متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

42- هذا (باب قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم): مبتدأٌ مضافٌ، خبره قوله [1] : (الدِّينُ النَّصِيحَةُ)؛ أي: قوامُ الدِّين وعماده النَّصيحةُ (لِلَّهِ) تعالى؛ بأن يؤمن به ويصفه بما هو أهله، ويخضع له ظاهرًا وباطنًا، ويرغب في محابِّه بفعل طاعته، ويرهب من [2] مساخطه بترك معصيته، ويجاهد في ردِّ العاصين إليه، (وَ) النَّصيحة (لِرَسُولِهِ) عليه الصلاة والسلام؛ بأن يصدِّقَ برسالته، ويؤمنَ بجميع ما أتى به، ويعظِّمه وينصرَه حيًّا وميتًا، ويحييَ سُنَّته بتعلُّمها وتعليمها، ويتخلَّق بأخلاقه ويتأدَّب بآدابه، ويحبَّ أهل بيته وأصحابه وأتباعه وأحبابه، (وَ) النَّصيحة (لأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ)؛ بإعانتهم على الحقِّ وطاعتهم فيه، وتنبيههم عند الغفلة برفقٍ، وسدِّ خُلَّتهم عند الهفوة، وردِّ القلوب النَّافرة إليهم، وأما أئمَّة الاجتهاد؛ فَبِبَثِّ علومهم، ونشر مناقبهم، وتحسين الظَّنِّ بهم، (وَ) نصيحة (عَامَّتِهِمْ) بالشَّفقة عليهم [3] ، والسَّعيِ فيما يعود نفعُه عليهم، وتعليم ما ينفعهم، وكفِّ وجوه الأذى عنهم إلى غير ذلك، ويُستَفاد من هذا الحديث: أنَّ الدِّين يُطلَق على العمل؛ لأنَّه سمَّى النَّصيحةَ دينًا، وعلى هذا المعنى بنى المؤلِّف أكثر كتاب «الإيمان»، وإنَّما أورده هنا ترجمةً، ولم يذكره في الباب مُسنَدًا؛ لكونه ليس على شرطه - كما سيأتي قريبًا ـ، ووصله مسلمٌ عن تميمِ الدَّاريِّ، وزاد فيه: «النصيحة لكتاب الله»؛ وذلك يقع بتعلُّمه وتعليمه، وإقامة حروفه في التِّلاوة، وتحريرها في الكتابة، وتفهُّم [4] معانيه، وحفظ حدوده، والعمل بما فيه إلى غير ذلك، وإنَّما لم يسنده المؤلِّف؛ لأنَّه ليس على شرطه لأنَّه رواية [5] تميمٍ، وأشهر طرقه فيه سُهيل بن أبي صالحٍ، وقد قال ابن المدينيِّ فيما ذكره عنه المؤلِّف: إنَّه نسي كثيرًا من الأحاديث؛ لموجدته لموت أخيه، وقال ابن معينٍ: لا يُحتَجُّ به، ونسبه بعضهم لسوء الحفظ، ومن ثمَّ لم يخرج له البخاريُّ، وقد أخرج له الأئمَّة؛ كمسلمٍ والأربعة، وروى عنه مالكٌ ويحيى الأنصاريُّ والثَّوريُ وابن عُيَيْنةَ، وقال أبو حاتمٍ: يُكتَب حديثه، وقال ابن عَدِيٍّ: هو عندي ثَبْتٌ لا بأسَ به، مقبولُ الأخبار، ثمَّ إن هذا الحديث قد عُدَّ من الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، وهو من بليغ الكلام، و«النَّصيحة»: من نصحت العسل؛ إذا صفَّيته من الشَّمع، أو مِنَ النُّصح؛ وهو الخياطة بالمنصحة؛ وهي الإبرة، والمعنى: أنَّه يلمُّ شعثه بالنُّصح، كما تلمُّ المنصحة، ومنه: التَّوبة النَّصوح؛ كأنَّ الذَّنبَ يمزِّق الدِّين، والتَّوبةَ تخيطه.

