متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

52- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ)؛ بضمِّ النُّون، الفضل بن دُكَيْنٍ؛ بمُهمَلَةٍ مضمومةٍ وفتح الكاف، واسمه: عمرو بن حمَّادٍ القرشيُّ التَّيميُّ الطَّلحيُّ، المُتوفَّى بالكوفة سنة ثمانٍ أو تسعَ عَشْرةَ ومئتين، قالَ: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ [1] ) بن أبي زائدة، واسمه: خالد بن ميمونٍ الهَمْدانيُّ الوادعيُّ الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة سبعٍ أو تسعٍ وأربعين ومئةٍ، (عَنْ عَامِرٍ) الشَّعبيِّ، وفي «فوائد ابن أبي الهيثم» من طريق يزيد بن هارون عن زكريَّا قال: حدَّثنا الشَّعبيُّ، فحصل الأمن من [/ج1ص142/]

تدليس زكريَّا أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ)؛ بفتح المُوحَّدة، وكسر المُعجَمَة، ابن سَعْدٍ _بسكون العين_ الأنصاريَّ الخزرجيَّ، وأمُّه عمرةُ بنت [2] رواحة، وهو أوَّل مولودٍ وُلِدَ للأنصار بعد الهجرة، المقتول سنة خمسٍ وستِّين، وله في البخاريِّ ستَّة أحاديث، وقول أبي الحسن القابسيِّ ويحيى بن معينٍ عن أهل المدينة: إنَّه لا يصحُّ للنُّعمان سماعٌ مِنَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، يردُّه قوله هنا: سمعت النُّعمان بن بشيرٍ (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ) وفي روايةٍ: ((النَّبيَّ)) (صلى الله عليه وسلم)، وعند مسلمٍ والإسماعيليِّ من طريق زكريَّا: وأهوى النُّعمان بإصبعيه إلى أذنيه (يَقُولُ: الْحَلَالُ بَيِّنٌ)؛ أي: ظاهرٌ بالنَّظر إلى ما دلَّ عليه بلا شبهةٍ، (وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ)؛ أي: ظاهرٌ بالنَّظر إلى ما دلَّ عليه بلا شبهةٍ، (وَبَيْنَهُمَا) أمورٌ (مُشَبَّهَاتٌ)؛ بتشديد المُوحَّدة المفتوحة؛ أي: شَبُهَت بغيرها ممَّا لم يتبيَّن به حكمها على التَّعيين، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: ((مُشْتَبِهاتٌ))؛ بمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ مفتوحةٍ، ومُوحَّدةٍ مكسورةٍ؛ أي: اكتسبتِ الشُّبهة من وجهين متعارضين، (لَا يَعْلَمُهَا)؛ أي: لا يعلم حكمها (كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ)؛ أَمِنَ الحلال هي أمْ مِنَ الحرام؟ بل انفرد بها العلماء، إمَّا بنصٍّ أو قياسٍ، أو استصحابٍ، أو غير ذلك، فإذا تردَّد الشَّيء بين الحلِّ والحُرْمة، ولم يكن نصٌّ ولا إجماعٌ؛ اجتهد فيه المجتهد، وألحقه بأحدهما بالدَّليل الشَّرعيِّ، فـ: «المُشَبَّهات» على هذا في حقِّ غيرهم، وقد يقع لهم حيث لا يظهر ترجيحٌ لأحد الدَّليلين، وهل يُؤخَذ في هذا «المُشْتَبِه» بالحلِّ أو الحرمة أو يُوقَف؟ وهو كالخلاف في الأشياء قبل ورود الشَّرع، والأصحُّ عدم الحكم بشيءٍ؛ لأنَّ التَّكليف عند أهل الحقِّ لا يثبت إلَّا بالشرع، وقِيلَ: الحلُّ والإباحة، وقِيلَ: المنع، وقِيلَ: الوقف، وقد يكون الدَّليل غير خالٍ عن الاحتمال [3] ، فالورع تركه، لا سيَّما على القول بأنَّ المصيب واحدٌ، وهو مشهورُ مذهبِ مالكٍ، ومنه ثار القول في مذهبه بمراعاة الخلاف أيضًا، وكذلك رُوِيَ أيضًا عن إمامنا الشَّافعيِّ: أنَّه كان يراعي الخلاف، ونصَّ عليه في مسائل، وبه قال أصحابه حيث لا تفوت به سُنَّةٌ عندهم، (فَمَنِ اتَّقَى)؛ أي: حَذِرَ (الْمُشَبَّهَاتِ)؛ بالميم وتشديد المُوحَّدة، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: «المشْتبهات»؛ بالميم، وبالمُثنَّاة الفوقيَّة بعد الشِّين السَّاكنة، وفي أخرى: ((الشُّبهات))؛ بإسقاط الميم، وضمِّ الشِّين، وبالمُوحَّدة، (اسْتَبْرَأَ) وللأَصيليِّ أيضًا [4] ولأبي ذَرٍّ: ((فقد استبرأ)) _بالهمز_ بوزن «اسْتَفْعَلَ»، (لِدِيِنِهِ) المتعلِّق بخالقه، (وَعِرْضِهِ) المتعلِّق بالخَلْق؛ أي: حصل البراءة لدينه من النَّقص، ولِعرْضِه من الطَّعن فيه، ولابن عساكر والأَصيليِّ: ((لِعِرْضِهِ وَدِيْنِهِ))، (وَمَنْ) شرطيَّةٌ، وفعل الشَّرط قوله [5] : (وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ) التي أشبهتِ الحلالَ من وجهٍ، والحرامَ من آخَرَ، وللأَصيليِّ: ((المشْتَبِهات))؛ بالميم وسكون الشِّين وفوقيَّةٍ قبل المُوحَّدة، ولابن عساكر: ((المُشَبَّهات))؛ بالميم والمُوحَّدة المُشدَّدة [6] ، وجواب الشَّرط محذوفٌ في جميع نسخ «الصَّحيح»، وثبت في رواية الدَّارميِّ عن أبي نعيمٍ شيخ المؤلِّف فيه، ولفظه قال: «ومن وقع في الشُّبهات؛ وقع في الحرام»، (كَرَاعٍ)؛ أي: مَثَلُهُ مَثَلُ راعٍ، وفي روايةٍ كما في اليونينيَّة: ((كراعي)) بالياء آخرُه، (يَرْعَى)؛ جملةٌ مُستأنَفَةٌ وردت على سبيل التَّمثيل؛ للتَّنبيه بالشَّاهد على الغائب، ويحتمل أن تكون «مَنْ» موصولةً لا شرطيَّةً، فتكون مبتدأً، والخبر: «كَرَاعٍ يَرْعَى»، وحينئذٍ لا حذفَ، والتَّقدير: الذي وقع في الشُّبهات كراعٍ يرعى مواشيه (حَوْلَ الْحِمَى)؛ بكسر الحاء المُهمَلَة، وفتح الميم [7] مِنَ: المحميِّ، من إطلاق المصدر على اسم المفعول، والمُرَاد [8] : موضع الكلأ الذي مَنَعَ منه الغيرَ، وتوعَّد على من رعى فيه لِتعدِّيه [9] (يُوشِكُ)؛ بكسر المُعجَمَة؛ أي: يقرب (أَنْ يُوَاقِعَهُ)؛ أي: يقع فيه، وعند ابن حبَّانَ: «اجعلوا بينكم وبين الحرام سترَةً من الحلال، مَنْ فعل ذلك؛ استبرأ لعرضه ودينه، ومَنْ أرتعَ فيه؛ كان كالمُرتع إلى جنب الحمى يوشك أن يقع فيه»؛ فَمَنْ أَكْثَرَ مِنَ الطَّيِّبات مثلًا؛ فإنَّه يحتاج إلى كثرة الاكتساب الموقع في أخذ ما لا يستحقُّ، فيقع في الحرام فيأثم، وإن لم يتعمَّد؛ لتقصيره، أو يفضي إلى بطر النَّفس، وأقلُّ ما فيه الاشتغال عن مواقف العبوديَّة، ومن تعاطى ما نُهِيَ عنه أَظْلَمَ قلبُه؛ لفقد نور الورع، وأعلى الورعِ ترك الحلال مخافة الحرام، كترك ابنِ أدهمَ أُجرتَهِ؛ لِشَكِّه في وفاء عمله، وطوى عن جوعٍ شديدٍ.

فائدة [10] : بالله ما لم تعلم [11] حِلَّه يقينًا؛ اتركه؛ كتركه صلى الله عليه وسلم [/ج1ص143/] تمرةً خشيةَ الصَّدقة، كما في «البخاريِّ»، [خ¦2055] ، الأورع أسرع على الصِّراط يوم القيامة، قالت أُخت بشر الحافي لأحمد ابن حنبل: إنا نغزل على سطوحنا فيمرُّ بنا مشاعل الظَّاهريَّة، ويقع الشُّعاع علينا، أفيجوز لنا الغزلُ في شعاعها؟ فقال: من أنتِ عافاك الله؟ قالت: أخت بشر الحافي، فبكى أحمد وقال: مِنْ بيتِكم يخرج الورع الصَّادق، لا تغزلي في شعاعها، مكث مالك بن دينارٍ بالبصرة أربعين سنةً لم يأكل من ثمرها حتَّى مات، أقامت السَّيِّدة بديعة الإيجيَّة [12] من أهل عصرنا هذا بمكَّة أكثر من ثلاثين سنةً لم تأكل من اللُّحوم والثِّمار وغيرها المجلوبة من بَجِيلة؛ لِمَا قِيلَ: إنَّهم لا يورِّثون البنات، وامتنع أبوها نور الدِّين من تناول ثمر المدينة؛ لِمَا ذُكِرَ أنَّهم لا يزكُّون، مَنْ ترخَّص نَدِم، ومن فواضل الفضائل حُرِم.

