متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

41- (باب مَا جَاءَ) في الحديث: (أَنَّ الأَعْمَالَ) بفتح همزة «أنْ» وكسرها في «اليونينيَّة»، ولكريمة: ((إنَّ العمل)) (بِالنِّيَّةِ وَالْحِسْبَةِ)؛ بكسر الحاء، وإسكان السِّين المُهمَلَتين؛ أي: الاحتساب؛ وهو الإخلاص، (وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى)، ولفظ «الحِسْبة» من حديث أبي مسعودٍ الآتي _إن شاء الله تعالى_ [خ¦55] وأدخلها بين الجملتين؛ للتَّنبيه على أنَّ التَّبويب شاملٌ لثلاث تراجم: «الأعمال بالنِّيَّة»، و«الِحسْبة»، و«لكلِّ امرئٍ ما نوى»، وفي رواية ابن عساكر: ((قال أبو عبد الله البخاريُّ)) وفي رواية الباقي بحذف: ((قال أبو عبد الله))، وإذا كان الأعمال بالنِّيَّة؛ (فَدَخَلَ فِيهِ)؛ أي: في الكلام المتقدِّم (الإِيمَانُ)؛ أي: على رأيه؛ لأنَّه عنده عملٌ، كما مرَّ البحث فيه، وأمَّا الإيمان بمعنى: التَّصديق؛ فلا يحتاج إلى نيَّةٍ؛ كسائر أعمال القلوب، (وَ) كذا (الْوُضُوءُ)؛ خلافًا للحنفيَّة؛ لأنَّه عندهم من الوسائل لا عبادةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وبأنَّه عليه الصلاة والسلام علَّم الأعرابيَّ الجاهلَ الوضوءَ، ولم يعلِّمه النِّيَّة، ولو كانت فرضًا [1] ؛ لَعَلَّمه، ونُوقِضوا بالتَّيمُّم؛ فإنَّه وسيلةٌ، وشرطوا [2] فيه النِّيَّة، وأجابوا: بأنَّه طهارةٌ ضعيفةٌ، فيُحتَاج لتقويتها بالنِّيَّة، وبأنَّ قياسه على التَّيمُّم غير مستقيمٍ؛ لأنَّ الماء خُلِقَ مطهِّرًا، قال الله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48] ، والتُّراب ليس كذلك، وكان التَّطهير به تعبُّدًا محضًا، فاحتاج إلى النِّيَّة؛ إذِ التَّيمُّم ينبئ لغةً عن القصد، فلا يتحقَّق دونه، بخلاف الوضوء، ففسد قياسه على التَّيمُّم، (وَ) كذا (الصَّلَاةُ) من غير خلافٍ أنَّها لا تصحُّ إلَّا بالنِّيَّة. نعم؛ نازع ابن القيِّم في استحباب التَّلفُّظ بها محتجًّا بأنَّه لم يروَ أنَّه صلى الله عليه وسلم تلفَّظ بها، ولا عن أحدٍ من أصحابه، وأُجِيب: بأنَّه عونٌ على استحضار النِّيَّة القلبيَّة، وعبادةٌ باللِّسان [3] ، وقاسه بعضهم على ما في «الصَّحيح» من حديث أنسٍ: أنَّه سمع النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يلبِّي بالحجِّ والعمرة جميعًا؛ يقول: «لبَّيك حجًّا وعمرةً»، وهذا تصريحٌ باللَّفظ، والحكم كما يثبت باللَّفظ يثبت بالقياس، وتجب مقارنة النِّيَّة لتكبيرة الإحرام؛ لأنَّها أوَّل الأركان؛ وذلك بأن يأتيَ بها عند أوَّلها، ويستمرَّ ذاكرًا لها إلى آخرها، واختار النَّوويُّ في شرحَي [/ج1ص147/] «المُهذَّب» و«الوسيط» _تبعًا للإمام الغزاليِّ_ الاكتفاء بالمُقارَنة العرفيَّة عند العوامِّ؛ بحيث يُعَدُّ مستحضرًا للصَّلاة؛ اقتداءً بالأوَّلين في تسامحهم بذلك، وقال ابن الرِّفعة: إنَّه الحقُّ، وصوَّبه السُّبكيُّ، ولو عَزَبت النِّيَّة قبل تمام التَّكبيرة؛ لم تصحَّ الصَّلاة؛ لأنَّ النِّيَّة مُعتَبَرةٌ في الانعقاد، والانعقاد لا يحصل إلَّا بتمام التَّكبيرة، ولو نوى الخروج من الصَّلاة أو تردَّد في أن يخرجَ أو يستمرَّ؛ بطلت، بخلاف الصَّوم والحجِّ والوضوء والاعتكاف [4] ؛ لأنَّها أضيق بابًا من الأربعة، فكان تأثيرها باختلاف النِّيَّة أشدُّ، ولو علَّق الخروج من الصَّلاة بحصول [5] شيءٍ؛ بطلت في الحال، ولو لم يقطع بحصوله؛ كتعليقه [6] بدخول شخصٍ، كما لو علَّق به الخروج من الإسلام، فإنَّه يكفر في الحال قطعًا، وتجب نيَّة فعل الصَّلاة؛ أي: لِتمتازَ عن بقيَّة الأفعال، وتعيينها كالظُّهر والعصر؛ لتمتاز عن غيرها، (وَ) كذا يدخل في قوله: «الأعمال بالنِّيَّة»: (الزَّكَاةُ) إلَّا إن أخذها الإمام من الممتنع؛ فإنَّها تسقط، ولو لم ينوِ صاحب المال؛ لأنَّ السُّلطان قائمٌ مقامه، (وَ) كذا (الْحَجُّ)، وإنَّما ينصرف إلى فرض من حجَّ عن [7] غيره لدليلٍ خاصٍّ، وهو حديث ابن عبَّاسٍ في قصَّة شبرمة، (وَ) كذا (الصَّوْمُ)؛ خلافًا لمذهب عطاءٍ ومجاهدٍ وزُفَرَ: أنَّ الصَّحيح المقيمَ في رمضان لا يحتاج إلى نيَّةٍ؛ لأنَّه لا يصحُّ النَّفل في رمضان، وعند الأربعة: تلزم النِّيَّة. نعم؛ تعيين الرَّمضانيَّة لا يُشترَط عند الحنفيَّة، (وَ) كذا (الأَحْكَامُ) من المُناكَحَات والمُعامَلَات والجراحات؛ إذ يُشترَط في كلِّها القصد، فلو سبق لسانه إلى «بِعتُ» أو «وهبتُ» أو «نكحتُ» أو «طلَّقتُ»؛ لَغَا؛ لانتفاء القصد إليه، ولا يصدق ظاهرًا إلَّا بقرينةٍ؛ كأن دعا زوجته بعد طهرها من الحيض إلى فراشه، وأراد أن يقول: أنت طاهرٌ فسبق لسانه، وقال: أنت الآن طالقٌ، (وَقَالَ: {قُلْ كُلٌّ})، ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: ((وقال الله تعالى: {قل كلٌّ})) وللأَصيليِّ وكريمة: ((عزَّ وجلَّ: {قُلْ كُلٌّ}))؛ أي: كلُّ أحدٍ ({يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ}) [الإسراء: 84] ؛ أي: (عَلَى نِيَّتِهِ)، وهو مرويٌّ عن الحسن البصريِّ ومعاوية بن قرَّةَ المزنيِّ وقتادة، فيما أخرجه عبد بن حُمَيدٍ والطَّبريُّ عنهم، وقال مجاهدٌ والزَّجَّاج: {شَاكِلَته} أي: طريقته ومذهبه، وحذف المؤلِّف أداة التَّفسير، (ونَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا صَدَقَةٌ)؛ حال كونه مريدًا بها وجه الله تعالى، فـ: «يحتسبها»: حالٌ متوسِّطٌّ بين المُبتدَأ والخبر، وفي «فرع اليونينيَّة» كهي: ((نفقة الرَّجل))؛ بحذف الواو، وجملة: ((نفقة الرَّجل)) إلى آخرها ساقطةٌ عند أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر، (وَقَالَ) النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عبَّاسٍ المرويِّ عند المؤلِّف مُسنَدًا: «لا هجرة بعد الفتح»، (وَلَكِنْ) طلب الخير (جِهَادٌ وَنِيَّةٌ)، وسقط لغير الأربعة: ((وقال [8] النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم)).

