متن الصحيح الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

50- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ)؛ هو ابن مسرهدٍ، (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سهمٍ، وأمُّه عُلَيَّة؛ بضمِّ العين المُهمَلَة، وفتح اللَّام، وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ) _بفتح الحاء المُهمَلَة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة_ يحيى بن سعيد بن حيَّان [1] (التَّيْمِيُّ)؛ نسبةً إلى تيم الرِّباب الكوفيِّ، (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هرم بن عمرو بن جرير البجليِّ، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ) وفي روايةٍ: ((رسول الله)) (صلى الله عليه وسلم بَارِزًا)؛ أي: ظاهرًا (يَوْمًا لِلنَّاسِ) غير محتجبٍ عنهم، و«يومًا» نُصِبَ على الظَّرفيَّة، (فَأَتَاهُ رَجُلٌ)؛ أي: مَلَكٌ في صورة رجلٍ، وهي [2] رواية الأربعة، وفي روايةٍ في أصل متن «فرع اليونينيَّة» كهي: ((جبريل)) (فَقَالَ) بعد أن سَلَّم: يا محمَّد، كما في «مسلمٍ»، وإنَّما ناداه باسمه كما يناديه الأعراب تعميةً بحاله، أو لأنَّ له دالَّة المعلِّم: (مَا الإِيمَانُ)؟ أي: ما مُتعلَّقاتُه؟ (قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ)؛ أي: تصدِّق بوجوده، وبصفاته الواجبة له تعالى، وقد وقع السُّؤال بـ: «ما»، ولا يُسأَل بها إلَّا عنِ الماهيَّة، لكنَّ الظَّاهر أنَّه عليه الصلاة والسلام علم أنَّه سأله [/ج1ص138/]

