متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

54- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميمين واللَّام (قَالَ: أَخْبَرَنَا)، وفي رواية ابن عساكر: ((حدَّثنا)) (مَالِكٌ)؛ هو إمام الأئمَّة، (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ، (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث التَّيميِّ، (عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ) اللَّيثيِّ، (عَنْ عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنه: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: الأَعْمَالُ) تجزئ (بِالنِّيَّةِ) بالإفراد وحذفِ «إنَّما»، واتفق المحققون على إفادة الحصر من هذه الصِّيغة كالمُصَدَّرة بـ: «إنَّما»، وهو من حصر المُبتدَأ في الخبر، والتَّقدير: كلُّ الأعمال بالنِّيَّة. نعم؛ خرج من العموم جزئيَّاتٌ بدليلٍ، والجارَّ والمجرور يتعلَّق بمحذوفٍ، قدَّره بعضهم: قبول الأعمال واقعٌ بالنِّيَّة [1] ، وفيه حذف المُبتدَأ؛ وهو «قبولُ»، وإقامة المُضَاف إليه مقامه، ثمَّ حُذِفَ الخبر؛ وهو «واقعٌ»، والأحسن تقدير مَنْ قَدَّر: الأعمال صحيحةٌ أو مُجزِئةٌ، وقِيلَ: تقدير الخبر: «واقعٌ» أَوْلى من تقديره: بـ: «مُعتَبرٌ»؛ لأنَّهم أبدًا لا يضمرون إلَّا ما يدلُّ عليه الظَّرف؛ وهو واقعٌ أو استقرَّ، وهي قاعدةٌ مطَّرِدةٌ عندهم، وأُجِيب: بأنَّه مُسَلَّمٌ في تقدير ما يتعلَّق به الظَّرف مُطلَقًا، مع قطع النَّظر عن صورةٍ خاصَّةٍ، أمَّا الصُّورة المخصوصة فلا يُقدَّر فيها إلَّا ما يليق بها، ممَّا يدلُّ عليه المعنى أو السِّياق، وإنَّما قُدِّر هذا خبرًا؛ لتقدير المُبتدَأ؛ وهو «قبولُ»، وإذا قدَّرنا ذلك نفس الخبر، لم يَحْتَجْ إلى حذف المُبتدَأ، (وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى)؛ أي: الذي نواه إذا كان المحلُّ قابلًا، كما سبق تقريره، (فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ) نيَّةً وعقدًا؛ [/ج1ص148/] (فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ) حكمًا وشرعًا، كذا قاله ابن دقيقٍ العيد، وردَّه الزَّركشيُّ: بأنَّ المُقدَّر حينئذٍ حالٌ مبيِّنةٌ، فلا تُحذَف، وكذا [2] منع الرَّنديُّ في «شرح الجمل» جعل «بسم الله» متعلِّقًا بحالٍ محذوفةٍ؛ أي: أبتدئ مُتبرِّكًا، قال: لأنَّ حذف الحال لا يجوز، انتهى. وأُجِيب: بمنع أنَّ المُقدَّر حالٌ، بل هو تمييزٌ، ويجوز حذف التَّمييز إذا دلَّ عليه دليلٌ؛ نحو: {إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ} [الأنفال: 65] ؛ أي: رجلًا، ويمكن أن يُقَال: لم يُرِدْ بتقدير: نيَّةً وعقدًا في الأوَّل، وحكمًا وشرعًا في الثَّاني أنَّ هناك لفظًا محذوفًا، بل أراد بيان المعنى ومُغايَرَة الأوَّل للثَّاني، وتأوَّله بعضهم على إرادة المعهود المُستقرِّ في النُّفوس، فإنَّ المُبتدَأ والخبر، وكذلك الشَّرط والجزاء، قد يتَّحدان؛ لبيان الشُّهرة وعدم التَّغيير، وإرادة المعهود المستقرِّ في النَّفس، ويكون ذلك؛ للتَّعظيم، وقد يكون؛ للتَّحقير، وذلك بحسب المقامات والقرائن، فَمِنَ الأوَّل: قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} [الواقعة: 10] ، وقوله عليه الصلاة والسلام: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله»، ومن الثَّاني: قوله: (وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا)، وفي روايةٍ لأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر وكريمة [3] : ((إلى دنيا)) (يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا؛ فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ)؛ أي: إلى ما ذكر، واستُشكِل: استعمال «دنيا»؛ لأنَّها في الأصل مُؤنَّث «أدنى»، و«أدنى» «أَفْعَلْ» تفضيل، مِنَ: الدُّنوِّ، و«أَفْعَل» التَّفضيل إذا نُكِّر؛ لزم الإفراد والتَّذكير، وامتنع تأنيثه وجمعه، ففي استعمال «دنيا» بالتَّأنيث مع كونه مُنكَّرًا إشكالٌ؛ ولهذا لا يُقَال: قُصْوَى ولا كُبْرَى، وأجاب ابن مالكٍ بأنَّ «دنيا» خُلِعَت عن الوصفيَّة غالبًا، وأُجْرِيتْ مجرى ما لم يكن قطُّ وصفًا ممَّا وزنه «فُعْلَى»، كرُجْعَى وبُهْمَى؛ فلهذا ساغ فيها ذلك. ثمَّ إنَّ غرض المؤلِّف من إيراد هذا الحديث هنا الرَّدُّ على من زعم من المرجئة: أنَّ الإيمان قولٌ باللِّسان دون عقد القلب، فبيَّن أنَّ الإيمان لا بدَّ له من نيَّةٍ واعتقاد قلبٍ، فافهم. وإنَّما أبرز الضَّمير في الجملة الأولى؛ لقصد الالتذاذ بذكر الله ورسوله، وعِظَمِ شأنهما: [من الطَّويل]

