إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب قول النبي: الدين النصيحة لله ولرسوله

(42) هذا (باب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) مبتدأٌ مضافٌ، خبره قوله [1]: (الدِّينُ النَّصِيحَةُ) أي: قوامُ الدِّين وعماده النَّصيحةُ (لِلّهِ) تعالى بأن يؤمن به ويصفه بما هو أهله، ويخضع له ظاهرًا وباطنًا، ويرغب في محابِّه بفعل طاعته، ويرهب من [2] مساخطه بترك معصيته، ويجاهد في ردِّ العاصين إليه (وَ) النَّصيحة (لِرَسُولِهِ) عليه الصلاة والسلام بأن يصدِّقَ برسالته، ويؤمنَ بجميع ما أتى به، ويعظِّمه وينصرَه حيًّا وميتًا، ويحييَ سُنَّته بتعلُّمها وتعليمها، ويتخلَّق بأخلاقه ويتأدَّب بآدابه، ويحبَّ أهل بيته وأصحابه وأتباعه وأحبابه (وَ) النَّصيحة (لأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ) بإعانتهم على الحقِّ وطاعتهم فيه، وتنبيههم عند الغفلة برفقٍ، وسدِّ خُلَّتهم عند الهفوة، وردِّ القلوب النَّافرة إليهم، وأما أئمَّة الاجتهاد فَبِبَثِّ علومهم، ونشر مناقبهم، وتحسين الظَّنِّ بهم (وَ) نصيحة (عَامَّتِهِمْ) بالشَّفقة عليهم [3]، والسَّعيِ فيما يعود نفعُه عليهم، وتعليم ما ينفعهم، وكفِّ وجوه الأذى عنهم إلى غير ذلك، ويُستَفاد من هذا الحديث: أنَّ الدِّين يُطلَق على العمل لأنَّه سمَّى النَّصيحةَ دينًا، وعلى هذا المعنى بنى المؤلِّف أكثر «كتاب الإيمان»، وإنَّما أورده هنا ترجمةً، ولم يذكره في الباب مُسنَدًا لكونه ليس على شرطه كما سيأتي قريبًا، ووصله مسلمٌ عن تميمِ الدَّاريِّ، وزاد فيه: «النصيحة لكتاب الله» وذلك يقع بتعلُّمه وتعليمه، وإقامة حروفه في التِّلاوة، وتحريرها في الكتابة، وتفهُّم [4] معانيه، وحفظ حدوده، والعمل بما فيه إلى غير ذلك، وإنَّما لم يسنده المؤلِّف لأنَّه ليس على شرطه لأنَّه رواية [5] تميمٍ، وأشهر طرقه فيه سُهيل بن أبي صالحٍ، وقد قال ابن المدينيِّ فيما ذكره عنه المؤلِّف: إنَّه نسي كثيرًا من الأحاديث لمَوْجَدَته لموت أخيه، وقال ابن معينٍ: لا يُحتَجُّ به، ونسبه بعضهم لسوء الحفظ، ومن ثمَّ لم يخرج له البخاريُّ وقد أخرج له الأئمَّة؛ كمسلمٍ والأربعة، وروى عنه مالكٌ ويحيى الأنصاريُّ والثَّوريُ وابن عُيَيْنةَ، وقال أبو حاتمٍ: يُكتَب حديثه، وقال ابن عَدِيٍّ: هو عندي ثَبْتٌ لا بأسَ به مقبولُ الأخبار، ثمَّ إن هذا الحديث قد عُدَّ من الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، وهو من بليغ الكلام، و«النَّصيحة» من نصحت العسل إذا صفَّيته من الشَّمع، أو مِنَ النُّصح وهو الخياطة بالمنصحة؛ وهي الإبرة، والمعنى أنَّه يلمُّ شعثه بالنُّصح، كما تلمُّ المنصحة، ومنه: التَّوبة النَّصوح؛ كأنَّ الذَّنبَ يمزِّق الدِّين والتَّوبةَ تخيطه.
ثمَّ ذكر المؤلِّف رحمه الله آيةً يَعضِدُ بها الحديث، فقال: (وَقَوْلِهِ تَعَالَى) ولأبي الوقت: ((عزَّ وجلَّ)) بدل «قوله تعالى»، ولأبي ذَرٍّ: ((وقول الله)): ({إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 91]) بالإيمان والطَّاعة في السِّرِّ والعلانية، أو بما قدروا عليه فعلًا أو [6] قولًا يعود على الإسلام والمسلمين بالصَّلاح.
ج1ص151


[1] «قوله»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[2] في (ب) و(س): «ويرغب عن».
[3] إلى هنا ينتهي النقص في (ص).
[4] في (ب) و(س): «وبفهم».
[5] في (ب) و(س): «لأنَّ راويَه».
[6] في (م): «و».