إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: الحلال بين والحرام بين وبينهما مشبهات

52- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) بضمِّ النُّون، الفضل بن دُكَيْنٍ؛ بمُهمَلَةٍ مضمومةٍ وفتح الكاف، واسمه: عمرو بن حمَّادٍ القرشيُّ التَّيميُّ الطَّلحيُّ، المُتوفَّى بالكوفة سنة ثمانٍ أو تسعَ عَشْرةَ ومئتين، قالَ: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ [1] ) بن أبي زائدة، واسمه: خالد بن ميمونٍ الهَمْدانيُّ الوادعيُّ الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة سبعٍ أو تسعٍ وأربعين ومئةٍ (عَنْ عَامِرٍ) الشَّعبيِّ، وفي «فوائد ابن أبي الهيثم» من طريق يزيد بن هارون عن زكريَّا قال: حدَّثنا الشَّعبيُّ، فحصل الأمن من
ج1ص142
تدليس زكريَّا أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ) بفتح المُوحَّدة وكسر المُعجَمَة، ابن سَعْدٍ _بسكون العين_ الأنصاريَّ الخزرجيَّ، وأمُّه عمرةُ بنت [2] رواحة [3]، وهو أوَّل مولودٍ وُلِدَ للأنصار بعد الهجرة، المقتول سنة خمسٍ وستِّين، وله في البخاريِّ ستَّة أحاديث، وقول أبي الحسن القابسيِّ ويحيى بن معينٍ عن أهل المدينة: إنَّه لا يصحُّ للنُّعمان سماعٌ مِنَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، يردُّه قوله هنا: سمعت النُّعمان بن بشيرٍ (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ) وفي روايةٍ: ((النَّبيَّ)) (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) وعند مسلمٍ والإسماعيليِّ من طريق زكريَّا: وأهوى النُّعمان بإصبعيه إلى أذنيه (يَقُولُ: الْحَلَالُ بَيِّنٌ) أي: ظاهرٌ بالنَّظر إلى ما دلَّ عليه بلا شبهةٍ (وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ) أي: ظاهرٌ بالنَّظر إلى ما دلَّ عليه بلا شبهةٍ (وَبَيْنَهُمَا) أمورٌ (مُشَبَّهَاتٌ) بتشديد المُوحَّدة المفتوحة، أي: شَبُهَت بغيرها ممَّا لم يتبيَّن به حكمها على التَّعيين، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: ((مُشْتَبِهاتٌ)) بمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ مفتوحةٍ، ومُوحَّدةٍ مكسورةٍ، أي: اكتسبتِ الشُّبهة من وجهين متعارضين (لَا يَعْلَمُهَا) أي: لا يعلم حكمها (كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) أَمِنَ الحلال هي أمْ مِنَ الحرام؟ بل انفرد بها العلماء، إمَّا بنصٍّ أو قياسٍ أو استصحابٍ أو غير ذلك، فإذا تردَّد الشَّيء بين الحلِّ والحُرْمة ولم يكن نصٌّ ولا إجماعٌ اجتهد فيه المجتهد وألحقه بأحدهما بالدَّليل الشَّرعيِّ، فـ «المُشَبَّهات» على هذا في حقِّ غيرهم، وقد يقع لهم حيث لا يظهر ترجيحٌ لأحد الدَّليلين، وهل يُؤخَذ في هذا «المُشْتَبِه» بالحلِّ أو الحرمة أو يُوقَف؟ وهو كالخلاف في الأشياء قبل ورود الشَّرع، والأصحُّ عدم الحكم بشيءٍ لأنَّ التَّكليف عند أهل الحقِّ لا يثبت إلَّا بالشرع، وقِيلَ: الحلُّ والإباحة، وقِيلَ: المنع، وقِيلَ: الوقف، وقد يكون الدَّليل غير خالٍ عن الاحتمال [4]، فالورع تركه لا سيَّما على القول بأنَّ المصيب واحدٌ، وهو مشهورُ مذهبِ مالكٍ، ومنه ثار القول في مذهبه بمراعاة الخلاف أيضًا، وكذلك رُوِيَ أيضًا عن إمامنا الشَّافعيِّ أنَّه كان يراعي الخلاف، ونصَّ عليه في مسائل، وبه قال أصحابه حيث لا تفوت به سُنَّةٌ عندهم (فَمَنِ اتَّقَى) أي: حَذِرَ (الْمُشَبَّهَاتِ) بالميم وتشديد المُوحَّدة، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: ((المشْتبهات)) بالميم وبالمُثنَّاة الفوقيَّة بعد الشِّين السَّاكنة، وفي أخرى: ((الشُّبهات)) بإسقاط الميم وضمِّ الشِّين وبالمُوحَّدة (اسْتَبْرَأَ) وللأَصيليِّ أيضًا [5] ولأبي ذَرٍّ: ((فقد استبرأ)) _بالهمز_ بوزن «اسْتَفْعَلَ» (لِدِينِهِ) المتعلِّق بخالقه (وَعِرْضِهِ) المتعلِّق بالخَلْق، أي: حصَّل البراءة لدينه من النَّقص ولِعرْضِه من الطَّعن فيه، ولابن عساكر والأَصيليِّ: ((لِعِرْضِهِ وَدِيْنِهِ)) (وَمَنْ) شرطيَّةٌ، وفعل الشَّرط قوله [6]: (وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ) التي أشبهتِ الحلالَ من وجهٍ، والحرامَ من آخَرَ، وللأَصيليِّ: ((المشْتَبِهات)) بالميم وسكون الشِّين وفوقيَّةٍ قبل المُوحَّدة، ولابن عساكر: ((المُشَبَّهات)) بالميم والمُوحَّدة المُشدَّدة [7]، وجواب الشَّرط محذوفٌ في جميع نسخ «الصَّحيح» وثبت في رواية الدَّارميِّ عن أبي نعيمٍ شيخ المؤلِّف فيه، ولفظه قال: «ومن وقع في الشُّبهات وقع في الحرام» (كَرَاعٍ) أي: مَثَلُهُ مَثَلُ راعٍ، وفي روايةٍ كما في «اليونينيَّة»: ((كراعي)) بالياء آخرُه (يَرْعَى) جملةٌ مُستأنَفَةٌ وردت على سبيل التَّمثيل للتَّنبيه بالشَّاهد على الغائب، ويحتمل أن تكون «مَنْ» موصولةً لا شرطيَّةً، فتكون مبتدأً، والخبر: «كَرَاعٍ يَرْعَى»، وحينئذٍ لا حذفَ، والتَّقدير: الذي وقع في الشُّبهات كراعٍ يرعى مواشيه (حَوْلَ الْحِمَى) بكسر الحاء المُهمَلَة، وفتح الميم [8] مِنَ: المحميِّ، من إطلاق المصدر على اسم المفعول، والمُرَاد [9]: موضع الكلأ الذي مَنَعَ منه الغيرَ، وتوعَّد على من رعى فيه لِتعدِّيه [10] (يُوشِكُ) بكسر المُعجَمَة، أي: يقرب (أَنْ يُوَاقِعَهُ) أي: يقع فيه، وعند ابن حبَّانَ: «اجعلوا بينكم وبين الحرام سترَةً من الحلال، مَنْ فعل ذلك استبرأ لعرضه ودينه، ومَنْ أرتعَ فيه كان كالمُرتع إلى جنب الحمى يوشك أن يقع فيه» فَمَنْ أَكْثَرَ مِنَ الطَّيِّبات مثلًا فإنَّه يحتاج إلى كثرة الاكتساب الموقع في أخذ ما لا يستحقُّ، فيقع في الحرام فيأثم وإن لم يتعمَّد لتقصيره، أو يفضي إلى بطر النَّفس، وأقلُّ ما فيه الاشتغال عن مواقف العبوديَّة، ومن تعاطى ما نُهِيَ عنه أَظْلَمَ قلبُه لفقد نور الورع، وأعلى الورعِ ترك الحلال مخافة الحرام، كترك ابنِ أدهمَ أُجرتَه لِشَكِّه في وفاء عمله، وطوى عن جوعٍ شديدٍ.