~ أَعِدْ ذكرَ نعمانَ لنا إنَّ ذكرَهُ هو المسكُ ما كرَّرَته يَتَضوَّعُ

وهذا بخلاف «الدُّنيا» و«المرأة»، لا سيَّما والسِّياق يُشعِر بالحثِّ على الإعراض عنهما، وهذه الجملة الأولى هنا سقطت عند المؤلِّف من رواية الحميديِّ أوَّل الكتاب [خ¦1] ، فذكر في كلِّ تبويبٍ ما يناسبه بحسب ما رواه.

[1] في (م): «بالنيَّات».
[2] في (ب) و(س): «ولذا».
[3] «وكريمة»: سقط من (م).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

54-. حدَّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْلَمَةَ، قالَ: أخبَرَنا [1] مالِكٌ، عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ، عن مُحَمَّدِ بنِ إبراهيمَ، عن عَلْقَمَةَ بنِ وَقَّاصٍ:

عن عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «الأَعْمالُ بِالنِّيَّةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَىَ، فَمَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ إِلىَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلىَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيا [2] يُصِيبُها، أَوِ امْرأَةٍ يَتَزَوَّجُها، فَهِجْرَتُهُ إِلىَ ما هاجَرَ إِلَيْهِ».

[1] في رواية ابن عساكر: «حدَّثنا».
[2] في رواية أبي ذر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت وحاشية رواية ابن عساكر: «إلىَ دنيا».





لا تتوفر معاينة

54# (فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ) مؤول على إقامة السبب مقامَ المسبَّب؛ لاشتهار [1] المسبَّب؛ أي: فقد استحق الثواب العظيم المستقر للمهاجرين.

وقدَّر [2] ابن دقيق العيد: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نيةً وعقدًا، فهجرته إلى الله ورسوله حكمًا وشرعًا. وردَّه الزركشي: بأن المقدَّر حينئذٍ حال مُبَيِّنةٌ [3] ، فلا تحذف، واستند إلى نقلٍ ذكرهُ عن [4] الزبيدي في «شرح الجمل».

قلت:

@%ج1ص72%

ظاهرُ نصوصهم جوازُ الحذف، ويؤيده: أنَّ الحال خبر في المعنى، أو صفة، وكلاهما يسوغُ حذفُه؛ لدليلٍ، فلا مانع في الحال أن يكون كذلك. وفيه: وضعُ الظاهر موضعَ المضمر؛ إذ الأصل: فهجرتُه إليهما، وفيه وجهان:

أحدهما: قصدُ الاستلذاذ بذِكْرهِ، ولهذا لم يُعَدْ في الثانية، وهي قوله: ((ومن كانت هجرته إلى دنيا)) إعراضًا عن تكرير لفظ الدنيا، هذا معنى [5] كلام الفاكهاني في «شرح العمدة».