[1] في (ب) و(س): «فريضة».
[2] في (م): «اشترطوا».
[3] في (س): «للسان» وفي (م): «اللسان».
[4] «والاعتكاف»: سقط من (م).
[5] في (ب) و(س): «بحضور».
[6] في (م): «كتعلُّقه».
[7] في (ب) و(س): «عنه».
[8] في (م): «وقوله».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

(41) بابُ ما جاءَ أَنَّ [1] الأَعْمالَ [2] بِالنِّيَّةِ والحِسْبَةِ «وَلِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَىَ»

فَدَخَلَ [3] فِيهِ الإِيمانُ، والوُضُوءُ، والصَّلاةُ، والزَّكاةُ، والحَجُّ، والصَّوْمُ، والأَحْكامُ. وَقالَ [4] : { قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ } [الإسراء: 84] : عَلَىَ نِيَّتِهِ.

«نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَىَ أَهْلِهِ -يَحْتَسِبُها- صَدَقَةٌ» [5] .

وَقالَ [6] : «وَلَكِنْ جِهادٌ وَنِيَّةٌ».

[1] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«إِنَّ»، وكتب فوقها «معًا».
[2] في رواية [ح] : «العَمَلَ» كتبت بالحمرة، وعزاها في (ب، ص) إلىَ رواية كريمة.
[3] في رواية ابن عساكر: «قال أبو عبد الله: فدخل».
[4] في رواية أبي ذر و [عط] ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت ونسخة عند ابن عساكر: «وقال الله تعالىَ»، وفي رواية الأصيلي: «وقال عزَّ وَجَلَّ».
[5] قوله: «نفقة الرجل علىَ أهله يحتسبها صدقة» ليس في رواية ابن عساكر وأبي ذر والأصيلي ولا في رواية السَّمعاني عن أبي الوقت.
[6] في رواية أبي ذر وابن عساكر والأصيلي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت ورواية [ح] و [عط] زيادة: «النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».





( الْحِسْبَةِ ) بحاء مكسورة؛ أي: الاحتساب والإخلاص.


(41) [بَابٌ: مَا جَاءَ إِنَّ الأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ وَالحِسْبَةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى]

(الأَعْمَالَ بالنِّيَّةِ) أي: تُعتبر، أو تَصح أو تُجتلب، والأول أعمُّ فائدة. وقيل: الأولى تقدير: واقعة؛ لأنه على القاعدة المطَّرِدة، وهذا مُسَلَّم في تقدير [1] ما يتعلَّق به الظرف مطلقًا مع قطع النظر عن صورة خاصة.

وأما الصورةُ المخصوصة، فيقدر ما يليق ممَّا يدل عليه المعنى أو السياق؛ كما في قولك: زيدٌ على الفَرَس،

@%ج1ص70%

فيُقدَّر: راكب، ولا ضير.

