العسل إذا صفيته من الشمع، شبهوا تخليص القول من الغش بتخليص العسل من الخلط.

قال: ومعنى الحديث: عماد الدين وقوامه النصيحة، كقوله صلَّى الله تعالى عليه وسلَّم: ((الحَجُّ عَرَفَة)) أي عماده ومعظمه.

وأما تفسير النصيحة وأنواعها: فذكر الخطابي وغيره من العلماء رحمهم الله تعالى فيه [26] كلامًا نفيسًا، أنا ألخص مقاصده إن شاء الله تعالى، وأضم بعضه إلى بعض مختصرًا.

قالوا: أما النصيحة لله تعالى فمعناها: منصرف إلى الإيمان به سبحانه وتعالى، ونفي الشرك [27] عنه، وترك الإلحاد في صفاته، ووصفه بصفات الكمال والجلال كلها، وتنزيهه سبحانه وتعالى عن جميع أنواع النقائص وصفات الْمُحْدَثِ، والقيام بطاعته واجتناب مخالفته، والحب فيه والبغض فيه، وموالاة من والاه ومعاداة من عصاه، وجهاد من كفر به، والاعتراف بنعمه [28] التي لا تحصى

#%ص209%

وشكره عليها، والإخلاص له في جميع الأمور، والدعاء إلى جميع هذه الأوصاف وحث الناس عليها، والتلطف في جمعهم وإرشادهم إليها.

قال الخطابي: وحقيقة هذه الإضافة راجعة إلى العبد في نُصْحِه نفسه، فالله [29] تعالى غني عن نصح الناصح وعن العالمين.

وأما النصيحة لكتابه سبحانه وتعالى: فالإيمان بأنه كلام الله تعالى وتنزيله، لا يشبهه شيء من كلام الخلق، ولا يقدر الإنس والجن [30] - لو [31] اجتمعوا - على الإتيان بسورة مثله، ثم تعظيمه وتلاوته حق تلاوته، وتحسينها والخشوع عندها، وإقامة ألفاظه، والذب عنه لتأويل الملحدين وتحريف المحرفين وتعرض الطاعنين [32]، والتصديق بما فيه، والوقوف مع أحكامه، وتفهم علومه وأمثاله، والاعتبار بمواعظه، والتفكر [33] في عجائبه، والعمل بمحكمه، والإيمان بمتشابهه، والبحث عن عمومه وخصوصه، وناسخه ومنسوخه، والعمل بما اقتضى منه عملًا، ودوام تدبره. [34]