وثانيهما: خشية الجمع بينهما في ضمير واحد [6] ، وفيه بحث قد مرَّ.

(دُنْيَا) بضم الدال لا بكسرها على المشهور تأنيث أَدْنى، فهي من باب أَفْعَلِ التفضيل، وهي نكرة، فكان [7] حقُّها أن تلزم الإفرادَ والتَّذكير [8] ، لكنها خُلِعَت عنها الوصفيةُ غالبًا، فأُجريت مجرى ما لم يكن وصفًا قطُّ كرُجعى، وقد ظهر أنها ممنوعة [9] من الصرف، وحُكي تنوينها.

قال ابن جِنِّي: وهي نادرة.

(أَوِ امْرَأَةٍ) قال الزركشي في تعليقه على «عمدة الأحكام»: هو من عطف الخاص على العام؛ بدليل حديث: ((الدُّنيا متَاعٌ، وخيْرُ متاعِهَا المرأَةُ الصَّالحةُ)). وفيه ردٌّ على ابن مالك في «شرح عمدته»: إذ زعم أن عطف الخاص على العام إنما يكون بالواو.

قلت: إنما يرد إذا قلنا: إن النكرة في سياق الشرط للعموم الشمولي [10] ، وفيه بحث؛ فقد قيل: إنما هي في سياقه للعموم [11] البدلي؛ بدليل أنه إذا قال: إن رأيتِ رجلًا، فأنتِ طالق، وقع الطلاقُ برؤيةِ واحدٍ [12] .

[1] في (ق): ((لاستشهاد)).
[2] في (د) و(ج): ((وقد زاد)).
[3] في (ق): ((نيته)).
[4] في (ق): ((عند)).
[5] ((معنى)): غير واضحة في (م).
[6] ((واحد)): ليست في (ج).
[7] في (ق): ((وكان)).
[8] في (ق): ((والتذكر)).
[9] ((ممنوعة)): ليست في (ق).
[10] في (ق): ((سياق العموم لشمول الشرط)).
[11] في (ق): ((فقد قيل إنها في سياقة العموم)).
[12] في (ج): ((واحدة)).





54- قوله: (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ): تقدَّم في أوَّل هذا التعليق أنَّه الأنصاريُّ النَّجَّاريُّ.

قوله: (أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا): تقدَّم الكلام على هذه المرأة في أوَّل [هذا] التعليق.