ثمَّ ذكر المؤلِّف رحمه الله آيةً يَعضِدُ بها الحديث، فقال: (وَقَوْلِهِ تَعَالَى)، ولأبي الوقت: ((عزَّ وجلَّ)) بدل «قوله تعالى»، ولأبي ذَرٍّ: ((وقول الله)): ({إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ}) [التوبة: 91] ؛ بالإيمان والطَّاعة في السِّرِّ والعلانية، أو بما قدروا عليه فعلًا أو [6] قولًا يعود على الإسلام والمسلمين بالصَّلاح.

[1] «قوله»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[2] في (ب) و(س): «ويرغب عن».
[3] إلى هنا ينتهي النقص في (ص).
[4] في (ب) و(س): «وبفهم».
[5] في (ب) و(س): «لأنَّ راويَه».
[6] في (م): «و».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

(42) بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَيمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعامَّتِهِمْ»، وَقَوْلِهِ تعالىَ [1] : { إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ } [التوبة: 91]

[1] في رواية أبي ذر: «وَقولِ اللهِ تعالىَ»، وفي رواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «وقوله عزَّ وَجَلَّ».





57- ( قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الدِّينُ النَّصِيحَةُ ) لفظ هذه الترجمة ثابت في «صحيح مسلم» عن تميم الداري، ولما لم يكن من شرط البخاري ذكر ما في معناه، ومراده الرد على المرجئة في أن مجرد التصديق لا يكفي؛ بل لا بد من الأعمال؛ إِذ لَو كفى مُجَرَّدُ التَّصْدِيْقُ لَما احْتَاجَ إِلَى بَيعته على النصح لكل مسلم، فلمّا شرط ذلك عليه في بيعته دلَّ على اعتباره في الدِّين.


لا تتوفر معاينة

قوله: (الدِّينُ النَّصِيحَةُ: لِله...) إلى آخره: أمَّا النصيحة لله؛ فمعناها منصرف إلى الإيمان به، ونفي الشرك عنه، وترك الإلحاد في صفاته، ووصفه بصفات الكمال والجلال [1] كلِّها، وتنزيهه سبحانه عن جميع أنواع النَّقائص، وصفات المُحْدَث، والقيام بطاعته، واجتناب مخالفته، والحبِّ فيه، والبغض فيه، وموالاة من والاه، ومعاداة من عاداه... إلى غير ذلك ممَّا [2] ذكر في الكتب المطوَّلة.

والنصيحة لرسوله: تصديقه في إرساله، وقبول ما جاء به، ودعا إليه، والطَّاعة له فيما سنَّ، وحكم، وشرع، وبيَّن من أمر الدِّين، وإعظام حقِّه، وتوقيره، ومؤازرته [3] ، وإحياء طريقته في بثِّ الدَّعوة، وإشاعة السُّنَّة، ونفي التُّهمة عنه فيما قاله، وأنَّه كما قال.

والنَّصيحة لأئمَّة المسلمين، فهم الخلفاء الرَّاشدون، ومن بعدهم ممَّن يلي أمر الأمَّة، ويقوِّم، ومن نُصحِهم: بذلُ الطَّاعة لهم في المعروف، والصَّلاة خلفهم... إلى غير ذلك.

ونصيحة عامَّة المسلمين: تعليمهم ما يجهلونه، وإرشادهم إلى مصالحهم، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عنِ المنكر، والشَّفقة عليهم، وتوقير كبيرهم، ورحمة صغيرهم، وغير ذلك، والله أعلم.

[1] في (ب): (والجمال) .
[2] في (ب): (كما) .
[3] (ومؤازرته): ليس في (ب) .





42- (الدِّينُ...) إلى آخره: في محلِّ النَّصب بأنَّه مفعولُ القول، ولم تكرَّرِ اللَّامُ في (عَامَّتِهِمْ) ؛ لأنَّهم كالأتباع للأئمَّةِ، لا استقلالَ لهم.


