متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)

كذا بإثباتها في غير رواية أبي ذَرٍّ.

1- (باب التَّهَجُّدِ)؛ أي: الصَّلاة (بِاللَّيْلِ)؛ وأصله ترك الهجود؛ وهو النَّوم، وقال ابن فارس: المتهجِّد: المصلِّي ليلًا، وللكُشْمِيهَنيِّ: ((من اللَّيل)) وهو أوفق للفظ القرآن [1] ، (وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ) بالجرِّ عطفًا على سابقه المجرور بالإضافة، وبالرَّفع على الاستئناف: ({وَمِنَ اللَّيْلِ})؛ أي: بعضه ({فَتَهَجَّدْ بِهِ})؛ أي: اترك الهجود للصَّلاة؛ كالتَّأثُّم [2] والتَّحرُّج، والضَّمير للقرآن ({نَافِلَةً لَكَ}) [الإسراء: 79] فريضةً زائدةً لك على الصَّلوات المفروضة، خُصِّصْتَ بها من بين أمَّتك، روى الطَّبراني [3] بإسنادٍ ضعيفٍ عن ابن عبَّاسٍ: «أنَّ النَّافلة للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خاصَّة؛ لأنَّه أُمِرَ بقيام اللَّيل، وكُتِبَ عليه دون أمَّته»، لكن صحَّح النَّوويُّ: أنَّه نُسِخَ عنه التَّهجُّد كما نُسخ عن أمَّته، قال: ونقله الشَّيخ أبو حامدٍ عن النَّصِّ، وهو الأصحُّ أو الصَّحيح، ففي مسلمٍ عن عائشة ما يدلُّ عليه، أو فضيلةً لك؛ فإنَّه قد غُفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر؛ وحينئذٍ فلم يكن فعل [4] ذلك يكفِّر شيئًا، وترجع التَّكاليف كلُّها في حقِّه عليه الصَّلاة والسَّلام قُرَّةَ عينٍ وإلهامَ طبعٍ، وتكون صلاته في الدُّنيا مثل تسبيح أهل الجنَّة في الجنَّة، ليس على وجه الكُلفة ولا التَّكليف، وهذا كلُّه يتفرَّع [5] على طريقة إمام الحرمين، وأمَّا طريقة القاضي حيث يقول: لو أوجب الله شيئًا؛ لوجب وإن لم يكن وعيدٌ؛ فلا يمتنع حينئذٍ بقاء التَّكاليف في حقِّه عليه الصَّلاة والسَّلام على ما كانت عليه، مع طمأنينته عليه الصَّلاة والسَّلام من ناحية الوعيد، وعلى كلا التَّقديرين فهو معصومٌ ولا عتب ولا ذنب، لا يقال [6] : إنَّه لم يأمره أن يستغفر [7] في قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ} [النصر: 3] ونحوه إلَّا ممَّا يغفره له؛ لأنَّا نقول: استغفاره تعبُّدٌ على الفرض، والتَّقدير؛ أي: أستغفرك ممَّا عساه أن يقع لولا عصمتُك إيَّاي، وزاد أبو ذرٍّ في روايته تفسير قوله تعالى: {فَتَهَجَّدْ بِهِ}؛ أي: ((اسهر به)).

[1] زيد في (ب)و (د): «به».
[2] في (م): «كالنائم».
[3] في (م): «الطبري» وكلاهما صحيحٌ.
[4] زيد في (د): «بعد».
[5] في غير(ص) و(م): «مفرَّع».
[6] في (م): «لأنَّا نقول».
[7] في (د): «يستغفره».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [1]

(1) بابُ التَّهَجُّدِ بِاللَّيْلِ [2] ، وَقَوْله عَزَّ وَجلَّ: { وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ } [الإسراء: 79] [3]

[1] لم ترد البسملة في رواية أبي ذر.
[2] في رواية أبي ذر والكُشْمِيْهَنِيّ: «مِنَ اللَّيْلِ».
[3] في رواية أبي ذر زيادة: «اسْهَرْ بِهِ»، ولفظة: «قوله» هكذا ضبطت في (ص)، وضُبطت في (و) بالرفع، وأهمل ضبطها في باقي الأصول.





( التهجد ) [1]

[1] جاء العنوان أول شرح الحديث السابق.





((19)) [كتابُ التَّهَجُّدِ]

(1) (بابُ التَّهَجُّدِ بِاللَّيْلِ) التهجُّد من الأضداد، وكذا الهجود. قال الجوهريُّ: يقال: هَجَدَ، وتَهَجَّدَ؛ أي: نام ليلًا، وهَجَدَ وتَهَجَّدَ؛ أي: سهر. والمرادُ هنا: السهر.

({وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ}) قيل: إنما خصَّ بذلك؛ لأنها كانت فريضةً عليه، ولغيره تطوعٌ، فقيل: أقمها نافلة لك [1] ، ويروى هذا عن [2] ابن عبَّاس.