عن متعلَّقات الإيمان، لا عن حقيقته، وإِلَّا؛ فكان الجواب: الإيمانُ، التَّصديقُ، وإنَّما فسَّر الإيمان بذلك؛ لأنَّ المُرَاد من المحدود الإيمان الشَّرعيُّ، ومن الحدِّ اللُّغويِّ، حتَّى لا يلزم تفسير الشَّيء بنفسه، وحَمَلَهُ الأبِّيُّ على الحقيقة، معلِّلًا بأنَّ السُّؤال بـ: «ما» بحسب الخصوصيَّة إنَّما يكون عن الحقيقة لا عن الحكم، وعلى هذا فقوله: «أن تؤمن...» إلى آخره؛ من حيث إنه جواب السُّؤال المذكور يتعيَّن أن يكون حدًّا؛ لأنَّ المقول في جوابه إنَّما هو الحدُّ، فإن قلت: لو كان حدًّا لم يَقُلْ جبريل عليه السلام في جوابه: «صدقتَ»، كما في «مسلمٍ»؛ لأنَّ الحدَّ لا يقبل التَّصديق، أُجِيب: بأنَّه إذا قِيلَ في الإنسان: إنَّه حيوانٌ ناطقٌ، وقُصِدَ به التَّعريف؛ فهو لا يقبل التَّصديق كما ذكرت، وإن قُصِدَ به أنَّه الذَّات المحكوم عليها بالحيوانيَّة والنَّاطقيَّة؛ فهو دعوى وخبر [3] ، فيقبل التَّصديق، فلعلَّ جبريلَ عليه الصلاة والسلام راعى هذا المعنى؛ فلذلك قال: «صدقتَ»، أو يكون قوله: «صدقت» تسليمًا، والحدُّ يقبل التَّسليم، ولا يقبل المنع؛ لأنَّ المنع طلب الدَّليل، والدَّليل إنَّما يتوجَّه للخبر، والحدُّ تفسيرٌ لا خبرٌ، قاله أبو عبد الله الأبِّيُّ [4] ، وأعاد لفظ «الإيمان»؛ للاعتناء بشأنَّه وتفخيمًا لأمره، (وَمَلَائِكَتِهِ)؛ جمع مَلَكٍ، وأصله: مَلْأَكٌ «مَفْعَلٌ» مِنَ: الألوكة؛ بمعنى: الرِّسالة، زِيدَت فيه «التَّاء»؛ لتأكيد معنى الجمع، أو لتأنيث الجمع، وهم: أجسامٌ [5] علويَّةٌ نورانيَّةٌ، مُشكَّلةٌ بما شاءت من الأشكال، والإيمان بهم: هو التَّصديق بوجودهم، وأنَّهم كما وصفهم الله تعالى: {عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} [الأنبياء: 26] ؛ أي: وأن تؤمن بملائكته، (وَ) أن تؤمن (بِلِقَائِهِ)؛ أي: برؤيته تعالى في الآخرة، كما قال الخطَّابيُّ، وتعقَّبه النَّوويُّ: بأنَّ أحدًا لا يقطع لنفسه بها؛ إذ هي مختصَّةٌ بمن مات مؤمنًا، والمرء لا يدري بِمَ يُختَم له؟ وأُجِيب: بأنَّ المُرَاد أنَّها حقٌّ في نفس الأمر، أو المُرَاد الانتقال من دار الدُّنيا، (وَ) أن تؤمن (بِرُسُلِهِ) عليهم الصَّلاة والسَّلام، وفي رواية غير الأَصيليِّ: ((ورسله))؛ بإسقاط المُوحَّدة؛ أي: التَّصديق بأنَّهم صادقون فيما أخبروا به عن الله تعالى، وتأخيرهم في الذِّكر؛ لتأخُّر إيجادهم، لا لأفضليَّة الملائكة، وفي هامش «فرع اليونينيَّة» كهي زيادة: ((وكتبه)) للأَصيليِّ؛ بإسقاط المُوحَّدة؛ أي: تصدِّق [6] بأنَّها كلام الله تعالى، وأنَّ ما اشتملت عليه حقٌّ، (وَ) أن (تُؤْمِنَ)؛ أي: تصدِّق (بِالْبَعْثِ) من القبور وما بعده؛ كالصِّراط والميزان، والجنَّة والنَّار، أو المُرَاد بعثة الأنبياء، وقد قِيلَ: إنَّ قوله: «وبلقائه» مُكرَّرةٌ؛ لأنَّها داخلةٌ في الإيمان بالبعث، وتغاير تفسيرهما يحقِّق أنَّها ليست مُكرَّرةً، وإنما أعاد «تؤمن»؛ لأنَّه إيمانٌ بما سيُوجَد، وما سبق: إيمانٌ بالموجود في الحال، فهما نوعان، ثمَّ (قَالَ)؛ أي: جبريل: يا رسول الله؛ (مَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (الإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ الله)؛ أي: تطيعه مع خضوعٍ وتذلُّلٍ، أو تنطق بالشَّهادتين، (وَلَا تُشْرِكَ بِهِ)؛ بالفتح، وفي نسخة كريمة: ((ولا تشركُ))؛ بالضَّمِّ [7] ، زاد الأَصيليُّ: ((شيئًا))، (وَ) أن (تُقِيمَ)؛ أي: تديمَ (الصَّلَاةَ) المكتوبة؛ كما صرَّح به في «مسلمٍ» [8] ، أو تأتيَ بها على ما ينبغي، وهو وتاليه من عطف الخاصِّ على العامِّ، (وَ) أن (تُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ)؛ قيَّد بها؛ احترازًا من صدقة التَّطوُّع؛ فإنَّها زكاةٌ لغويَّةٌ، أو من المُعجَّلة، أو لأنَّ العرب كانت تدفع المال للسَّخاء والجود، فنبَّه بالفرض على رفض ما كانوا عليه، قال الزَّركشيُّ: والظَّاهر: أنَّها للتَّأكيد، وفي رواية مسلمٍ [9] : «تقيم الصَّلاة المكتوبة، وتؤتي الزَّكاة المفروضة»، (وَتَصُومَ رَمَضَانَ) ولم يذكر الحجَّ؛ إمَّا ذهولًا أو نسيانًا من الرَّاوي، ويدلُّ له مجيئه في رواية كهمس: «وتحجَّ البيت إنِ استطعتَ إليه سبيلًا»، وقِيلَ: لأنَّه لم يكن فرضٌ، ودُفِعَ: بأنَّ في رواية ابن منده بسندٍ على شرط مسلمٍ: أنَّ الرَّجل جاء في آخر عمره صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر «الصَّوم» في رواية عطاء الخراسانيِّ، واقتصر في حديث أبي عامرٍ على «الصَّلاة والزَّكاة»، ولم يزد في حديث ابن عبَّاسٍ على «الشَّهادتين»، وزاد سليمان التَّيميُّ بعد ذكر الجميع: الحجَّ والاعتمار، والاغتسال من الجنابة، وإتمام الوضوء، وقد وقع هنا التَّفريق بين الإيمان والإسلام، فجعل الإيمان: عمل القلب، والإسلام: عمل الجوارح، فالإيمان: لغةً: التَّصديق مُطلَقًا، وفي الشَّرع: التَّصديق والنُّطق معًا، فأحدهما ليس بإيمانٍ، أمَّا التَّصديق؛ فإنَّه لا ينجِّي وحده من النَّار، وأمَّا النُّطق؛ فهو وحده نِفَاقٌ، فتفسيره في الحديث «الإيمانُ» بالتَّصديق، [/ج1ص139/] و«الإسلامُ» بالعمل؛ إنَّما فسَّر به إيمان القلب والإسلام في [10] الظَّاهر، لا الإيمان الشَّرعيَّ والإسلام الشَّرعيَّ، والمؤلِّف يرى أنَّهما والدِّينُ عباراتٌ عن واحدٍ، والمتَّضح: أنَّ محلَّ الخلاف إذا أُفْرِدَ لفظُ أحدِهما، فإنِ اجتمعا؛ تغايرا، كما وقع هنا، ثمَّ (قَالَ) جبريل: يا رسول الله؛ (مَا الإِحْسَانُ)؟ مبتدأٌ وخبرٌ، و«أل» للعهد؛ أي: ما الإحسان المتكرِّر في القرآن المترتِّب عليه الثَّواب؟ (قَالَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم مُجِيبًا له: الإحسان: (أَنْ تَعْبُدَ الله)؛ أي: عبادتُك اللهَ تعالى حال كونك في عبادتك له (كَأَنَّكَ تَرَاهُ)؛ أي: مثل حال كونك رائيًا له، (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ) سبحانه وتعالى؛ فاستمِرَّ على إحسان العبادة؛ (فَإِنَّهُ) عزَّ وجلَّ (يَرَاكَ) دائمًا، والإحسان: الإخلاص، أو إجادة العمل، وهذا من جوامع كَلِمِهِ عليه الصلاة والسلام؛ إذ هو شاملٌ لمقام المُشاهَدَة ومقام المُراقَبَة، ويتَّضح لك ذلك بأن تعرف أنَّ للعبد في عبادته ثلاثَ مقاماتٍ:

الأوَّل: أن يفعلها على الوجه الذي تسقط معه وظيفة التَّكليف؛ باستيفاء الشَّرائط والأركان.

الثَّاني: أن يفعلها كذلك وقد استغرق في بحار المُكاشَفَة، حتَّى كأنَّه يرى الله تعالى، وهذا مقامه صلى الله عليه وسلم؛ كما قال: «وجُعِلَتْ قُرَّةُ عيني في الصَّلاة»؛ لحصول الاستلذاذ بالطَّاعة، والرَّاحة بالعبادة، وانسداد مسالك الالتفات إلى الغير باستيلاء أنوار الكشف عليه؛ وهو ثمرة امتلاء زوايا القلب من المحبوب، واشتغال السِّرِّ به، ونتيجته: نسيان الأحوال من المعلوم [11] ، واضمحلال الرُّسوم.

الثَّالث: أن يفعلها وقد غلب عليه أنَّ الله تعالى يشاهده، وهذا هو مقام المُراقَبَة.

فقوله: «فإن لم تكن تراه»؛ نزولٌ عن مقام المُكاشَفَة إلى مقام المُراقَبَة؛ أي: إن لم تعبده وأنت من أهل الرُّؤية المعنويَّة؛ فاعبده وأنت بحيث إنَّه يراك، وكلٌّ من المقامات الثَّلاث إحسانٌ، إلَّا أنَّ الإحسان الذي هو شرطٌ في صحَّة العبادة إنَّما هو الأوَّل؛ لأنَّ الإحسان بالأخيرين [12] من صفة الخواصِّ، ويتعذَّر من كثيرين، وإنَّما أخَّر السُّؤال عن الإحسان؛ لأنَّه صفة الفعل، أو شرطٌ في صحَّته، والصِّفة بعد الموصوف، وبيان الشَّرط متأخِّرٌ عن المشروط، قاله أبو عبد الله الأُبِّيُّ، ثمَّ (قَالَ) جبريل: يا رسول الله [13] ؛ (مَتَى) تقوم (السَّاعَةُ)؟ اللَّام للعهد، والمُرَاد: يوم القيامة، (قَالَ: مَا)؛ أي: ليس (الْمَسْؤُولُ)، زاد في رواية أبي ذَرٍّ: ((عنها))، (بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ)؛ بزيادة «المُوحَّدة» في «أعلم»؛ لتأكيد [14] معنى النَّفيِ، والمُرَاد: نفيُ علمِ وقتها؛ لأنَّ عِلْمَ مجيئِها مقطوعٌ به، فهو علمٌ مُشتَرَكٌ، وهذا وإن أشعر بالتَّساوي في العلم؛ إلَّا أنَّ المُرَاد التَّساوي في العلم بأنَّ الله استأثر بعلم وقت مجيئها؛ لقوله بعد: «خمسٌ لا يعلمهنَّ إلَّا الله»، وليس السُّؤال عنها ليعلم الحاضرون كالأسئلة السَّابقة، بل لينزجروا عن السُّؤال عنها، كما قال تعالى: {يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ} [الأحزاب: 63] ، فلمَّا وقع الجواب بأنَّه لا يعلمها إلَّا الله تعالى؛ كفُّوا، وهذا السُّؤال والجواب وقعا بين عيسى ابن مريم وجبريل عليهما السَّلام؛ كما في «نوادر الحميديِّ»، لكن كان عيسى هو السَّائل، وجبريل هو المسؤول، ولفظه: حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا مالك بن مغولٍ، عن إسماعيل بن رجاء، عن الشَّعبيِّ قال: سأل عيسى ابن مريم جبريلَ عنِ السَّاعة قال: ما المسؤولُ عنها بأعلمَ من السَّائل، (وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا)؛ بفتح الهمزة، جمع شَرَطٍ؛ بالتَّحريك؛ أي: علاماتها السَّابقة عليها، أو مقدِّماتها لا المقارنة لها؛ وهي: (إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ)؛ أي: وقت ولادة الأمة (رَبَّهَا)؛ أي: مالكها وسيِّدها، وهو هنا كنايةٌ عن كثرة أولاد السَّراري، حتَّى تصير الأمُّ كأنَّها أَمَةٌ لابنها؛ من حيث إنَّها ملكٌ لأبيه، أو أنَّ الإماء يلدن الملوك، فتصير الأمُّ من جملة الرَّعايا، والملِك سيِّد رعيَّته، أو كنايةٌ عن فساد الحال؛ لكثرة بيع أمَّهات الأولاد، فيتداولهنَّ المُلَّاك، فيشتري الرَّجل أمَّه وهو لا يشعر، أو هو كنايةٌ عن كثرة العقوق؛ بأن يعامل الولد أمَّه مُعامَلَة السَّيِّد أَمَتَهُ في الإهانة؛ بالسَّبِّ، والضَّرب، والاستخدام، فأطلق عليه «ربَّها» مجازًا لذلك، وعُورِضَ: بأنَّه لا وجه لتخصيص ذلك بولد الأَمَة إلَّا أن يُقَال: إنَّه أقرب إلى العقوق، وعند المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦4777] : «ربَّتها»؛ بتاء التَّأنيث على معنى النَّسمة؛ ليشمل الذَّكر والأنثى، وقِيلَ: كراهة أن يقول: «ربَّها»؛ تعظيمًا للفظ الرَّبِّ تعالى، وعبَّر بـ: «إذا» الدَّالَّة على الجزم؛ لأنَّ الشَّرط مُحقَّق الوقوع، ولم يعبِّر بـ: «إن»؛ لأنَّه لا يصحُّ أن يُقَال: إن قامت القيامة؛ كان كذا، بل يرتكب [/ج1ص140/] قائله محظورًا؛ لأنَّه يُشْعِرُ بالشك فيه، (وَ) من أشراط السَّاعة: (إِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ) بضمِّ الرَّاء (الْبُهْمُ فِي الْبُنْيَانِ)؛ أي: وقت تفاخر أهل البادية بإطالة البنيان، وتكاثرهم به [15] باستيلائهم على الأمر، وتملُّكهم البلاد بالقهر، المقتضي لتبسُّطهم في الدُّنيا؛ فهو عبارةٌ عن ارتفاع الأسافل؛ كالعبيد والسَّفلة من الجمَّالين وغيرهم، وما أحسن قول القائل: [من الوافر]