لا تتوفر معاينة

54- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميمين واللَّام (قَالَ: أَخْبَرَنَا)، وفي رواية ابن عساكر: ((حدَّثنا)) (مَالِكٌ)؛ هو إمام الأئمَّة، (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ، (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث التَّيميِّ، (عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ) اللَّيثيِّ، (عَنْ عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنه: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: الأَعْمَالُ) تجزئ (بِالنِّيَّةِ) بالإفراد وحذفِ «إنَّما»، واتفق المحققون على إفادة الحصر من هذه الصِّيغة كالمُصَدَّرة بـ: «إنَّما»، وهو من حصر المُبتدَأ في الخبر، والتَّقدير: كلُّ الأعمال بالنِّيَّة. نعم؛ خرج من العموم جزئيَّاتٌ بدليلٍ، والجارَّ والمجرور يتعلَّق بمحذوفٍ، قدَّره بعضهم: قبول الأعمال واقعٌ بالنِّيَّة [1] ، وفيه حذف المُبتدَأ؛ وهو «قبولُ»، وإقامة المُضَاف إليه مقامه، ثمَّ حُذِفَ الخبر؛ وهو «واقعٌ»، والأحسن تقدير مَنْ قَدَّر: الأعمال صحيحةٌ أو مُجزِئةٌ، وقِيلَ: تقدير الخبر: «واقعٌ» أَوْلى من تقديره: بـ: «مُعتَبرٌ»؛ لأنَّهم أبدًا لا يضمرون إلَّا ما يدلُّ عليه الظَّرف؛ وهو واقعٌ أو استقرَّ، وهي قاعدةٌ مطَّرِدةٌ عندهم، وأُجِيب: بأنَّه مُسَلَّمٌ في تقدير ما يتعلَّق به الظَّرف مُطلَقًا، مع قطع النَّظر عن صورةٍ خاصَّةٍ، أمَّا الصُّورة المخصوصة فلا يُقدَّر فيها إلَّا ما يليق بها، ممَّا يدلُّ عليه المعنى أو السِّياق، وإنَّما قُدِّر هذا خبرًا؛ لتقدير المُبتدَأ؛ وهو «قبولُ»، وإذا قدَّرنا ذلك نفس الخبر، لم يَحْتَجْ إلى حذف المُبتدَأ، (وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى)؛ أي: الذي نواه إذا كان المحلُّ قابلًا، كما سبق تقريره، (فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ) نيَّةً وعقدًا؛ [/ج1ص148/] (فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ) حكمًا وشرعًا، كذا قاله ابن دقيقٍ العيد، وردَّه الزَّركشيُّ: بأنَّ المُقدَّر حينئذٍ حالٌ مبيِّنةٌ، فلا تُحذَف، وكذا [2] منع الرَّنديُّ في «شرح الجمل» جعل «بسم الله» متعلِّقًا بحالٍ محذوفةٍ؛ أي: أبتدئ مُتبرِّكًا، قال: لأنَّ حذف الحال لا يجوز، انتهى. وأُجِيب: بمنع أنَّ المُقدَّر حالٌ، بل هو تمييزٌ، ويجوز حذف التَّمييز إذا دلَّ عليه دليلٌ؛ نحو: {إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ} [الأنفال: 65] ؛ أي: رجلًا، ويمكن أن يُقَال: لم يُرِدْ بتقدير: نيَّةً وعقدًا في الأوَّل، وحكمًا وشرعًا في الثَّاني أنَّ هناك لفظًا محذوفًا، بل أراد بيان المعنى ومُغايَرَة الأوَّل للثَّاني، وتأوَّله بعضهم على إرادة المعهود المُستقرِّ في النُّفوس، فإنَّ المُبتدَأ والخبر، وكذلك الشَّرط والجزاء، قد يتَّحدان؛ لبيان الشُّهرة وعدم التَّغيير، وإرادة المعهود المستقرِّ في النَّفس، ويكون ذلك؛ للتَّعظيم، وقد يكون؛ للتَّحقير، وذلك بحسب المقامات والقرائن، فَمِنَ الأوَّل: قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} [الواقعة: 10] ، وقوله عليه الصلاة والسلام: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله»، ومن الثَّاني: قوله: (وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا)، وفي روايةٍ لأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر وكريمة [3] : ((إلى دنيا)) (يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا؛ فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ)؛ أي: إلى ما ذكر، واستُشكِل: استعمال «دنيا»؛ لأنَّها في الأصل مُؤنَّث «أدنى»، و«أدنى» «أَفْعَلْ» تفضيل، مِنَ: الدُّنوِّ، و«أَفْعَل» التَّفضيل إذا نُكِّر؛ لزم الإفراد والتَّذكير، وامتنع تأنيثه وجمعه، ففي استعمال «دنيا» بالتَّأنيث مع كونه مُنكَّرًا إشكالٌ؛ ولهذا لا يُقَال: قُصْوَى ولا كُبْرَى، وأجاب ابن مالكٍ بأنَّ «دنيا» خُلِعَت عن الوصفيَّة غالبًا، وأُجْرِيتْ مجرى ما لم يكن قطُّ وصفًا ممَّا وزنه «فُعْلَى»، كرُجْعَى وبُهْمَى؛ فلهذا ساغ فيها ذلك. ثمَّ إنَّ غرض المؤلِّف من إيراد هذا الحديث هنا الرَّدُّ على من زعم من المرجئة: أنَّ الإيمان قولٌ باللِّسان دون عقد القلب، فبيَّن أنَّ الإيمان لا بدَّ له من نيَّةٍ واعتقاد قلبٍ، فافهم. وإنَّما أبرز الضَّمير في الجملة الأولى؛ لقصد الالتذاذ بذكر الله ورسوله، وعِظَمِ شأنهما: [من الطَّويل]