فائدة [11]: بالله ما لم تعلم [12] حِلَّه يقينًا اتركه؛ كتركه
ج1ص143
صلى الله عليه وسلم تمرةً خشيةَ الصَّدقة، كما في «البخاريِّ» [خ¦2055] الأورع أسرع على الصِّراط يوم القيامة، قالت أُخت بشر الحافي لأحمد ابن حنبل: إنا نغزل على سطوحنا فيمرُّ بنا مشاعل الظَّاهريَّة، ويقع الشُّعاع علينا، أفيجوز لنا الغزلُ في شعاعها؟ فقال: من أنتِ عافاك الله؟ قالت: أخت بشر الحافي، فبكى أحمد وقال: مِنْ بيتِكم يخرج الورع الصَّادق، لا تغزلي في شعاعها، مكث مالك بن دينارٍ بالبصرة أربعين سنةً لم يأكل من ثمرها حتَّى مات، أقامت السَّيِّدة بديعة الإيجيَّة [13] من أهل عصرنا هذا بمكَّة أكثر من ثلاثين سنةً لم تأكل من اللُّحوم والثِّمار وغيرها المجلوبة من بَجِيلة لِمَا قِيلَ: إنَّهم لا يورِّثون البنات، وامتنع أبوها نور الدِّين من تناول ثمر المدينة لِمَا ذُكِرَ أنَّهم لا يزكُّون، مَنْ ترخَّص نَدِم وَمِنْ فواضل الفضائل حُرِم.
(أَلَا) بفتح الهمزة وتخفيف اللَّام؛ أنَّ الأمر كما تقدَّم (وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ) _بكسر اللَّام_ من ملوك العرب (حِمًى) مكانًا مُخْصِبًا حَظَرَهُ لرعي مواشيه، وتوعَّد مَنْ رعى فيه بغير إذنه بالعقوبة الشَّديدة، وسقط قوله «أَلَا وإنَّ» في رواية الأَصيليِّ: (أَلَا) بفتح الهمزة وتخفيف اللَّام (إِنَّ) وفي رواية أبي ذَرٍّ [14]: ((وإنَّ)) (حِمَى اللهِ) تعالى، وفي رواية غير المُستملي هنا زيادة: (فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ) أي: المعاصي التي حرَّمها كالزِّنا والسَّرقة؛ فهو من باب التَّمثيل والتشبيه [15] بالشَّاهد عن الغائب، فشبَّه «المُكلَّفَ» بالرَّاعي، و«النَّفسَ البهيميَّة» بالأنعام، و«المُشَبَّهات» بما حول الحِمَى، و«المحارم» بالحِمَى، و«تناول المُشَبَّهات» بالرَّتع حول الحمى، ووجه التَّشبيه: حصول العقاب بعدم الاحتراز عن ذلك، كما أنَّ الراعيَ إذا جرَّه رعيُه حول الحِمَى إلى وقوعه في الحمى استحقَّ العقاب بسبب ذلك، فكذلك مَنْ أكثر من الشُّبُهات وتعرَّض لمقدِّماتها وقع في الحرام، فاستحقَّ العقاب بسبب ذلك (أَلَا) إنَّ الأمر كما ذُكِرَ (وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً) بالنَّصب اسم «إنَّ» مُؤخَّرًا، أي: قطعةً من اللَّحم، وسُمِّيت بذلك لأنَّها تُمضَغُ في الفم لصغرها (إِذَا صَلَحَتْ) بفتح اللَّام، وقد تُضَمُّ، أي: المضغة (صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ) وسقط لفظ «كلُّه» عند ابن عساكر (وَإِذَا فَسَدَتْ) أي: المضغة أيضًا (فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ؛ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ) إنَّما كان كذلك لأنَّه أمير البدن، وبصلاح الأمير تصلح الرَّعيَّة، وبفساده تَفْسُد، وأشرفُ ما في الإنسان قلبُه؛ فإنَّه العالم بالله تعالى، والجوارحُ خَدَمٌ له، وفي هذا الحديث: الحثُّ على إصلاح القلب، وأنَّ لِطِيب الكسب أثرًا فيه، والمُرَاد به: المعنى المُتعلِّق به من الفهم والمعرفة، وسُمِّيَ «قلبًا» لسرعة تقلُّبه بالخواطر، ومنه قوله: [من البسيط]