~ إذا التحقَ الأسافلُ بالأعالي فقد طابتْ منادمةُ المنايا

وفيه: إشارةٌ إلى اتِّساع دين الإسلام، كما أنَّ الأوَّل فيه: اتِّساعُ الإسلام، واستيلاء أهله على بلاد الكفر، وسبيُ ذراريهم، قال البيضاويُّ: لأنَّ بلوغَ الأمرِ الغايةَ مُنْذِرٌ بالتَّراجع المُؤْذِنِ بأن القيامة ستقوم؛ كما قِيلَ: [من الطَّويل]

~ ........................ وعند التَّناهي يقصـرُ المتطاولُ

والبُهمُ: _بضمِّ المُوحَّدة_ جمع الأبهم؛ وهو الذي لاشِيَةَ له، أو جمع بهيمٍ؛ وهي رواية أبي ذرٍّ وغيره، ورُوِيَ عن الأَصيليِّ: الضَّمُّ والفتحُ، وكذا ضبطه القابسيُّ بالفتح أيضًا، ولا وجه له؛ لأنَّها صغار الضَّأن والمعز، وفي الميم الرَّفع نعتًا لـ: «الرعاة»؛ أي: السُّود، أوِ [16] المجهولون الذين لا يُعرَفُون، والجرُّ صفةً لـ: «الإبل»؛ أي: رعاة الإبل البهمِ [17] السُّود، وقد عدَّ في الحديث من الأشراط علامتين، والجمع يقتضي ثلاثةً؛ فإمَّا أن يكون على أنَّ أقلَّ الجمع اثنان، أو أنَّه اكتفى باثنين؛ لحصول المقصود بهما في علم أشراط السَّاعة، وعلم وقتها داخلٌ (فِي) جملة (خَمْسٍ) من الغيب (لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا الله، ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ}) [لقمان: 34] ؛ أي: علم وقتها، وللأَصيليِّ: (({وَيُنَزِّلُ}...)) (الآيَةَ) بالنَّصبِ بتقدير: «اقرأ»، وبالرَّفع مبتدأ خبره محذوفٌ؛ أي: الآيةُ مقروءةٌ إلى آخر السُّورة، ولمسلمٍ: إلى قوله: {خَبِيرٌ}، وكذا في رواية أبي فَرْوة، والسِّياق يرشد إلى أنَّه تلا الآية كلَّها، وسقط في رواية قوله: ((الآية)) [18] ، والجارُّ متعلِّقٌ بمحذوفٍ كما قدَّرته، فهو على حدِّ قوله تعالى: {في تسعِ آياتٍ} [النمل: 12] ؛ أي: اذهب إلى فرعون بهذه الآية في جملة تسع آياتٍ، وتمام الآية السَّابقة: {وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ}؛ أي: في أوانه [19] المُقدَّر له، والمحلِّ المُعيَّن له، {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَام} أذكرًا أم أنثى، تامًّا أم ناقصًا؟ {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا} من خيرٍ أو شرٍّ، وربَّما يعزم على شيءٍ ويفعل خلافه، {وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ}؛ أي: كما لا تدري في أيِّ وقتٍ تموت؟ قال القرطبيُّ: لا مطمع لأحدٍ في علم شيءٍ من هذه الأمور الخمسة لهذا الحديث، فَمَنِ ادَّعى علم شيءٍ منها غير مستندٍ إلى الرَّسول صلى الله عليه وسلم؛ كان كاذبًا في دعواه.