(أَلَا) _بفتح الهمزة، وتخفيف اللَّام_ أنَّ الأمر كما تقدَّم (وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ) _بكسر اللَّام_ من ملوك العرب (حِمًى)؛ مكانًا مُخْصِبًا حَظَرَهُ لرعي مواشيه، وتوعَّد مَنْ رعى فيه بغير إذنه بالعقوبة الشَّديدة، وسقط قوله: ((أَلَا وإنَّ)) في رواية الأَصيليِّ: (أَلَا) _بفتح الهمزة وتخفيف اللَّام_ (إِنَّ)، وفي رواية أبي ذَرٍّ [13] : ((وإنَّ)) (حِمَى اللهِ) تعالى، وفي رواية غير المستملي هنا زيادة: (فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ)؛ أي: المعاصي التي حرَّمها؛ كالزِّنا والسَّرقة؛ فهو من باب التَّمثيل، والتشبيه [14] بالشَّاهد عن الغائب، فشبَّه «المُكلَّفَ» بالرَّاعي، و«النَّفسَ البهيميَّة» بالأنعام، و«المُشَبَّهات» بما حول الحِمَى، و«المحارم» بالحِمَى، و«تناول المُشَبَّهات» بالرَّتع حول الحمى، ووجه التَّشبيه: حصول العقاب بعدم الاحتراز عن ذلك، كما أنَّ الراعيَ إذا جرَّه رعيُه حول الحِمَى إلى وقوعه في الحمى؛ استحقَّ العقاب بسبب ذلك، فكذلك مَنْ أكثر من الشُّبُهات وتعرَّض لمقدِّماتها؛ وقع في الحرام، فاستحقَّ العقاب بسبب ذلك، (أَلَا) إنَّ الأمر كما ذُكِرَ، (وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً) بالنَّصب اسم «إنَّ» مُؤخَّرًا؛ أي: قطعةً من اللَّحم، وسُمِّيت بذلك؛ لأنَّها تُمضَغُ في الفم؛ لصغرها، (إِذَا صَلَحَتْ)؛ بفتح اللَّام، وقد تُضَمُّ؛ أي: المضغة؛ (صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ)، وسقط لفظ: ((كلُّه)) عند ابن عساكر، (وَإِذَا فَسَدَتْ)؛ أي: المضغة أيضًا؛ (فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ؛ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ)؛ إنَّما كان كذلك؛ لأنَّه أمير البدن، وبصلاح الأمير تصلح الرَّعيَّة، وبفساده تَفْسُد، وأشرفُ ما في الإنسان قلبُه؛ فإنَّه العالم بالله تعالى، والجوارحُ خَدَمٌ له، وفي هذا الحديث: الحثٌّ على إصلاح القلب، وأنَّ لِطِيب الكسب أثرًا فيه، والمُرَاد به: المعنى المُتعلِّق به من الفهم والمعرفة، وسُمِّيَ «قلبًا»؛ لسرعة تقلُّبه بالخواطر، ومنه قوله: [من البسيط]

~ ما سُمِّيَ القلبُ إلَّا مِن تقلُّبِهِ فاحذر على القلبِ من قَلْبٍ وتحويلِ

وهو محلُّ العقل عندنا؛ خلافًا للحنفيَّة، ويكفي في الدَّلالة لنا قول الله تعالى: {فَتَكُونَ لَهُمْ قُلًوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} [الحج: 46] ، وهو قول الجمهور مِنَ المتكلِّمين، وقال أبو حنيفة: في الدِّماغ، وحُكِيَ الأوَّل: عنِ الفلاسفة، والثَّاني: عنِ الأطباء؛ احتجاجًا بأنَّه إذا فسد الدِّماغ فسد العقل، ورُدَّ بأنَّ الدِّماغَ آلةٌ عندهم، وفساد الآلة لا يقتضي فساده، وثبتت الواو بعد «أَلَا» من قوله: «ألا وإنَّ لكلِّ مَلِكٍ حِمًى»، «أَلَا وإنَّ في الجسد مضغةً» وسقطت من: «أَلَا إنَّ حِمَى الله»؛ لبُعْد المُناسَبَة بين حِمَى الملوك وبين حِمَى الله تعالى الذي هو الملك الحقُّ، لا مُلْكَ حقيقةً إلَّا له، وثبتت في رواية غير أبي ذَرٍّ؛ نظرًا إلى وجوب التَّناسب بين الجملتين؛ من حيث ذكر «الحِمَى» فيهما، وعبَّر بقوله: «إذا» دون «إن» لتحقُّق الوقوع غالبًا وقد تأتي بمعنى: «إنْ» كما هنا، وقد أجمع العلماء على عِظَمِ موقع هذا الحديث، وأنَّه أحدُ الأحاديث الأربعة التي عليها مدارُ الإسلام المنظومة في قوله: [من الخفيف]

~ عمدةُ الدِّين عندنا كلماتُ مسنداتٌ من قولِ خيرِ البريَّةْ

~ اتَّقِ الشُّبهَ وازهدنَّ ودعْ ما ليس يعنيك واعملنَّ بنيَّةْ

وهذا الحديث مِنَ الرُّباعيَّات، ورجاله كلُّهم كوفيُّون، وفيه التَّحديث، والعنعنة، والسَّماع، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «البيوع» [خ¦2051] ، وكذا مسلمٌ، وأبو داود، والتِّرمذيُّ، والنسائي فيه، وابن ماجه في «الفتن».

[1] في (س): «زكريَّا».
[2] زيد في (م): «عبد الله بن»، وهو خطأٌ.
[3] في (م): «الاجتهاد».
[4] «وللأصيليِّ أيضاً»: سقط من (س).
[5] قوله: «شرطيَّةٌ، وفعل الشَّرط قوله»، سقط من (م).
[6] قوله: «وللأصيليِّ: «المشْتَبِهات»؛ بالميم وسكون الشِّين وفوقيَّةٍ قبل المُوحَّدة، ولابن عساكر: «المُشَبَّهات»؛ بالميم والمُوحَّدة المُشدَّدة»، سقط من (م).
[7] في هامش (م): «من».
[8] «والمراد»: سقط من (م).
[9] «لتعدِّيه»: سقط من (س).
[10] «فائدة»: سقط من (م).
[11] في (م): «يُعلَم».
[12] في (م): «الإنجيَّة»، وهو خطأ.
[13] «أبي ذرٍّ»: سقط من (م).
[14] في (س): «والتَّنبيه»، وهو تحريفٌ.





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

52-. حدَّثنا أَبُو نُعَيْمٍ: حدَّثنا زَكَرِيَّاءُ، عن عامِرٍ، قالَ:

سَمِعْتُ النُّعْمانَ بنَ بَشِيرٍ يقول: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ [1] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «الحَلالُ بَيِّنٌ، والحَرامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُما مُشَبَّهاتٌ [2] لا يَعْلَمُها كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَىَ المُشَبَّهاتِ [3] اسْتَبْرأَ [4] لِدِيْنِهِ وَعِرْضِهِ [5] ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهاتِ [6] كَراعِيْ [7] يَرْعَىَ حَوْلَ الحِمَىَ، يُوشِكُ أَنْ يُواقِعَهُ، أَلا وإِنَّ [8] لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلا إِنَّ [9] حِمَى اللَّهِ [10] فِي أَرْضِهِ [11] مَحارِمُهُ، أَلا وإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ [12] ، وإِذا [13] فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ القَلْبُ».

[1] في رواية [عط] : «النَّبيَّ».
[2] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«مُشَبِّهاتٌ»، وكتب فوقها «معًا». وكذا في رواية الأصيلي بالوجهين، وفي رواية ابن عساكر وأخرىَ للأصيلي و [عط] : «مُشْتَبِهاتٌ».
[3] في رواية الأصيلي وابن عساكر: «المُشْتَبِهات», وفي رواية [عط] و [ح] : «الشُّبُهات».
[4] في رواية أبي ذر: «فقد استبرأ».
[5] في رواية ابن عساكر والأصيلي: «لعرضه ودينه».
[6] صحَّح عليها في اليونينيَّة، وفي رواية ابن عساكر: «المُشَبَّهات», وفي رواية الأصيلي: «المشْتَبِهات».
[7] في رواية ابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «كراعٍ»، كتبت بالحمرة. وعزاها في(ن) إلىَ رواية الأصيلي بدل ابن عساكر.
[8] قوله: «ألا وإنَّ» ليس في رواية الأصيلي.
[9] في رواية [عط] : «وإنَّ».
[10] في هامش اليونينية دون رقم زيادة: «عزَّ وَجَلَّ». (و)
[11] قوله: «في أرضه» ثابت في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ أيضًا، وليس في رواية الأصيلي وابن عساكر.
[12] لفظة: «كله» ليست في رواية ابن عساكر و [عط] .
[13] في رواية [عط] : «وإنْ».