42- هذا (باب قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم): مبتدأٌ مضافٌ، خبره قوله [1] : (الدِّينُ النَّصِيحَةُ)؛ أي: قوامُ الدِّين وعماده النَّصيحةُ (لِلَّهِ) تعالى؛ بأن يؤمن به ويصفه بما هو أهله، ويخضع له ظاهرًا وباطنًا، ويرغب في محابِّه بفعل طاعته، ويرهب من [2] مساخطه بترك معصيته، ويجاهد في ردِّ العاصين إليه، (وَ) النَّصيحة (لِرَسُولِهِ) عليه الصلاة والسلام؛ بأن يصدِّقَ برسالته، ويؤمنَ بجميع ما أتى به، ويعظِّمه وينصرَه حيًّا وميتًا، ويحييَ سُنَّته بتعلُّمها وتعليمها، ويتخلَّق بأخلاقه ويتأدَّب بآدابه، ويحبَّ أهل بيته وأصحابه وأتباعه وأحبابه، (وَ) النَّصيحة (لأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ)؛ بإعانتهم على الحقِّ وطاعتهم فيه، وتنبيههم عند الغفلة برفقٍ، وسدِّ خُلَّتهم عند الهفوة، وردِّ القلوب النَّافرة إليهم، وأما أئمَّة الاجتهاد؛ فَبِبَثِّ علومهم، ونشر مناقبهم، وتحسين الظَّنِّ بهم، (وَ) نصيحة (عَامَّتِهِمْ) بالشَّفقة عليهم [3] ، والسَّعيِ فيما يعود نفعُه عليهم، وتعليم ما ينفعهم، وكفِّ وجوه الأذى عنهم إلى غير ذلك، ويُستَفاد من هذا الحديث: أنَّ الدِّين يُطلَق على العمل؛ لأنَّه سمَّى النَّصيحةَ دينًا، وعلى هذا المعنى بنى المؤلِّف أكثر كتاب «الإيمان»، وإنَّما أورده هنا ترجمةً، ولم يذكره في الباب مُسنَدًا؛ لكونه ليس على شرطه - كما سيأتي قريبًا ـ، ووصله مسلمٌ عن تميمِ الدَّاريِّ، وزاد فيه: «النصيحة لكتاب الله»؛ وذلك يقع بتعلُّمه وتعليمه، وإقامة حروفه في التِّلاوة، وتحريرها في الكتابة، وتفهُّم [4] معانيه، وحفظ حدوده، والعمل بما فيه إلى غير ذلك، وإنَّما لم يسنده المؤلِّف؛ لأنَّه ليس على شرطه لأنَّه رواية [5] تميمٍ، وأشهر طرقه فيه سُهيل بن أبي صالحٍ، وقد قال ابن المدينيِّ فيما ذكره عنه المؤلِّف: إنَّه نسي كثيرًا من الأحاديث؛ لموجدته لموت أخيه، وقال ابن معينٍ: لا يُحتَجُّ به، ونسبه بعضهم لسوء الحفظ، ومن ثمَّ لم يخرج له البخاريُّ، وقد أخرج له الأئمَّة؛ كمسلمٍ والأربعة، وروى عنه مالكٌ ويحيى الأنصاريُّ والثَّوريُ وابن عُيَيْنةَ، وقال أبو حاتمٍ: يُكتَب حديثه، وقال ابن عَدِيٍّ: هو عندي ثَبْتٌ لا بأسَ به، مقبولُ الأخبار، ثمَّ إن هذا الحديث قد عُدَّ من الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، وهو من بليغ الكلام، و«النَّصيحة»: من نصحت العسل؛ إذا صفَّيته من الشَّمع، أو مِنَ النُّصح؛ وهو الخياطة بالمنصحة؛ وهي الإبرة، والمعنى: أنَّه يلمُّ شعثه بالنُّصح، كما تلمُّ المنصحة، ومنه: التَّوبة النَّصوح؛ كأنَّ الذَّنبَ يمزِّق الدِّين، والتَّوبةَ تخيطه.