~ما سُمِّيَ القلبُ إلَّا مِن تقلُّبِهِ فاحذر على القلبِ من قَلْبٍ وتحويلِ
وهو محلُّ العقل عندنا خلافًا للحنفيَّة، ويكفي في الدَّلالة لنا قول الله تعالى: {فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} [الحج: 46] وهو قول الجمهور مِنَ المتكلِّمين، وقال أبو حنيفة: في الدِّماغ، وحُكِيَ الأوَّل: عنِ الفلاسفة، والثَّاني: عنِ الأطباء؛ احتجاجًا بأنَّه إذا فسد الدِّماغ فسد العقل، ورُدَّ بأنَّ الدِّماغَ آلةٌ عندهم، وفساد الآلة لا يقتضي فساده، وثبتت الواو بعد «أَلَا» من قوله: «ألا وإنَّ لكلِّ مَلِكٍ حِمًى»، «أَلَا وإنَّ في الجسد مضغةً» وسقطت من: «أَلَا إنَّ حِمَى الله» لبُعْد المُناسَبَة بين حِمَى الملوك وبين حِمَى الله تعالى الذي هو الملك الحقُّ، لا مُلْكَ حقيقةً إلَّا له، وثبتت في رواية غير أبي ذَرٍّ نظرًا إلى وجوب التَّناسب بين الجملتين؛ من حيث ذِكْرُ «الحِمَى» فيهما، وعبَّر بقوله: «إذا» دون «إن» لتحقُّق الوقوع غالبًا وقد تأتي بمعنى: «إنْ» كما هنا، وقد أجمع العلماء على عِظَمِ موقع هذا الحديث، وأنَّه أحدُ الأحاديث الأربعة التي عليها مدارُ الإسلام المنظومة في قوله: [من الخفيف]
~عمدةُ الدِّين عندنا كلماتُ مسنداتٌ من قولِ خيرِ البريَّةْ
~اتَّقِ الشُّبهَ وازهدنَّ ودعْ ما ليس يعنيك واعملنَّ بنيَّةْ
وهذا الحديث مِنَ الرُّباعيَّات، ورجاله كلُّهم كوفيُّون، وفيه: التَّحديث، والعنعنة، والسَّماع، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «البيوع» [خ¦2051]، وكذا مسلمٌ، وأبو داود، والتِّرمذيُّ، والنسائي فيه، وابن ماجه في «الفتن».
ج1ص144


[1] في (س): «زكريَّا».
[2] زيد في (م): «عبد الله بن»، وهو خطأٌ.
[3] في (ل): «عمرة بنت عبد الله بن رواحة».
[4] في (م): «الاجتهاد».
[5] «وللأصيليِّ أيضًا»: سقط من (س).
[6] قوله: «شرطيَّةٌ، وفعل الشَّرط قوله» سقط من (م).
[7] قوله: «وللأصيليِّ: المشْتَبِهات؛ بالميم وسكون الشِّين وفوقيَّةٍ قبل المُوحَّدة، ولابن عساكر: المُشَبَّهات؛ بالميم والمُوحَّدة المُشدَّدة» سقط من (م).
[8] في هامش (م): (من).
[9] «والمراد»: سقط من (م).
[10] «لتعدِّيه»: سقط من (س).
[11] «فائدة»: سقط من (م).
[12] في (م): «يُعلَم».
[13] في (م): «الإنجيَّة»، وهو خطأ.
[14] «أبي ذرٍّ»: سقط من (م).
[15] في (س): «والتَّنبيه»، وهو تحريفٌ.