والنِّيَّة _ بالتشديد _ من نوى؛ أي: قَصَد، والأصل: نِوْيَة، فقلبت الواو ياء وأُدغمت، وقد تُخفف ياؤه، فتكون من وَنَى: إذا [2] أبطأ؛ لأنَّ النية تحتاج في تصحيحها إلى إبطاءٍ وتأخُّر، والباء للسببية، أو المصاحبة، وفي بعض الروايات: ((بالنيات))، ومقابلتها الأعمالَ مقابلةُ الآحاد بالآحاد؛ أي: لكل عمل نيةٌ، أو إشارة إلى [3] تنوع النيات؛ يعني: إن [4] كان القصدُ رضا الله [5] ، فله مزية، أو دخول الجنة، فله مزية، أو الدنيا، فهو بقَدْرِها [6] .

(وإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) هذه غير الأولى، فإن الأولى منبِّهةٌ على أنَّ العمل لا يصير حاملًا لثوابٍ وعقابٍ [7] إلا بالنية.

والثانية على أنَّ العامل يكون له من العمل على قَدْر نيته، ولهذا أُخرت الثانية على الأولى؛ لترتبها [8] عليها.

وقدَّره الشيخ عز الدين بن عبد السلام: إنما يحصل لكل امرئٍ ثوابُ العمل الذي نواه.

وعلى هذا: فالجملة الأولى لبيان ما يُجزئ من الأعمال الدُّنيوية، والثانية لبيان ما ترتب عليها [9] من الثواب في الآخرة.

وقال الخطَّابي: أفادت الثانية اشتراطَ تَعَيُّنِ [10] المنوي، فلا يكفيه في الفائتة [11] مجردُ نية الفائتة، بل لا بدَّ أن يُعيِّنها، ولولا الثانية، لاقتضت الأولى صحة النية بلا تعيين، أو أوهمت ذلك.

ثم من الأعمال ما لا يُشترط فيه النية؛ كقضاء الدَّين، ومنها ما يشترط فيه؛ كالصلاة .

قال ابن المنيِّر: وضابطه أنَّ العمل الذي مقصودُه الثواب في الآخرة هو محلُّ الاشتراط، والعمل

@%ج1ص71%

الذي تظهر فائدته ناجزًا، وتتقاضاه الطبيعة قبل الشريعة؛ لملائمةٍ بينهما، لا تُشترط فيه النية، فمن الأول: التيمم، ومن الثاني: إزالة النجاسة، وقد تختلف في بعض الصور؛ لتحقيق مناطٍ [12] ؛ كالوضوء، وحيث لا تُشترط النية في إزالة النجاسة، وردِّ الوديعة [13] ، وقضاء الدَّين، فإنها تُشترط لمن يرد مع الغرَض العاجل الثوابَ الآجلَ.

قال العلماء: والنيةُ والإيمان مما يُطلب به الثوابُ الآجل، مع أنه لا تُشترط نيتهما، وما ذلك [14] إلا لما يفضي إليه الاشتراط في النية من التَّسلسل، وفي الإيمان من [15] الدور.

قال: فالحق أن النية نفسَها تتعلق بنفسها، وبالمنويِّ، فهي كالعلم الذي يتعلق بنفسِه، وبالمعلوم، فلا تسلسلَ، وأما الإيمان، فلأنه نفسَه حضورٌ وتعظيم للحق [16] ، فهو متميز بنفسه؛ كالخوف، والرجاء، والمحبة، والتوكل، فلا تحتاج إلى نية تُشتَرط فيها [17] شرعًا.

هذا معنى كلامه .

قلت: وقد جعل القرافيُّ النية مما صورته كافيةً في تحصيل مصلحته؛ إذ مصلحتها التمييز، وهو حاصل بها مع القصد وبدونه.

[1] في (ق): ((هذين)).
[2] في (د): ((إلى)).
[3] في (ج): ((إلى أن)).
[4] ((إن)): ليست في (ج).
[5] في (ج): ((الله عنه)).
[6] في (ق): ((يقدِّرها)).
[7] في (ق): ((للثواب والعقاب)).
[8] في (ق): ((لمزيتها)).
[9] في (د) و(ج): ((عليه)).
وفي (ق): ((عليهما)).
[10] في (ق): ((تعيين)).
[11] في (ق): ((القادمة)).
[12] في (ق): ((المناط)).
[13] في (ق): ((الودائع)).
[14] في (ق): ((ذاك)).
[15] في (د) و(ج): ((بين)).
[16] في (ق): ((حضور وتعليم)).
[17] في (ق): ((فيه)).





قوله: (بابُ مَا جَاءَ أَنَّ الأَعْمَالَ): (أنَّ): يجوز فيها فتح الهمزة وكسرها، وبهما ضُبِط في أصلنا، وفي غيره: بالفتح فقط، والنُّون مشدَّدة فيهما.

قوله: (وَالْحِسْبَةِ): هي بكسر الحاء، وإسكان السين، المهملتين، ثمَّ موحَّدة، ثمَّ تاء التأنيث؛ وهي ادِّخار أجر ذلك العمل، وأن يحسبه العامل في حسبانه.

قوله: ({شَاكِلَتِهِ }) [الإسراء: 84] : (نِيَّتِهِ): هذا قول في تفسير (الشَّاكلة) ، وقيل: هي عادته، أو جَدِيْلَته التي طبع عليها من شقاء أو سعادة، أو ناحيته.

[قوله: (وَقَالَ النَّبيُّ صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم] [1] : وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ): هذا تعليق مجزوم به، وقد أخرجه [2] البخاريُّ في (الحجِّ) ، و (الجهاد) ، و (الجزية) من حديث ابن عبَّاس، وعنه طاووس، وعنه مجاهد، وكذا أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذيُّ، والنَّسائيُّ، قال التِّرمذيُّ: (حسن صحيح) .

[1] ما بين معقوفين ليس في (ب) .
[2] في (ب): (أخرج ذلك) .





(بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ): بالكسر والفتح.

(فَدَخَلَ): مقولُ القول، لا من تتمة (ما جاء).

