إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: الأعمال بالنية، ولكل امرئ ما نوى

54- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميمين واللَّام (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وفي رواية ابن عساكر: ((حدَّثنا)) (مَالِكٌ) هو إمام الأئمَّة (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث التَّيميِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ) اللَّيثيِّ (عَنْ عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنه: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم قَالَ: الأَعْمَالُ) تجزئ (بِالنِّيَّةِ) بالإفراد وحذفِ «إنَّما»، واتفق المحققون على إفادة الحصر من هذه الصِّيغة كالمُصَدَّرة بـ «إنَّما»، وهو من حصر المُبتدَأ في الخبر، والتَّقدير: كلُّ الأعمال بالنِّيَّة. نعم؛ خرج من العموم جزئيَّاتٌ بدليلٍ، والجارّ والمجرور يتعلَّق بمحذوفٍ، قدَّره بعضهم: قبول الأعمال واقعٌ بالنِّيَّة [1]، وفيه حذف المُبتدَأ؛ وهو «قبولُ»، وإقامة المُضَاف إليه مقامه، ثمَّ حُذِفَ الخبر؛ وهو «واقعٌ»، والأحسن تقدير مَنْ قَدَّر: الأعمال صحيحةٌ أو مُجزِئةٌ، وقِيلَ: تقدير الخبر «واقعٌ» أَوْلى من تقديره بـ «مُعتَبرٌ»؛ لأنَّهم أبدًا لا يضمرون إلَّا ما يدلُّ عليه الظَّرف؛ وهو واقعٌ أو استقرَّ، وهي قاعدةٌ مطَّرِدةٌ عندهم، وأُجِيب بأنَّه مُسَلَّمٌ في تقدير ما يتعلَّق به الظَّرف مُطلَقًا، مع قطع النَّظر عن صورةٍ خاصَّةٍ، أمَّا الصُّورة المخصوصة فلا يُقدَّر فيها إلَّا ما يليق بها، ممَّا يدلُّ عليه المعنى أو السِّياق، وإنَّما قُدِّر هذا خبرًا لتقدير المُبتدَأ؛ وهو «قبولُ»، وإذا قدَّرنا ذلك نفس الخبر، لم يَحْتَجْ إلى حذف المُبتدَأ (وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) أي: الذي نواه إذا كان المحلُّ قابلًا، كما سبق تقريره (فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ) نيَّةً
ج1ص148
وعقدًا (فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ) حكمًا وشرعًا، كذا قاله ابن دقيقٍ العيد، وردَّه الزَّركشيُّ: بأنَّ المُقدَّر حينئذٍ حالٌ مبيِّنةٌ فلا تُحذَف، وكذا [2] منع الرَّنديُّ في «شرح الجمل» جعل «بسم الله» متعلِّقًا بحالٍ محذوفةٍ، أي: أبتدئ مُتبرِّكًا، قال: لأنَّ حذف الحال لا يجوز. انتهى. وأُجِيب بمنع أنَّ المُقدَّر حالٌ، بل هو تمييزٌ، ويجوز حذف التَّمييز إذا دلَّ عليه دليلٌ؛ نحو: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ} [الأنفال: 65] أي: رجلًا، ويمكن أن يُقَال: لم يُرِدْ بتقدير نيَّةً وعقدًا في الأوَّل، وحكمًا وشرعًا في الثَّاني أنَّ هناك لفظًا محذوفًا، بل أراد بيان المعنى ومُغايَرَة الأوَّل للثَّاني، وتأوَّله بعضهم على إرادة المعهود المُستقرِّ في النُّفوس، فإنَّ المُبتدَأ والخبر، وكذلك الشَّرط والجزاء، قد يتَّحدان لبيان الشُّهرة وعدم التَّغيير، وإرادة المعهود المستقرِّ في النَّفس، ويكون ذلك للتَّعظيم، وقد يكون للتَّحقير، وذلك بحسب المقامات والقرائن، فَمِنَ الأوَّل قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} [الواقعة: 10] وقوله عليه الصلاة والسلام: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله»، ومن الثَّاني قوله: (وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا) وفي روايةٍ لأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر وكريمة [3]: ((إلى دنيا)) (يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) أي: إلى ما ذكر، واستُشكِل: استعمال «دنيا» لأنَّها في الأصل مُؤنَّث «أدنى»، و«أدنى» «أَفْعَلْ» تفضيل مِنَ الدُّنوِّ، و«أَفْعَل» التَّفضيل إذا نُكِّر لزم الإفراد والتَّذكير، وامتنع تأنيثه وجمعه، ففي استعمال «دنيا» بالتَّأنيث مع كونه مُنكَّرًا إشكالٌ؛ ولهذا لا يُقَال: قُصْوَى ولا كُبْرَى، وأجاب ابن مالكٍ بأنَّ «دنيا» خُلِعَت عن الوصفيَّة غالبًا، وأُجْرِيتْ مجرى ما لم يكن قطُّ وصفًا ممَّا وزنه «فُعْلَى»، كرُجْعَى وبُهْمَى فلهذا ساغ فيها ذلك. ثمَّ إنَّ غرض المؤلِّف من إيراد هذا الحديث هنا الرَّدُّ على من زعم من المرجئة أنَّ الإيمان قولٌ باللِّسان دون عقد القلب، فبيَّن أنَّ الإيمان لا بدَّ له من نيَّةٍ واعتقاد قلبٍ، فافهم. وإنَّما أبرز الضَّمير في الجملة الأولى لقصد الالتذاذ بذكر الله ورسوله، وعِظَمِ شأنهما: [من الطَّويل]
~أَعِدْ ذكرَ نعمانَ لنا إنَّ ذكرَهُ هو المسكُ ما كرَّرته يَتَضوَّعُ
وهذا بخلاف «الدُّنيا» و«المرأة»، لا سيَّما والسِّياق يُشعِر بالحثِّ على الإعراض عنهما، وهذه الجملة الأولى هنا سقطت عند المؤلِّف من رواية الحميديِّ أوَّل الكتاب [خ¦1] فذكر في كلِّ تبويبٍ ما يناسبه بحسب ما رواه.
ج1ص149


[1] في (م): «بالنيَّات».
[2] في (ب) و(س): «ولذا».
[3] «وكريمة»: سقط من (م).