52- ( يُوشِكُ ) بكسر الشين، وفي لغة رديئة: بالفتح.

( أَلاَ إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ ) كذا رواه الكُشْمِيهَني، وسقط عند جمهورهم: ( فِي أَرْضِهِ ). [/ج1ص47/]


52# (النُّعْمَانَ) بضم النون.

(ابْنَ بَشِيرٍ) بفتح الباء وكسر الشين المعجمة، هو من صغار الصحابة.

قال الداودي: لا نعلم أحدًا [1] في سنِّه يقول: سمعت النَّبي صلى الله عليه وسلم إلا هو، وسيأتي الكلام على حديثه في البيوع.

(فِي أَرْضهِ) ثبتت في رواية الكشميهني، وسقطت عند الجمهور.

[1] في (ق): ((أحد)).





52- قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ): هذا هو الفضلُ بنُ دُكَينٍ، واسم دُكين: عمرو بن حمَّاد، حافظ عَلَمٌ، روى عنِ الأعمش، وزكريَّا بن أبي زائدةَ، وأُمم، وعنه: البخاريُّ، وعبدُ بن حُميد، وأُمم، ثقةٌ ثَبْتٌ، تُوفِّي بالكوفة لانسلاخ شعبان سنة (219 هـ ) ، وقيل غير ذلك، أخرج له الجماعةُ، له ترجمة في «الميزان» [1] .

قوله: (حَدَّثَنَا [2] زَكَرِيَّاء): تقدَّم أعلاه أنَّه ابنُ أبي زائدةَ، وهو هَمْدانيٌّ وادعيٌّ، حافظٌ، عنِ الشَّعبيِّ، وسِماك، وعنه: القطَّان، وأبو نُعيم، ثقةٌ يُدلِّس عنِ الشَّعبيِّ، تُوفِّي سنةَ (149 هـ ) ، أخرج له الجماعةُ، له ترجمةٌ في «الميزان»، وصحَّح عليه.

قوله: (عَنْ عَامِرٍ): تقدَّم أعلاه أنَّه الشَّعبيُّ، وهو ابنُ شُراحيل، مشهورُ الترجمة.

قوله: (النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ): هو بفتح الموحَّدة، وكسر الشِّين المعجمة، ابن سعد بن ثعلبة، الأنصاريُّ الخزرجيُّ، صحابيٌّ معروفٌ جليلٌ أشهرُ مِن أن يُذكَر، قال ابن الزُّبير: (هو أكبرُ منِّي بسِتَّة أشهرٍ) ، أخرج له الجماعةُ، قُتِلَ في آخر سنة (64 هـ ) .

تنبيهٌ [3] : قال ابن عبد البَرِّ: لا يُصحِّحُ بعضُ أهل الحديث سماعَه من رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: وهو عندي صحيحٌ؛ لأنَّ الشَّعبيَّ يقول عنه: (سمعتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم في حديثين أو ثلاثة) ، ثمَّ ذكر حديثًا يشدُّ ذلك، وسيأتي مُطوَّلًا في أوائل (كتاب البيع) [خ¦2051] ، ووالدُه بَشِير صحابيٌّ شهدَ بدرًا، أخرج له النَّسائيُّ.

تنبيهٌ ثانٍ: بَشِير والدُه له حديثُ النُّحْل [4] ، والمحفوظُ أنَّه لولده.

فائدة: أوَّل مَن بايع مِن الأنصار أبا بكرٍ الصِّدِّيق بَشِيرٌ هذا، والله أعلم.

قوله: (مُشَبَّهَاتٌ): كذا للسمرقنديِّ، وعند الطَّبريِّ: (مُتَشَبِّهَاتٌ) ، وعند غيرهم: (مُشْتَبِهَاتٌ) ، وكلُّه بمعنى: مشكلات، وذلك لما فيها مِن شَبَه طرفين متخالفين، فيشبه مرَّةً هذا ومرَّة هذا، ويشتبه: يفتعل منه؛ أي: يشكل؛ ومنه: {إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} [البقرة: 70] ؛ أي: اشتبه، و{كِتَابًا مُّتَشَابِهًا} [الزمر: 23] ؛ أي: في الصدق والحكمة غير متناقض.

فائدة: اعلم أنَّه اختُلف في المشبّهات التي ينبغي اجتنابها على أقوال:

الأوَّل: أنَّه الذي تعارضت فيه الأدلَّة فاشتبه أمرُه، وبه جزم بعضُهم [5] ، ثمَّ ذكر في حُكمه أقوالًا؛ أحدُها: الحرمة؛ لأنَّه يوقِع في الحرام، والثاني: الكراهة، والورعُ تركُه، والثالث: الوقف، وصُوِّب الثاني؛ لأنَّ الشَّرعَ أخرجَها مِنَ الحرام، فهي مرتابٌ فيها، وصحَّ: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ...»؛ الحديث.

وقال بعضُهم [6] : والظاهرُ أنَّها مخرَّجةٌ على الخلاف المعروف في حكم الأشياء قبل وُرودِ الشَّرع، وفيه مذاهبُ؛ أصحُّها: لا يُحكم فيه بشيءٍ، الثاني: الإباحة، الثالث: المنع.

القول الثاني: المرادُ بـ (المُشَبّهات): المكروهات.

والثالث: أنَّها المباح، قال شيخُنا الشَّارح: (وهو مردودٌ) [7] .

قوله: (لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ): أي: لسبب اشتباهِها على بعضٍ دونَ بعضٍ، لا أنَّها مشتبهةٌ في أنفسِها مشتبهةٌ على كلِّ الناس لا بيان لها؛ فإنَّ العلماءَ يعرفونها، ولهذا [8] نفى علمَها عن أكثر الناس، ولم يقل: لا يعلمُها كلُّ الناس، ولا أحدٌ من الناس.

قوله: (اسْتَبْرَأَ): تقدَّم أعلاه أنَّه مهموزُ الآخر.

قوله: (وَعِرْضِهِ): العِرْض؛ بكسر العين المهملة، وإسكان الراء؛ ومعناه: حمى نفسَه مِنَ الوقوع في المُشكل الحرام، والعِرْض أيضًا: الحسَب، كما سيأتي مُطوَّلًا، وتأوَّلَه قومٌ على العِرْض الذي هو الذَّمُّ والقولُ فيه، وفي «النِّهاية»: (أي: احتاط لنفسِه، لا يجوزُ فيه معنى الآباء والأسلاف) انتهى، وسيأتي الكلامُ عليه بأطولَ من هذا إن شاء الله تعالى.

قوله: (يُوشِكُ): هو بكسر الشِّين، وقد تُفتَح [9] في لغةٍ رديئةٍ، قاله [10] في «الصِّحاح»؛ أي: يسرع ويقرب، وقد تقدَّم الكلام عليها.

قوله: (حِمًى): هو بكسرِ الحاء منوَّنٌ، وزن (فِعَلٍ) ؛ أي: محظورٌ لا يُقرَب.

قوله: (مُضْغَةً): هي قطعةُ لحمٍ بقدرِ ما يُمضَغُ في الفم.

قوله: (إِذَا صَلحَتْ... وَإِذَا فَسدَتْ): هما بفتح اللَّام والسين [11] ، ويُضَمَّان، وفي المضارع يُضمَّان فقط، ويُقال: صَلُحَ وفَسُدَ؛ إذا صار الصلاحُ والفسادُ هيئةً لازمةً له؛ كظَرُف وشَرُف؛ والمعنى: صارتْ ذاتَ صلاحٍ وفسادٍ، والله أعلم.

قوله: (الخُمس): هو بضمِّ الميم، وتُسَكَّن أيضًا.

[1] «ميزان الاعتدال» (*) ، وانظر «تهذيب الكمال» (23/197) .
[2] في النسخ: (عن) ، والمثبت موافق لما في «اليونينيَّة» و (ق) .
[3] (تنبيه): ليس في (ب) .
[4] مراده حديث: أكلَّ ولدِك نحلْتَه... (*) .
[5] هو القرطبي في «المفهم» (14/108) .
[6] هو النووي في «المنهاج» (*) .
[7] «التوضيح» (3/*) .
[8] في (ج): (فلهذا) .
[9] في (ب): (يفتح) .
[10] في (ب): (قال) .
[11] (والسين): ليس في (ب) .





52- (مَنْ): يَحتمل أن تكون شرطيَّةً، وأن تكون موصولةً، وتقديرُ الكلام: فهو كراعٍ، أو كان كراعٍ، و (يَرْعَى): صفة، و (يُوْشِكُ): إمَّا صفة، وإمَّا استئناف.

وفي رواية: (ومَنْ وَقَعَ فِي المُشَبَّهَاتِ [1] ؛ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَرَاعٍ...) إلى آخره، وهو ظاهرٌ.