(وَقَالَ اللهُ): الظَّاهر أنَّه جملةٌ حاليَّة لا عطفٌ على ما سبق؛ أي: أنَّ هذه الآية أيضًا تدُلُّ على أنَّ جميع الأعمال على حسب النِّيَّة، فهي مقوِّيةٌ لما قال: (فدخل فيه كذا وكذا).

(عَلَى نِيَّتِهِ): تفسيرٌ لقوله: {عَلَى شَاكِلَتِهِ}.

(نَفَقَةُ الرَّجُلِ): (نفقةُ): مبتدأٌ.

و (يَحْتَسِبُهَا): حالٌ.

و (صَدَقَةٌ): خبرُ المبتدأ، والجملةُ في محلِّ النَّصب على الحاليَّة، والمقصودُ منه تقويةُ ما ذكره.


41- (باب مَا جَاءَ) في الحديث: (أَنَّ الأَعْمَالَ) بفتح همزة «أنْ» وكسرها في «اليونينيَّة»، ولكريمة: ((إنَّ العمل)) (بِالنِّيَّةِ وَالْحِسْبَةِ)؛ بكسر الحاء، وإسكان السِّين المُهمَلَتين؛ أي: الاحتساب؛ وهو الإخلاص، (وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى)، ولفظ «الحِسْبة» من حديث أبي مسعودٍ الآتي _إن شاء الله تعالى_ [خ¦55] وأدخلها بين الجملتين؛ للتَّنبيه على أنَّ التَّبويب شاملٌ لثلاث تراجم: «الأعمال بالنِّيَّة»، و«الِحسْبة»، و«لكلِّ امرئٍ ما نوى»، وفي رواية ابن عساكر: ((قال أبو عبد الله البخاريُّ)) وفي رواية الباقي بحذف: ((قال أبو عبد الله))، وإذا كان الأعمال بالنِّيَّة؛ (فَدَخَلَ فِيهِ)؛ أي: في الكلام المتقدِّم (الإِيمَانُ)؛ أي: على رأيه؛ لأنَّه عنده عملٌ، كما مرَّ البحث فيه، وأمَّا الإيمان بمعنى: التَّصديق؛ فلا يحتاج إلى نيَّةٍ؛ كسائر أعمال القلوب، (وَ) كذا (الْوُضُوءُ)؛ خلافًا للحنفيَّة؛ لأنَّه عندهم من الوسائل لا عبادةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وبأنَّه عليه الصلاة والسلام علَّم الأعرابيَّ الجاهلَ الوضوءَ، ولم يعلِّمه النِّيَّة، ولو كانت فرضًا [1] ؛ لَعَلَّمه، ونُوقِضوا بالتَّيمُّم؛ فإنَّه وسيلةٌ، وشرطوا [2] فيه النِّيَّة، وأجابوا: بأنَّه طهارةٌ ضعيفةٌ، فيُحتَاج لتقويتها بالنِّيَّة، وبأنَّ قياسه على التَّيمُّم غير مستقيمٍ؛ لأنَّ الماء خُلِقَ مطهِّرًا، قال الله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48] ، والتُّراب ليس كذلك، وكان التَّطهير به تعبُّدًا محضًا، فاحتاج إلى النِّيَّة؛ إذِ التَّيمُّم ينبئ لغةً عن القصد، فلا يتحقَّق دونه، بخلاف الوضوء، ففسد قياسه على التَّيمُّم، (وَ) كذا (الصَّلَاةُ) من غير خلافٍ أنَّها لا تصحُّ إلَّا بالنِّيَّة. نعم؛ نازع ابن القيِّم في استحباب التَّلفُّظ بها محتجًّا بأنَّه لم يروَ أنَّه صلى الله عليه وسلم تلفَّظ بها، ولا عن أحدٍ من أصحابه، وأُجِيب: بأنَّه عونٌ على استحضار النِّيَّة القلبيَّة، وعبادةٌ باللِّسان [3] ، وقاسه بعضهم على ما في «الصَّحيح» من حديث أنسٍ: أنَّه سمع النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يلبِّي بالحجِّ والعمرة جميعًا؛ يقول: «لبَّيك حجًّا وعمرةً»، وهذا تصريحٌ باللَّفظ، والحكم كما يثبت باللَّفظ يثبت بالقياس، وتجب مقارنة النِّيَّة لتكبيرة الإحرام؛ لأنَّها أوَّل الأركان؛ وذلك بأن يأتيَ بها عند أوَّلها، ويستمرَّ ذاكرًا لها إلى آخرها، واختار النَّوويُّ في شرحَي [/ج1ص147/] «المُهذَّب» و«الوسيط» _تبعًا للإمام الغزاليِّ_ الاكتفاء بالمُقارَنة العرفيَّة عند العوامِّ؛ بحيث يُعَدُّ مستحضرًا للصَّلاة؛ اقتداءً بالأوَّلين في تسامحهم بذلك، وقال ابن الرِّفعة: إنَّه الحقُّ، وصوَّبه السُّبكيُّ، ولو عَزَبت النِّيَّة قبل تمام التَّكبيرة؛ لم تصحَّ الصَّلاة؛ لأنَّ النِّيَّة مُعتَبَرةٌ في الانعقاد، والانعقاد لا يحصل إلَّا بتمام التَّكبيرة، ولو نوى الخروج من الصَّلاة أو تردَّد في أن يخرجَ أو يستمرَّ؛ بطلت، بخلاف الصَّوم والحجِّ والوضوء والاعتكاف [4] ؛ لأنَّها أضيق بابًا من الأربعة، فكان تأثيرها باختلاف النِّيَّة أشدُّ، ولو علَّق الخروج من الصَّلاة بحصول [5] شيءٍ؛ بطلت في الحال، ولو لم يقطع بحصوله؛ كتعليقه [6] بدخول شخصٍ، كما لو علَّق به الخروج من الإسلام، فإنَّه يكفر في الحال قطعًا، وتجب نيَّة فعل الصَّلاة؛ أي: لِتمتازَ عن بقيَّة الأفعال، وتعيينها كالظُّهر والعصر؛ لتمتاز عن غيرها، (وَ) كذا يدخل في قوله: «الأعمال بالنِّيَّة»: (الزَّكَاةُ) إلَّا إن أخذها الإمام من الممتنع؛ فإنَّها تسقط، ولو لم ينوِ صاحب المال؛ لأنَّ السُّلطان قائمٌ مقامه، (وَ) كذا (الْحَجُّ)، وإنَّما ينصرف إلى فرض من حجَّ عن [7] غيره لدليلٍ خاصٍّ، وهو حديث ابن عبَّاسٍ في قصَّة شبرمة، (وَ) كذا (الصَّوْمُ)؛ خلافًا لمذهب عطاءٍ ومجاهدٍ وزُفَرَ: أنَّ الصَّحيح المقيمَ في رمضان لا يحتاج إلى نيَّةٍ؛ لأنَّه لا يصحُّ النَّفل في رمضان، وعند الأربعة: تلزم النِّيَّة. نعم؛ تعيين الرَّمضانيَّة لا يُشترَط عند الحنفيَّة، (وَ) كذا (الأَحْكَامُ) من المُناكَحَات والمُعامَلَات والجراحات؛ إذ يُشترَط في كلِّها القصد، فلو سبق لسانه إلى «بِعتُ» أو «وهبتُ» أو «نكحتُ» أو «طلَّقتُ»؛ لَغَا؛ لانتفاء القصد إليه، ولا يصدق ظاهرًا إلَّا بقرينةٍ؛ كأن دعا زوجته بعد طهرها من الحيض إلى فراشه، وأراد أن يقول: أنت طاهرٌ فسبق لسانه، وقال: أنت الآن طالقٌ، (وَقَالَ: {قُلْ كُلٌّ})، ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: ((وقال الله تعالى: {قل كلٌّ})) وللأَصيليِّ وكريمة: ((عزَّ وجلَّ: {قُلْ كُلٌّ}))؛ أي: كلُّ أحدٍ ({يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ}) [الإسراء: 84] ؛ أي: (عَلَى نِيَّتِهِ)، وهو مرويٌّ عن الحسن البصريِّ ومعاوية بن قرَّةَ المزنيِّ وقتادة، فيما أخرجه عبد بن حُمَيدٍ والطَّبريُّ عنهم، وقال مجاهدٌ والزَّجَّاج: {شَاكِلَته} أي: طريقته ومذهبه، وحذف المؤلِّف أداة التَّفسير، (ونَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا صَدَقَةٌ)؛ حال كونه مريدًا بها وجه الله تعالى، فـ: «يحتسبها»: حالٌ متوسِّطٌّ بين المُبتدَأ والخبر، وفي «فرع اليونينيَّة» كهي: ((نفقة الرَّجل))؛ بحذف الواو، وجملة: ((نفقة الرَّجل)) إلى آخرها ساقطةٌ عند أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر، (وَقَالَ) النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عبَّاسٍ المرويِّ عند المؤلِّف مُسنَدًا: «لا هجرة بعد الفتح»، (وَلَكِنْ) طلب الخير (جِهَادٌ وَنِيَّةٌ)، وسقط لغير الأربعة: ((وقال [8] النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم)).