وقال مجاهد: لم يكن فعلُه ذلك يكفِّر عنه شيئًا؛ لأنه قد كان غُفر له ما تقدَّم وما تأخر، فكان نافلةَ فضلٍ وزيادةٍ.

واعترضه الطبريُّ: بأنه عليه السلام كان أشدَّ استغفارًا لربِّه بعدَ نزول قوله: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ} [3] [الفتح:2]؛ لأنها

@%ج1ص339%

نزلت بعد منصرَفِهِ من الحديبية، ونزل: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر:1]، عامَ قُبض. وقيل له فيهما: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر:3]، فكان [4] بعدُ يستغفرُ الله في المجلسِ الواحد مئة مرَّة، ومعلومٌ أنَّ الله لم يأمره أن يستغفرَ إلا مما يغفره له باستغفارهِ.

قال ابن المنيِّر رحمه الله: قولُ مجاهدٍ صحيحٌ، والطبريُّ لم يورده [5] على مقصودهِ، وذلك أن مجاهدًا جرى [6] فعلُه على القواعد العقليَّة القطعية [7] ؛ فإن التَّكاليف تستدعي الوعدَ والوعيدَ، ولا يُتصوَّر ذنبٌ عقلًا إلا بوعيدٍ، ولو فرضنا أنَّ السيد قال لعبده: لا تفعلْ كذا، وإن فعلتَ، فلا جُناحَ عليكَ ولا حرجَ؛ لاستحالت حقيقةُ النَّهي، واختلطت بالإباحة.

فعلى هذا يشكل الجمعُ بين التصريح بالمغفرة لكلِّ شيءٍ يقعُ من المكلَّف [8] مع تكليفه الإيجابَ والنهي، ويتعيَّن أن يكون المرادُ بقوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح:2]، الإعلامَ بأنه موسَّع عليه، ولا حرجَ يلحقُه في شيءٍ، غير أنَّ الله تعالى علمَ أن نبيَّه لا يفعل إلَّا ما أمر الله به، ولا يرتكب شيئًا ممَّا نَهى عنه، فيرجع التكليفُ [9] إلى الأمَّة، وتكون التَّكاليفُ كلُّها في حقِّ الرسول قرةَ عينٍ وإلهامَ طبعٍ، وتكون صلاته في الدنيا مثلَ تسبيح أهل الجنة في الجنة، ليس على وجهِ الكلفةِ ولا [10] التَّكليف.

هذا كله يتفرَّع على طريقة إمام الحرمين.

وأما على [11] طريقةِ القاضي حيث يقول: لو أوجبَ الله شيئًا، لوجب وإن لم يكن وعيدٌ، فلا يمتنعُ حينئذٍ [12] بقاءُ التَّكاليف في حقِّه عليه السلام على ما كانت

@%ج1ص340%

عليه مع طمأنينته من ناحية الوعيد، وعلى كلا التَّقديرين، فهو معصومٌ، ولا ذنبَ ولا عتبَ.

وقول الطبريُّ: إنما يُستغفر ممَّا يوجب الاستغفار ليس بمستقيم؛ فإنَّه تعريضٌ بوقوع الذَّنب، وإنما الحقُّ أن الاستغفار تعبُّدٌ على الفرض والتَّقدير؛ أي: أَستغفرُك لما [13] عساه أن يقعَ لولا عصمتُك إيَّاي.

ولهذا تأول كثيرٌ من العلماء قوله تعالى: {مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ} [الفتح:2] على أنَّه ذنب آدمَ، {وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح:2] على أنَّه ذنب الأمة، ولهم فيه وجوهٌ كلها تحوم على اعتقاد العصمة، وعدم تحقيقِ الذنب، وأمَّا قوله عليه السلام: ((اغفِر لي خطايايَ وجَهلي وكلُّ ذلكَ عندِي))، فالتَّحقيق فيه: أن يكون ذلك [14] فرضًا وتقديرًا، كأنه قال: وكلُّ ذلك عندي لولا عصمتُك إيَّاي، وأمَّا [15] مع العصمة، فلا وَصْمةَ [16] . والله أعلم.

[1] ((لك)): ليست في (ق) و(ج).
[2] ((عن)): ليست في (د).
[3] في (ج) زيادة: ((الآية)).
[4] في (ق): ((وكان)).
[5] في (ج) و(د): ((يورد)).
[6] في (ج): ((أجرى)).
[7] ((القطعية)): ليست في (ج).
[8] في (ق): ((التكلف)).
[9] في (د): ((التكاليف)).
[10] ((لا)): ليست في (ج).
[11] ((على)): ليست في (ج) و(د).
[12] في (د) زيادة: ((في)).
[13] في (د): ((مما)).
[14] ((ذلك)): ليست في (ق).
[15] في (م): ((وأنا)).
[16] في (ق): ((فلا وجه)).