ويَحتمل على النُّسخة الفاقدة لقوله: (وَقَعَ فِي الْحَرَامِ) ألَّا يُقدرَ (فهو) أو (كان) أو (وقع في الحرام) ونحوه؛ فيكون (يُوشِكُ) جزاءَ الشَّرط، ويرجعُ الضَّمير في (يُوَاقِعَهُ) إلى (الْحَرَامِ)، وذلك أنَّه من كثرة تعاطيه الشُّبُهات يصادفُ الحرام وإن لم يتعمَّده، ويأثم بذلك إذا نسب إلى تقصير، انتهى كلام الكرمانيِّ.

وقال البِرْماويُّ: (وفي نسخة: «فَقَدْ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَرَاعٍ»، فيكون هو الخبرَ أو جوابَ الشَّرط، ويَحتمل أنَّ «يُوشِكُ» هو الخبرُ أو الجوابُ [2] ، و ما قبلَه حالٌ).

[1] في (ب): (الشُّبُهات).
[2] في (ب): (الجزاء).





52- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ)؛ بضمِّ النُّون، الفضل بن دُكَيْنٍ؛ بمُهمَلَةٍ مضمومةٍ وفتح الكاف، واسمه: عمرو بن حمَّادٍ القرشيُّ التَّيميُّ الطَّلحيُّ، المُتوفَّى بالكوفة سنة ثمانٍ أو تسعَ عَشْرةَ ومئتين، قالَ: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ [1] ) بن أبي زائدة، واسمه: خالد بن ميمونٍ الهَمْدانيُّ الوادعيُّ الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة سبعٍ أو تسعٍ وأربعين ومئةٍ، (عَنْ عَامِرٍ) الشَّعبيِّ، وفي «فوائد ابن أبي الهيثم» من طريق يزيد بن هارون عن زكريَّا قال: حدَّثنا الشَّعبيُّ، فحصل الأمن من [/ج1ص142/]

تدليس زكريَّا أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ)؛ بفتح المُوحَّدة، وكسر المُعجَمَة، ابن سَعْدٍ _بسكون العين_ الأنصاريَّ الخزرجيَّ، وأمُّه عمرةُ بنت [2] رواحة، وهو أوَّل مولودٍ وُلِدَ للأنصار بعد الهجرة، المقتول سنة خمسٍ وستِّين، وله في البخاريِّ ستَّة أحاديث، وقول أبي الحسن القابسيِّ ويحيى بن معينٍ عن أهل المدينة: إنَّه لا يصحُّ للنُّعمان سماعٌ مِنَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، يردُّه قوله هنا: سمعت النُّعمان بن بشيرٍ (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ) وفي روايةٍ: ((النَّبيَّ)) (صلى الله عليه وسلم)، وعند مسلمٍ والإسماعيليِّ من طريق زكريَّا: وأهوى النُّعمان بإصبعيه إلى أذنيه (يَقُولُ: الْحَلَالُ بَيِّنٌ)؛ أي: ظاهرٌ بالنَّظر إلى ما دلَّ عليه بلا شبهةٍ، (وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ)؛ أي: ظاهرٌ بالنَّظر إلى ما دلَّ عليه بلا شبهةٍ، (وَبَيْنَهُمَا) أمورٌ (مُشَبَّهَاتٌ)؛ بتشديد المُوحَّدة المفتوحة؛ أي: شَبُهَت بغيرها ممَّا لم يتبيَّن به حكمها على التَّعيين، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: ((مُشْتَبِهاتٌ))؛ بمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ مفتوحةٍ، ومُوحَّدةٍ مكسورةٍ؛ أي: اكتسبتِ الشُّبهة من وجهين متعارضين، (لَا يَعْلَمُهَا)؛ أي: لا يعلم حكمها (كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ)؛ أَمِنَ الحلال هي أمْ مِنَ الحرام؟ بل انفرد بها العلماء، إمَّا بنصٍّ أو قياسٍ، أو استصحابٍ، أو غير ذلك، فإذا تردَّد الشَّيء بين الحلِّ والحُرْمة، ولم يكن نصٌّ ولا إجماعٌ؛ اجتهد فيه المجتهد، وألحقه بأحدهما بالدَّليل الشَّرعيِّ، فـ: «المُشَبَّهات» على هذا في حقِّ غيرهم، وقد يقع لهم حيث لا يظهر ترجيحٌ لأحد الدَّليلين، وهل يُؤخَذ في هذا «المُشْتَبِه» بالحلِّ أو الحرمة أو يُوقَف؟ وهو كالخلاف في الأشياء قبل ورود الشَّرع، والأصحُّ عدم الحكم بشيءٍ؛ لأنَّ التَّكليف عند أهل الحقِّ لا يثبت إلَّا بالشرع، وقِيلَ: الحلُّ والإباحة، وقِيلَ: المنع، وقِيلَ: الوقف، وقد يكون الدَّليل غير خالٍ عن الاحتمال [3] ، فالورع تركه، لا سيَّما على القول بأنَّ المصيب واحدٌ، وهو مشهورُ مذهبِ مالكٍ، ومنه ثار القول في مذهبه بمراعاة الخلاف أيضًا، وكذلك رُوِيَ أيضًا عن إمامنا الشَّافعيِّ: أنَّه كان يراعي الخلاف، ونصَّ عليه في مسائل، وبه قال أصحابه حيث لا تفوت به سُنَّةٌ عندهم، (فَمَنِ اتَّقَى)؛ أي: حَذِرَ (الْمُشَبَّهَاتِ)؛ بالميم وتشديد المُوحَّدة، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: «المشْتبهات»؛ بالميم، وبالمُثنَّاة الفوقيَّة بعد الشِّين السَّاكنة، وفي أخرى: ((الشُّبهات))؛ بإسقاط الميم، وضمِّ الشِّين، وبالمُوحَّدة، (اسْتَبْرَأَ) وللأَصيليِّ أيضًا [4] ولأبي ذَرٍّ: ((فقد استبرأ)) _بالهمز_ بوزن «اسْتَفْعَلَ»، (لِدِيِنِهِ) المتعلِّق بخالقه، (وَعِرْضِهِ) المتعلِّق بالخَلْق؛ أي: حصل البراءة لدينه من النَّقص، ولِعرْضِه من الطَّعن فيه، ولابن عساكر والأَصيليِّ: ((لِعِرْضِهِ وَدِيْنِهِ))، (وَمَنْ) شرطيَّةٌ، وفعل الشَّرط قوله [5] : (وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ) التي أشبهتِ الحلالَ من وجهٍ، والحرامَ من آخَرَ، وللأَصيليِّ: ((المشْتَبِهات))؛ بالميم وسكون الشِّين وفوقيَّةٍ قبل المُوحَّدة، ولابن عساكر: ((المُشَبَّهات))؛ بالميم والمُوحَّدة المُشدَّدة [6] ، وجواب الشَّرط محذوفٌ في جميع نسخ «الصَّحيح»، وثبت في رواية الدَّارميِّ عن أبي نعيمٍ شيخ المؤلِّف فيه، ولفظه قال: «ومن وقع في الشُّبهات؛ وقع في الحرام»، (كَرَاعٍ)؛ أي: مَثَلُهُ مَثَلُ راعٍ، وفي روايةٍ كما في اليونينيَّة: ((كراعي)) بالياء آخرُه، (يَرْعَى)؛ جملةٌ مُستأنَفَةٌ وردت على سبيل التَّمثيل؛ للتَّنبيه بالشَّاهد على الغائب، ويحتمل أن تكون «مَنْ» موصولةً لا شرطيَّةً، فتكون مبتدأً، والخبر: «كَرَاعٍ يَرْعَى»، وحينئذٍ لا حذفَ، والتَّقدير: الذي وقع في الشُّبهات كراعٍ يرعى مواشيه (حَوْلَ الْحِمَى)؛ بكسر الحاء المُهمَلَة، وفتح الميم [7] مِنَ: المحميِّ، من إطلاق المصدر على اسم المفعول، والمُرَاد [8] : موضع الكلأ الذي مَنَعَ منه الغيرَ، وتوعَّد على من رعى فيه لِتعدِّيه [9] (يُوشِكُ)؛ بكسر المُعجَمَة؛ أي: يقرب (أَنْ يُوَاقِعَهُ)؛ أي: يقع فيه، وعند ابن حبَّانَ: «اجعلوا بينكم وبين الحرام سترَةً من الحلال، مَنْ فعل ذلك؛ استبرأ لعرضه ودينه، ومَنْ أرتعَ فيه؛ كان كالمُرتع إلى جنب الحمى يوشك أن يقع فيه»؛ فَمَنْ أَكْثَرَ مِنَ الطَّيِّبات مثلًا؛ فإنَّه يحتاج إلى كثرة الاكتساب الموقع في أخذ ما لا يستحقُّ، فيقع في الحرام فيأثم، وإن لم يتعمَّد؛ لتقصيره، أو يفضي إلى بطر النَّفس، وأقلُّ ما فيه الاشتغال عن مواقف العبوديَّة، ومن تعاطى ما نُهِيَ عنه أَظْلَمَ قلبُه؛ لفقد نور الورع، وأعلى الورعِ ترك الحلال مخافة الحرام، كترك ابنِ أدهمَ أُجرتَهِ؛ لِشَكِّه في وفاء عمله، وطوى عن جوعٍ شديدٍ.