[1] في (ب) و(س): «فريضة».
[2] في (م): «اشترطوا».
[3] في (س): «للسان» وفي (م): «اللسان».
[4] «والاعتكاف»: سقط من (م).
[5] في (ب) و(س): «بحضور».
[6] في (م): «كتعلُّقه».
[7] في (ب) و(س): «عنه».
[8] في (م): «وقوله».





( وَالْحِسْبَةِ ) بكسر الحاء: الاحتساب والإخلاص.


لا تتوفر معاينة

قال البخاري رحمه الله تعالى:

39 - بَابٌ: مَا جَاءَ [1] إِنَّ الأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ وَالحِسْبَةِ [2].

[1] قوله: ((ما جاء)) ليس في (ع).
[2] في (ع): ((والحسنة)).
#%ص204%





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

هذا ((باب ما جاء)) ؛ أي: الذي جاء في الحديث ((أن الأعمال)) ؛ بفتح الهمزة: فاعل (جاء) ، وفي رواية: بكسرها، وفي أخرى: (أن العمل) ، ((بالنية)) ؛ بالتشديد المثناة التحتية، ((والحِسْبة)) ؛ بكسر الحاء وسكون السين المهملتين: اسم من الاحتساب؛ وهو الأجر والثواب، ((ولكل امرئ ما نوى)) ؛ أي: الذي نواه، ولفظ (الحسبة) من حديث أبي مسعود الآتي، وأدخلها بين الجملتين تنبيهًا على أنَّ التبويب شامل لثلاث تراجم: الأعمال بالنية، والحِسبة، ولكل امرئ ما نوى، وفي رواية: (قال أبو عبد الله البخاري) ، وفي أخرى إسقاطها.

((فدخل فيه)) ؛ أي: في الكلام السابق، ((الإيمان)) بناء على ما اختاره المؤلف من أن الإيمان؛ عمل، وأما الإيمان بمعنى التصديق فلا يحتاج إلى نية؛ لأنَّ الشارع قال: (الأعمال بالنية) وهي حركات البدن ولا دخل للقلب فيه، وأما الإيمان بمعنى معرفة الله؛ فكذلك لا تحتاج إلى نية؛ لأنَّ المعرفة لو توقفت على النية؛ لزم أن يكون عارفًا بالله قبل معرفته، وهو محال وكذا التسبيح وسائر الأذكار والتلاوة لا يحتاج شيء منها إلى نية التقرب.