(كِتَابُ [1] التَّهَجُّدِ بِاللَّيْلِ) ...إلى (بَاب الْمُدَاوَمَةِ عَلَى رَكْعَتَي الْفَجْرِ)

قال الدِّمياطيُّ: (قيل: التَّهجُّد من الأضدادِ: تهجَّد؛ إذا نام، وإذا سهر لصلاةٍ أو سببٍ) ، (وكذا قال غيرُه من أهل اللُّغة، قال: ) [2] (وقيل: هجد: نام، وتهجَّد: قام وسهر [3] ) انتهى، ثمَّ اعلم أنَّ التَّهجُّد كان واجبًا عليه صلَّى الله عليه وسلَّم، قال القفَّالُ: (وهو أن يُصلِّي من اللَّيل وإن قَلَّ، قال الله تعالى: {وَمِنَ اللَّيل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ} [الإسراء: 79] ؛ أي: زيادة لك على ثواب الفرائض، بخلاف تهجُّدِ غيرِه، فإنَّه جابرٌ للنُّقصان المُتطرِّق إلى الفرائض، وهو عليه الصَّلاة والسَّلام معصوم عن تطرُّق الخلل إلى مفروضاته، وقد غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر) ، حكاه إمام الحرمين، وذكر البغويُّ في «تفسيره» نحوَه، قال الحسن وغيره: (ليس لأحد نافلةٌ إلَّا النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لأنَّ فرائضَه كاملةٌ، وأمَّا غيره؛ فلا يخلو عن نقص، فنوافله تُكمِلُ فرائضَه) ، وأسنده البيهقيُّ في «دلائل النُّبوَّة» عن مجاهد، وكذا ابن المنذر في «تفسيره»، وذكر ابن المنذر عن الضَّحَّاك نحوه، وذكره سليمان بن حيَّان، عن أبي غالب، عن أبي أمامة، ثمَّ استدلَّ الرَّافعيُّ وغيره أيضًا بحديث عائشة رضي الله عنها: أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «ثلاثٌ هنَّ عليَّ فرائضُ، وهنَّ لكم سُنَّةٌ: الوتر، والسِّواك، وقيام اللَّيل»، وهو حديثٌ ضعيفٌ، أخرجه البيهقيُّ في «سننه»، و«خلافيَّاته»، وفي سندِه موسى بن عبد الرَّحمن الصَّنعانيُّ، [/ج1ص310/] قال ابن عديٍّ: (مُنكَر الحديث، وضع على ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عبَّاس كتابًا في التَّفسير، جمعه من كلام مقاتل والكلبيِّ) ، قال الذَّهبيُّ في «ميزانه»: (وضعه [4] على ابن جريج...) إلى آخر كلامه: (عن ابن حِبَّان بزيادة: «دجَّالٍ») ، وقال البيهقيُّ: (موسى هذا ضعيف جدًّا، ولم يثبُت في هذا إسنادٌ) ، واعلم أنَّ الشيخ أبا حامد نقل بعد حكاية ذلك عن الأصحاب: (أنَّ الشَّافعيَّ نصَّ على أنَّه نُسِخ وجوبُه في حقِّه؛ كأمَّته) ، قال ابن الصَّلاح والنَّوويُّ في «الرَّوضة»: (وهذا هو الصَّحيح الذي تشهد له الأحاديث؛ منها: حديث سعد بن هشام، عن عائشة، في «مسلم»...) ؛ فذكر الحديث إلى قوله: (فصار قيام اللَّيل تطوُّعًا بعد فريضةٍ، والمسألة طويلة) ، حكى النَّوويُّ في «شرح مسلم» عن القاضي عياض في (باب صلاة اللَّيل) عن بعض السَّلف: (أنَّه يجبُ على الأمَّة من قيام اللَّيل ما يقع عليه الاسم، ولو قدر حلبِ شاة) ، قال: (وهو غلط مردودٌ بإجماع مَن قَبْلَه مع النُّصوص الصحيحة أنَّه [5] لا واجب إلَّا الصَّلواتُ الخمسُ) ، والله أعلم.

[1] كذا في النُّسخ و (ق) ، وفي «اليونينيَّة» وهامش (ق) مصحَّحًا: (باب) .
[2] ما بين قوسين سقط من (ج) .
[3] (وسهر) سقط من (ج) .
[4] في (ج): (وضعفه) .
[5] في (ج): (لأنه) .





(كِتَابُ التَّهَجُّدِ)

({نَافِلَةً لَكَ}) فيه أوجهٌ:

أحدُها: أنَّه مصدرٌ؛ أي: تنفَّلْ نافلةً لك على الصَّلوات المفروضة.