ثمَّ ذكر المؤلِّف رحمه الله آيةً يَعضِدُ بها الحديث، فقال: (وَقَوْلِهِ تَعَالَى)، ولأبي الوقت: ((عزَّ وجلَّ)) بدل «قوله تعالى»، ولأبي ذَرٍّ: ((وقول الله)): ({إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ}) [التوبة: 91] ؛ بالإيمان والطَّاعة في السِّرِّ والعلانية، أو بما قدروا عليه فعلًا أو [6] قولًا يعود على الإسلام والمسلمين بالصَّلاح.

[1] «قوله»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[2] في (ب) و(س): «ويرغب عن».
[3] إلى هنا ينتهي النقص في (ص).
[4] في (ب) و(س): «وبفهم».
[5] في (ب) و(س): «لأنَّ راويَه».
[6] في (م): «و».





( الدِّينُ النَّصِيحَةُ... ) إلى آخره، أخرجه مسلم من حديث تميم الدَّاريِّ، وأبو يعلى من حديث ابن عبَّاس، والبزَّار من حديث ابن عمر، والمراد معظم الدِّين مبالغة، كقوله: «الحجُّ عرفة»، ويجوز كونه على ظاهره؛ لأنَّ كلَّ عمل لم يرد به عامله الإخلاص فليس من الدِّين. [/ج1ص221/]

قال الخطَّابُّي: النَّصيحة كلمة جامعة معناها حيازة الحظِّ للمنصوح له، وهو من وجيز الكلام، بل ليس في الكلام كلمة مفردة، وتستوفى بها العبارة عن معنى هذه الكلمة.


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

هذا ((باب قول النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) مبتدأ، وخبر، ومضاف، ((الدين النصيحة)) ؛ أي: عماد الدين أن يمتثل الأوامر ويجتنب النواهي، ((لله)) تعالى ظاهرًا وباطنًا، لا خوفًا من ناره ولا طمعًا في جنته، مبتدأ وخبر، والجملة مقول القول، و (اللام) في (لله) صلة؛ لأنَّ الفصيح أن يقال: نصح له، ((و)) النصيحة ((لرسوله)) عليه السلام بأن يصدِّق برسالته، ويؤمن بجميع ما جاء به، ويمتثل ما أمر به، ويجتنب ما نَهى عنه.

((و) ( النصيحة ((لأئمَّة المسلمين)) بإعانتهم على الحقِّ وكفِّهم عن الباطل، وأمَّا أئمَّة الاجتهاد؛ فتقليدهم في الأحكام، وإظهار علومهم، ونشر مناقبهم، وتحسين الظن بهم، ((و)) نصيحة ((عامتهم)) بإرشادهم في آخرتهم ودنياهم، وكفَّ الأذى عنهم، وتعليم ما جهلوا فيه، وإنَّما ترك اللام فيه؛ لأنَّهم كالاتباع للأئمَّة لا استقلال لهم، وإعادة اللام تدل على الاستقلال.

وهذا الحديث وصله مسلم عن تميم الداري، وزاد فيه: (النصيحة لكتاب الله) ، وذلك بتعلُّمِه وتعليمه، وإقامة حروفه، والإيمان بأنه كلام الله، وتنزيهه، والتصديق بما فيه، والتسليم لمشابهه، وإقامة حدوده.

وإنَّما لم يذكره المؤلف مسندًا وذكره ترجمة؛ لكونه ليس على شرطه؛ لأنَّ راويه تميم، وأشهر طرقه فيه سُهيل بن أبي صالح؛ وهو منسوب إلى النسيان وسوء الحفظ، والله أعلم.[/ص37/]

((وقوله تعالى)) وفي رواية: (عز وجل) ، وفي أخرى: (وقول الله في سورة براءة) : (({إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ})) [التوبة: 91] بالإيمان بهما وإطاعتهما في السر والعلانية.