((و)) كذا ((الوضوء)) بناء على ما ذهب إليه المؤلف، ومالك، والشافعي، وأحمد، وعند إمامنا الإمام الأعظم، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والحسن بن حي، لا يدخل.

وقالوا: الوضوء ليس عبادة مستقلة، وإنما هو وسيلة إلى الصلاة، والنبي الأعظم عليه السلام حين علَّم الأعرابي الجاهل الوضوء لم يعلِّمه النية، ولو كانت فرضًا؛ لعلَّمه، وقال الخصم: ونوقضوا بالتيمم، فإنَّه وسيلة وقد اشترط فيه النية عندنا.

قلنا: هذا التعليل ينتقض بتطهير الثوب والبدن عن الخبث؛ فإنَّه طهارة ولم يشترط فيها النية، فإن قالوا: الوضوء تطهير حكمي يثبت شرعًا، غير معقول؛ لأنَّه لا يعقل في المحل نجاسة تزول بالغسل؛ لأنَّ الأعضاء طاهرة حقيقةً وحُكمًا، أما حقيقة فظاهرٌ، وأما حكمًا فلأنه لو صلى إنسان وهو حاملُ مُحدِثٍ؛ جازت صلاته، وإذا ثبت أنه تعبُّدي وحكم الشرع بالنجاسة في حق الصلاة فجعلها كالحقيقة، كان مثل التيمم؛ حيث جعل الشارع ما ليس بمطهر حقيقة مطهرًا حكمًا، فيشترط فيه النية كالتيمم؛ تحقيقًا لمعنى التعبد؛ لأنَّ العبادة لا تتأدّى بدون النية، بخلاف غسل الخبث؛ فإنَّه معقول؛ لما فيه من إزالة عين النجاسة عن البدن أو الثوب، فلا تتوقف على النية.

قلنا: الماء مطهر بطبعه؛ لأنَّه خلق مطهرًا، قال الله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48] ، كما أنه مزيل للنجاسة ومطهر بطبعه، وإذا كان كذلك؛ تحصل الطهارة باستعماله، سواء نوى أو لم ينوِ، كالنار يحصل بها الإحراق وإن لم يقصد، والحدث يعم البدن؛ لأنَّه غير متجزئ، فيسري إلى جميع الأعضاء، ولهذا يوصف به كله، فيقال: فلان محدث لسائر الصفات؛ لأنَّه ليس بعضُ الأعضاء أولى بالسراية من بعض؛ لأنَّه لو خصص بعض الأعضاء بالحدث؛ لخص موضع خروج النجاسة بذلك؛ لأنَّه[/ص35/] أولى المواضع به لخروج النجاسة منه، لكنه لم يخص، فإنَّه لا يقال: مخرجه محدث، فإذا لم يخص المخرج بذلك؛ فغيره أولى، وإذا ثبت أنَّ البدن كله موصوف بالحدث؛ كان القياس غسل كله، إلَّا أنَّ الشارع اقتصر على غسل الأعضاء الأربعة التي هي الأمهات للأعضاء؛ تيسيرًا، وأسقط غسل الباقي فيما يكثر وقوعه كالحدث الأصغر؛ دفعًا للحرج، وفيما عداه؛ وهو الذي لا يكثر وجوده كالحدث الأكبر مثل الجنابة، والحيض، والنفاس، أقرَّ على الأصل؛ حيث أوجب غسل البدن فيها.

فثبت بما ذكرنا: أنَّ ما لا يعقل معناه وصف كل البدن بالنجاسة مع كونه طاهرًا حقيقة وحكمًا دون تخصيص المخرج، وكذا الاقتصار على غسل بعض البدن؛ وهو الأعضاء الأربعة بعد سراية الحدث إلى جميع البدن غير معقول، وكونهما مما لا يعقل لا يوجب تغيير صفة المطهر، فبقي الماء مطهرًا كما كان، فيطهر مطلقًا، والنية لو اشترطت إنَّما تشترط للفعل القائم بالماء؛ وهو التطهير، لا الوصف القائم بالمحل؛ وهو الحدث؛ لأنَّه ثابت بدون النية، وقد بينّا أنَّ الماء فيما يقوم به من صفة التطهير لا يحتاج إلى النية؛ لأنَّه مطهر طبعًا، بخلاف التراب؛ لكونه ملوِّثًا بالطبع، وإنما صار مطهرًا شرعًا حال إرادة الصلاة بشرط فقد الماء، فإذا وجدت نية إرادة الصلاة؛ صار مطهرًا، وبعد إرادة الصلاة وصيرورته مطهرًا شرعًا مستغنى عن النية كما استغنى الماء عنها بلا فرق بينهما، والله أعلم.

((و)) كذا ((الصلاة)) فلا خلاف في أنَّها لا تصحُّ إلَّا بالنية، ووقتها أول العبادات، ولكن الأول حقيقي وحُكمي، أما الحقيقي؛ ففي «الخلاصة» أجمع أصحابنا: أن الأفضل أن تكون مقارنة للشروع، ولا يكون شارعًا بمتأخرة عنها؛ لأنَّ ما مضى لا يقع عبادة؛ لعدم النية، فكذا الباقي؛ لعدم التجزُّئ.

وأما الحكمي؛ ففي «الأشباه» قالوا: لو نوى عند الوضوء أن يصلي الظهر مثلًا مع الإمام، ولم يشتغل بعد النية بما ليس من جنس الصلاة، إلَّا أنه لما انتهى إلى مكان الصلاة لم تحضره النية، وشرع في الصلاة؛ جازت صلاته بتلك النية، هكذا روي عن أئمتنا الثلاثة الأعلام.