الثَّاني: أنَّها منصوبةٌ بـ(تَهَجَّدْ)؛ لأنَّه في معنى: (تنفَّل)، فكأنَّه قيل: تنفَّلْ نافلةً، و(النَافِلَة) مصدرٌ؛ كـ(العافية).

الثَّالث: أنَّها منصوبةٌ على الحال؛ أي: صلاةً نافلةً؛ قاله أبو البقاء، وتكون حالًا من الهاء في {به} إذا جعلتَها عائدةً على (القرآن)، لا على الوقتِ المقدَّر.

الرَّابع: أنَّها منصوبةٌ على المفعولِ به، وهو ظاهرُ قولِ الحَوْفيِّ، فإنَّه قال: ويجوزُ أن ينتصبَ {نَافِلَةً} بـ{تَهَجَّدْ}؛ إذا ذهبتَ بذلك إلى معنى: صلِّ به نافلةً لك، والله تعالى أعلم.


(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)

كذا بإثباتها في غير رواية أبي ذَرٍّ.

1- (باب التَّهَجُّدِ)؛ أي: الصَّلاة (بِاللَّيْلِ)؛ وأصله ترك الهجود؛ وهو النَّوم، وقال ابن فارس: المتهجِّد: المصلِّي ليلًا، وللكُشْمِيهَنيِّ: ((من اللَّيل)) وهو أوفق للفظ القرآن [1] ، (وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ) بالجرِّ عطفًا على سابقه المجرور بالإضافة، وبالرَّفع على الاستئناف: ({وَمِنَ اللَّيْلِ})؛ أي: بعضه ({فَتَهَجَّدْ بِهِ})؛ أي: اترك الهجود للصَّلاة؛ كالتَّأثُّم [2] والتَّحرُّج، والضَّمير للقرآن ({نَافِلَةً لَكَ}) [الإسراء: 79] فريضةً زائدةً لك على الصَّلوات المفروضة، خُصِّصْتَ بها من بين أمَّتك، روى الطَّبراني [3] بإسنادٍ ضعيفٍ عن ابن عبَّاسٍ: «أنَّ النَّافلة للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خاصَّة؛ لأنَّه أُمِرَ بقيام اللَّيل، وكُتِبَ عليه دون أمَّته»، لكن صحَّح النَّوويُّ: أنَّه نُسِخَ عنه التَّهجُّد كما نُسخ عن أمَّته، قال: ونقله الشَّيخ أبو حامدٍ عن النَّصِّ، وهو الأصحُّ أو الصَّحيح، ففي مسلمٍ عن عائشة ما يدلُّ عليه، أو فضيلةً لك؛ فإنَّه قد غُفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر؛ وحينئذٍ فلم يكن فعل [4] ذلك يكفِّر شيئًا، وترجع التَّكاليف كلُّها في حقِّه عليه الصَّلاة والسَّلام قُرَّةَ عينٍ وإلهامَ طبعٍ، وتكون صلاته في الدُّنيا مثل تسبيح أهل الجنَّة في الجنَّة، ليس على وجه الكُلفة ولا التَّكليف، وهذا كلُّه يتفرَّع [5] على طريقة إمام الحرمين، وأمَّا طريقة القاضي حيث يقول: لو أوجب الله شيئًا؛ لوجب وإن لم يكن وعيدٌ؛ فلا يمتنع حينئذٍ بقاء التَّكاليف في حقِّه عليه الصَّلاة والسَّلام على ما كانت عليه، مع طمأنينته عليه الصَّلاة والسَّلام من ناحية الوعيد، وعلى كلا التَّقديرين فهو معصومٌ ولا عتب ولا ذنب، لا يقال [6] : إنَّه لم يأمره أن يستغفر [7] في قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ} [النصر: 3] ونحوه إلَّا ممَّا يغفره له؛ لأنَّا نقول: استغفاره تعبُّدٌ على الفرض، والتَّقدير؛ أي: أستغفرك ممَّا عساه أن يقع لولا عصمتُك إيَّاي، وزاد أبو ذرٍّ في روايته تفسير قوله تعالى: {فَتَهَجَّدْ بِهِ}؛ أي: ((اسهر به)).

[1] زيد في (ب)و (د): «به».
[2] في (م): «كالنائم».
[3] في (م): «الطبري» وكلاهما صحيحٌ.
[4] زيد في (د): «بعد».
[5] في غير(ص) و(م): «مفرَّع».
[6] في (م): «لأنَّا نقول».
[7] في (د): «يستغفره».





( بَابُ: التَّهَجُّدِ بِاللَّيْلِ ): للكُشْمِيهنيِّ: «من اللَّيل».


((19)) [أبواب التهجد]


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

((19)) (كِتَابُ التَّهَجُّدِ).

(1) (بَابُ التَّهَجُّدِ بِاللَّيْلِ).


لا تتوفر معاينة