~ أَعِدْ ذكرَ نعمانَ لنا إنَّ ذكرَهُ هو المسكُ ما كرَّرَته يَتَضوَّعُ

وهذا بخلاف «الدُّنيا» و«المرأة»، لا سيَّما والسِّياق يُشعِر بالحثِّ على الإعراض عنهما، وهذه الجملة الأولى هنا سقطت عند المؤلِّف من رواية الحميديِّ أوَّل الكتاب [خ¦1] ، فذكر في كلِّ تبويبٍ ما يناسبه بحسب ما رواه.

[1] في (م): «بالنيَّات».
[2] في (ب) و(س): «ولذا».
[3] «وكريمة»: سقط من (م).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

54 - فيه حديث: (( الأَعْمَالُ بِالنِّيَةِ)) وقد تقدم ذكر إسناده ومتنه [1].

[1] في (ع): ((ذكر إسناد ومتونه)).
#%ص204%





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

54- وبه قال: ((حدثنا عبد الله بن مَسْلَمَة)) ؛ بفتح الميمين واللام، ((قال: أخبرنا)) ، وفي رواية: (حدثنا) ، ((مالك)) ؛ هو ابن أنس، ((عن يحيى بن سعيد)) ؛ هو الأنصاري، ((عن محمد بن إبراهيم)) ؛ هو ابن الحارث التيمي، ((عن علقمة بن وقَّاص)) ؛ بتشديد القاف: الليثي، ((عن عمر)) ؛ هو ابن الخطاب رضي الله عنه: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الأعمال)) الصادرة من المكلفين تكمُل ويثاب عليها، ((بالنية)) بالإفراد وحذف (إنما) ، فإن لم ينو [1] فيها؛ تكون غير كاملة ولا يثاب عليها؛ لأنَّ الكمال والثواب منوط بالنية، وتقدير الكمال والثواب هو المطَّرد، ولأنه متفق عليه، وهذه الصيغة لا تفيد الحصر؛ لأنها غير محصورة بـ (إنما) ، على أن الصيغة المصدرة بـ (إنما) اختلف فيها هل تفيد الحصر أم لا؟ فهذه عدم إفادتها الحصر بالأَولى، والجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: كاملة ومثاب عليها.

وما قيل: إن الأحسن تقدير صحيحة أو مجزئة؛ ممنوع؛ لأنَّه لا دليل يدل عليه، ولو سُلِّم فيلزم منه نسخ الكتاب بخبر الواحد، وهو لا يجوز، فتقدير الكمال أحسن وأولى؛ فافهم.

((ولكل امرئ ما نوى)) ؛ أي: الذي نواه إذا كان المحل قابلًا؛ كما تقدم، ((فمن كانت هجرته)) ؛ بكسر الهاء: خروجه من أرض إلى أخرى ((إلى الله ورسوله)) نية وعقدًا ((فهجرته إلى الله ورسوله)) حكمًا وشرعًا، وإنَّما أبرز الضمير؛ لقصد الاستلذاذ بذكره تعالى ورسوله عليه السلام، ((ومن كانت هجرته لدنيا)) وفي رواية: (إلى دنيا) ((يصيبها)) يحصِّلها ((أو امرأة يتزوَّجها؛ فهجرته إلى ما هاجر إليه)) ؛ أي: إلى ما ذكر.

فإن قلت: قد استعمل (دنيا) بالتأنيث مع كونه منكَّرًا، وأجيب: بأن (دنيا) جعلت عن الوصفية غالبًا، وأجريت مجرى ما لم يكن قط وصفًا مما وزنه: (فُعْلى) كرجعى وبهمى، فلهذا ساغ فيها ذلك، ومراد المؤلف بهذا الحديث الرد على المرجئة؛ حيث قالوا: إن الإيمان قول باللسان دون عقد القلب، والجملة الأولى سقطت عند المؤلف من رواية الحميدي أول الكتاب، فذكر في كل باب ما يناسبه.

[1] في الأصل: ( ينوي).