وفي «التجنيس والمزيد»: إذا توضأ في منزله ليصلي العصر، ثم حضر المسجد، وافتتح الصلاة بتلك النية؛ فإن لم يشتغل بعمل آخر؛ تكفيه، هكذا قال الإمام محمد؛ لأنَّ النية المتقدمة تكفيها إلى وقت الشروع حكمًا، انتهى.

والمراد بما ليس من جنسها كل ما يدل على الإعراض عنها؛ كأكل وكلام مباح وغيرهما، وأما المشي إلى مقام الصلاة، فإنَّه مغتفر؛ لأنَّه من أفعالها حكمًا، فإنَّه غير قاطع لها، كما في «فتح القدير»، ولا تشترط بقاء النية مع كل ركن؛ للحرج، كذا في «البناية»، وكذا في بقية العبادات، وفي «القنية» لا يلزم نيته العبادة في كل جزء، إنَّما يلزمه في جملة ما يفعله في كل حال، انتهى، وفي «العناية»: افتتح المكتوبة ثم ظن أنَّها تطوع فأتمها على نية التطوع؛ أجزأته عن المكتوبة، انتهى.

والحاصل أن المذهب المعتمد: أن العبادة ذات أفعال تكتفي بالنية في أولها، ولا يحتاج في كل فعل اكتفاءً بانسحابها عليها، كذا في «الأشباه والنظائر» للإمام العلامة زين بن نجيم رضي الله عنه، وأما محلها؛ فالقلب في كل موضع، ولا يكفي التلفظ بها باللسان دون القلب، وفي «القنية» و«المجتبى»: ومن لا يقدر أن يُحضِر قلبه لينوي بقلبه أو يشك في النية؛ يكفيه التكلُّم بلسانه، {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] ، انتهى، ثم قال فيها: ولا يؤاخذ بالنية حال سهوه؛ لأنَّ ما يفعله من الصلاة فيما يسهو معفوٌ عنه، وصلاته مُجْزئة وإن لم يستحق بها ثوابًا، اهـ.

وهل يستحب التلَفُّظ بها ليكون مقررًا لما في القلب، أو يسن، أو يكره؟ فيه أقوال: فاختار في «الهداية» الأول لمن لم تجتمع عزيمته، قال في «فتح القدير»: ولم ينقل عن النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم وأصحابه التلفظ بالنية لا في حديث صحيح ولا ضعيف، وزاد في «الحلية»: (ولم ينقل عن الأئمة الأربعة) .

وفي «المفيد»: وكره بعض مشايخنا النطق باللسان، ورآه الآخرون سنة، وفي «المحيط»: الذكر باللسان سنة، فينبغي أن يقول: اللهم إنِّي أريد صلاة كذا فيسرها لي وتقبلها مني، ونقلوا في كتاب الحج: أن طلب التيسير لم ينقل إلا في الحج، بخلاف بقية العبادات، وفي «المجتبى» و«المختار»: أنه مستحب، انتهى.

((و)) كذا ((الزكاة)) لكن فيها تفصيل؛ وهو أن صاحب النصاب الحولي إذا دفع زكاته إلى مستحقها؛ لا يجوز له ذلك إلا بنية مقارنة للأداء، أو عند عزل ما وجب منها؛ تيسيرًا له، وأما إذا كان له دين على فقير فأبراه عنه؛ سقط زكاته عنه نوى الزكاة أو لا، ولو وهب دينه من فقير ونوى عن زكاةِ دينٍ آخر أو نوى زكاة عين له؛ لا يصح، ولو غلب الخوارج على بلدة فأخذوا الزكاة؛ سقطت عن أرباب الأموال، بخلاف العشر؛ فإنَّ للإمام أن يأخذه ثانيًا؛ لأنَّ التقصير هنا من جهة رب المال؛ حيث مر بهم، وهناك التقصير في الإمام؛ حيث قصر فيهم، وقال الشافعي: السلطان إذا أخذ الزكاة فإنَّها تسقط ولو لم ينو رب المال؛ لأنَّ السلطان قائم مقامه.

قلت: وكان ينبغي على أصله ألَّا تسقط إلَّا بالنية منه؛ لأنَّ السلطان قائم مقامه في دفعها إلى المستحقين، لا في النية، ولا حرج في اشتراط النية عند أخذ السلطان، انتهى.

((و)) كذا ((الحج)) ولا خلاف فيه أنه لا يصح إلا بالنية؛ لأنَّه داخل في عموم الحديث، والنية فيه سابقة على الأداء عند الإحرام؛ وهو النية مع التلبية، أو ما يقوم مقامها من سَوق الهدي، فلا يمكن فيه القران والتأخير؛ لأنَّه لا يصح أفعاله إلا إذا تقدم الإحرام؛ وهي ركن فيه أو شرط على قولين لأئمتنا الأعلام، ولو طاف طالبًا لغريم؛ لا يجزئه، ولو وقف بعرفات كذلك؛ أجزأه، والفرق: أن الطواف عُهِدَ قربة مستقلة، بخلاف الوقوف.

ولو طاف بنية التطوع في أيام النحر؛ وقع عن الفرض عندنا، وقال الشافعي: إذا نوى الحج عن الغير؛ ينصرف إلى حج نفسه ويجزئه عن فرضه، واستدل بحديث شبرمة المروي في «أبي داود»، عن ابن عباس: أن النبي الأعظم عليه السلام سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة، قال: «من شبرمة؟»، قال: أخ له أو قريب له، قال: «حججت عن نفسك؟»، قال: لا، قال: «حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة».

وقال إمامنا رأس المجتهدين الإمام الأعظم التابعي الجليل: ويجوز حج الصَّرَورة؛ بالصاد المهملة، وتخفيف الراء؛ وهو الذي لم يحج عن نفسه حجة الإسلام يحج عن غيره؛ لعموم هذا الحديث، ولما رواه الشيخان: أن امرأة من خَثْعم قالت: يا رسول الله؛ إن أبي أدركته فريضة الحج، وإنه شيخ كبير لا يستمسك على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نعم حجي عن أبيك»، من غير استفسار هل حججت أم لا، وهذا الحديث أصح من حديث شبرمة، على أن الدارقطني قال: الصحيح من الرواية: «اجعلها عن نفسك ثم حج عن شبرمة»، قالوا: كيف يأمره بالحج والإحرامُ وقع عن الأول؟

قلنا: يحتمل أنه كان في ابتداء الإسلام، حين لم يكن الإحرام لازمًا، على ما روي عن بعض الصحابة: أنه تحلل في حجة الوداع من الحج بأفعال العمرة، فكان يمكنه فسخ الأول وتقديم حج نفسه، والزيادات التي رواها البيهقي لم تثبت، اهـ ؛ فليحفظ.

((و)) كذا ((الصوم)) وفيه خلاف، فمذهب إمامنا الأعظم: أنه لا يصح الصوم إلا بالنية، وهو لا يخلو إما أن يكون فرضًا أو نفلًا، فإن كان فرضًا فلا يخلو إما أن يكون أداء رمضان أو غيره، فإن كان أداء رمضان؛ فإنَّه يصح بنية متقدمة من غروب الشمس، وبمقارنة، وهو الأصل، وبمتأخرة عن الشروع إلى ما قبل نصف النهار الشرعي، وإن كان غير أداء رمضان من قضاء، أو نذر، أو كفارة؛ فتصح بنية متقدمة من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، وتصح بنية مقارنة لطلوع الفجر؛ لأنَّ الأصل القِران، كما في «فتاوى الخانية»، وإن كان نفلًا؛ فحكمه حكم أداء رمضان، وتصح نية عبادة في ضمن عبادة أخرى.

قال في «القنية»: نوى في الصلاة المكتوبة أو النافلة الصوم تصح نيته ولا تفسد صلاته، انتهى، وعن إمامنا زفر رحمه الله روايتان: أحدهما: أن أداء رمضان لا يحتاج إلى نية أصلًا، وهو قول عطاء ومجاهد، والثانية: أنه لا بد فيه من النية، وتكفيه النية من أول الشهر فقط، ولا يحتاج أن ينوي كل ليلة.

ونصّ أئمتنا الأعلام على أنَّ قول زفر ضعيف لا يعوَّل عليه، وأنه لا بد في كل يوم من نية؛ كما ذكرنا، غير أنه لا يشترط تعيين الرمضانية في الأداء، حتى لو صام رمضان بنية قضاء، أو نذر عليه، أو تطوع؛ يجزئه عن فرض رمضان أداء؛ لأنَّه معيار لا يسع غير المؤدَّى، بخلاف قضاء رمضان؛ فإنَّه يشترط فيه التعيين.

وقال مالك، والشافعي، وأحمد: لا بد فيه من النية، ويشترط تبييتها من الليل، وتعيين الرمضانية.

((و)) كذا ((الأحكام)) جمع حكم، والمراد بها المعاملات؛ كالبيع، والشراء، والهبة، والوديعة، واللقيط، واللقطة،[/ص36/] والمناكحات؛ كالنكاح، والطلاق، والعدة، والإجارات، والمخاصمات، والدعاوى، وغيرها، فإنه لا يشترط في جميع ذلك النية، لكن إن نوى؛ يثاب على ذلك العمل، وإن لم ينو [1] ؛ لا يثاب ومضى فعله على الصحة.

فنحن لا ندعي أن النية لا توجد في مثل هذه الأشياء، وإنما ندعي عدم اشتراطها، ومؤدي الدين إذا قصد براءة الذمة وذلك عبادة؛ برئت ذمته، وحصل له الثواب، ولا نزاع فيه، وإذا أدى من غير براءة الذمة؛ هل يقول أحد: إن ذمته لم تبرأ؟

((وقال)) وفي رواية: (وقال الله تعالى) ، وفي رواية: (عز وجل) [2] : (({قُلْ كُلٌّ})) أي: كل أحد، ( ({يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} [الإسراء: 84] )) ، قال الليث: (الشاكلة من الأمور ما وافق فاعله) ، والمعنى: أن كل أحد يعمل على طريقته التي تشاكل أخلاقه، فالكافر يعمل ما يشبه طريقته من الإعراض عند النعمة، واليأس عند الشدة، والمؤمن يعمل ما يشبه طريقته من الشكر عند الرخاء، والصبر عند البلاء، ويدل عليه قوله: {فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا} [الإسراء: 84] ، وقال الزجاج ومجاهد: أي: مذهبه وطريقته، وفسره المؤلف بقوله: ((على نيته)) وهو مروي عن الحسن البصري، ومعاوية بن قرة المزني، وقتادة، فيما أخرجه عبد بن حميد والطبري عنهم.

((ونفقة الرجل على أهله)) ؛ زوجته، وأولاده، وكل من تلزمه النفقة عليه، ((يحتسبها صدقة)) حال كونه مريدًا بها وجه الله تعالى، فـ (يحتسبها) حال متوسطة بين المبتدأ والخبر، وفي رواية: بحذف الواو، وجملة (نفقة...) إلخ ساقطة في رواية.

((وقال النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) في حديث ابن عباس المروي عند المؤلف، ولفظه: «لا هجرة بعد الفتح» ((ولكن)) طلب الخير ((جهاد ونية)) «وإذا استُنفرتم؛ فانفروا»، أخرجه هنا معلقًا، وأخرجه مسندًا في (الحج) ، و (الجهاد) ، و (الجزية) .

[1] في الأصل: ( ينوي).
[2] في الأصل تأخر قوله: (وفي رواية عز وجل) عن قوله الآتي: ({قُلْ كُلٌّ}) .