فائدة [10] : بالله ما لم تعلم [11] حِلَّه يقينًا؛ اتركه؛ كتركه صلى الله عليه وسلم [/ج1ص143/] تمرةً خشيةَ الصَّدقة، كما في «البخاريِّ»، [خ¦2055] ، الأورع أسرع على الصِّراط يوم القيامة، قالت أُخت بشر الحافي لأحمد ابن حنبل: إنا نغزل على سطوحنا فيمرُّ بنا مشاعل الظَّاهريَّة، ويقع الشُّعاع علينا، أفيجوز لنا الغزلُ في شعاعها؟ فقال: من أنتِ عافاك الله؟ قالت: أخت بشر الحافي، فبكى أحمد وقال: مِنْ بيتِكم يخرج الورع الصَّادق، لا تغزلي في شعاعها، مكث مالك بن دينارٍ بالبصرة أربعين سنةً لم يأكل من ثمرها حتَّى مات، أقامت السَّيِّدة بديعة الإيجيَّة [12] من أهل عصرنا هذا بمكَّة أكثر من ثلاثين سنةً لم تأكل من اللُّحوم والثِّمار وغيرها المجلوبة من بَجِيلة؛ لِمَا قِيلَ: إنَّهم لا يورِّثون البنات، وامتنع أبوها نور الدِّين من تناول ثمر المدينة؛ لِمَا ذُكِرَ أنَّهم لا يزكُّون، مَنْ ترخَّص نَدِم، ومن فواضل الفضائل حُرِم.

(أَلَا) _بفتح الهمزة، وتخفيف اللَّام_ أنَّ الأمر كما تقدَّم (وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ) _بكسر اللَّام_ من ملوك العرب (حِمًى)؛ مكانًا مُخْصِبًا حَظَرَهُ لرعي مواشيه، وتوعَّد مَنْ رعى فيه بغير إذنه بالعقوبة الشَّديدة، وسقط قوله: ((أَلَا وإنَّ)) في رواية الأَصيليِّ: (أَلَا) _بفتح الهمزة وتخفيف اللَّام_ (إِنَّ)، وفي رواية أبي ذَرٍّ [13] : ((وإنَّ)) (حِمَى اللهِ) تعالى، وفي رواية غير المستملي هنا زيادة: (فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ)؛ أي: المعاصي التي حرَّمها؛ كالزِّنا والسَّرقة؛ فهو من باب التَّمثيل، والتشبيه [14] بالشَّاهد عن الغائب، فشبَّه «المُكلَّفَ» بالرَّاعي، و«النَّفسَ البهيميَّة» بالأنعام، و«المُشَبَّهات» بما حول الحِمَى، و«المحارم» بالحِمَى، و«تناول المُشَبَّهات» بالرَّتع حول الحمى، ووجه التَّشبيه: حصول العقاب بعدم الاحتراز عن ذلك، كما أنَّ الراعيَ إذا جرَّه رعيُه حول الحِمَى إلى وقوعه في الحمى؛ استحقَّ العقاب بسبب ذلك، فكذلك مَنْ أكثر من الشُّبُهات وتعرَّض لمقدِّماتها؛ وقع في الحرام، فاستحقَّ العقاب بسبب ذلك، (أَلَا) إنَّ الأمر كما ذُكِرَ، (وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً) بالنَّصب اسم «إنَّ» مُؤخَّرًا؛ أي: قطعةً من اللَّحم، وسُمِّيت بذلك؛ لأنَّها تُمضَغُ في الفم؛ لصغرها، (إِذَا صَلَحَتْ)؛ بفتح اللَّام، وقد تُضَمُّ؛ أي: المضغة؛ (صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ)، وسقط لفظ: ((كلُّه)) عند ابن عساكر، (وَإِذَا فَسَدَتْ)؛ أي: المضغة أيضًا؛ (فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ؛ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ)؛ إنَّما كان كذلك؛ لأنَّه أمير البدن، وبصلاح الأمير تصلح الرَّعيَّة، وبفساده تَفْسُد، وأشرفُ ما في الإنسان قلبُه؛ فإنَّه العالم بالله تعالى، والجوارحُ خَدَمٌ له، وفي هذا الحديث: الحثٌّ على إصلاح القلب، وأنَّ لِطِيب الكسب أثرًا فيه، والمُرَاد به: المعنى المُتعلِّق به من الفهم والمعرفة، وسُمِّيَ «قلبًا»؛ لسرعة تقلُّبه بالخواطر، ومنه قوله: [من البسيط]

~ ما سُمِّيَ القلبُ إلَّا مِن تقلُّبِهِ فاحذر على القلبِ من قَلْبٍ وتحويلِ

وهو محلُّ العقل عندنا؛ خلافًا للحنفيَّة، ويكفي في الدَّلالة لنا قول الله تعالى: {فَتَكُونَ لَهُمْ قُلًوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} [الحج: 46] ، وهو قول الجمهور مِنَ المتكلِّمين، وقال أبو حنيفة: في الدِّماغ، وحُكِيَ الأوَّل: عنِ الفلاسفة، والثَّاني: عنِ الأطباء؛ احتجاجًا بأنَّه إذا فسد الدِّماغ فسد العقل، ورُدَّ بأنَّ الدِّماغَ آلةٌ عندهم، وفساد الآلة لا يقتضي فساده، وثبتت الواو بعد «أَلَا» من قوله: «ألا وإنَّ لكلِّ مَلِكٍ حِمًى»، «أَلَا وإنَّ في الجسد مضغةً» وسقطت من: «أَلَا إنَّ حِمَى الله»؛ لبُعْد المُناسَبَة بين حِمَى الملوك وبين حِمَى الله تعالى الذي هو الملك الحقُّ، لا مُلْكَ حقيقةً إلَّا له، وثبتت في رواية غير أبي ذَرٍّ؛ نظرًا إلى وجوب التَّناسب بين الجملتين؛ من حيث ذكر «الحِمَى» فيهما، وعبَّر بقوله: «إذا» دون «إن» لتحقُّق الوقوع غالبًا وقد تأتي بمعنى: «إنْ» كما هنا، وقد أجمع العلماء على عِظَمِ موقع هذا الحديث، وأنَّه أحدُ الأحاديث الأربعة التي عليها مدارُ الإسلام المنظومة في قوله: [من الخفيف]

~ عمدةُ الدِّين عندنا كلماتُ مسنداتٌ من قولِ خيرِ البريَّةْ

~ اتَّقِ الشُّبهَ وازهدنَّ ودعْ ما ليس يعنيك واعملنَّ بنيَّةْ

وهذا الحديث مِنَ الرُّباعيَّات، ورجاله كلُّهم كوفيُّون، وفيه التَّحديث، والعنعنة، والسَّماع، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «البيوع» [خ¦2051] ، وكذا مسلمٌ، وأبو داود، والتِّرمذيُّ، والنسائي فيه، وابن ماجه في «الفتن».

[1] في (س): «زكريَّا».
[2] زيد في (م): «عبد الله بن»، وهو خطأٌ.
[3] في (م): «الاجتهاد».
[4] «وللأصيليِّ أيضاً»: سقط من (س).
[5] قوله: «شرطيَّةٌ، وفعل الشَّرط قوله»، سقط من (م).
[6] قوله: «وللأصيليِّ: «المشْتَبِهات»؛ بالميم وسكون الشِّين وفوقيَّةٍ قبل المُوحَّدة، ولابن عساكر: «المُشَبَّهات»؛ بالميم والمُوحَّدة المُشدَّدة»، سقط من (م).
[7] في هامش (م): «من».
[8] «والمراد»: سقط من (م).
[9] «لتعدِّيه»: سقط من (س).
[10] «فائدة»: سقط من (م).
[11] في (م): «يُعلَم».
[12] في (م): «الإنجيَّة»، وهو خطأ.
[13] «أبي ذرٍّ»: سقط من (م).
[14] في (س): «والتَّنبيه»، وهو تحريفٌ.





52- ( زَكَرِيَّاءُ ): ابن أبي زائدة.

( عَنْ عَامِرٍ ): هو الشَّعبيُّ، وفي فوائد ابن أبي الهيثم: « حدَّثنا الشَّعبيُّ» فأُمن تدليسه.

( سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ )، في مسلم: «أنَّه سمعه يخطب به بحمص»، وعند أبي عوانة: «بالكوفة»، وجمع بأنَّه سمعه منه مرَّتين، فإنَّه ولي إمرة البلدين.

( مُشَبَّهَاتٌ ) بوزن مفعَّلات بتشديد العين المفتوحة، أي: شُبِّهت بغيرها ما لم يتبيَّن به حكمها على التَّعيين، وللأَصِيلي: «مشتبهات» بوزن: مفتعلات بتاء مفتوحة وعين خفيفة مكسورة، أي: اكتسبت الشبه من وجهين متعارضين، وعلى الأولى اقتصر مسلم، وعلى الثَّانية ابن ماجه، وعند / الدَّارميِّ: «متشابهات».

( لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ ) أي: لا يعلم [/ج1ص213/] حكمها، وللتِّرمذيِّ: «لا يدري كثير من النَّاس أمن الحلال هي أم من الحرام ؟».

( فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ ) فيها الاختلاف السَّابق، وعند مسلم زيادة: «الشُّبهات» بالضَّمِّ جمع شبهة.

( فقد اسْتَبْرَأَ ) بالهمز: استفعل من البراءة، أي: بَرَّأَ دِيِنِهِ من النَّقص.

( وَعِرْضِهِ ): من الطَّعن.

واختُلِفَ في المراد المشبَّهات، فقيل: محلُّ تعارض الأدلة، وقيل: محلُّ اختلاف العلماء، وقيل: المكروه؛ لأنَّه عَقَبةٌ بين العبد والحرام، وقيل: المباح، فعند ابن حبَّان زيادة: «اجعلوا بينكم وبين الحرام سترة من الحلال، من فعل ذلك استبرأ لعرضه ودينه...» إلى آخره.

والمعنى: أنَّ الحلال حيث يخشى أن يؤول فعله مطلقًا إلى مكروه أو محرَّم ينبغي اجتنابه، ويؤيِّد الوجه الأوَّل ما في البيوع: «فمن ترك ما شُبِّه عليه من الإثم كان لما استبان له أترك، ومن اجترأ على ما يشكُّ فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان». [خ: 2051]

( وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ ) كذا في جميع نسخ البخاريِّ بحذف جواب الشَّرط. وقد ثبت في مسلم: «وقع في الحرام كراع».

وعند الإسماعيليِّ: قال ابن عون في آخر الحديث: «لا أدري المثل من قول النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، أو من قول الشَّعبيِّ»، واغترَّ بعضهم بذلك فجعله مدرجًا.

قال ابن حجر: ولا دليل عليه، ولا يستلزمه تردُّد ابن عونٍ؛ [فإنَّ] [1] الأثبات قد جزموا باتِّصاله [ورفعه] [2] ، فلا يقدح شكُّ بعضهم فيه، ولا سقوطه [/ج1ص214/] من بعض الرِّوايات؛ لأنَّهم حُفَّاظ، وممَّا يقوِّي عدم الإدراج رواية ابن حبَّان الماضية، وثبوت المثل مرفوعًا في رواية ابن عبَّاس رضي الله عنهما وعمَّار بن ياسر.

( الْحِمَى ): المحميُّ، من إطلاق المصدر على المفعول.

( أَلاَ وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ ): سقطت الواو في رواية عن أبي ذرٍّ.

( فِيْ أَرْضِهِ ) سقطت هذه في رواية المُسْتملي.

( مَحَارِمُهُ ) عند أبي داود: «معاصيه».

( مُضْغَةً ): قدر ما يمضغ.

( صَلَحَتْ ) بفتح اللام، وحُكي ضمُّها.

( الْقَلْبُ ) سُمِّي به لتقلُّبه في الأمور، أو لأنَّه خالص ما في البدن، وخالص كلِّ شيء قلبه، أو لأنَّه وضع في الجسد مقلوبًا.

وهذا الحديث عدَّه العلماء رابع أربعة تدور عليها الأحكام؛ بل قال ابن العربيِّ: إنَّه يمكن أن ينتزع منه وحده جميع الأحكام.

قال القرطبيُّ: لأنَّه اشتمل على التَّفصيل بين الحلال وغيره، وعلى تعلُّق جميع الأعمال بالقلب. [/ج1ص215/]

[1] ما بين معقوفتين في [ع] : (قال) والمثبت من غيرها لأنه أوجه
[2] ما بين معقوفتين في [ع] تصحيفًا: (ودفعه) والمثبت من غيرها





لا تتوفر معاينة

52- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رضيَ اللهُ عنْهُما، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((الحَلاَلُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ ... )) إلى آخره.

الشرح:

أما (عَامِرٍ) فهو الشعبي، وسبق [1] بيانه.

وأما (النُّعْمَانَ) فهو أبو عبد الله النعمانُ بنُ بَشِيْرِ بن سعد بنِ ثَعْلَبَةَ، الأنصاريُّ الخزرجيُّ، وأمه عمرة بنت رواحة أخت عبد الله بن رواحة رضيَ الله عنه وعنها، وهو أول مولود ولد في الأنصار بعد قدوم النبي صلَّى الله عليه وسلَّم المدينةَ، وذلك بعد أربعة عشر شهرًا من الهجرة، وقيل غير ذلك.

روي له عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مائة حديث وأربعة عشر حديثًا.

قتل بقرية عند حمص سنة أربع وستين، وقيل سنة ستين.

وأما (زكَرِيا) فهو أبو يحيى زكريا [2] بن أبي زائدة [3]، واسم أبي زائدة [4] خالد بن ميمون بن فيروز الهمداني الوادعي [5] الكوفي، سمع جماعة من التابعين منهم: الشعبي، والسَّبيعي وآخرون، روى عنه: الثوري، وشعبة، والقطان، وآخرون، قال ابن نُمَيْر: توفي سنة سبع وأربعين ومائة [6]، وقال أبو نعيم: سنة ثمان، وقال

#%ص195%

عمرو بن علي: سنة تسع.

وأما (أَبُو نُعَيْمٍ) فهو الفَضْلُ بنُ دُكَيْن- بضم الدال المهملة وفتح الكاف- ودُكَيْن لقب، واسمه عمرو بن حماد بن زهير، القرشي التيمي الطلحي الكوفي الْمُلائي، مولى آل [7] طلحة بن عبيد الله، وكان يبيع الملاء، فقيل له: الْمُلائي- بضم الميم وبالمد- سمع الأعمش وخلائق من الكبار، وقل من يشاركه [8] في كثرة الشيوخ.

روى عنه خلائق لا يحصون من الأئمة والأعلام وكبار حفاظ الإسلام منهم: ابن المبارك، وأحمد بن حنبل، وابن أبي شيبة، وابن أبي خيثمة [9]، وابن راهويه، والذهلي، وأبو زرعة، وأبو حاتم, وأشباههم.

قال أبو حاتم: قال أبو نعيم: شاركت الثوري في أربعين شيخًا، أو: خمسين شيخًا.

واتفقوا على الثناء عليه ووصفه بالحفظ والإتقان، وله مناقب كثيرة.

قال ابن منجويه: كان مولد أبي نعيم سنة ثلاثين ومائة, وتوفي سنة ثمان - أو تسع - عشرة ومائتين.

قال: وكان أتقن أهل زمانه رحمه الله.

فصل: اعلم أنَّ حديث (الحَلَالَ بَيِّنٌ) إلى آخره.. حديث عظيم، وهو إحدى قواعد الإسلام، وأحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، وشرحه يحتمل أوراقًا بل أطباقًا، لكن غرضنا [10] هنا [11] الاختصار والإشارة إلى المقاصد، وقد جعل جماعة من العلماء هذا الحديث ثلث أصول الإسلام، وجعله جماعة ربعها، ومختصر شرحه والإشارة إلى مقاصده أن نقول:

قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (الحَلاَلُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٍ ) معناه: الأشياء حلال لا شك في حله، وحرام [12] لا شك في تحريمه، وضرب ثالث مشكوك فيه مشتبهة [13]، فمن اجتنب المشكوك فيه فقد [14] بَرَّأ نفسه من المعصية، وفي هذا المشكوك فيه تفاصيل معروفة في كتب الفقه، فمنه ما يُرَدُّ إلى أصله من تحليل أو تحريم أو غيرهما، ومنه ما يحكم فيه بالظاهر من تحليل

#%ص196%

أو تحريم أو نحوهما [15] من الأحكام الشرعية، ومنه ما تغلب [16] فيه الإباحة، ومنه ما يحكم فيه بالتحريم احتياطًا.

وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ( وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) قال أبو سليمان الخطابي وغيره من العلماء: معناه أنها تشتبه على بعض الناس دون بعض؛ لا أنها [17] في أنفسها مشتبهة مستبهمة [18] على كل الناس لا بيان لها، بل العلماء يعرفونها؛ لأن الله تعالى جعل عليها دلائل يعرفها بها أهل العلم، لكن [19] ليس كل أحد يقدر على تحقيق ذلك، ولهذا قال صلَّى الله عليه وسلَّم: (لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) ولم يقل: لا يعلمها كل الناس، أو أحد [20] من الناس.

وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (مَنْ [21] وَقَعَ [22] فِي الشُّبُهَاتِ [23]: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ) وفي رواية في غير هذا الموضع: ((وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ )) فهذا يحتمل وجهين أحدهما: أنه يقع في الحرام ولا يدري، والثاني وهو قول الخطابي: أنه إذا اعتادها قادته إلى الوقوع في الحرام متعمدًا، فيتجاسر عليه ويواقعه عالمًا ومتعمدًا، لخفة [24] الزاجر عنده، ولما قد ألفه من المساهلة.

وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (يُوشِك) هو -بضم الياء وكسر الشين- أي: يسرع ويقرب، ويقال في ماضيه: أوشك، هذا هو الصواب، ومن العلماء من زعم أنه لم يستعمل منه ماض، وهذا خطأ مكابر للحس [25]، وكتب اللغة والحديث [26] متظاهرة [27] على إثبات أوشك واستعماله، والله أعلم.

قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ ) هذا أصل عظيم من أصول الدين، وقاعدة كبيرة مهمة من مهماته، وهو عماد الأمر وملاكه، وبه قوامه ونظامه، وعليه تبنى [28] فروعه وبه تتم أصوله، فحق على كل مكلف السعي التام في إصلاح قلبه ورياضة نفسه، وحملها على الأخلاق الجميلة المحصلة لطهارة قلبه وصلاحه، نسأل الله الكريم التوفيق لذلك وسائر وجوه الخير، لنا ولأحبابنا وسائر المسلمين.

واستدلَّ ابن بطال رحمه الله تعالى بهذا الحديث على أن العقل في القلب،

#%ص197%

وأن ما في الرأس فهو [29] من سبب القلب، وهذه المسألة فيها خلاف للعلماء [30]، فمذهب أصحابنا: أن العقل في القلب، [31]وقال آخرون: في الرأس. ولكن ليس في هذا الحديث دلالة لواحد من المذهبين.

واستدل بعض أصحابنا بهذا الحديث في أن من حلف لا يأكل لحمًا، فأكل قلبًا حنث، وهذه المسألة فيها وجهان [32] لأصحابنا، أصحهما: لا يحنث بأكل القلب؛ لأنه لا يسمى في العرف لحمًا، والثاني: [33] يحنث، وإليه مال الإمام أبو بكر الصيدلاني المروزي، والله أعلم [34].

قوله [35] صلَّى الله عليه وسلَّم: (فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ [36] اسْتَبْرَأَ لِعِرْضِهِ وَدِينِهِ) هذا ضُبِطَ على وجهين: المشَبَّهات- بفتح الباء المشددة وكسرها، مع التخفيف والتشديد- وكله صحيح، فمعناه: مشبهات أنفسها بالحلال، أو مشبهات الحلال، وعلى رواية الفتح معناه: مشبهات بالحلال.

وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (اسْتَبْرَأَ ) هو -بالهمز- أي: طلب البراءة لنفسه من الإثم والحرام فبرأها [37].

وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (لِعِرْضِهِ وَدِينِهِ) معناه: حَصَّل البراءة لدينه من التلطخ بمأثم أو مقاربته [38]، وصان عرضه عن أن يُتَكَلَّمَ فيه، ويُتَطَرَّق إليه عتب [39] الشرع وغيبة الناس وإساءتهم [40] الظنون فيه، ونحو ذلك.

وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ( أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ وإِنَّ [41] حِمَى اللَّهِ تَعالى فِي أَرْضِهِ [42] مَحَارِمُهُ) معناه: أن الملوك من العباد [43] لهم مواضع يحمونها عن غيرهم، ويمنعون من دخولها وقربانها، ويمنعون أيضًا حريمها، وهو ما يحيط بها ويقاربها، ولو خالفهم مخالف ودخلها استحق عقوبتهم، والله سبحانه وتعالى ملك الملوك، والملك الحق، وله حمى [44] وهو المحرمات التي ورد الشرع بتحريمها، كالزنا والخمر والظلم والغيبة والنميمة والتعاون على الإثم والعدوان، وغير ذلك من المحرمات، فهذه وشبهها هي حمى الله تعالى الذي منع من دخوله، والتعرض [45] له ولمقدماته وأسبابه [46]، فمن خالف في شيء من ذلك استحق عقوبته سبحانه وتعالى، نسأل الله الكريم عفوه وحمايتنا عما يكره، والله أعلم.

فصل: وأما أمثلة المشتبه [47] والمشكوك فيه [48]، وما يؤمر فيه [49] بالاحتياط وجوبًا

#%ص198%

وما يؤمر به استحبابًا، وما ليس من الاحتياط بل هو وهم ووسوسة، وما اختلف فيه العلماء من ذلك، وما اتفقوا عليه [50]، فسنذكره إن شاء الله تعالى حيث ذكره البخاري رحمه الله تعالى، وخصه [51] بالترجمة، وبسط الكلام فيه، وذلك في أول كتاب البيوع، والله أعلم.

[1] في (ك) و(ع): ((فسبق)).
[2] في (ص): ((فهو أبو زكريا يحيى)).
[3] في (ص): ((زائد)).
[4] في (ص): ((زائد)).
[5] في (ك): ((الموادعي)).
[6] قوله: ((ومائة)) ليس في (ص).
[7] قوله: ((آل)) ليس في (ص).
[8]في (ك): ((شاركه)).
[9] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى: ((وأبو خيثمة)).
[10] في (ت) و(ص): ((عرضنا)).
[11] في (ع): ((هاهنا)).
[12] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى زيادة: ((متيقن)).
[13] في (ص) و(ع): ((مشتبه)).
[14]قوله: ((فقد)) ليس في (ص).
[15] في (ع): ((غيرهما)).
[16] في (ت) و(ع): ((ما يغلب)).
[17] في (ت) و(ص) و(ع): ((لأنها)).
[18] قوله: ((مستبهمة)) ليس في (ك) و(ص).
[19] في (ك): ((ولكن)).
[20] في (ص): ((أو أحدًا)).
[21] في (ص) و(ع): ((ومن)).
[22] في (ع): ((يقع)).
[23] في (ك): ((المشتبهات)).
[24] في (ص): ((بخفة)).
[25] في (ت): ((للحسن)).
[26] في (ع): ((والأحاديث)).
[27] في (ك): ((متظاهر)).
[28] في (ك): ((يبنى)).
[29] قوله: ((فهو)) ليس في (ك).
[30] قوله: ((للعلماء)) ليس في (ع).
[31]قوله: ((وأن ما في الرأس فهو من سبب القلب، وهذه المسألة فيها خلاف للعلماء، فمذهب أصحابنا: أن العقل في القلب)) ليس في (ص).
[32] في (ك): ((وجهين)).
[33] زاد في (ك): ((أنه)).
[34] قوله: ((والله أعلم)) ليس في (ص).
[35] في (ت) و(ك) و(ع): ((وقوله)).
[36] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى: ((المشبهات)).
[37] في (ص): ((وبرأها)).
[38] في (ك): ((مقارنته))، وفي (ص): ((بمقاربته)).
[39] في (ك) و(ص) و(ع): ((عيب)).
[40] في (ع): ((وإساءة)).
[41] في (ت): ((إن)).
[42] في (ع): ((الأرض)).
[43] في (ص): ((والعباد)).
[44] قوله: ((حمى)) ليس في (ص).
[45] في (ع): ((وتعرض)).
[46] في (ك) و(ص): ((وإتيانه)).
[47] في (ك): ((المشتبهة)).
[48] قوله: ((فيه)) ليس في (ع).
[49]قوله: ((فيه)) ليس في (ك).
[50] قوله: ((عليه)) ليس في (ع).
[51] قوله: ((وخصه)) ليس في (ك)، وفي (ص): ((وخصصه)).
#%ص199%





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

52- وبه قال: ((حدثنا أبو نعيم)) ؛ بضم النون: الفضل بن دُكَين؛ بضم الدال المهملة وفتح الكاف؛ وهو لقبه، واسمه عمرو بن حماد، القرشي التيمي الطلحي، المتوفى بالكوفة سنة ثمان أو تسع عشرة ومئتين ((قال: حدثنا زكريا)) بن أبي زائدة، واسمه خالد بن ميمون، الهمداني الوادعي الكوفي، المتوفى سنة سبع أو تسع وأربعين ومئة ((عن عامر)) هو الشعبي، وفي «فوائد أبي الهيثم» من طريق يزيد بن هارون عن زكريا قال: (حدثنا الشعبي) ، وبهذا حصل الأمن من تدليس زكريا؛ كذا في «عمدة القاري»: أنه ((قال: سمعت النعمان بن بشير)) ؛ بفتح الموحدة وكسر المعجمة: ابن سعْد؛ بسكون العين، الأنصاري الخزرجي، وأمه عمرة بنت رواحة، وهو أول مولود ولد للأنصار بعد الهجرة، المقتول سنة خمس وستين، وقول القابسي وابن معين عن أهل المدينة: لا يصح للنعمان سماع من النبي عليه السلام؛ يرده قوله هنا: (سمعت النعمان بن بشير) ((يقول: سمعت رسول الله)) وفي رواية: (النبي) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) ، وعند مسلم والإسماعيلي من طريق زكريا: وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أذنيه ((يقول: الحلالُ بيِّنٌ)) مبتدأ وخبر؛ أي: ظاهرٌ بالنظر إلى ما دل عليه بلا شبهة، ((والحرامُ بيِّنٌ)) مبتدأ وخبره؛ أي: ظاهرٌ بالنظر إلى ما دل عليه بلا شبهة، ((وبينهما)) خبر، أمورٌ ((مشبَّهاتٌ)) مبتدؤه؛ بتشديد الموحدة المفتوحة؛ أي: شُبِّهت بغيرها ممَّا لم يتبيَّن به حكمها على التعيين، وفي رواية: (مشتَبِهات) ؛ بمثناة فوقية مفتوحة وموحدة مكسورة؛ أي: اكتسبت الشبهة من وجهين متعارضين، بقي ثلاث روايات فيها مذكورة مع معانيها بغاية الإيضاح في «عمدة القاري»؛ فيراجع، ((لا يعلمها)) ؛ أي: لا يعلم حكمها ((كثير من الناس)) وفي رواية الترمذي: (لا يدري كثير من الناس أمن الحلال هي أم من الحرام؟) وقليل من الناس يعلم حكمها؛ وهم العلماء، إما بنص، أو قياس، أو استصحاب، أو غير ذلك، فإذا تردد الشيء بين الحل والحرمة ولم يكن نصٌّ ولا إجماع؛ اجتهد فيه المجتهد وألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي، فإذا ألحقه به؛ صار حلالًا أو حرامًا، وما لم يظهر للمجتهد فيه شيء وهو مشتبه؛ فهل يؤخذ بالحل أو الحرمة أم بالتوقف؟ فيه ثلاثة مذاهب؛ وهي مخرَّجة على الخلاف المعروف في حكم الأشياء قبل ورود الشرع، وفيه أربعة مذاهب:

أحدها: أنه لا يحكم بتحليل ولا تحريم ولا غيرها؛ لأنَّ التكليف عند أهل الحق لا يثبت إلا بالشرع، وهو الأصح؛ كما قاله الشيخ الإمام بدر الدين العيني، وفي «البدائع»: وهو المختار، وهو قول الشافعية.

الثاني: أن الحكم الحل والإباحة، وهو قول بعض أئمتنا، وهو قول الإمام الكرخي، ومشى عليه الإمام المرغيناني في «الهداية»، والإمام الجليل قاضيخان في «الفتاوى».

الثالث: المنع، وهو قول بعض أصحاب الحديث.

الرابع: الوقف؛ بمعنى: أنه لا بدَّ لها من حكم، لكنا لم نقف عليه بالعقل، وهو قول بعض أئمتنا.

وقد يكون الدليل غير خال عن الاحتمال، فالورع تركه لا سيما على القول: بأن المصيب واحد، وهو المشهور في مذهب إمامنا الإمام الأعظم والإمام مالك، ومنه ثار القول في مذهبهما بمراعاة الخلاف أيضًا، وكذا روي عن الشافعي: أنه كان يراعي الخلاف؛ حيث لا يفوت به سنة عندهم.

فعلى هذا: ساغ لنا إذا سُئِلنا عن مذهبنا أن نقول: مذهبنا صواب يحتمل الخطأ، ومذهب مخالفنا خطأ يحتمل الصواب؛ بناء على أن الحق واحد، وقال الشافعي: إن الحق متعدد، فلا يجوز له أن يقول ذلك، والله تعالى أعلم.

((فمَن)) موصولة مبتدأ ((اتقى)) أي: حَذِرَ ((المشبَّهات)) ؛ بالميم وتشديد الموحدة، وفي رواية: (المشْتَبِهات) ؛ بالميم والمثناة الفوقية بعد الشين الساكنة، وفي أخرى: (الشُّبهات) بإسقاط الميم، وضم الشين، وبالموحدة: جمع شبهة؛ وهي الالتباس، وأصل (اتقى) : اوتقى؛ من وقى وقاية، قلبت الواو تاء، وأدغمت التاء في التاء، صلة الموصول، وقوله: ((استبرأ)) خبره، وفي رواية: (فقد استبرأ) بالهمز بوزن (استفعل) ((لدينه)) المتعلق بخالقه، ((وعرضه)) المتعلق بالخلق؛ أي: حصل البراءة لدينه من الالتباس، ولعرضه من طعن الناس، وفي رواية: (لعرضه ودينه) ، ((ومَن)) شرطية، وفعل الشرط قوله: ((وقع في الشُّبهات)) التي أشبهت الحرام من وجه والحلال من آخر؛ بمعنى: التبس أمرها، وفي رواية: (المشْتَبِهات) ؛ بالميم، وسكون الشين، وفوقية قبل الموحدة، وفي أخرى: (المشبَّهات) ؛ بالميم والموحدة المشددة، وجواب [من] محذوف في جميع النسخ، وثبت[/ص33/] في رواية الدارمي عن أبي نُعيم شيخ المؤلف فيه، ولفظه قال: (ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام) ((كراعٍ)) ؛ أي: مثله مثل راع، وفي رواية: (كراعي بالياء) ، ((يرعى)) : جملة مستأنفة وردت على سبيل التمثيل؛ للتنبيه بالشاهد على الغائب، أو أن تكون (مَن) موصولة لا شرطية مبتدأ، والخبر (كراع يرعى) ، وحينئذٍ لا حذف، والتقدير: الذي وقع في الشبهات كراع يرعى مواشيه.

((حول الحمى)) ؛ بكسر الحاء المهملة وفتح الميم: المحمي، من إطلاق المصدر على اسم المفعول، والمراد: موضع الكلأ الذي مُنع منه الغير وتُوعِّد على من رعى فيه، ((يوشك)) ؛ بكسر المعجمة؛ أي: يقرب، ((أن يواقعه)) ؛ أي: يقع فيه، وعند ابن حبان: اجعلوا بينكم وبين الحرام سترة من الحلال، من فعل ذلك؛ استبرأ لعرضه ودينه، ومن أرتع فيه؛ كان كالمرتع إلى جنب الحمى يوشك أن يقع فيه.

((ألا)) ؛ بفتح الهمزة وتخفيف اللام: حرف تنبيه أن الأمر كما تقدم، ((وإن لكل ملِك)) ؛ بكسر اللام من ملوك العرب ((حمى)) ؛ مكانًا مخصبًا حظره لرعي مواشيه وتوعَّد من رعى فيه بغير إذنه بالعقوبة، وسقط قوله: (ألا وإن) في رواية ((ألا)) بفتح الهمزة وتخفيف اللام، ((إنَّ)) وفي رواية: (وإن) ، ((حمى الله)) تعالى، وفي رواية زيادة: (في أرضه) ، ((محارمه)) وفي رواية: (معاصيه) بدل (محارمه) ؛ أي: المعاصي التي حرمها؛ كالزنا ونحوه، فهو من باب التمثيل والتشبيه بالشاهد عن الغائب، فشبه المكلفَ بالراعي، والنفسَ بالبهيمة؛ بالأنعام، والمشبهات بما حول الحمى، والمحارم بالحمى، وتناول المشبهات بالرتع حول الحمى، ووجه التشبيه: حصول العقاب بعدم الاحتراز عن ذلك.

((ألا)) ؛ بفتح الهمزة وتخفيف اللام، إن الأمر كما ذكر، ((وإن في الجسد مضغة)) بالنصب اسم (إن) مؤخر؛ أي: قطعة من اللحم، وسميت بذلك؛ لأنها تُمضَغ في الفم لصغرها، أو لأنَّ أول نقطة تكون من النطفة، ((إذا صلحت)) ؛ بفتح اللام وضمها، والفتح أفصح؛ أي: المضغة، ((صلح الجسد كله)) ؛ لأنَّه مركب عليها، وسقط لفظ (كله) في رواية، ((وإذا فسدت)) ؛ أي: المضغة ((فسد الجسد كله)) ؛ لأنَّه مركب عليها.

((ألا)) ؛ بالفتح والتخفيف، ((وهي)) ؛ أي: المضغة ((القلب)) ؛ أي: الفؤاد، وقيل: القلب أخص من الفؤاد، وإنما سمي به؛ لتقلبه في الأمور، وقيل: لأنَّه خالص ما في الإنسان، وخالص كل شيء قلبه، وأصله مصدر ثم نُقل وسمي به هذا العضو؛ لسرعة الخواطر فيه وترددها عليه، وقد نظم بعضهم هذا المعنى فقال:

~ما سمِّي القلبُ إلَّا من تقلُّبه فاحذرْ على القلبِ من قلبٍ وتحويلِ

قيل: إن القلب محل العقل، وهو قول بعض المتكلمين، والشافعية، والفلاسفة، وقال إمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم: إن العقل في الدماغ، وهو قول جمهور المتكلمين والأطباء.

وقال الإمام النووي: ليس في الحديث دلالة على أن العقل في القلب، واستدل به أيضًا على أن من حلف لا يأكل لحمًا فأكل قلبًا؛ حنث، قلت: ولأصحاب الشافعي فيه قولان: أحدهما: أنه يحنث، وإليه مالَ الصيدلاني المروزي، والأصح: أنه لا يحنث؛ لأنَّه لا يسمى لحمًا اهـ.

فعُلِم منه: أن بعض الشافعية قالوا: العقل في القلب، وبعضهم قالوا: إنه في الدماغ، وظاهر عبارة أئمتنا الأعلام: أن العقل مقره في القلب، وسلطانه ونوره وشعاعه في الدماغ، وبهذا يحصل التوفيق بين القولين؛ فليحفظ.