#%ص210%

[1] زاد في (ك) و(ع): ((قال)).
[2] في (ت): ((استعفوا)).
[3] قوله: ((ثم)) ليس في (ع).
[4] في (ت): ((هذا)).
[5] في (ك): ((فرقسيتا)).
[6] زاد في (ت) و(ك) و(ع): ((عبد))، وهي في الأصل (ز) لكن ضرب عليها.
[7] في (ع): ((الأغر)).
[8] في (ع): ((زياده)).
[9] في (ع): ((زيد)).
[10] في (ك): ((نعمان)).
[11] في (ع): ((السدوسي)).
[12] في (ك): ((الحمادان)).
[13] في (ع): ((داره)).
[14] في (ع): ((فاختم))، وفي (ك): ((فاختم عليه)).
[15] زاد في (ت): ((هذا)).
[16] زاد في (ت) و(ك) و(ع): ((في «صحيحه» مسندًا)).
[17] في (ع): ((أحاديث)).
[18] في (ت) و(ع): ((الغرض))، وفي (ك): ((للغرض)).
[19] قوله: ((كلمة)) ليس في (ك).
[20] في (ت) و(ك) و(ع): ((يستوفى)).
[21] في (ع): ((به)).
[22] في (ت) و(ك) و(ع): ((لخير)).
[23] في (ك): ((الآخرة والدنيا)).
[24] زاد في (ع): ((الدين)).
[25] في (ت) و(ع): ((يشده)).
[26] في (ك): ((فيها)).
[27] في (ك): ((الشريك)).
[28] في (ع): ((بنعمته)).
[29] في (ك): ((والله)).
[30] في (ت): ((ولا الجن)).
[31] في (ك): ((ولو)).
[32] في (ت) و(ك) و(ع): ((وتعرض طاعن)).
[33] في (ك): ((والفكر)).
[34] هنا تنتهي كل النسخ، وفي خاتمة (ز): ((إلى هنا بلغ الشيخ محي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف النواوي رحمه الله تعالى ورضي عنه في شرح «صحيح البخاري» فقبضه الله عز وجل وتوفاه، وفغر الموت لابتلاع ذلك الدر النفيس فاه، أسكنه الله الكريم سبحانه وتعالى في حظائر القُدُس، وآواه، آمين والحمد لله على كل حال، والصلاة والسلام والبركات على محمد المصطفى، إمام أئمة الهدى، خير أخيار أهل الأرض والسما، صاحب الشفاعة العظمى، أشرف الرسل وخاتم الأنبياء، وعلى جميع إخوانه من المرسلين والنبيين، وعلى آله وصحبه النجبا)) وبنحوها في هامش (ت، ك).
زاد في (ت): ((ثم أدركه الموت المحكوم به على رقاب العباد، رحمه الله ورضي عنا به، آمين، إنه هو السميع العليم، وحسبنا الله ونعم الوكيل. علقه العبد الفقير إلى الله سبحانه وتعالى عبد الله بن يوسف بن معا السيوطي، عفا الله عنه ولطف به ونفعه بما يشتغل به، إنه قريب سميع الدعاء، وذلك من نسخة كتبت من نسخة قوبلت على خط المصنف رحمه الله ونفع المسلمين ببركاته آمين . وكان الفراغ من تعليقه صبيحة يوم الأربعاء لخمس مضين من شهر الله الأصم رجب الفرد، من سنة ثلاث وسبعمائة، آخر سنة عاقبها )).
زاد في (ز) : (فرغ من كتبه أحمد بن جلال الإيجي هذبه الله عز وجل بأنوار الشريعة المطهرة وختم له بالإيمان الكامل، وجمع بينه وبين والديه وإخوته وأحبابه وبين أفضل المرسلين صلى الله عليه وسلم وبارك في دار الكرامة آمين، في الثالث عشر من شهر رجب سنة ثلاث وستين وسبعمائة بدمشق المحروسة. والحمد لله أولًا وآخرًا ظاهرًا وباطنًا وصلوات الله تعالى وسلامه ورحمته وبركاته على أعلم العالمين محمد المصطفى الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، واختم بالإيمان الكامل آمين.
~يا رب اغفر لعبد كان كاتبه يا قارئ الخط قل بالله آمينا)).
وبخاتمة (ع) ثم قال: (( إلى هذا الموضع بلغ الشارح الشيخ محيي الدين النووي رضي الله عنه وأرضاه وطيب ثراه وجعل الجنة مأواه والفردوس مثواه وجمعنا الله وإياه في دار كرامته وحيَّاه وأعاد علينا وعلى أحبابنا وأصحابنا من رحاب علومه والمسلمين في الدنيا والآخرة، اللهم يا الله صلِّ وسلم على سيد الأولين والآخرين سيدنا محمد خاتم أنبيائه وأصفيائه وآله وصحبه وعترته ومن والاه صلاة وسلامًا دائمان باقيان إلى يوم نرد حوضه ونشرب منه شربة لا نظمأ بعدها ونتمتع برؤياه إن شاء الله )).
وبخاتمة (ك): (( فرغ من نقله العبد الضعيف الفقير إلى الله تعالى إبراهيم بن محمد بن إبراهيم المعروف بابن الصارم الشافعي في ربيع الآخر سنة ثلاث وسبعين ...)).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة