متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

53- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ)؛ بفتح الجيم، وسكون العين، [/ج1ص144/]

ابن عبيدٍ الهاشميُّ الجوهريُّ البغداديُّ، المُتوفَّى سنة ثلاثين ومئتين، (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، (عَنْ أَبِي جَمْرَةَ)؛ بالجيم والرَّاء، اسمه: نصرٌ، بالصَّاد المُهمَلَة، ابن عمران الضُّبعيُّ؛ بضمِّ المُعجَمَة وفتح الموحَّدة، البصريِّ، المُتوفَّى سنة ثمانٍ وعشرين ومئةٍ، (قَالَ: (كُنْتُ أَقْعُدُ)؛ بلفظ المضارع حكايةً عن الحال الماضية؛ استحضارًا لتلك الصُّورة للحاضرين، (مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما؛ أي: عنده في زمن ولايته البصرةَ من قِبَلِ عليِّ بن أبي طالبٍ، (يُجْلِسُنِي)؛ بضمِّ أوَّله من غير فاءٍ في «أصل فرع اليونينيَّة» كهي، مِنْ: أَجْلَسَ، وفي هامشها عن أبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: ((فَيُجْلِسُني))، أي: يرفعني بعد أن أقعد (عَلَى سَرِيرِهِ)؛ فهو عطفٌ على «أقعدُ»؛ بالفاء؛ لأنَّ الجلوس على السَّرير قد يكون بعد القعود وغيره، وقد بيَّن المصنِّف في «العلم» [خ¦87] من رواية غُنَدر عن شعبة السَّبب في إكرام ابن عبَّاسٍ له، ولفظه: «كنت أترجم بين ابن عبَّاسٍ وبين النَّاس» (فَقَالَ: أَقِمْ)؛ أي: توطَّن (عِنْدِي)؛ لتساعدني بتبليغ كلامي إلى من خَفِيَ عليه من السَّائلين، أو بالتَّرجمة عن الأعجميِّ وله [1] ؛ لأنَّ أبا جمرةَ كان يعرف بالفارسيَّة، وكان يترجم لابن عبَّاسٍ بها، (حَتَّى) أن (أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا)؛ أي: نصيبًا (مِنْ مَالِي)؛ سبب الجعل الرُّؤيا التي رآها في العمرة، كما سيأتي _إن شاء الله تعالى_ بحول الله وقوَّته في «الحجِّ» [خ¦1567] . قال أبو جمرة: (فَأَقَمْتُ مَعَهُ)؛ أي: عنده مدَّة [2] (شَهْرَيْنِ) بمكَّة، وإنَّما عبَّر بـ: «مع» المُشْعِرةِ بالمُصاحَبَة دون «عند» المقتضية لمُطابَقَة «أَقِمْ عندي»؛ لأجل المُبالَغَة، وفي رواية مسلمٍ بعد قوله: «وبين النَّاس»: «فأتت امرأةٌ تسأله عن نبيذ الجرِّ فنهى عنه، فقلت: يا بْن عبَّاسٍ، إنِّي أنتبذ في جرَّةٍ خضراءَ نبيذًا حلوًا، فأشرب منه فيقرقر بطني، قال: لا تشرب منه، وإن كان أحلى من العسل، (ثُمَّ قَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ)؛ هو ابن أَفْصَى؛ بهمزة مفتوحةٍ، وفاءٍ ساكنةٍ، وصادٍ مُهمَلَةٍ مفتوحةٍ، ابن دُعْميٍّ؛ بضمِّ الدَّال المُهمَلَة، وسكون العين المُهمَلَة، وبياءِ النِّسبة، أبو قبيلة، كانوا ينزلون البحرين، وكانوا أربعة عشر رجلًا بالأشجِّ، ويُروَى أنَّهم أربعون، فيحتمل أن تكون [3] لهم وفادتان، أو أنَّ الأشراف أربعةَ عَشَرَ، والباقي تبعٌ، (لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم) عام الفتح، وكان سببُ مجيئهم إسلامَ منقذ بن حبَّان وتعلُّمه الفاتحة وسورة «اقرأ»، وكتابته عليه الصلاة والسلام لجماعة عبد القيس كتابًا، فلمَّا رحل إلى قومه؛ كتمه أيَّامًا، وكان يصلِّي؛ فقالت زوجته لأبيها المنذر بن عائذٍ وهو الأَشَجُّ: إنِّي أنكرتُ فِعْلَ بَعْلي منذ قَدِمَ من يثرب، إنَّه لَيغسل أطرافه، ثمَّ يستقبل الجهة؛ يعني: الكعبة، فيحني ظهره مرَّة، ويقع أخرى، فاجتمعا فتحادثا ذلك، فوقع الإسلام في قلبه وقرأ عليهمُ الكتاب، وأسلموا وأجمعوا المسير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمَّا قدموا؛ (قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (مَنِ الْقَوْمُ؟ أَوْ) قال: (مَنِ الْوَفْدُ؟)، شكَّ شعبة أو أبو جمرة، (قَالُوا): نحن (رَبِيعَةُ)؛ أي: ابن نزار بن معد بن عدنانَ، وإنَّما قالوا: ربيعة؛ لأنَّ عبد القيس من أولاده، وعبَّر عن البعض بالكلِّ؛ لأنَّهم بعض ربيعة، ويدلُّ عليه ما عند المصنِّف في «الصَّلاة» [خ¦523] : «فقالوا: إنَّا _هذا الحيَّ_ من ربيعة» (قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ، أَوْ) قال: (بِالْوَفْدِ)، وأوَّل من قال: «مرحبًا» سيفُ بن ذي يزنٍ، كما قاله العسكريُّ، وانتصابه على المصدريَّة بفعلٍ مُضمَرٍ؛ أي: صادفوا رُحبًا؛ بالضَّمِّ؛ أي: سعةَ حالٍ كونهَم (غَيْرَ خَزَايَا)، جمع خزيانٍ على القياس؛ أي: غير أَذِلَّاء، أو غير مستحيين لقدومكم، مبادرين دون حربٍ يوجب استحياءكم، و«غير»: بالنَّصب حالٌ [4] ، ويُروَى _بالخفض_ صفةٌ لـ: «القوم»، وتعقَّبه أبو عبد الله الأبيُّ: بأنَّه يلزم منه وصف المعرفة بالنَّكرة، إلَّا أن تُجعَل الأداة في القوم للجنس؛ كقوله: [مِنَ الكامل]

~ ولقد أمرُّ على اللئيم يسبُّني .............................

فالأَوْلى: أن تكون بالخفض على البدل، (وَلَا نَدَامَى) جمع «نادمٍ» على غير قياسٍ، وإنَّما جُمِعَ كذلك إتباعًا لـ: «خزايا»؛ للمُشاكَلَة والتَّحسين، وذكر القزَّاز: أنَّ «ندمان» لغةٌ في «نادم»، فجمعُه المذكورُ على هذا قياسٌ، (فَقَالُوا)، وللأَصيليِّ: ((قالوا)): (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ)؛ أي: الإتيانَ إليك (إِلَّا فِي الشَهْرِ الْحَرَامِ)؛ لحرمة القتال فيه عندهم، والمُرَاد الجنس، فيشمل الأربعةَ الحُرُم، أو العهد، والمُرَاد: شهر رجبٍ، كما صرَّح به في رواية البيهقيِّ، وللأَصيليِّ وكريمة: ((إلَّا في شهر الحرام))؛ وهو من إضافة [/ج1ص145/] الموصوف إلى الصِّفة؛ كصلاة الأولى، والبصريُّون يمنعونها، ويؤوِّلون ذلك على حذف مُضَافٍ؛ أي: صلاة السَّاعة الأولى، وشهر الوقت الحرام، وقول الحافظ ابن حجرٍ: هذا من إضافة الشَّيء إلى نفسه، تعقَّبه العينيُّ: بأنَّ إضافة الشَّيء إلى نفسه لا تجوز، (وَ) الحال أنَّ [5] (بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ)؛ بضمِّ الميم، وفتح المُعجَمَة، مخفوضٌ بالمُضافِ [6] بالفتحة؛ للعلميَّة والتَّأنيث، وهذا _ مع قولهم: يا رسول الله_ يدلُّ على تقدُّم إسلامهم على قبائل مُضَرَ الذين كانوا بينهم وبين المدينة، وكانت مساكنهم بالبحرين وما والاها من أطراف العراق، (فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ) بالصَّاد المُهمَلَة، وبالتَّنوين في الكلمتين، على الوصفيَّة لا بالإضافة؛ أي: يفصل بين الحقِّ والباطل، أو بمعنى: المُفصل المُبين، وأصل «مُرْنَا»: «اُؤْمُرْنا» بهمزتين، من: «أَمَرَ» «يَأْمُر»، فحُذِفتِ الهمزةُ الأصليَّة؛ للاستثقال، فصار «اُمرنا»، فاستغنى عن همزة الوصل فحُذِفَت، فبقي «مُرْ» على وزن «عُلْ»؛ لأنَّ المحذوف فاءُ الفعل، (نُخْبِرْ بِهِ مَنْ)؛ أي: الذي استقرَّ (وَرَاءَنَا)؛ أي: خلفنا من قومنا الذين خلَّفناهم في بلادنا، و«نُخْبِرْ»: بالجزم جوابًا للأمر، وهو الذي في «فرع اليونينيَّة»، وبالرَّفع لخلوِّه من ناصبٍ وجازمٍ، والجملة في محلِّ جرٍّ صفةٌ لـ: «أمرٍ»، (وَنَدْخُلْ بِهِ الْجَنَّةَ)؛ إذا قُبِلَ برحمة الله، ويجوز الجزم والرَّفع في «ندخلْ» كـ: «نخبرْ» عطفًا عليها. نعم؛ يتعيَّن الرَّفع في هذه على رواية «حذف الواو»، وتكون جملةً مُستأنَفَةً لا محلَّ لها من الإعراب، (وَسَأَلُوهُ) صلى الله عليه وسلم (عَنِ الأَشْرِبَةِ)؛ أي: عن ظروفها، أو سألوه عن الأشربة التي تكون في الأواني المختلفة، فعلى التَّقدير الأوَّل: المحذوفُ: المُضافُ، وعلى الثَّاني: الصِّفة، (فَأَمَرَهُمْ) صلى الله عليه وسلم (بِأَرْبَعٍ)؛ أي: بأربع جملٍ أو خصالٍ، (وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ) تفسيرٌ لقوله: «فأمرهم بأربعٍ»، ومن ثمَّ حذف العاطف، (قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللهِ وَحْدَهُ؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) صلى الله عليه وسلم: هو (شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ)؛ برفع «شهادةُ» خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، ويجوز جرُّه على البدليَّة، (وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ)، واستُشكِل قوله: «أمرهم بأربعٍ» مع ذكر خمسةٍ، وأجيب بزيادة الخامسة؛ وهي «أداء الخُمُس»؛ لأنَّهم كانوا مجاورين لكفَّار مُضَرَ، وكانوا أهلَ جهادٍ وغنائم، وتُعقِّب: بأنَّ المؤلِّف عقد الباب على أنَّ «أداء الخُمُس» من الإيمان، فلا بدَّ أن يكون داخلًا تحت أجزاء الإيمان، كما أنَّ ظاهر العطف يقتضي ذلك، أو أنَّه عدَّ «الصَّلاة» و«الزَّكاة» واحدةً؛ لأنَّها قرينتها في كتاب الله تعالى، أو أنَّ «أداء الخُمُس» داخلٌ في عموم «إيتاء الزَّكاة»، والجامع بينهما إخراج مالٍ مُعيَّنٍ في حالٍ دون حالٍ، وعن البيضاويِّ: أنَّ الخمسةَ تفسيرٌ للإيمان؛ وهو: أحد الأربعة المأمور بها، والثَّلاثة الباقية حذفها الرَّاوي؛ نسيانًا أوِ اختصارًا، أو أنَّ الأربعة: «إقام الصَّلاة...» إلى آخره، وذكر «الشَّهادتين»؛ تبرُّكًا بهما؛ كما في قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنَ شَيءٍ فَأَنَّ لِلهِ خمُسَهُ} [الأنفال: 41] ؛ لأنَّ القوم كانوا مؤمنين، ولكن ربَّما كانوا يظنُّون أنَّ الإيمان مقصورٌ على الشَّهادتين، كما كان الأمر في صدر الإسلام، وعُورِضَ: بأنَّه وقع في رواية حمَّاد بن زيدٍ عن أبي جمرة عند المؤلِّف في «المغازي» [خ¦4369] : «آمركم بأربعٍ: الإيمان بالله شهادة أن لا إله إِلَّا الله، وعقد واحدةً»، وهو يدلُّ على أنَّ الشَّهادة إحدى الأربع، وعنده في «الزَّكاة» [خ¦1398] من هذا الوجه: الإيمان بالله، ثمَّ فسَّرها لهم: بشهادة أن لا إله إلَّا الله، وهو يدلُّ أيضًا على عدِّها في الأربع؛ لأنَّه أعاد الضَّمير في قوله: «فسَّرها» مُؤنَّثًا، فيعود على الأربع، ولو أراد تفسير الإيمان؛ لأعاده مُذَكَّرًا، وأُجِيب: بزيادة أداء الخُمُس، قال أبو عبد الله الأُبِّيُّ: وأتمُّ جوابٍ في المسألة: ما ذكره ابن الصَّلاح من أنَّه معطوفٌ على أربعٍ؛ أي: أمرهم بأربعٍ وبإعطاء الخُمُسِ، وإنَّما كان أتم؛ لأنَّ به تتَّفق الطَّريقان، ويرتفع الإشكال. انتهى. ولم يذكر «الحجَّ»؛ لكونهم سألوه أن يخبرهم بما يدخلون بفعله الجنَّة، فاقتصر لهم على ما يمكنهم فعله في الحال، ولم يقصد إعلامهم بجميع الأحكام التي تجب عليهم فعلًا وتركًا، ويدلُّ على ذلك: اقتصاره في المناهي على الانتباذ في الأوعية، مع أنَّ في المناهي ما هو أشدُّ في التَّحريم من الانتباذ، لكنِ اقتصرَ عليها؛ لكثرة تعاطيهم لها، أو لأنَّه لم يُفرَض _كما قاله عياضٌ_ [/ج1ص146/]

إلَّا في سنة تسعٍ، ووفادتُهم في سنة ثمانٍ؛ أي: على أحد الأقوال في وقت فرضه، ولكنَّ الأرجحَ: أنَّه فُرِضَ سنة ستٍّ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، أو لكونه لم يكن لهم سبيلٌ إليه من أجل كفَّار مُضَرَ، أو لكونه على التَّراخي، أو لشهرته عندهم، أو أنَّه أخبرهم ببعض الأوامر، ثمَّ عطف المؤلف على قوله: «وأمرهم» قوله: (وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنِ الْحَنْتَمِ)؛ أي: عن الانتباذ فيه؛ وهو؛ بفتح المُهمَلَة، وسكون النُّون، وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة؛ وهي: الجرَّة، أو الجرار الخُضْر أو الحُمْر أعناقُها على [7] جنوبها، أو متَّخذةٌ من طينٍ وشعرٍ ودمٍ، أوِ «الحنتم»: ما طُلِيَ من الفخَّار بالحنتم المعمول بالزُّجاج وغيره، وسقطت: ((عن)) الثَّانية لكريمة، (وَ) عن الانتباذ في (الدُّبَّاءِ)؛ بضمِّ المُهمَلَة، وتشديد المُوحَّدة والمدِّ: اليقطين، (وَ) عنِ الانتباذ في (النَّقِيرِ)؛ بفتح النُّون، وكسر القاف؛ وهو: ما يُنقَر من [8] أصل النَّخلة، فيُوعَى فيه، (وَ) عن الانتباذ في (الْمُزَفَّتِ) _بالزَّاي والفاء_: ما طُلِيَ بالزِّفت، (وَرُبَّمَا قَالَ: الْمُقَيَّرِ)؛ بالقاف، والمُثنَّاة التَّحتيَّة المُشدَّدة المفتوحة؛ وهو: ما طُلِيَ بالقار، ويُقَال له: القَيْر؛ وهو نبتٌ يُحرَق إذا يبس، تُطلَى به السُّفن وغيرها كما تُطلَى بالزِّفت، (وَقَالَ: احْفَظُوهُنَّ وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ) بفتح الهمزة (مَنْ وَرَاءَكُمْ)؛ أي: الذين كانوا أو استقرُّوا، ومعنى النَّهيِ عن الانتباذ في هذه الأوعية بخصوصها؛ لأنَّه يسرع إليها الإسكار، فربَّما شرب منها من لم يشعر بذلك، ثمَّ ثبتت الرُّخصة في الانتباذ في كلِّ وعاءٍ، مع النَّهيِ عن شرب كلِّ مُسْكِرٍ، ففي «صحيح مسلمٍ»: «كنت نهيتكم عن الانتباذ إلَّا في الأسقية، فانتبذوا في كلِّ وعاءٍ، ولا تشربوا مسكرًا».

وفي الحديث: استعانة العالِمِ في تفهيم الحاضرين والفهم عنهم، واستحباب قول «مرحبًا» للزُّوَّار، وندب العالم إلى إكرام الفاضل، ورواته ما بين بغداديٍّ، وواسطيٍّ، وبصريٍّ، واشتمل على التَّحديث، والإخبار، والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في عشرة مواضع: هنا، وفي «خبر الواحد» [خ¦7266] ، و«كتاب العلم» [خ¦87] ، وفي «الصلاة» [خ¦523] ، وفي «الزَّكاة» [خ¦1398] ، وفي «الخُمُس» [خ¦3095] ، وفي «مناقب قريشٍ» [خ¦3510] ، وفي «المغازي» [خ¦7266] ، وفي «الأدب» [خ¦6176] ، وفي «التَّوحيد» [خ¦7556] ، وأخرجه مسلمٌ في «الإيمان» وفي «الأشربة»، وأبو داود، والتِّرمذيُّ، وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنَّسائيُّ في «العلم» و«الإيمان» و«الصَّلاة».

[1] «وله»: مثبتٌ من (ب)و (م).
[2] «مدَّة»: سقط من (م).
[3] في (ب) و(س): «يكون».
[4] «وغير: بالنَّصب حال»: سقط من (م).
[5] «أنَّ»: سقط من (س).
[6] في (م): «بالإضافة».
[7] في (م): «في».
[8] في (ب) و(س): «في».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

53-. حدَّثنا عَلِيُّ بنُ الجَعْدِ، قالَ: أخبَرَنا شُعْبَةُ: عن أَبِي جَمْرَةَ، قالَ:

كُنْتُ أَقْعُدُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ، يُجْلِسُنِي [1] عَلَىَ سَرِيرِهِ، فقالَ: أَقِمْ عِنْدِي حتَّىَ أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مالِي. فأَقَمْتُ مَعَهُ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ قالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «مَنِ القَوْمُ؟_أَوْ: مَنِ الوَفْدُ؟_» قالُوا: رَبِيعَةُ. قالَ: «مَرْحَبًا بِالقَوْمِ _أَوْ بِالوَفْدِ_ غَيْرَ خَزايا وَلا نَدامَىَ». فقالَوا [2] : يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لا نَسْتَطِيعُ أَنْ نأتِيَكَ إِلَّا فِي شَهْرِ الحَرامِ [3] ، وَبَيْنَنا وَبَيْنَكَ هذا الحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، فَمُرْنا بِأَمْرٍ فَصْلٍ، نُخْبِرْ [4] بِهِ مَنْ وَراءَنا، وَنَدْخُلْ بِهِ الجَنَّةَ. وَسأَلُوهُ عن الأَشْرِبَةِ، فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهاهُمْ عن أَرْبَعٍ؛ أَمَرَهُمْ بِالإِيمانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، قالَ: «أَتَدْرُونَ ما الإِيمانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ؟» قالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قالَ: «شَهادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وإِقامُ الصَّلاةِ، وإِيتاءُ الزَّكاةِ، وَصِيامُ رَمَضانَ، وأَنْ تُعْطُوا مِنَ المَغْنَمِ الخُمُسَ». وَنَهاهُمْ عن أَرْبَعٍ: عَنِ الحَنْتَمِ والدُّبَّاءِ والنَّقِيرِ والمُزَفَّتِ _وَرُبَّما قالَ: المُقَيَّرِ_ وقالَ: «احْفَظُوهُنَّ، وأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَراءَكُمْ».

[1] في رواية أبي ذر وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «فيُجْلِسُنِي»، وعزاها في (ص) إلىَ رواية الأصيلي بدل رواية السَّمعاني عن أبي الوقت
[2] في رواية الأصيلي: «قالوا».
[3] في رواية أبي ذر عن الكُشْمِيْهَنِيِّ ورواية ابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «الشهرِ الحرامِ».
[4] صحَّح عليها في اليونينيَّة.





53- ( عَنْ أَبِي جَمْرَةَ ) بجيم مفتوحة وراء مهملة: نصر بن عمران.

( غَيْرَ خَزَايَا ) جمع خزيان بنصب ( غير ) على الحال، ورُوِيَ بالكسر على الصفة للقوم. قال النووي: والمعروف الأول.

( وَلا نَدَامَى ) كان القياس: ولا نادمين جمع نادم من الندم؛ فإن ندامى جمع ندمان من المنادمة، غير أنَّه أُخرج على وزن الأول وهو خزايا، كقولهم: العدايا والعشايا؛ وإنَّما مدحَهُم بهذا لأنَّهم أتوا مسلمين طوعًا، فلم يصبهم حرب يؤذيهم ولا سَبْي [ب:10] يخزيهم.

( لاَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ ) كذا بتعريفهما، وقيل: الرواية الصحيحة: «في شهر الحرام» بتعريف «الحرام» وإضافة الشهر إليه، من إضافة الشيء إلى نفسه كـ«مسجد الجامع» أي: شهر الوقت الحرام، ويعنون به رجبًا؛ لتفرده بالتحريم من بين شهور الحل بخلاف سائر الأشهر الحرم فإنها متوالية.

ويروى: «في شهرٍ حرام» بتنكيرهما، وهو يصلح لرجب وحده ولجميع الأشهر [/ج1ص48/] الحُرم.

( نُخْبِرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا ) ( من ) بفتح الميم وهو مفعول.

( وَنَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ ) كذا ثبت بالواو، وفي رواية بحذفها، قال القرطبي: قيدناه على من يوثق به برفع ( نخبر ) على الصفة لـ( أمر )، وأما ( ندخل ) فقيدناه بالرفع أيضًا على الصفة، وبالجزم فيهما على جواب الأمر.

( الْحَنْتَمِ ) بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح المثناة فوق: جِرَارٌ خضر مطلية بما يسدُّ مسامَّ الخزف، ولها التأثير في النبيذ كالمزفَّت، الواحدة: حنتمة.

( الدُّبَّاءِ ) بضم الدَّال وتشديد الباء الموحدة ممدود: القرع.

( النَّقِيرِ ) بنون مفتوحة وقاف: أصل النخلة ينقر فيتخذ منها وعاء ينتبذ فيه.

( الْمُزَفَّتِ ) بزاي وفاء مشددة: وعاء مطلي بالزفت، وإنَّما نهى عن الانتباذ في هذه الأوعية؛ لأنها تسرع الشدة في الشراب، وتحريم الانتباذ في هذه الظُّروف كان في صدر الإسلام ثم نسخ، هذا مذهبنا، وذهب مالك وأحمد إلى بقاء التحريم. [/ج1ص49/]

( فَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ ) بفتح ( من ) في رواية البخاري، وبكسرها في رواية ابن أبي شيبة.


53# (أبو جَمْرَةَ) بجيم مفتوحة وراء.

(الْوَفْدُ) اسم جمع، لا جمعٌ [1] لوافد على الصَّحيح.

قال القاضي: وهم القوم يأتون ركبانًا، ويؤيده تفسيرُ ابن عباس له بذلك في قوله تعالى: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا} [مريم:85] .

(غَيْرَ) بالنصب على الحال، قال النَّووي: وهو المعروف، وبالجرِّ

@%ج1ص68%

على الصفة.

(خَزَايَا) جمع خَزْيان، قال القاضي: أي: غير مُذَلَّين ولا مُهانين ولا مفضوحين [2] بوطء البلاد وقتل الأنفس، وسبي النساء.

(وَلاَ نَدَامَى) قال [3] الزركشي: هو [4] من باب الإتباع؛ كالغدايا والعشايا؛ لأن ندامى جمع ندمان من المنادمةِ، لا من النَّدم.

قلت: في «الصحاح [5] »: ورجل ندمان؛ أي: نادم، وكذا في «جامع القزاز» على ما حكاه السفاقسي، وحينئذٍ فيكون جاريًا [6] على الأصل.

(الشَّهْرِ الْحَرَامِ) بتعريفهما، ويروى: بتعريف الحرام، وإضافةِ الشهر إليه؛ كمسجد الجامع؛ أي: شهر الوقت الحرام، ويعنون به: رجبًا؛ لتفرده بالتحريم بين شهور الحل؛ بخلاف سائر الأشهر الحُرُم [7] ؛ لتواليها.

ويروى: ((شهر حرام)) بتنكيرهما، وهو يصلح لرجب، ولغيره من الأشهر [8] .

(الْحَيُّ) أصله: منزلُ القبيلة، ثم سُميت به اتساعًا؛ لأن بعضهم يحيا ببعض، قاله القاضي.

(فَصْلٍ) ينفصل به المراد، ولا يشكلُ.

(نُخْبرْ) بالرفع على الصِّفة لأمر، كذا ضبطه القرطبي، قال [9] : وأمَّا (نَدْخُلْ بِهِ الجَنَّةَ) فقيَّدناه بالرفع أيضًا على الصِّفة، وبالجزم على جواب الأمر.

قلت: يريد على رواية حذف الواو من ((ندخل))، وأمَّا على رواية البخاري هنا بإثباتها، فلا يتأتى الجزم في الثاني مع رَفْع الأول.

(فَأَمَرَهُمْ بأَرْبَعٍ) وعدَّ خمسةً، فإما أن يكون [10] زاد أداءَ الخمس بعد عدِّ الأربع، وإما أن تكون الشهادةُ غيرَ معدودة؛ لعلمهم بها.

(الْحَنْتَمِ) بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح المثناة من فوق، جِرارٌ خضرٌ مطلية بما يسدُّ مسامَّ الخزف،

@%ج1ص69%

ولها تأثير في النبيذ كالمُزَفَّت، الواحد: حنتمة.

(الدُّبَّاءِ) بالمد وضم الدال المهملة [11] وتشديد الباء الموحدة، القَرْع.

(النَّقِيرِ) بنون مفتوحة وقاف: أصل النخلة [12] يُنقر فيُتخذ منها وعاءٌ يُنبذ فيه.

(الْمُزَفَّتِ) بزاي وفاء مشددة: وعاء مطلي [13] بالزفت.

وإنما نُهي عن الانتباذ في هذه؛ لأنها تُسْرعُ الشدةَ من [14] الشراب، وتحريمُ الانتباذ في هذه [15] الظروف [16] كان في صدرِ الإسلام، ثمَّ نُسخ، ففي «صحيح مسلم»: ((كُنْتُ نهيتُكُمْ عنِ الانتبَاذِ إلَّا فِي الأسقِيَةِ، فانتَبِذُوا في كلِّ وعَاءٍ، وَلا تشرَبُوا مُسكرًا)).

قال الزَّركشي: هذا مذهبنا، وذهب مالكٌ وأحمدُ إلى بقاء التَّحريم.

قلت: إنما مذهبُ مالك كراهةُ ذلك لا تحريمه، هذا الذي عليه الفتوى عند علمائنا.

(مَنْ وَرَاءَكُمْ) بفتح ((مَنْ)) في البخاري، وبكسرها عند ابن أبي شيبة.

قال ابنُ المنير: وفيه حجَّةٌ للعمل بخبر الواحد.

وقولُ المعترض [17] في الاحتجاج ببعث رسلهِ عليه السلام إلى الآفاق، وهم آحاد: إنهم كانوا حُكَّامًا ونوابًا عنه، وحُكمُ الواحد مقبولٌ، والشأن [18] في خبره ساقطٌ هنا [19] ؛ لأنَّ الوفد جاؤوا متعلِّمين لأنفسهم، ومتطوِّعين بالنَّقل إلى قومهم، فخبرهم حينئذٍ خبر [20] واحدٍ حقيقة [21] .

[1] ((لا جمع)): ليست في (ق).
[2] من قوله: ((خزايا... إلى قوله: ...مفضوحين)): ليست في (ق).
[3] ((قال)): ليست في (ق).
[4] في (ق): ((وهو)).
[5] في (ج): ((الصحيح)).
[6] في (ق): ((يكون جار)).
[7] قوله: ((بين شهور الحل؛ بخلاف سائر الأشهر الحُرُم)): ليس في (م) و(ج).
في (ق): ((الحرام)).
[8] في (ق) زيادة: ((الحرم)).
[9] في (ق): ((وقال)).
[10] ((يكون)): ليست في (م) و(ج).
[11] ((المهملة)): ليست في (م) و(ج).
[12] في (ق): ((النخل)).
[13] في (د) و(ق): ((يطلى)).
[14] كذا في الأصول، ولعل الصواب: ((في)).
[15] من قوله: ((لأنها تسرع... إلى قوله: ...في هذه)): ليست في (ق).
[16] في (ق) زيادة: ((لأنه)).
[17] في (ق): ((المعرض)).
[18] في (ج): ((والشأم)).
[19] في (ق): ((منا)).
[20] في (ج): ((وخبر)).
[21] ((حقيقة)): ليست في (د).





53- قوله: (أَخْبَرَنَا [1] شُعْبَةَ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ): هو بفتح الجيم وبالرَّاء، واسمُه نصرُ بنُ عِمرانَ الضُّبعيُّ، يروي عنِ ابن عبَّاسٍ، وابنِ عمرَ، وغيرِهما، وعنه: شعبةُ، وجماعةٌ، ثقةٌ، تُوفِّي سنة (128 هـ ) [2] ، أخرج له الجماعةُ، قال الجيَّانيُّ: (وليس في الكتابين _ يعني: «البخاريَّ» و«مسلم»- بعد هذا مَن اسمُه جَمْرة ولا أبو جَمْرة بالجيم) ، قال: (وفي نسخةِ أبي ذرٍّ عن أبي الهيثم: أبو حمزة عن عائذ بن عمرو؛ بالحاء والزاي، وذلك وهم وقع في «باب عمرة [3] الحديبية») انتهى، وقد ذكر ابن قُرقُول هذا المكان ومكانين آخرين وَهِمَ الرُّواة فيها؛ فانظر ذلك إن أردته.

تنبيه: ذكر بعضُ الحُفَّاظ عن شُعبةَ: أنَّه روى عن سبعةِ أشخاصٍ يُقال لكلٍّ منهم: أبو حمزة، رَوَوا كلُّهم عنِ ابن عبَّاسٍ، وكلُّهُم بالحاء والزاي، إلَّا أبا جَمْرة نصرُ بنُ عِمران، ويُدرَكُ فيه الفرقُ بينهم بأنَّ شعبة إذا قال: (عن أبي جَمْرة، عنِ ابن عبَّاسٍ) وأطلقَ؛ فهو نصرُ بنُ عِمران، وإذا روى عن غيره؛ فهو يذكُرُ اسمَه أو نسبَه، والله أعلم [4] .

وهذا الكلام متعقَّبٌ أذكر [5] تعقبه في (كتاب النذر) إن شاء الله تعالى، وذلك أنَّ الدِّمياطيَّ ذكر هذا الكلام هناك.

قوله: (إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ): الوفدُ: الجماعة المختارة [6] من القوم؛ ليتقدَّموهم في لُقِيِّ العُلماء والمصير إليهم في المُهِمَّات، واحدهم: وافد، وقد تقدَّم الوعد بذكر الوفد الذين قدموا عليه عليه الصَّلاة والسَّلام، فاعلم أنَّهم كانوا أربعةَ عشرَ راكبًا [7] ، وذكر [8] بعض الحفَّاظ في ترجمة أبي خيرة الصُّبَاحيِّ: أنَّهم كانوا أربعين رجلًا فأسلموا، ونحوه لابن عبد البَرِّ، والجمع بين (أربعةَ عشرَ) و (أربعين) أنَّ من قال: (أربعةَ عشرَ) ؛ عدَّ الرؤساء، ومن قال: (أربعين) ؛ عدَّ المجموع، والله أعلم، وسيأتي جمعٌ آخرُ في ذلك.

رئيسهم الأشجُّ العَصَريُّ؛ بفتح العين والصَّاد المهملتين، واسمه المنذر بن عائذ؛ بمُثنَّاة تحت، وذال معجمة، وقيل: المنذر بن الحارث [/ج1ص35/] بن زياد، وقيل غير ذلك، سمَّاه عليه الصَّلاة والسَّلام به؛ لأثرٍ كان في وجهه.

ومَزْيَدة بن مالك المحاربيُّ، وعُبَيدة بن همَّام المحاربيُّ، وهو بضمِّ العين، وفتح الموحَّدة، وكذا ذكره في المضموم الذَّهبيُّ في «تجريده»، وصُحار بن العبَّاس، وقيل: ابن عيَّاش المُرِّيُّ، وعَمرو بن مَرْجُوم العَصَريُّ -وهو بالجيم- واسم أبيه: عبد قيس بن عمرو، والحارث بن شعيب العَصَريُّ، ولا أعلم هذَا في الصَّحابة، إلَّا أن يكون أحد نُسب إلى جدِّه، أو جدٍّ له أعلى، أو في اسم أبيه اختلاف، أو المشهور فيه خلاف شعيب، أو نُسِب إلى خلاف الظاهر، والحارث بن جندب من بني عائش، ذكر ذلك النوويُّ بنحوه، ولم يذكر فيهم (جهْم بن قثم) ، وجهم هذا هو [9] الذي كانت به الجراحة، وكان يَخْبَؤُها حياءً من النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ونقل النَّوويُّ ذلك [10] في «شرح مسلم» عن صاحب «التَّحرير»، وقد رأيت في «مبهمات أبي زُرعة» ولد شيخنا العراقيِّ ما لفظه: (روى الخطيب في «المتَّفِق والمفترِق» في ترجمة زيد بن عليٍّ بإسناده عن عوف قال: حدَّثني زيد بن عليٍّ أبو القموص قال: حدَّثني أحد الوفد الذين وفدوا على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من عبد القيس قال: فإنْ لَمْ يكن قيس بن النُّعمان؛ فأنا أُنسيت اسمه...؛ وذكر الحديث، فاستفدنا بهذا [11] تعيين تاسعٍ) انتهى، وهو قيس بن النُّعمان العبديُّ، أحد وفد عبد القيس، له حديث في «أبي داود» في (الأشربة) في (باب الأوعية): (عن وهب بن بقيَّة، عن خالد، عن عوف، عن أبي القموص زيد بن عليٍّ قال: حدَّثني رجل من الوفد الذين وفدوا إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من عبد القيس -يحسب عوف أنَّ اسمه قيس بن النُّعمان- فقال: «لا تشربوا في نقير...»؛ الحديث، فلا حاجة إذن إلى عزو تعيينه إلى «المتَّفق والمفترق»، فهذا في «أبي داود»، وقد ذكر السُّهيليُّ في وفد عبد القيس آخرين غير مَن ذكرهم [12] ؛ وهم: (أبو الوازع الزَّارع بن عامر، وابن أخته مطر بن هلال العنزيُّ...) إلى أن قال: (ومنهم: ابن أخت أبي الوازع وكان به جنون) ؛ فذكر قصَّته... إلى أن قال: (ومنهم: أبو خيرة الصُّبَاحيُّ) ، والله أعلم.

وجابر بن عبيد، قال ابن عبد البَرِّ: (أحد وفد عبد القيس) ، فتكمَّلوا [13] أربعةَ عشرَ، وقد تقدَّم أنَّ بعضهم قال: (إنَّهم أربعون) ، فعلى هذَا؛ يدخل فيهم مثل أبان المحاربيُّ، وعُمير بن جودان العبديُّ، ورسيم العبديُّ، والجارود بن المعلَّى [14] ، وجودان غير منسوب، والظاهر أنَّه والد عمير، ومُشَمْرِج بن خالد العَصَريُّ ابن أخت الوفد، وزيد بن صُحار، وذكر الذَّهبيُّ شخصًا آخر سمَّاه: (جارية بن جابر العَصَريَّ أحد وفد عبد القيس) انتهى، وجارية بالجيم، وهؤلاء وفدوا عام الفتح قبل خروجه عليه الصَّلاة والسَّلام إلى مكَّة.

فائدة: قال بعض الحفَّاظ من شيوخ شيوخنا -كما [15] تقدَّم-: كانوا أربعين، ويقال: أربعةَ عشرَ، قال: فلا منافاة؛ لأنَّهم وفدوا مرَّتين؛ وهم: الأشجُّ العَصَريُّ، واسمه المنذر بن عائذ -كما تقدَّم- وكان رئيسهم، والأشعث ابن جُودان العبديُّ، والأصحُّ فيه: عمير، وجابر بن عبيد العَصَريُّ، وجارية بن جابر العَصَريُّ، وجهْم بن قُثَمَ، والحارث بن جندب من بني عائش، وحسَّان بن أبي حسَّان، والحارث بن شعيب العَصَريُّ، وحوثرة العَصَريُّ، وزارع بن عامر العبديُّ، وابن أخته مطر بن هلال، وصُحار بن العبَّاس [16] ، وسفيان بن خولي بن عبد عمرو العَصَريُّ، وشهاب بن متروك العبديُّ، وعبد الله وقيل: عبد الرحمن بن جابر العبديُّ، وعُبيدة بن همَّام المحاربيُّ، وعمرو بن شعيب العَصَريُّ، وعمرو بن المرجوم العبديُّ، وقيس بن النُّعمان العبديُّ، وكعب بن الأعور بن مالك بن عمرو بن عوف، وكان من الشجعان الأشراف، ومَزْيَدة بن مالك المحاربيُّ، وهمَّام بن ربيعة العَصَريُّ، وهمَّام بن معاوية بن شبابة، نقلهما الذَّهبيُّ عنِ ابن سعد، وأبو خيرة الصُّبَاحِيُّ، وهو الذي روى: «اللهمَّ؛ اغفر لعبد القيس...»، وقال: (زوَّدنا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الأراك نستاك به) ، روى داود بن المساور، عن مقاتل بن همَّام، عن أبي خيرة الصُّبَاحِيِّ، قال: (كنت في الوفد الذين أتَوا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكنَّا أربعين راكبًا، فنهانا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عنِ الدُّبَّاء، والحنتم، والنَّقير، والمُزفَّت، قال: ثمَّ أمر لنا بأراك، فقال: «استاكوا بهذا»، فقلنا: يا رسول الله؛ عندنا العُسب، ونحن نجتزئ به، قال: فرفع يديه وقال: «اللهمَّ؛ اغفر لعبد القيس؛ إذ أسلموا طائعين غير كارهين»، والقائف، وإياس، ورستم العبديُّ، والجارود بن المعلَّى [17] ، وجودان، ومُشَمْرِج بن خالد العَصَريُّ، وزيد بن صُحار، ذكر الرُّشاطيُّ قدومهم [18] كان [19] مرَّتين، وذلك في (ترجمة الصُّبَاحِيِّ: أنَّ القائف وإياسًا) [20] ابني عبس قدما في الوفد الأوَّل، وأنَّ منازلهم البحرين، واختلف في عددهم، فروى ابن سعد أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كتب إلى أهل البحرين، فقدم عليه عشرون رجلًا رأسهم الأشجُّ، وأنَّ ذلك كان عام الفتح، وذكر النَّوويُّ: (أنَّهم أربعةَ عشرَ رجلًا) ، وذكر ابن الأثير: (أنَّهم ثلاثةَ عشرَ راكبًا، وأنَّ قدومهم سنة تسع وسنة عشر) [21] ، قال الحافظ قطب الدِّين عبد الكريم الحلبيُّ: (وذكر شيخنا أبو محمَّد بن أبي جمرة أنَّ قدومهم كان في رجب) ، قال الحافظ قطب الدين: (وقد وقع لي خمسةٌ وثلاثون رجلًا مسمَّون، وقد أفردتهم في جزء) انتهى.

قوله: (رَبِيعَةُ): هذه نسبة إلى جدِّهم الأعلى، فإنَّ عبد القيس بن أَفْصَى -بفتح الهمزة، ثمَّ فاء ساكنة، ثمَّ صاد مهملة مفتوحة- بن دُعْمِيٍّ -بضمِّ الدَّال، ثمَّ عين ساكنة، مهملتين، ثمَّ ميم مكسورة، ثمَّ ياء مشدَّدة، مصروف- بن جَدِيلة بن أسَد بن ربيعة بن نِزار.

قوله: (مَرْحَبًا): هو منصوب بفعل مُضمَر لا يظهر؛ أي: صادفتَ رُحْبًا، وأتيتَ رُحْبًا وسَعة، فاستأنِسْ، وقيل: بل انتصب على المصدر؛ أي: رحب الله بك مرحبًا، فوضع المرحب موضع الترحيب، وهو قول الفرَّاء، وإنَّما مدحهم بهذا؛ لأنَّهم أتَوا مسلمين طوعًا؛ فلم يصبهم خزيٌ بذنوبهم، ولا سَبْيٌ لحريمهم [22] .

قوله: (غَيْرَ خَزَايَا): منصوبٌ على الحال، هكذا الرواية، ويؤيِّده ما في مكان آخر من «صحيح البخاريِّ»: «مرحبًا بالقوم الذين جاؤوا غيرَ خزايا»، وأشار صاحب «التَّحرير» إلى أنَّه رُوي بكسر الرَّاء على الصَّفة لـ (القوم) ، والمعروف الأوَّل، قاله النَّوويُّ.

قوله: (خَزَايَا وَلاَ نَدَامَى): كذا هنا، وجاء في غير هذا الموضع: (غير الخزايا ولا النَّدامى) ؛ بالألف واللَّام، وفي رواية لمسلم: (غير خزايا ولا النَّدامى) ، وكلُّه صحيح، وأمَّا معناه؛ فالخزايا: جمع خَزْيَان؛ كَحَيْرَان وَحَيَارَى: المُذَلِّين المهانين المقبوحين بوطء البلاد، وقتل النُّفوس، وسبي النِّساء، والنَّدامى هنا: جمع ندمان؛ بمعنى: نادم؛ وهي لغة في (نادم) ، حكاها الجوهريُّ وغيره، وعلى هذا؛ فهو على بابه، وقيل: جمع نادم؛ إتباعًا لـ (الخزايا) ، وكان الأصل: نادمين، وأتبع لـ (خزايا) [23] ؛ تحسينًا للكلام، وهو كثير في كلام العرب.

قوله: (إِلاَّ فِي شَهْرِ الْحَرَامِ): وفي نسخة هي في هامش أصلنا: (الشَّهر الحرام) ، وعليها علامة راويها، والمراد: جنس الأشهر الحرم، وهي أربعة: ذو القعدة، وذو الحجَّة، والمحرَّم، ورجب، وإنَّما مُكِّنوا في هذه دون غيرها؛ لأنَّ العرب كانت لا تقاتل فيها، وقد اختُلِف في نَسْخ تحريم [24] القتال فيها على قولين؛ مذهب الجمهور: النسخ.

وقوله: (في شهر الحرام): هو من باب إضافة الشَّيء إلى نفسه، وفيه مذهبان مشهوران، (وفي حفظي: أنَّه في رواية: رجب) [25] .

قوله: (مُضَرَ): هو غير مصروف، لأنَّه معدول وفيه العلميَّة والتَّأنيث؛ لأنَّها قبيلة معروفة.

قوله: (فَصْلٍ): أي: قاطعٍ يقطع ويبيِّن؛ ومنه: قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ} [الطارق: 13] .

قوله: (نُخْبِرْ بِهِ): بالجزم جواب الأمر، ويجوز رفعه، وعن القرطبيِّ قال: (قيَّدناه على من يُوثَق به: (نخبرُ) ؛ بالرَّفع على الصِّفة لـ (أَمْرٍ) .

قوله: (ونَدخُلْ بِهِ الجَنَّةَ): يجوز جزمه ورفعه، وعن القرطبيِّ قال: (قيَّدناه بالرَّفع أيضًا على الصِّفة، وبالجزم على جواب الأمر) .

قوله: (فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، [وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ] ، أَمَرَهُمْ: بِالإِيمَانِ بِاللهِ): اعلم أنَّه عدَّ خمسةً، وقد فسَّرها لهم بالشَّهادتين، والصَّلاة، والزَّكاة، والصَّوم، ثمَّ ذكر لهم أداء الخُمُس، وجوابه: أنَّه أمرهم بالأربع التي وعدهم، ثمَّ زادهم خامسة؛ وهي أداء الخُمُس؛ لأنَّهم كانوا مجاورين كفَّار مضرَ، وكانوا أهل جهاد.

وجواب آخر: وهو أنَّ أوَّل الأربع إقام الصلاة، وذَكَرَ كلمة التَّوحيد؛ لأنَّها [26] الأساس، وفي هذا الجواب نظر؛ لأنَّ في بعض طرقه في «الصَّحيحين»: «شهادة أن لا إله إلَّا الله -وعقد واحدة- وإقام الصَّلاة...» إلى آخره، فعقدُ الواحدة ظاهرٌ في أنَّ الإيمان من الأربع، وقد رواه البخاريُّ في (كتاب الأدب) ، وفيه: «أقيموا الصَّلاة»، وليس فيه ذكر الشَّهادتين، وفي بعض طرقه حذف (الصَّوم) ، وقد ذكر ابن المُنَيِّر في (باب [/ج1ص36/] أداء الخُمُس من الدِّين) هذا القول؛ أعني: أنَّ الإيمان غير معدود، وأنَّه لا ينتظم الكلام إلَّا كذلك؛ فانظره.

قوله: (عَنِ الْحَنْتَمِ): هو بحاء مهملة مفتوحة، ثمَّ نون ساكنة، ثمَّ مُثنَّاة فوق مفتوحة، ثمَّ ميم، فسَّره أبو هريرة: بأنَّه الجرار الخضر، كما في «مسلم» في (الأشربة) ، وقال به أيضًا عبد الله بن مغفل من الصَّحابة، وهو قول الأكثرين أو كثيرين من أهل اللُّغة، وقيل: الأبيض والأخضر، وهو ما طُلِي بالحنتم المعلوم من الزُّجاج وغيره، وقيل: هو الفخَّار كلُّه، وقيل: الخضر في تفسير أبي هريرة: السود بالزفت، قال الحربيُّ: (وهي جرار مزفَّتة) ، وقيل: هي جرار يحمل فيها الخمر من مصر أو [27] الشَّام، وقيل: هي جرار مُضرَّاة بالخمر، وقيل: هي جرار تُعمَل من طين قد عُجِن [28] بشعر ودم، وهو قول عطاء، فنُهِي عنها؛ لنجاستها.

قوله: (والدُّبَّاءِ): هو بضمِّ الدَّال المهملة، وقد تُكسَر، وتشديد الموحَّدة، وبالمدِّ على وزن (المُكَّاء) ، والمُكَّاء: طائر، وحُكِي في (الدُّبَّاء) القصر: القرْع؛ ساكن الرَّاء، جمع (دُباءة) ، قال شيخنا الشَّارح في (المناقب): (وذُكِر عنِ القزَّاز: أنَّها قصرت في لغيَّة) .

قوله: (والنَّقِيرِ): هو بفتح النون، وكسر القاف، ثمَّ مُثنَّاة تحت ساكنة، ثمَّ راء؛ وهي النخلة تنقر -أي: يحفر في جوفها أو جنبها- ويُلقى فيها الماء والتَّمر؛ للانتباذ، وقد فسَّره في الحديث في «صحيح مسلم» فقال: (هي النخلة تُنْسَح نَسْحًا، وتُنْقر نقرًا؛ أي: تُقشَر ويُحفَر فيها) .

قوله: (المُقَيَّر): هو المُزَفَّت المذكور قبله، وهو المطليُّ بالقار، وهو الزِّفت، وقيل: الزِّفت: نوع من القار.

تنبيه: اعلم أنَّ هذا [29] النهي كان في أوَّل الإسلام، ثمَّ نسخ، وناسخه حديث بريدة في «مسلم»: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «كنت نهيتكم عنِ الانتباذ في الأسقية؛ فانتبذوا في كلِّ وعاء، ولا تشربوا مُسكِرًا»، وسيأتي ما في هذا اللفظ، وهو (الأسقية) في (الأشربة) ، وهذا مذهب الشافعيِّ والجمهور، وذهبت طائفة: إلى أنَّ النهي باقٍ؛ منهم: مالك، وأحمد، وإسحاق، حكاه الخطَّابيُّ عنهم قال: (وهو مرويٌّ عن عمر [30] وابن عبَّاس) ، وقال شيخنا الشَّارح في (الأشربة): (وذكره أحمد أيضًا عن عمر بن عبد العزيز، وأنَّه كتب بذلك إلى عديِّ بن أرطاة بالبصرة، قلت: أخرج ابن أبي شيبة عن عمر [31] بإسناد جيِّد عنِ البراء قال: أمرني عمر أن أنادي يوم القادسيَّة: لا تنتبذوا في دبَّاء ولا حنتم ولا مُزفَّت) انتهى [32] ، والقادسيَّة سنة خمسَ عشرةَ من الهجرة.

[1] في النسخ: (عن) ، والمثبت موافق لما في «اليونينيَّة» و (ق) .
[2] في (ب): (138 هـ ) .
[3] في (ب): (غزوة) ، والمثبت رواية أبي ذر عن الكشميهني.
[4] «مقدمة ابن الصلاح» (ص*) ، وانظر «التقييد والإيضاح» لزين الدين العراقي (*) .
[5] في (ب): (إذا) .
[6] في (أ): (المجتازة) .
[7] (راكبًا): ليس في (ب) .
[8] في (ج): (فذكر) .
[9] (هو): ليس في (ج) .
[10] في (ج): (ونقل ذلك النووي) .
[11] زيد في (ب): (المعنى) .
[12] في (ج): (ذكرتهم) .
[13] في (ب): (فكملوا) .
[14] في (ج): (العلاء) .
[15] في (ب): (لما) .
[16] في (ب): (العياش) .
[17] في (ب): (العلاء) .
[18] في (ب): (عددهم) .
[19] (كان): ليس في (ب) .
[20] ما بين قوسين ليس في (ب) .
[21] زيد في (ب) و (ج): (وذكر أبو محمَّد بن أبي جمرة: أنَّ قدومهم كان في رجب) ، وضرب عليها في (أ) ، وهو الأصوب؛ لتكرارها بعد.
[22] في (ب): (يخزيهم) .
[23] في (ب): (للخزايا) .
[24] (تحريم): ليس في (ب) .
[25] ما بين قوسين ليس في (ب) .
[26] زيد في (ب): (الثلث) .
[27] زيد في (ب): (من) .
[28] في (ب): (عمل) .
[29] زيد في (ب): (الدين) .
[30] زيد في (ب): (وفيه) .
[31] (عن عمر): ليس في (ب) .
[32] «التوضيح» (27/*) .





عيل المنصوبة بعامل مضمرٍ لازمٍ إضمارُه، تستعمله العربُ كثيرًا، ومعناه: صادفتَ رُحبًا.

(غَيْرَ): منصوبٌ على الحال، ويؤيِّدُه رواية البخاريِّ: «مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ الَّذِينَ جَاؤُوا غَيْرَ...».

وقال الكرمانيُّ: (إنْ قلتَ: إنَّه بالإضافة صار معرفةً، فكيف يكون حالًا؟ قلتُ: شرطُ تعرُّفه أن يكونَ المضافُ ضِدًّا للمضاف إليه ونحوه، وهنا ليس كذلك، ويروى أيضًا بكسر الرَّاء صفةً لـ«القوم»، فإن قلتَ: إنَّه نكرةٌ، فكيف [1] وقعت [2] صفةً للمعرفة؟ قلتُ: بلامِ الجنسِ قَرُبتِ المسافةُ بينه وبين النَّكرة، فحكمُه حكمُ النَّكرة؛ إذ لا توقيت ولا تعيين فيه) انتهى.

وقال الطِّيبيُّ: («غَيْرَ»: حال عن «الوفد» أو «القوم»، والعامل فيه الفعل المقدَّر).

وقال النوويُّ: (والمعروف الأوَّل) ؛ أي: نصب (غَيْرَ).

(إِلَّا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ): كذا بتعريفهما، وقيل: الرِّواية الصَّحيحة: (فِي شَهْرِ الحَرَامِ) ؛ بتعريف (الْحَرَامِ) وإضافة (الشَّهْرِ) إليه، مِن إضافةِ الشَّيء إلى نفسه؛ كـ (مسجد الجامع) ؛ أي: شهر الوقت الحرام، قاله الزَّركشيُّ.

(مُضَرَ): غيرُ مصروفٍ [3] للعلميَّة والتَّأنيث.

(بِأَمْرٍ فَصْلٍ): بالصِّفةِ لا بالإضافةِ.

(نُخْبِرْ): بالجزمِ جوابُ (فَمُرْنَا)، والرَّفعِ على أنَّه صفةُ (أَمْرٍ).

(مَنْ): مفعولٌ.

(وَنَدْخُلْ): معطوفٌ على (نُخْبِرْ)، وسيأتي [خ¦87] .

وقال الزَّركشيُّ: (قال القُرطبيُّ: قيَّدناه على مَنْ يُوثَق به برفع «نُخْبِر» على الصفة لـ«أَمْرٍ»، وأمَّا «نَدْخُل» فقيَّدناه بالرَّفع أيضًا على الصِّفة، وبالجزم فيه [4] على جوابِ الأمرِ).

(بِهِ): الباء للسببيَّة، فإنَّ الدُّخول بفضل الله تعالى، والعمل الصالح سببه؛ كما أنَّ الأكل سبب الشِّبَع، والمُشْبِعُ هو الله.

(شَهَادَة): إمَّا بدلٌ فتجرُّ، أو خبرُ مبتدأٍ؛ أي: هو كذا، فيُرفع.

[1] في النسختين: (كيف)، والمثبت من مصدره.
[2] في (ب): (وقع).
[3] في (ب): (منصرف).
[4] في (ب): (فيهما)، والمثبت من (أ) هو الصواب الموافق لمصدره، وعبارة القرطبي في «المفهم»: (قيَّدناه على مَنْ يُوثَقُ بعلمِه: «نُخْبِرُ» مرفوعًا، «وندخل» مرفوعًا ومجزومًا؛ فرفعهما على الصفة لـ«أَمْرٍ»، وجزمُ «ندخُلْ» على جوابِ الأمرِ المتضمِّنِ للجزاء؛ فكأنَّه قال: إنْ أمرتَنَا بأمرٍ واضحٍ؛ فعلناه ورجَوْنَا دخولَ الجنةِ بذلك الفعلِ)، قال الدماميني في «مصابيح الجامع» (1/158) بعد نقله كلام القرطبي: (يريدُ على روايةِ حذفِ الواو من «ندخل»، وأمَّا على رواية البخاريِّ هنا بإثباتها؛ فلا يتأتَّى الجزمُ في الثاني مع رفعِ الأوَّل).





53- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ)؛ بفتح الجيم، وسكون العين، [/ج1ص144/]

ابن عبيدٍ الهاشميُّ الجوهريُّ البغداديُّ، المُتوفَّى سنة ثلاثين ومئتين، (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، (عَنْ أَبِي جَمْرَةَ)؛ بالجيم والرَّاء، اسمه: نصرٌ، بالصَّاد المُهمَلَة، ابن عمران الضُّبعيُّ؛ بضمِّ المُعجَمَة وفتح الموحَّدة، البصريِّ، المُتوفَّى سنة ثمانٍ وعشرين ومئةٍ، (قَالَ: (كُنْتُ أَقْعُدُ)؛ بلفظ المضارع حكايةً عن الحال الماضية؛ استحضارًا لتلك الصُّورة للحاضرين، (مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما؛ أي: عنده في زمن ولايته البصرةَ من قِبَلِ عليِّ بن أبي طالبٍ، (يُجْلِسُنِي)؛ بضمِّ أوَّله من غير فاءٍ في «أصل فرع اليونينيَّة» كهي، مِنْ: أَجْلَسَ، وفي هامشها عن أبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: ((فَيُجْلِسُني))، أي: يرفعني بعد أن أقعد (عَلَى سَرِيرِهِ)؛ فهو عطفٌ على «أقعدُ»؛ بالفاء؛ لأنَّ الجلوس على السَّرير قد يكون بعد القعود وغيره، وقد بيَّن المصنِّف في «العلم» [خ¦87] من رواية غُنَدر عن شعبة السَّبب في إكرام ابن عبَّاسٍ له، ولفظه: «كنت أترجم بين ابن عبَّاسٍ وبين النَّاس» (فَقَالَ: أَقِمْ)؛ أي: توطَّن (عِنْدِي)؛ لتساعدني بتبليغ كلامي إلى من خَفِيَ عليه من السَّائلين، أو بالتَّرجمة عن الأعجميِّ وله [1] ؛ لأنَّ أبا جمرةَ كان يعرف بالفارسيَّة، وكان يترجم لابن عبَّاسٍ بها، (حَتَّى) أن (أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا)؛ أي: نصيبًا (مِنْ مَالِي)؛ سبب الجعل الرُّؤيا التي رآها في العمرة، كما سيأتي _إن شاء الله تعالى_ بحول الله وقوَّته في «الحجِّ» [خ¦1567] . قال أبو جمرة: (فَأَقَمْتُ مَعَهُ)؛ أي: عنده مدَّة [2] (شَهْرَيْنِ) بمكَّة، وإنَّما عبَّر بـ: «مع» المُشْعِرةِ بالمُصاحَبَة دون «عند» المقتضية لمُطابَقَة «أَقِمْ عندي»؛ لأجل المُبالَغَة، وفي رواية مسلمٍ بعد قوله: «وبين النَّاس»: «فأتت امرأةٌ تسأله عن نبيذ الجرِّ فنهى عنه، فقلت: يا بْن عبَّاسٍ، إنِّي أنتبذ في جرَّةٍ خضراءَ نبيذًا حلوًا، فأشرب منه فيقرقر بطني، قال: لا تشرب منه، وإن كان أحلى من العسل، (ثُمَّ قَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ)؛ هو ابن أَفْصَى؛ بهمزة مفتوحةٍ، وفاءٍ ساكنةٍ، وصادٍ مُهمَلَةٍ مفتوحةٍ، ابن دُعْميٍّ؛ بضمِّ الدَّال المُهمَلَة، وسكون العين المُهمَلَة، وبياءِ النِّسبة، أبو قبيلة، كانوا ينزلون البحرين، وكانوا أربعة عشر رجلًا بالأشجِّ، ويُروَى أنَّهم أربعون، فيحتمل أن تكون [3] لهم وفادتان، أو أنَّ الأشراف أربعةَ عَشَرَ، والباقي تبعٌ، (لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم) عام الفتح، وكان سببُ مجيئهم إسلامَ منقذ بن حبَّان وتعلُّمه الفاتحة وسورة «اقرأ»، وكتابته عليه الصلاة والسلام لجماعة عبد القيس كتابًا، فلمَّا رحل إلى قومه؛ كتمه أيَّامًا، وكان يصلِّي؛ فقالت زوجته لأبيها المنذر بن عائذٍ وهو الأَشَجُّ: إنِّي أنكرتُ فِعْلَ بَعْلي منذ قَدِمَ من يثرب، إنَّه لَيغسل أطرافه، ثمَّ يستقبل الجهة؛ يعني: الكعبة، فيحني ظهره مرَّة، ويقع أخرى، فاجتمعا فتحادثا ذلك، فوقع الإسلام في قلبه وقرأ عليهمُ الكتاب، وأسلموا وأجمعوا المسير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمَّا قدموا؛ (قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (مَنِ الْقَوْمُ؟ أَوْ) قال: (مَنِ الْوَفْدُ؟)، شكَّ شعبة أو أبو جمرة، (قَالُوا): نحن (رَبِيعَةُ)؛ أي: ابن نزار بن معد بن عدنانَ، وإنَّما قالوا: ربيعة؛ لأنَّ عبد القيس من أولاده، وعبَّر عن البعض بالكلِّ؛ لأنَّهم بعض ربيعة، ويدلُّ عليه ما عند المصنِّف في «الصَّلاة» [خ¦523] : «فقالوا: إنَّا _هذا الحيَّ_ من ربيعة» (قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ، أَوْ) قال: (بِالْوَفْدِ)، وأوَّل من قال: «مرحبًا» سيفُ بن ذي يزنٍ، كما قاله العسكريُّ، وانتصابه على المصدريَّة بفعلٍ مُضمَرٍ؛ أي: صادفوا رُحبًا؛ بالضَّمِّ؛ أي: سعةَ حالٍ كونهَم (غَيْرَ خَزَايَا)، جمع خزيانٍ على القياس؛ أي: غير أَذِلَّاء، أو غير مستحيين لقدومكم، مبادرين دون حربٍ يوجب استحياءكم، و«غير»: بالنَّصب حالٌ [4] ، ويُروَى _بالخفض_ صفةٌ لـ: «القوم»، وتعقَّبه أبو عبد الله الأبيُّ: بأنَّه يلزم منه وصف المعرفة بالنَّكرة، إلَّا أن تُجعَل الأداة في القوم للجنس؛ كقوله: [مِنَ الكامل]

~ ولقد أمرُّ على اللئيم يسبُّني .............................

فالأَوْلى: أن تكون بالخفض على البدل، (وَلَا نَدَامَى) جمع «نادمٍ» على غير قياسٍ، وإنَّما جُمِعَ كذلك إتباعًا لـ: «خزايا»؛ للمُشاكَلَة والتَّحسين، وذكر القزَّاز: أنَّ «ندمان» لغةٌ في «نادم»، فجمعُه المذكورُ على هذا قياسٌ، (فَقَالُوا)، وللأَصيليِّ: ((قالوا)): (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ)؛ أي: الإتيانَ إليك (إِلَّا فِي الشَهْرِ الْحَرَامِ)؛ لحرمة القتال فيه عندهم، والمُرَاد الجنس، فيشمل الأربعةَ الحُرُم، أو العهد، والمُرَاد: شهر رجبٍ، كما صرَّح به في رواية البيهقيِّ، وللأَصيليِّ وكريمة: ((إلَّا في شهر الحرام))؛ وهو من إضافة [/ج1ص145/] الموصوف إلى الصِّفة؛ كصلاة الأولى، والبصريُّون يمنعونها، ويؤوِّلون ذلك على حذف مُضَافٍ؛ أي: صلاة السَّاعة الأولى، وشهر الوقت الحرام، وقول الحافظ ابن حجرٍ: هذا من إضافة الشَّيء إلى نفسه، تعقَّبه العينيُّ: بأنَّ إضافة الشَّيء إلى نفسه لا تجوز، (وَ) الحال أنَّ [5] (بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ)؛ بضمِّ الميم، وفتح المُعجَمَة، مخفوضٌ بالمُضافِ [6] بالفتحة؛ للعلميَّة والتَّأنيث، وهذا _ مع قولهم: يا رسول الله_ يدلُّ على تقدُّم إسلامهم على قبائل مُضَرَ الذين كانوا بينهم وبين المدينة، وكانت مساكنهم بالبحرين وما والاها من أطراف العراق، (فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ) بالصَّاد المُهمَلَة، وبالتَّنوين في الكلمتين، على الوصفيَّة لا بالإضافة؛ أي: يفصل بين الحقِّ والباطل، أو بمعنى: المُفصل المُبين، وأصل «مُرْنَا»: «اُؤْمُرْنا» بهمزتين، من: «أَمَرَ» «يَأْمُر»، فحُذِفتِ الهمزةُ الأصليَّة؛ للاستثقال، فصار «اُمرنا»، فاستغنى عن همزة الوصل فحُذِفَت، فبقي «مُرْ» على وزن «عُلْ»؛ لأنَّ المحذوف فاءُ الفعل، (نُخْبِرْ بِهِ مَنْ)؛ أي: الذي استقرَّ (وَرَاءَنَا)؛ أي: خلفنا من قومنا الذين خلَّفناهم في بلادنا، و«نُخْبِرْ»: بالجزم جوابًا للأمر، وهو الذي في «فرع اليونينيَّة»، وبالرَّفع لخلوِّه من ناصبٍ وجازمٍ، والجملة في محلِّ جرٍّ صفةٌ لـ: «أمرٍ»، (وَنَدْخُلْ بِهِ الْجَنَّةَ)؛ إذا قُبِلَ برحمة الله، ويجوز الجزم والرَّفع في «ندخلْ» كـ: «نخبرْ» عطفًا عليها. نعم؛ يتعيَّن الرَّفع في هذه على رواية «حذف الواو»، وتكون جملةً مُستأنَفَةً لا محلَّ لها من الإعراب، (وَسَأَلُوهُ) صلى الله عليه وسلم (عَنِ الأَشْرِبَةِ)؛ أي: عن ظروفها، أو سألوه عن الأشربة التي تكون في الأواني المختلفة، فعلى التَّقدير الأوَّل: المحذوفُ: المُضافُ، وعلى الثَّاني: الصِّفة، (فَأَمَرَهُمْ) صلى الله عليه وسلم (بِأَرْبَعٍ)؛ أي: بأربع جملٍ أو خصالٍ، (وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ) تفسيرٌ لقوله: «فأمرهم بأربعٍ»، ومن ثمَّ حذف العاطف، (قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللهِ وَحْدَهُ؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) صلى الله عليه وسلم: هو (شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ)؛ برفع «شهادةُ» خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، ويجوز جرُّه على البدليَّة، (وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ)، واستُشكِل قوله: «أمرهم بأربعٍ» مع ذكر خمسةٍ، وأجيب بزيادة الخامسة؛ وهي «أداء الخُمُس»؛ لأنَّهم كانوا مجاورين لكفَّار مُضَرَ، وكانوا أهلَ جهادٍ وغنائم، وتُعقِّب: بأنَّ المؤلِّف عقد الباب على أنَّ «أداء الخُمُس» من الإيمان، فلا بدَّ أن يكون داخلًا تحت أجزاء الإيمان، كما أنَّ ظاهر العطف يقتضي ذلك، أو أنَّه عدَّ «الصَّلاة» و«الزَّكاة» واحدةً؛ لأنَّها قرينتها في كتاب الله تعالى، أو أنَّ «أداء الخُمُس» داخلٌ في عموم «إيتاء الزَّكاة»، والجامع بينهما إخراج مالٍ مُعيَّنٍ في حالٍ دون حالٍ، وعن البيضاويِّ: أنَّ الخمسةَ تفسيرٌ للإيمان؛ وهو: أحد الأربعة المأمور بها، والثَّلاثة الباقية حذفها الرَّاوي؛ نسيانًا أوِ اختصارًا، أو أنَّ الأربعة: «إقام الصَّلاة...» إلى آخره، وذكر «الشَّهادتين»؛ تبرُّكًا بهما؛ كما في قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنَ شَيءٍ فَأَنَّ لِلهِ خمُسَهُ} [الأنفال: 41] ؛ لأنَّ القوم كانوا مؤمنين، ولكن ربَّما كانوا يظنُّون أنَّ الإيمان مقصورٌ على الشَّهادتين، كما كان الأمر في صدر الإسلام، وعُورِضَ: بأنَّه وقع في رواية حمَّاد بن زيدٍ عن أبي جمرة عند المؤلِّف في «المغازي» [خ¦4369] : «آمركم بأربعٍ: الإيمان بالله شهادة أن لا إله إِلَّا الله، وعقد واحدةً»، وهو يدلُّ على أنَّ الشَّهادة إحدى الأربع، وعنده في «الزَّكاة» [خ¦1398] من هذا الوجه: الإيمان بالله، ثمَّ فسَّرها لهم: بشهادة أن لا إله إلَّا الله، وهو يدلُّ أيضًا على عدِّها في الأربع؛ لأنَّه أعاد الضَّمير في قوله: «فسَّرها» مُؤنَّثًا، فيعود على الأربع، ولو أراد تفسير الإيمان؛ لأعاده مُذَكَّرًا، وأُجِيب: بزيادة أداء الخُمُس، قال أبو عبد الله الأُبِّيُّ: وأتمُّ جوابٍ في المسألة: ما ذكره ابن الصَّلاح من أنَّه معطوفٌ على أربعٍ؛ أي: أمرهم بأربعٍ وبإعطاء الخُمُسِ، وإنَّما كان أتم؛ لأنَّ به تتَّفق الطَّريقان، ويرتفع الإشكال. انتهى. ولم يذكر «الحجَّ»؛ لكونهم سألوه أن يخبرهم بما يدخلون بفعله الجنَّة، فاقتصر لهم على ما يمكنهم فعله في الحال، ولم يقصد إعلامهم بجميع الأحكام التي تجب عليهم فعلًا وتركًا، ويدلُّ على ذلك: اقتصاره في المناهي على الانتباذ في الأوعية، مع أنَّ في المناهي ما هو أشدُّ في التَّحريم من الانتباذ، لكنِ اقتصرَ عليها؛ لكثرة تعاطيهم لها، أو لأنَّه لم يُفرَض _كما قاله عياضٌ_ [/ج1ص146/]

إلَّا في سنة تسعٍ، ووفادتُهم في سنة ثمانٍ؛ أي: على أحد الأقوال في وقت فرضه، ولكنَّ الأرجحَ: أنَّه فُرِضَ سنة ستٍّ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، أو لكونه لم يكن لهم سبيلٌ إليه من أجل كفَّار مُضَرَ، أو لكونه على التَّراخي، أو لشهرته عندهم، أو أنَّه أخبرهم ببعض الأوامر، ثمَّ عطف المؤلف على قوله: «وأمرهم» قوله: (وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنِ الْحَنْتَمِ)؛ أي: عن الانتباذ فيه؛ وهو؛ بفتح المُهمَلَة، وسكون النُّون، وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة؛ وهي: الجرَّة، أو الجرار الخُضْر أو الحُمْر أعناقُها على [7] جنوبها، أو متَّخذةٌ من طينٍ وشعرٍ ودمٍ، أوِ «الحنتم»: ما طُلِيَ من الفخَّار بالحنتم المعمول بالزُّجاج وغيره، وسقطت: ((عن)) الثَّانية لكريمة، (وَ) عن الانتباذ في (الدُّبَّاءِ)؛ بضمِّ المُهمَلَة، وتشديد المُوحَّدة والمدِّ: اليقطين، (وَ) عنِ الانتباذ في (النَّقِيرِ)؛ بفتح النُّون، وكسر القاف؛ وهو: ما يُنقَر من [8] أصل النَّخلة، فيُوعَى فيه، (وَ) عن الانتباذ في (الْمُزَفَّتِ) _بالزَّاي والفاء_: ما طُلِيَ بالزِّفت، (وَرُبَّمَا قَالَ: الْمُقَيَّرِ)؛ بالقاف، والمُثنَّاة التَّحتيَّة المُشدَّدة المفتوحة؛ وهو: ما طُلِيَ بالقار، ويُقَال له: القَيْر؛ وهو نبتٌ يُحرَق إذا يبس، تُطلَى به السُّفن وغيرها كما تُطلَى بالزِّفت، (وَقَالَ: احْفَظُوهُنَّ وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ) بفتح الهمزة (مَنْ وَرَاءَكُمْ)؛ أي: الذين كانوا أو استقرُّوا، ومعنى النَّهيِ عن الانتباذ في هذه الأوعية بخصوصها؛ لأنَّه يسرع إليها الإسكار، فربَّما شرب منها من لم يشعر بذلك، ثمَّ ثبتت الرُّخصة في الانتباذ في كلِّ وعاءٍ، مع النَّهيِ عن شرب كلِّ مُسْكِرٍ، ففي «صحيح مسلمٍ»: «كنت نهيتكم عن الانتباذ إلَّا في الأسقية، فانتبذوا في كلِّ وعاءٍ، ولا تشربوا مسكرًا».

وفي الحديث: استعانة العالِمِ في تفهيم الحاضرين والفهم عنهم، واستحباب قول «مرحبًا» للزُّوَّار، وندب العالم إلى إكرام الفاضل، ورواته ما بين بغداديٍّ، وواسطيٍّ، وبصريٍّ، واشتمل على التَّحديث، والإخبار، والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في عشرة مواضع: هنا، وفي «خبر الواحد» [خ¦7266] ، و«كتاب العلم» [خ¦87] ، وفي «الصلاة» [خ¦523] ، وفي «الزَّكاة» [خ¦1398] ، وفي «الخُمُس» [خ¦3095] ، وفي «مناقب قريشٍ» [خ¦3510] ، وفي «المغازي» [خ¦7266] ، وفي «الأدب» [خ¦6176] ، وفي «التَّوحيد» [خ¦7556] ، وأخرجه مسلمٌ في «الإيمان» وفي «الأشربة»، وأبو داود، والتِّرمذيُّ، وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنَّسائيُّ في «العلم» و«الإيمان» و«الصَّلاة».

[1] «وله»: مثبتٌ من (ب)و (م).
[2] «مدَّة»: سقط من (م).
[3] في (ب) و(س): «يكون».
[4] «وغير: بالنَّصب حال»: سقط من (م).
[5] «أنَّ»: سقط من (س).
[6] في (م): «بالإضافة».
[7] في (م): «في».
[8] في (ب) و(س): «في».





53- ( عَنْ أَبِي جَمْرَةَ ): بالجيم والرَّاء.

( مَنِ الْقَوْمُ أَوْ مَنِ الْوَفْدُ ): شكٌّ من أحد الرُّواة، إمَّا أبو جمرة أو من دونه، قال ابن حجر: وأظنُّ من شعبة، فإنَّه في رواية قرَّة وغيره بغير شكٍّ، وأغرب من قال: إنَّه من ابن عبَّاس.

قال النَّوويُّ: الوفد: الجماعة المختارة للتَّقدُّم في لُقيِّ العظماء، وأحدهم: وافد. [/ج1ص216/]

قال: ووفد عبد القيس المذكورون كانوا أربعة عشر راكبًا، كبيرهم الأشجُّ؛ واسمه: المنذر بن عائذ، وسمَّى منهم صاحب «التَّحرير» غيرَ الأشجِّ: منقذَ بنَ حبَّان، ومزيدةَ بن مالك، وعمرو بن مرحوم، والحارث بن شعيب، وعبيدة بن همَّام، والحارث بن جندب، وصُحار بن العبَّاس بصاد مضمومة وحاء مهملتين.

زاد ابن حجر: وعقبة بن جروة، وقيس بن النُّعمان، والجَهْم بن قُثم، والرُّسْتُم، وجويرية، والزَّارِع، فهؤلاء أربعة عشر.

وقد روى الدُّولابيُّ عن أبي خَيْرَة الصُّبَاحيُّ قال: «كنت في الوفد الذين أتوا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من عبد القيس وكنَّا أربعين رجلًا».

قال ابن حجر: فلعلَّ الأربعة عشر هم رؤوس الوفد، وممَّن سُمِّيَ منهم غير من سبق: مطر أخو الزَّارَّع، وابن أخته ولم يُسمَّ، ومُشَمرج، وجابر بن الحارث، وخزيمة بن عبد عمرو، وهمَّام بن ربيعة، وجارية _ بالجيم _ ابن جابر، ونوح بن مخلد؛ فهؤلاء بضعة وعشرون.

( مَرْحَبًا ): نصب بمضمر، أي: صادفت رُحْبًا -بضمِّ الرَّاء-، أي: سعة، قال العسكريُّ: أوَّل من قال: مرحبًا: سيف بن ذي يزن.

( غَيْرَ ) بالَّنصب حال، وروي بالكسر صفة، والمعروف الأوَّل، وفي الأدب: «مرحبًا بالوفد الذين جاؤوا غير..» [خ:6176]

( خَزَايَا ) جمع خزيان، وهو الذي أصابه خزي.

( نَدَامَى ): جمع ندمان من النَّدم، كنادم، حكاه الجوهريُّ وغيره، وقيل: ندمان خاص بالمنادمة ونادم بالنَّدم، وجمعه: نادمون، فعدل عنه [/ج1ص217/]للإتباع كالعشايا والغدايا، وفي النَّسائيِّ: «مرحبًا بالوفد ليس الخزايا ولا النَّادمين».

قال ابن أبي جمرة: بشَّرَهم بالخيرِ عاجلًا وآجلًا، لأنَّ النَّدامة إنَّما تكون في العاقبة.

( إِلاَّ فِي الشَهْرِ الْحَرَامِ )، للأَصِيلي وكريمة: «في شهر الحرام»، وهي رواية مسلم من إضافة الشَّيء إلى نفسه كمسجد الجامع ونساء المؤمنات، أي: شهر الوقت الحرام، واللَّام في الأولى للجنس، ففي المغازي: «أشهر الحرم»، [خ:4368] وفي المناقب: «إلَّا في كلِّ شهر حرام». [خ:3510]

وقيل: للعهد، أي: رجب، وصرَّح به عند البيهقيِّ؛ لأنَّ مضر كانت تبالغ في تعظيمه، ولهذا أضيف إليهم في حديث أبي بكرة، / حيث قال: رجب مضر.

( بأمرٍ ) بالتَّنوين لا بالإضافة.

( فَصْلٍ ): فاصل، أي: يفصل بين الحقِّ والباطل، أو بَيِّنٍ واضح.

( نخبرُ ) بالرَّفع صفة، والجزم جوابًا.

( مَنْ ) بالفتح لا غير.

( وَنَدْخُلُ ) بالوجهين، وروي بإسقاط الواو، فليس إلَّا الجزم جوابًا، ورفع «نخبر».

( فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ ) قيل: أوَّل الأربع: إقام الصَّلاة، وذكر الشَّهادتين للتَّبرُّك وتقديمِ ما هو الأصل؛ فإنَّهم إنَّما سألوا عن الأعمال لتقدُّم إيمانهم، فإنَّهم من أقدم النَّاس إسلامًا، فوقع الأمر بالأعمال، ولهذا سقط ذكر الشَّهادتين في طريق أخرى.

وقيل: الأربع ما عدا أداء الخمس، كأنَّهم أعلمهم أوَّلًا بقواعد الإسلام وفروض الأعيان، ثمَّ أعلمهم بما يلزمهم إخراجه إذا وقع لهم جهاد، ولم يقصد إلى ذكرها بعينها؛ لأنَّها مسبَّبة عن الجهاد، ولم يكن الجهاد إذ ذاك فرض عين، ولذلك لم يذكر الحجَّ؛ لأنَّه لم يكن فُرِض.

وقيل: عدَّ أوَّلًا بأربع، فلمَّا [وفَّى] [1] زاد، ولا ضير في ذلك.

وقيل: عدَّ الصَّلاة والزَّكاة واحدة؛ لأنَّها قرينتها في القرآن.

وقيل: أداء الخمس داخل في إيتاء الزَّكاة، والجامع بينهما أنَّهما إخراج مال معيَّن في حال دون حال.

ووقع في «سنن البيهقيِّ» و«مسند أحمد» زيادة: «وتحجُّوا البيت الحرام». [/ج1ص218/]

( عَنِ الْحَنْتَمِ ): فيه حذف، أي: شرب ما يُنتبذ فيها، وصرَّح به في رواية النَّسائيِّ، وهي بفتح المهملة وسكون النُّون وفتح الفوقيَّة: الجِرَار الخُضْر، الواحدة: حنتمة.

( وَالدُّبَّاءِ ): بضمِّ المهملة وتشديد الموحَّدة والمدِّ _ وحُكِيَ قصره _: القرع، والمراد: اليابس منه.

( وَالنَّقِيرِ ): بفتح النُّون وكسر القاف: أصل النَّخلة يُنقر فيُتَّخذ منه وعاء.

( وَالْمُزَفَّتِ ): بالزَّاي والفاء: ما طلي بالزِّفت.

( وَرُبَّمَا قَالَ الْمُقَيَّرِ ) أي: بدل ( المزفَّت ) وهو بالقاف والتَّحتيَّة: ما طلي بالقار، وهو نبت يحرق إذا يبس ويطلى به كما يطلى بالزِّفت.

وفي «مسند الطَّيالسيِّ» بسند حسن عن أبي بكرة قال: «أمَّا الدُّبَّاء: فإنَّ أهل الطَّائف كانوا يأخذون القرع فيخرطون فيه العنب ثمَّ يدفنونه حتَّى يهدر ثمَّ يموت، وأمَّا المقيَّر: فإنَّ أهل اليمامة كانوا ينقرون أصل النَّخلة، ثمَّ ينبذون الرُّطب والبسر، ثمَّ يدعونه حتَّى يهدر ثمَّ يموت، وأمَّا الحنتم: فجرار كانت تُحمل إلينا فيها الخمر، وأمَّا المزفَّت فهذه الأوعية التي فيها الزِّفت».

ومعنى النَّهي عن الانتباذ في هذه الأوعية بخصوصها: أنَّه يسرع إليها الإسكار، فربَّما شرب منها من لا يشعر بذلك، ثمَّ نسخ وثبتت الرُّخصة في الانتباذ في كلِّ وعاء مع النَّهي عن شرب مسكر.

( مَنْ وَرَاءَكُمْ ): بالفتح موصولة. [/ج1ص219/]

[1] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (دنا)





21/53# قال أبو عبد الله: حدَّثنا عَلِيُّ بنُ الجَعْدِ، قَالَ: حدثنا شُعْبَةُ: عن أَبِي جَمْرَةَ [1] ، قَالَ:

كُنْتُ أَقْعُدُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ، يُجْلِسُنِي عَلَىَ سَرِيرِهِ، فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي حتَّىَ أَجْعَلَ [2] لَكَ سَهْماً مِنْ مالِي. فأَقَمْتُ مَعَهُ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنِ القَوْمُ؟ _أَوْ: مَنِ الوَفْدُ؟_» قالُوا: رَبِيعَةُ. قَالَ: «مَرْحَباً بِالقَوْمِ _أَوْ بِالوَفْدِ_ غَيْرَ خَزايا وَلا نَدامَىَ». فَقَالَوا: يا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لا نَسْتَطِيعُ أَنْ نأتِيَكَ إلَّا فِي شَهْرِ الحَرامِ [3] ، وَبَيْنَنا وَبَيْنَكَ هذا الحَيُّ مِنْ كُفَّارِ [4] مُضَرَ، فَمُرْنا بِأَمْرٍ فَصْلٍ، نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَراءَنا، وَنَدْخُل الجَنَّةَ [5] . وَسأَلُوهُ عن الأَشْرِبَةِ، فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهاهُمْ عن أَرْبَعٍ: أَمَرَهُمْ بِالإِيمانِ [6] بِاللهِ وَحْدَهُ، ثم قَالَ: «أَتَدْرُونَ ما الإِيمانُ بِاللهِ وَحْدَهُ؟» [7] قالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «شَهادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إلَّا اللهُ، وأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وإِقامُ الصَّلاةِ، وإِيتاءُ الزَّكاةِ، وَصِيامُ رَمَضانَ، وأَنْ تُعْطُوا مِنَ المَغْنَمِ الخُمُسَ». وَنَهاهُمْ عن أَرْبَعٍ: عَنِ الحَنْتَمِ والدُّبَّاءِ والنَّقِيرِ والمُزَفَّتِ _وَرُبَّما قَالَ: المُقَيَّرِ_ وقالَ: «احْفَظُوهُنَّ، وأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَراءَكُمْ».

قوله: [8] (الخزايا) جمع الخَزْيان، وهو الذي أصابه خِزي وعارٌ، وذَلَّ وانكسر من أجله؛ يقال منه: خَزِي الرجل خزياً فهو خَزْيان [9] .

ويجمع على الخَزَايَا، كما قيل: سكران وسكارى. ويقال: خَزِيَ الرجلُ: إذا استحيا. والمصدر منه الخَزَاية.

والمعنى: أنَّهم

@%ص36%

دخلوا في الإسلام طوعاً، فلم يُصبهم مكروهٌ من حَرب أو سَبي يُخزيهم ويفضحهم.

وقوله: [10] (ولا نَدامَى) يريد: الندامة، وكان حقُّه في القياس أن يقال: ولا نادمين، جمع نادم؛ لأنَّ النَّدامى إنَّما هو جمع النَّدْمان، إلَّا أنَّه لمَّا [11] أتبعه الكلامَ الأوَّلَ وهو قوله: «خَزَايا» أخرجه على [12] وَزنه؛ كما قالوا: إنَّه ليأتينا بالغَدايَا والعَشَايا. يريد: جمع غَدَاة، وهي تُجمع على الغَدَوات، ولكنَّه لمَّا قرنَه بالعشايا [13] أخرجه على وزنها، ومثل هذا في كلامهم موجودٌ.

وقولهم: (مُرنا بأمرٍ فَصْل) أي: بيِّنٍ واضح، ينفصلُ به المرادُ، ولا يُشكل [14] فيه المعنى.

وقوله: (ونهى عن الحنتم) فإنَّه يريد به: الانْتِباذَ في الحنتم، والحناتم: الجرار [15] .

و (الدُّبَّاء) القَرعة، يُنتبذ فيها.

و (النقير): أصل النخلة ينقر فيُتَّخذ منه أوعيةٌ يُنتبذ فيها.

و (المُزَفَّت): السِّقاء الذي قد زُفِّت، أي رُبِّبَ [16] بالزِّفت، وهو القِيْر.

وليس المعنى في النهي تحريمَ أعيان هذه الأوعية، فإنَّ الأوعية لا تحُرِّم شيئاً ولا تحلِّله، ولكنَّ هذه الأوعية ظروف متينة [17] ، إذا انتبذ صاحبُها فيها كان على غرر [18] منها؛ لأنَّ الشرابَ قد يَنُشُّ [19] فيها ويغلي، فيصير مُسْكراً وهو لا يَشْعُرُ به، وكذلك هذا في السقاء المُزَفَّت، لأنَّ الرُّبَّ [20] الذي فيه يمنعه من التنفُّس، فأمَّا السقاءُ غيرُ المربوب فإنَّما جاءت الرخصة [21] فيه؛ لأنَّه إذا [22] اشتدَّ الشرابُ لم يلبث السقاءُ أنَ يَنْشَقَّ، فَيَعْلَمَ به صاحبُه، فيجتنبه.

[1] (عن أبي جمرة) سقط من (ط)
[2] في (أ): (نجعل)
[3] في (ر): (أشهر الحرام)، وفي (ف) و (م): (أشهر الحرم).
[4] (كفار) سقطت من (م).
[5] في (ر): (ندخل به الجنة) وفي هامش (ف) إشارة إلى أنه نسخة.
[6] (أمرهم بالإيمان) سقط من (ط) و (م).
[7] في النسخ الفروع: (ما الإيمان) فقط.
[8] قوله: (قوله:) سقط من الأصل و (ط) والمثبت من النسخ الفروع.
[9] (فهو خزيان): سقط من (ط).
[10] (وقوله) سقط من (ط).
[11] قوله: (لمَّا) زيادة من النسخ الفروع.
[12] في (ط): (عن)
[13] في (ط): (بالعشاء)
[14] في (م): (ولا يسهل) مصحفاً.
[15] في (ط): (الجرارة) وجاء بعده في النسخ الفروع مع اختلاف بينها في صوغ العبارة: قلت: ليس كل جرة تسمى حنتمة؛ إنما هي الجرة الخضراء المطلية بما يسد مسام الخزف، ولهذا الجنس تأثير في النبيذ لأنها كالمزفت.
[16] في (م): (زفت) وفي (ف) إشارة إلى أنها نسخة.
[17] في (ط): (مبنية)
[18] (غرر) سقطت من (ط).
[19] في (ط): (ينس) بالسين المهملة محرفاً. ونَشَّ الشراب: إذا أخذ في الغليان (التاج_ نشش_)
[20] في (م): (الزفت) وفي (ف) إشارة إليه في نسخة.
[21] في (ط): (الرجعية) تصحيفاً.
[22] في (ط): (إذ)





53 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ [1]، قَالَ: كُنْتُ أَقْعُدُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ رضيَ اللهُ عَنْهُما فَيُجْلِسُنِي عَلَى سَرِيرِهِ فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِي فَأَقَمْتُ مَعَهُ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنِ القَوْمُ؟ - أَوْ مَنِ الوَفْدُ؟ -)) قَالُوا: رَبِيعَةُ. قَالَ: ((مَرْحَبًا بِالقَوْمِ، أَوْ بِالوَفْدِ، غَيْرَ خَزَايَا وَلاَ نَدَامَى))، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لاَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيكَ إِلَّا فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ، نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، وَنَدْخُلْ بِهِ الجَنَّةَ، وَسَأَلُوهُ عَنِ الأَشْرِبَةِ: فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، أَمَرَهُمْ: بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، قَالَ: ((أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ)). قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، وَإِقَامُ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ المَغْنَمِ الخُمُسَ)). وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنِ الحَنْتَمِ وَالدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالمُزَفَّتِ، وَرُبَّمَا قَالَ: المُقَيَّرِ [2]، وَقَالَ: ((احْفَظُوهُنَّ وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ))

الشرح:

أما (ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه )و (شُعْبَةُ) فسبق ذكرهما.

وأما (أَبُو جَمْرَةَ) فهو -بالجيم والراء- واسمه نصرُ بنُ عِمْرَانَ بنِ عصام - وقيل: ابن عاصم، ابن واسع، الضُّبَعي البصري [3]، سمع ابن عباس، وابن عمر، وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم، وآخرين من التابعين.

روى عنه جماعة من التابعين منهم: أبو التياح، وأيوب وغيرهما، وآخرون من غيرهم.

قال مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى: كان مقيمًا بنيسابور، ثم خرج إلى مرو، ثم انصرف إلى سرخس وبها توفي، وكانت وفاته سنة ثمان وعشرين ومائة.

قال

#%ص199%

بعض الحفاظ: يروي شعبة عن سبعة يروون عن ابن عباس رضي الله عَنْهما كلهم أبو حمزة - بالحاء والزاي - إلا هذا، ويعرف هذا [4] من غيره منهم: أنه إذا أُطْلِقَ عن ابن عباس رضيَ اللهُ عنهما أبو جمرة فهو هذا، وإذا أرادوا غيره ممن [5] هو بالحاء قيدوه بالاسم والنسب أو الوصف [6]، كأبي حمزة القصاب، في أواخر «صحيح مسلم» في قصة معاوية رضي الله عنه هو بالحاء، والله أعلم.

وأما (عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ) فهو الإمام أبو الحسنِ عليُّ بنُ الْجَعْدِ بنِ عُبَيْدٍ، الجوهري [7] الهاشمي - مولاهم - البغدادي، سمع الأعلام منهم: الثوري, ومالك, وشعبة [8], وابن أبي ذئب [9], والحمادان [10], وخلائق.

روى عنه خلائق من الأئمة والحفاظ منهم: أحمد بن حنبل، وابن معين، وأبو بكر بن أبي شيبة، والبخاري، وأبو زرعة، وأبو حاتم [11]، وإبراهيم الحربي، وأبو داود السجستاني [12]، والبغوي، وأبو يعلى الموصلي، وخلائق.

قال موسى بن داود: ما رأيت أحفظ من علي بن الجعد.

وقال يحيى بن معين: هو رباني العلم.

وقال عبدوس بن عبد الله النيسابوري: ما أعلم أني لقيت أحفظ من علي بن الجعد، وأقولهم في الثناء عليه بالحفظ والإتقان مشهورة، وبقي ستين سنة أو سبعين يصوم يومًا ويفطر يومًا، ولد سنة ست وثلاثين ومائة، وتوفي سنة ثلاثين ومائتين، ودفن بمقبرة باب حزم [13] ببغداد، رحمه الله تعالى.

فصل: قال صاحب «المطالع» وغيره: ليس في «الصحيحين» و«الموطأ» جمرة ولا أبو جمرة - بالجيم - إلا هذا، وذكر الحاكم أبو أحمد في كتابه «الأسماء والكنى» أبا جمرة هذا في الأفراد، فليس في المحدثين من يكنى أبا جمرة سواه.

فصل: هذا الحديث مشتمل على فوائد ومهمات كثيرة [14]، قد أوضحتها مبسوطة في شرح «صحيح مسلم» وأنا أذكر هنا - إن شاء الله تعالى - مقاصدها مختصرة.

فقوله: (يُجْلِسُنِي عَلَى سَرِيرِهِ) السرير معروف، وجمعه سُرُر - بضم الراء - كما جاء به القرآن الكريم، ويجوز فتحها، وكذا ما أشبهها من المضعف: كجديدٍ وجُدُد، ودليل ودلل [15]، ونظائره، يجوز فيها ضم الثاني وفتحه، والضم أشهر، ولا يلتفت إلى إنكار من أنكر الفتح وإن

#%ص200%

كانوا مشهورين، فالزيادة من [16] الثقة مقبولة، وقد نقله الواحدي والجوهري وخلائق، وقد أوضحت ذلك في «تهذيب الأسماء واللغات».

وفي هذا أنه يستحب للعالم إكرام كبير القدر من جلسائه، ورفع مجلسه وتخصيصه فيه على غيره.

وقوله [17]: (فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِي) معناه: أقم عندي لتساعدني على فهم كلام السائلين، فإنه كان يترجم لابن عباس رضي اللهُ عنهما، ويخبره بمراد السائل الأعجمي [18]، ويخبر السائل [19] بقول ابن عباس رضيَ اللهُ عنهما.

قوله: (إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ) الوفد: الجماعة المختارة من القوم، ليتقدموهم في لقي العظماء والمصير إليهم في المهمات، واحدهم وافد [20].

وفد [21] عبد القيس هؤلاء رضي الله عنهم تقدموا قبائل عبد القيس للمهاجر [22] إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وكانوا أربعة عشر راكبًا: الأشج العصري رئيسهم رضي الله عنهم، واسمه المنذر بن عائذ، بالذال المعجمة.

وقد ذكرت في شرح «صحيح مسلم» سببَ وفادتهم، وأسماء أكثرهم، وما يتعلق بذلك.

وفيه معجزة ظاهرة لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.

قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (مَرْحَبًا بِالقَوْمِ) منصوب على المصدر، استعملته العرب وأكثرت منه، تريد [23] البر والإكرام وحسن اللقاء، ومعناه: صادفتَ رَحْبًا وَسَعَة.

قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (غَيْرَ خَزَايَا وَلاَ نَدَامَى) هكذا وقع هنا، وجاء في غير ذا [24] الموضع: ( غَيْرَ الخَزَايَا وَلَا النَّدَامَى) بالألف واللام فيهما [25]، وفي رواية مسلم: ((غَيْرَ خَزَايَا وَلاَ النَدَامَى)) وكله صحيح، وغير: منصوب على الحال، هكذا الرواية، ويؤيده الرواية الأخرى ذكره [26] البخاري في غير هذا الموضع: ( مَرْحَبًا بِالقَوْمِ الذِّيْنَ جَاؤوا غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى) وأما معناه [27]: فالخزايا جمع خَزيان، كحيران وحيارى، والخزيان المستحيي، وقيل: الذليل المهان، وأما الندامى فقيل: جمع ندمان بمعنى نادم، وهي لغة في نادم، حكاها القزاز صاحب «الجامع في اللغة [28]» والجوهري وغيرهما،

#%ص201%

وعلى هذا هو على بابه، وقيل: هو جمع نادم إتباعًا للخزايا، وكان [29] الأصل نادمين، فأتبع لخزايا [30] تحسينًا [31]، وهذا الإتباع كثير في كلام العرب، وهو فصيح، ومنه قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ)) أتبع مأزورات لمأجورات، ولو أفرد وما أتبع [32] لقال: موزورات، كذا قاله الفراء وجماعات، قالوا: ومنه قول العرب: إني لآتيه بالغدايا والعشايا، جمعوا الغداة غدايا إتباعًا لعشايا، وأصله غدوات.

وأما معنى (غَيْرَ نَدَامَى) فالمقصود أنه لم يكن منكم تأخر عن الإسلام ولا عناد، ولا أصابكم إسار ولا سِبَاء، ولا ما أشبه ذلك مما تستحيون [33] بسببه [34]، أو تذلون أو تهانون [35] أو تندمون.

قولهم: (يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لاَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيكَ إِلَّا فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ) الحرام [36]: جنس الأشهر الحُرُم, وهي أربعة: ذو [37] القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، وفي رواية لمسلم: ((فِي أَشْهُرِ الحُرُم))، أي: في أشهر الأوقات الحرم، وإنما تمكنوا في هذه الأشهر دون غيرها؛ لأن العرب كانت لا تقاتل فيها.

قولهم: (وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ) أصل الحي منزل القبيلة، ثم سميت به اتساعًا؛ لأن بعضهم يحيا ببعض.

قولهم [38]: (فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ) قال الخطابي وغيره: هو [39] البين الواضح الذي ينفصل به المراد ولا يشكل.

قوله: (فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، أَمَرَهُمْ: بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ ... ) إلى آخره.

هذا الحديث مما عده جماعة من العلماء مشكلًا، من حيث إنه صلَّى الله عليه وسلَّم قال: (آَمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ) والمذكور [40] هنا خمس، وليس هذا إشكالًا عند من نظر بتحقيق، وقد اختلفوا في الجواب عنه: فالصحيح ما قاله الإمام أبو الحسن بن بطال وغيره، قالوا: أمرهم بالأربع [41] التي وعدهم [42]، ثم زادهم خامسة وهي أداء الخمس؛ لأنهم كانوا مجاورين كفار مضر، وكانوا [43] أهل جهاد، ويكون [44]: (وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ المَغْنَمِ الخُمُسَ [45]) معطوفًا على أربع، أي: أمرهم بأربع وبأن يعطوا [46]، وقيل فيه غير ذلك مما لا نرتضيه، فتركته.

وهذا الحديث موافق لحديث: (( بُنِيَ الِإسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ)) ولتفسير الإسلام بخمس [47] في حديث جبريل صلى الله عليه وسلم وقد سبق أنَّ ما يسمى

#%ص202%

إسلامًا يسمى إيمانًا.

قيل [48]: وإنما لم يذكر [49] الحج؛ لأنه لم يكن فُرِض بعد.

قوله: (وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ) إلى آخره.

أما [50] (الحَنْتَمِ) فبفتح [51] الحاء المهملة وإسكان النون وبعدها مثناة فوق مفتوحة، وهي جرار خضر، هذا قول أبي هريرة وعبد الله بن مغفل الصحابيين، رضي الله عنهما، وبه قال جمهور العلماء من المحدثين والفقهاء واللغويين وأصحاب الغريب [52]، وهو الأصح، وقيل: هي الجرار كلها، قاله عبد الله بن عمر وسعيد بن جبير رضي الله عنهم، وقيل: جرار يؤتى بها من مصر [53]، مُقَيَّرَات الأجواف، روي ذلك عن أنس بن مالك رضي الله عنه، ونحوه عن ابن أبي ليلى، وزاد: أنها حمر، وروي عن عائشة رضي الله عنها: أنها جرار حمر، أعناقها في جنوبها، تجلب [54] فيها الخمر من مصر [55]، وقيل عن ابن أبي ليلى أيضًا: أفواهها في جنوبها، تجلب [56] فيها الخمر من الطائف، وكان ناس ينبذون [57] فيها يضاهون به [58] الخمر، وعن عطاء قال: هي جرار كانت تعمل من طين ودم وشعر.

وأما (الدُّبَّاءِ) بالمد [59] فهو اليقطين اليابس، أي: الوعاء منه.

وأما (النَّقِيرِ): فقد جاء تفسيره في «صحيح مسلم» عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: أنه جذع ينقرون وسطه، وينبذون فيه [60].

وأما (الْمُقَيَّرِ): فهو المزفت، وهو المطلي بالقار وهو الزفت، وقيل: الزفت نوع من القار، والصحيح الأول، ففي [61] «صحيح مسلم»: عن ابن عمر رضي اللهُ عنهما قال: المزفت هو المقير.

وأما معنى النهي عن هذه الأربع فهو: أنه [62] نهي [63] عن الانتباذ فيها، وهو: أن يجعل في الماء حبات من تمر أو زبيب أو نحوهما، ليحلو ويشرب، وإنما خُصَّت هذه بالنهي؛ لأنه يسرع إليه فيها الإسكار، فيصير حرامًا نجسًا، وتبطل ماليته، فنهى عنه، لما فيه من إتلاف المال؛ ولأنه ربما شربه بعد أن صار مسكرًا، ولا يدري، ولم ينه عن الانتباذ في أسقية الأدم، بل أذن فيها؛ لأنها لرقتها لا يخفى فيها المسكر، بل إذا صار مسكرًا شقها غالبًا، ثم إن [64] النهي كان في أول الإسلام ثم نُسِخَ، ففي [65] «صحيح مسلم» عن بُرَيْدَةَ رضي الله عنه: أن النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: (( كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الانْتِبَاذِ إِلَّا فِي الأَسْقِيةِ، فَانْتَبِذُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ،

#%ص203%

وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا)). هذا مذهب الشافعي والجمهور.

قال الخطابي: وذهبت طائفة إلى أن النهي باق منهم: مالك، وأحمد، وإسحاق.

قال: وهو مروي عن عمر، وابن عباس رضي الله عنهم.

قلت: وذكر ابن عباس رضيَ الله عنهما هذا الحديث لما استفتي دليل على أنه يعتقد النهي ولم يبلغه الناسخ، والصواب الجزم بالإباحة لصريح [66] النسخ.

واعلم أن في هذا الحديث [67] أنواعًا من العلم، ففيه وفادة الفضلاء والرؤساء إلى الأئمة، عند الأمور المهمة.

وفيه تقديم الاعتذار بين يدي المسألة، وفيه بيان مهمات الإسلام وأركانه سوى الحج، وفيه أن الأعمال تسمى إيمانًا، وهو مراد البخاري هنا [68]، وفيه ندب العالم إلى إكرام الفاضل، وفيه استعانة العالم في تفهيم الحاضرين والفهم عنهم، كما فعله ابن عباس رضيَ الله عنهما، وفيه استحباب قول الرجل لزواره وشبههم [69] مرحبًا، وفيه أنه ينبغي للعالم أن يحث الناس على تبليغ العلم وإشاعته أحكام الإسلام، وفيه أنه لا كراهة في قول رمضان من غير تقييد بالشهر، وفيه أنه لا عتب على طالب العلم والمستفتي إذا قال للعالم: أوضح لي الجواب، ونحو هذه العبارة، وفيه جواز الثناء على الإنسان في وجهه إذا لم يخف عليه فتنة بإعجاب ونحوه، وقد أوضحت هذه المسألة في أواخر «كتاب الأذكار» وجمعت فيها الأحاديث الصحيحة وأقوال العلماء رحمهم الله تعالى، واستدل به جماعة على أن الترجمة في الفتوى والخبر تقبل [70] من واحد، وفيه وجوب الخمس في الغنيمة، سواء قلت أم كثرت، وإن لم يكن الإمام في السرية الغازية، وفي هذا فروع وتتمات ستأتي في أبوابها إن شاء الله تعالى مبسوطة.

ويقال: خُمْس، بضم الميم وإسكانها، وكذلك الثلث والربع والسدس والسبع والثمن [71] والتسع والعشر، بضم ثانيها وإسكانها [72]، والله أعلم.

[1] في (ص): ((عن حمزة)).
[2] قوله: ((وربما قال المقير)) ليس في (ك).
[3] في (ص): ((النصري)).
[4] قوله: ((هذا)) ليس في (ك).
[5] في (ك): ((فمن)).
[6] في (ص): ((والوصف)).
[7] في (ص): ((الجوهوري)).
[8] في (ص): ((وسعيد)).
[9] في (ص): ((ذؤيب)).
[10] في (ع): ((وحمادان)).
[11] هنا تنتهي النسخة (ص) وقال: ((والله أعلم، إلى هنا انتهى رحمة الله عليه ... في ثالث شهر جمادى الآخرة سنة أربع وستون وستمائة على يد النواوي، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم)).
[12] في (ت): ((السختياني)).
[13] في (ك): ((بمقبرة حرب)).
[14] في (ع): ((كبيرة)).
[15] في (ع): ((وذليل وذلل)).
[16] في (ع): ((عن)).
[17] في (ع): ((قوله)).
[18] في (ك): ((العجمي))، وفي (ع): (( الأعجم)).
[19] قوله: ((السائل)) ليس في (ك).
[20] في (ك): ((وفد)).
[21] في (ك): ((ووفد)).
[22] في (ت) و(ك) و(ع): ((للمهاجرة)).
[23] زاد في (ت) و(ك) و(ع): ((به)).
[24] في (ك): ((هذا)).
[25] في (ت): ((فيها)).
[26] في (ت) و(ك) و(ع): ((ذكرها)).
[27] في (ع): ((فمعناه)).
[28] في (ت) و(ك) و(ع): ((جامع اللغة)).
[29] في (ع): ((فكأن)).
[30] في (ع): ((للخزايا)).
[31] زاد في (ت) و(ك) و(ع): ((للكلام)).
[32] في (ت) و(ع): ((وأتبع))، وفي (ك): ((ولم يتبع)).
[33] في (ت): ((يستحيون))، وفي (ك): ((تستحيبون))، وفي (ع): ((ما تستحيون)).
[34] في (ع): ((تشبيه)).
[35] في (ع): ((تهابون)).
[36]في (ت) و(ك) و(ع): ((المراد)).
[37] قوله: ((ذو)) ليس في (ع).
[38] في (ت): ((قوله)).
[39] قوله: ((هو)) ليس في (ت) و(ع).
[40] في (ع): ((فالمذكور)).
[41] في (ع): ((بأربع)).
[42] زاد في (ك): ((بها)).
[43] في (ت) و(ك) و(ع): ((فكانوا)).
[44] زاد في (ك): ((قوله)).
[45] في (ك): ((وأن يعطوا خمسًا من المغنم)).
[46] في (ت): ((تعطوا)).
[47] في (ع): ((الخمس)).
[48] قوله: ((قيل)) ليس في (ك).
[49] زاد في (ت) و(ك): ((هنا)) .
[50] قوله: ((أما)) ليس في (ك) و(ع).
[51] في (ع): ((بفتح)).
[52] في (ك): ((العربية)).
[53] في (ك): ((مضر)).
[54] في (ك) و(ع): ((يجلب)).
[55] في (ك): ((مضر)).
[56] في (ك) و(ع): ((يجلب)).
[57] في (ك): ((ينتبذون)).
[58] في (ك): ((بها)).
[59] قوله: ((بالمد)) ليس في (ع).
[60] قوله: ((فيه)) ليس في (ع).
[61] في (ك): ((وفي)).
[62]قوله: ((أنه)) ليس في (ك).
[63] قوله: ((نهي)) ليس في الأصل(ز).
[64] في (ك): ((هذا)).
[65] في (ك): ((وفي)).
[66] في (ك): ((بصريح)).
[67] قوله: ((الحديث)) ليس في (ع).
[68] قوله: ((هنا)) ليس في (ك).
[69] في (ك): ((وبينهم)).
[70] في (ك) و(ع): ((يقبل)).
[71] قوله: ((والثمن)) ليس في (ع).
[72] في (ت) و(ك): ((وإسكانه)).
#%ص204%





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

53- وبه قال: ((حدثنا علي بن الجَعْد)) ؛ بفتح الجيم وسكون العين، أبو الحسن ابن عُبيد؛ بضم العين، الجوهري، الهاشمي، البغدادي، المتوفى فيها سنة ثلاثين ومئتين، ((قال: أخبرنا شعبة)) ؛ هو ابن الحجاج، ((عن أبي جمرة)) ؛ بالجيم والراء، واسمه نصر بن عمران بالصاد المهملة، الضُّبَعي؛ بضم الضاد المعجمة، بعدها موحدة مفتوحة، بعدها عين مهملة، البصري المتوفى سنة ثمان وعشرين ومئة، والضُّبَعي: نسبة لبطن من عبد القيس.

((قال: كنت أقعد)) بلفظ المضارع حكاية حالٍ ماضية؛ استحضارًا لتلك الصورة للحاضرين، ((مع ابن عباس)) رضي الله عنهما؛أي: عنده زمن ولايته بالبصرة من قِبَل علي بن أبي طالب، ((يُجلسني)) ؛ بضم أوله من غير فاء، مِن أجلس، وفي رواية: بالفاء؛ أي: يرفعني بعد أن أقعد.

((على سريره)) عطف على (أقعد) ؛ لأنَّ الجلوس على السرير بعد القعود، وروى المؤلف في (العلم) السبب في إكرام ابن عباس له، ولفظه: (كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس، والترجمة: التعبير بلغة عن لغة لمن لا يفهم، فقيل: كان يتكلم بالفارسية، وكان يترجم لابن عباس عن من تكلم بها، وفيه دليل على جواز الترجمة والعمل بها، وجواز المترجم الواحد؛ كما قاله القاضي.

قلت: قال أئمتنا الأعلام: والواحد يكفي للتزكية والرسالة والترجمة؛ لأنَّها خبر وليست بشهادة حقيقية، ولهذا لا يشترط لفظة الشهادة؛ فليحفظ.

((فقال: أقم)) ؛ أي: توطن ((عندي)) ؛ لتساعدني بتبليغ كلامي إلى من خفي عليه من السائلين، ((حتى)) أن ((أجعل لك سهمًا)) ؛ أي: نصيبًا ((من مالي)) ، سبب الجعل الرؤيا التي رآها في العمرة؛ كما سيأتي في الحج، قال أبو جمرة: ((فأقمت معه)) ؛ أي: عنده مدة ((شهرين)) بمكة، وإنما عبر بـ (مع) المقتضية للمصاحبة دون (عند) المقتضية لمطابقة (أقم عندي) ؛ للمبالغة.

وفي رواية مسلم بعد قوله (وبين الناس) : (فأتت امرأة تسأله عن نبيذ الجر، فنهى عنه، فقلت: يا بن عباس: إنِّي انتبذت [1] في جرة خضراء نبيذًا حلوًا فأشرب منه فيقرقر بطني، قال: لا تشربْ منه وإن كان أحلى من العسل.

((ثم قال: إنَّوَفْد)) ؛ أي: جماعة ((عبد القيس)) أبو القبيلة، وهو ابن أَفْصَى؛ بهمزة مفتوحة، وفاء ساكنة، وصاد مهملة مفتوحة، ابن دُعْمي؛ بضم الدال المهملة، وسكون العين المهملة، وبياء النسبة، ابن جَديلة؛ بفتح الجيم، ابن أسد بن ربيعة بن نزار، كانوا ينزلون البحرين وحوالي القطيف، وكانوا أربعة عشر رجلًا بالأشج، ويُروى أنهم أربعون، فيحتمل أن يكون لهم وفادتان، أو أن الأشراف أربعة عشر والباقي تبع، وأسماؤهم وبيانهم موضح في «عمدة القاري» غاية الإيضاح.

((لما أتوا النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) عام الفتح قبل خروجه من مكة، وكان سبب وفودهم كما في «عمدة القاري» إسلام منقذ بن حبان، وتعلمه الفاتحة وسورة اقرأ، وكتابته عليه السلام لجماعة عبد القيس كتابًا، فلما رحل إلى قومه؛ كتمه أيامًا، وكان يصلي، فقالت زوجته لأبيها المنذر بن عائذ وهو الأشج: إنِّي أنكرت فعل بعلي منذ قدم مِن يثرب؛ إنه ليغسل أطرافه، ثم يستقبل الجهة، يعني: الكعبة، فيحني ظهره مرة ويقع أخرى، فاجتمعا فتحادثا في [2] ذلك، فوقع الإسلام في قلبه، وقرأ عليهم الكتاب، وأسلموا وأجمعوا المسير إلى رسول الله عليه السلام، فلما قدموا؛ ((قال)) عليه السلام ((مَن القوم؟ أو)) قال ((مَن الوفد؟)) شك شعبة أو أبو جمرة، ((قالوا)) نحن ((ربيعة)) ؛ أي: ابن نزار بن معَدِّ بن عدنان، وإنما قالوا: ربيعة؛ لأنَّ عبد القيس من أولاده، وعبر عن البعض بالكل؛ لأنَّهم بعض ربيعة، ويدل له ما في المؤلف في (الصلاة) ، فقالوا: إنا هذا الحي من ربيعة.

((قال)) عليه السلام: ((مرحبًا بالقوم أو)) قال ((بالوفد)) ، وأول من قال: مرحبًا: سيف بن ذي يزن، وانتصابه على المصدرية بفعل مضمر؛ أي: صادفوا رُحبًا؛ بالضم؛ أي: سعة، حال كونهم ((غير خزايا)) جمع خزيان على القياس؛ أي: غير أذلاء أو غير مستحيين لقدومكم مبادرين دون حرب يوجب استحياءكم، و (غير) بالنصب حال، ويروى: بالخفض صفة لـ (القوم) .

((ولا ندامى)) جمع نادم على غير قياس، وإنما جُمع كذلك؛ اتباعًا لـ (خزايا) للمشاكلة والتحسين، وذكر القزاز: أن (ندمان) لغة في (نادم) ، فجمعه المذكور على هذا قياس، ((فقالوا)) ، وللأصيلي: (قالوا) : ((يا رسول الله؛ إنا لا نستطيع أن نأتيك)) ؛ أي: الإتيان إليك، ((إلا في الشهر الحرام)) سُمي الشهر شهرًا؛ لشهرته وظهوره، وحرامًا؛ لحرمة القتال فيه عندهم، والمراد الجنس، فيشمل الأربعة الحُرُم، والمراد شهر رجب، كما صُرِّح به في رواية البيهقي.

وفي رواية: (إلا في شهر الحرام) ، وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة كمسجد الجامع، والبصريون يمنعونها ويؤولون ذلك على حذف مضاف؛ أي: ومسجد الوقت الجامع، وشهر الوقت الحرام.

وقول ابن حجر: هذا من إضافة الشيء إلى نفسه، رده الشيخ الإمام بدر الدين العيني بأن إضافة الشيء إلى نفسه لا تجوز؛ كما عُرِف في موضعه؛ فليحفظ، وفي رواية: (إلا في أشهر الحُرُم) ، تقديره: في أشهر الأوقات الحُرُم، و (الحُرُم) ؛ بضمتين جمع حرام، وفي رواية: (إلا في كل شهر حرام) .

((و)) الحال ((بيننا وبينك هذا الحي من كفار مُضَرَ)) ؛ بضم الميم وفتح المعجمة، مخفوض بالمضاف بالفتحة؛ للعلمية والتأنيث، وهذا مع قولهم: (يا رسول الله) ، يدل على تقدم إسلامهم على قبائل مضر الذين كانوا بينهم وبين المدينة، وكانت مساكنهم بالبحرين وما والاها من أطراف العراق.

((فمرنا بأمرٍ فصْلٍ)) ؛ بالصاد المهملة وبالتنوين في الكلمتين على الوصفية، لا بالإضافة؛ أي: يفصل بين الحق والباطل، أو بمعنى: المفصَّل المبين، وأصل (مرنا) : أأمرنا؛ بهمزتين؛ من أمر يأمر،[/ص34/] فحذفت الهمزة الأصلية؛ للاستثقال، فصار (أمرنا) ، فاستغني عن همزة الوصل فحذفت، فبقي (مُر) على وزن (عُل) ؛ لأنَّ المحذوف فاء الفعل.

((نخبر به مَن)) ؛ أي: الذي استقرَّ، ((وراءَنا)) ؛ أي: خلفنا مِن قومنا الذين خلَفناهم في بلادنا، و (نخبر) بالجزم جوابًا للأمر، وبالرفع لخلوِّه من ناصبٍ وجازم، والجملة في محلِّ جرِّ صفة لـ (أمر) ، ((وندخل به الجنة)) إذا قُبِل بفضله تعالى، ويجوز الجزم والرفع في (ندخل) كـ (نخبر) ؛ عطفًا عليها، لكن يتعيَّن الرفع في هذه على رواية إسقاط الواو، وتكون الجملة مستأنفة لا محلَّ لها من الإعراب.

((وسألوه)) عليه السلام ((عن الأشربة)) ؛ أي: عن ظروفها، أو سألوه عن الأشربة التي تكون في الأواني المختلفة، فعلى الأول: المحذوف المضاف، وعلى الثاني: الصفة.

((فأمرهم)) عليه السلام ((بأربع)) ؛ أي: بأربع جمل أو خصال، ((ونهاهم عن أربع: أمرهم بالإيمان بالله وحده)) تفسيرٌ لقوله: (فأمرهم بأربع) ، ومن ثَم حذف العاطف، ((قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال)) عليه السلام: هو ((شهادة أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله)) ؛ برفع شهادة خبر مبتدأ محذوف، ويجوز الجرُّ على البدلية، ((وإقام الصلاة)) ؛ أي: أدائها بأوقاتها على الوجه المعلوم.

((وإيتاء الزكاة)) ؛ أي: إعطاؤها في مصارفها، ((وصيام رمضان)) فيه دليلٌ على عدم كراهة قول رمضان من غير تقييد بالشهر، ((و)) الخامس ((أن تعطوا من المغنم الخُمُس)) ؛ بضم الخاء المعجمة والميم، وإنما أمرهم بأربع وذكر لهم خمسًا؛ لأنَّهم كانوا مجاورين كفَّارَ مُضر وكانوا أهلَ جهاد وغنائم، فزاد الخامس لذلك، ولم يذكر لهم الحجَّ؛ لكونه على التراخي لا يمنع من الأمر به، وفيه خلاف، فعند الإمام أبي يوسف؛ وهو رواية عن إمامنا الإمام الأعظم: وجوبه على الفور، وعليه الفتوى، وهو مذهب مالك، وعند الإمام محمَّد الشيباني؛ وهو رواية أيضًا عن الإمام الأعظم: أنَّه على التراخي، وهو مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل؛ لأنَّ فرض الحج كان بعد الهجرة، وأنَّه عليه السلام كان قادرًا على الحج في سنة ثمان وفي سنة تسع ولم يحجَّ إلَّا في سنة عشر.

وأجيبَ: بأنَّه عليه السلام كان عالمًا بإدراكه فلذلك أخَّره، بخلاف غيره مع ورود الوعيد في تأخيره بعد الوجوب، أو لشهرته عندهم، أو لكونه لم يكن فُرِض؛ لأنَّ قدومهم كان في سنة ثمان قبل فتح مكَّة، وهو فُرِض في سنة تسع على قول، والأصحُّ: أنَّه فُرِض سنة ست كما سيأتي، أو لكونه لم يكن سبيل لهم إليه من أجل كفَّار مُضر.

ثم عطف المؤلف على قوله: (وأمرهم) قوله: ((ونهاهم عن أربع: عن الحَنْتَم)) ؛ أي: عن الانتباذ فيه؛ وهو بفتح المهملة، وسكون النون، وفتح المثناة الفوقية، وهي الجرَّة أو الجِرار الخُضر أو الحمر، أعناقها على جنوبها، أو متخذَة من طين، وشعر، ودم، أو (الحنتم) : ما طُلي من الفخار بالحنتم المعمول بالزجاج وغيره، وسقطت (عن) الثانية لكريمة.

((و)) عن الانتباذ في ((الدُّباء)) ؛ بضمِّ المهملة، وتشديد الموحدة، والمدِّ؛ اليقطينُ الكبير الأبيض، ((و)) عن الانتباذ في ((المزفَّت)) ؛ بالزاي والفاء: ما طلي بالزِّفت، ((وربما قال: المقيَّر)) ؛ بالقاف والمثناة التحتية المشددة المفتوحة؛ وهو ما طلي بالقار، ويقال له: القير؛ وهو نبت يحرق إذا يبس، تطلى به السفن وغيرها كما تطلى بالزفت.

((وقال: احفظوهن وأخبروا بهن)) ؛ بفتح الهمزة، ((مَن وراءَكم)) ؛ أي: الذين كانوا أو استقروا، فـ (مَن) موصولة مبتدأ، و (وراءكم) خبره، ومعنى النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية بخصوصها؛ لأنَّه يُسرع إليها الإسكار، فربَّما شرب منها مَن لم يشعر بذلك، ثم ثبتت الرخصة في الانتباذ في كلِّ وعاء، مع النهي عن شرب كلِّ مُسكر، ففي «مسلم»: «كنتُ نهيتُكم عن الانتباذ إلَّا في الأسقية فانتبذوا في كلِّ وعاء، ولا تشربوا مُسكرًا»، وهو مذهب إمامنا الإمام الأعظم والجمهور، وهو قول الشافعي، وذهب مالك، وأحمد، وإسحاق إلى أن النهي باقٍ، والصواب الجزم بالإباحة؛ لتصريح النسخ؛ كما علمت، والله أعلم.

وفي الحديث استعانة العالم في تفهيم الحاضرين والفهم عنهم، وفيه استحباب قول: مرحبًا للزائرين، وندب العالم إلى إكرام الفاضل، وفي قوله: (أجعل لك سهمًا من مالي) دليل على جواز أخذ الأجرة على التعليم؛ كما قاله ابن التين، قلت: مذهب إمامنا رأس المجتهدين الإمام الأعظم التابعي الجليل ومَن قال بقوله: أنَّ الاستئجار على الطاعات لا يصح، واستثنى المتأخرون تعليم القرآن، فجوَّزوا الاستئجار عليه؛ لخوف الضياع، والأذان والإمامة؛ للعلة المذكورة؛ لأنَّهما من شعائر الدين، فهذه الثلاثة مستثناة للضرورة.

قال في «الهداية»: الأصل أنَّ كل طاعة يختصُّ بها المسلم لا يجوز الاستئجار عليها عندنا؛ لقوله عليه السلام: «اقرؤوا القرآن ولا تأكلوا به...» الحديث، فالاستئجار على الطاعات مطلقًا لا يصح عند أئمتنا الأعلام، اهـ .

فالمُفتَى به: جواز أخذ الأجرة؛ استحسانًا، على تعليم القرآن، لا على القراءة المجرَّدة كما صرح به أئمَّة المذهب، وهو قول أحمد، وعطاء، والضحَّاك، والزهري، والحسن، وابن سيرين، وطاووس، والشعبي، والنخلي، فقارئ القرآن بالأجرة لا يستحق الثواب لا للميت ولا للقارئ؛ لأنَّ الاستئجار على قراءة القرآن باطلة، ولم يفعلها أحد من الخلفاء، وكذا الوصية بذلك باطلة.

وهذا كله مع قطع النظر عما يحصل في زماننا من المنكرات التي يتوصَّلون إليها بحيلة قراءة القرآن والتهاليل؛ من الغناء، والرقص، واللهو، واللعب في بيوت الأيتام، ودق الطبول، وإقلاق الجيران، والاجتماع بحسان المردان، فكل من له معشوق لا يتيسر له الاجتماع به إلَّا في ذلك المكان فيجلس كلٌّ منهم بجنب معشوقه بعد إلقاء العمائم وثقيل الثياب، ويظهرون أنواع الخلاعات والرقص بما يسمونه الحربية، ويهيج بهم الهيام بسماع الغناء بأصوات حسان، وتخلع الولدان، فعند ذلك تذهل العقول ولا يدري شيخهم ما يقول، وتجتمع النسوان من كل مكان، ثم يأكلون الطعام الحرام في بيوت الأيتام، ثم يهبون ما تحصّل منهم في تلك الأوقات الخاسرات إلى روح مَن كان سببًا في اجتماعهم على هذه المنكرات، نعوذ من الجهل العظيم بالله الكريم، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم الحليم.

[1] في الأصل: ( أنتبذ).
[2] في الأصل من دون (في)والسياق يقتضيها.