(ثُمَّ أَدْبَرَ) الرَّجل السَّائل، (فَقَالَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رُدُّوهُ)، فأخذوا ليردُّوه، (فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا)،لا عينه ولا أثره، قال ابن بزيزة [20] : ولعلَّ قوله: «رُدُّوه عليَّ» إيقاظٌ للصَّحابة؛ ليتفطَّنوا إلى أنَّه مَلَكٌ لا بشرٌ، (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم: (هَذَا)، ولكريمة: ((إنَّ هذا)) (جِبْرِيلُ) عليه السلام (جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ)؛ أي: قواعد دينهم، وهي جملةٌ وقعت حالًا مُقدَّرةً؛ لأنَّه لم يكن معلِّمًا وقت المجيء، وأَسْنَدَ التَّعليمَ إليه _وإن كان سائلًا_ لأنَّه لمَّا كان السَّبب فيه، أسنده إليه، أو أنَّه كان من غرضه، وللإسماعيليِّ: «أراد أن تعلَّموا إذ لم تسألوا»، وفي حديث أبي عامرٍ: «والَّذي نفسُ محمَّدٍ بيده؛ ما جاءني قطُّ إلَّا وأنا أعرفه، إلَّا أن تكون هذه المرَّة»، وفي رواية سليمانَ التَّيميِّ: «ما شَبُهَ عليَّ منذ أتاني قبل مرَّتي هذه، وما عرفته حتَّى ولَّى».

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ رحمه الله: (جَعَلَ) النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم (ذَلِكَ) المذكور في هذا الحديث (كُلَّهُ مِنَ الإِيمَانِ)؛ أي: الكامل المشتمل على هذه الأمور كلِّها، وفي هذا الحديث: بيان عِظَمِ [21] الإخلاص والمُرَاقَبَة، وفيه: أنَّ العالِمَ إذا سُئِلَ عمَّا لا يعلمه يقول: لا أدري، ولا يُنْقِصُ ذلك من جلالته، بل يدلُّ على ورعه وتقواه ووفور علمه، وأنَّه يسأل العالِمَ؛ لِيعلمَ السَّامعون، ويحتمل أنَّ في سؤال جبريلَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم في حضور الصَّحابة أنَّه يريد أنْ يُرِيَهم أنَّه عليه الصلاة والسلام مليءٌ من العلوم، وأنَّ علمه مأخوذٌ من الوحيِ، فتزيد رغبتهم ونشاطهم فيه، وهو المعنيُّ بقوله: «جاء يعلِّم النَّاس دينَهم»، وأنَّ الملائكة تَمثَّلُ بأيِّ صورةٍ شاؤوا من صور بني آدم، وأخرجه المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦4777] وفي «الزَّكاة» مُختصرًا [خ¦1397] ، ومسلمٌ في «الإيمان»، وابن ماجه في «السُّنَّة» بتمامه، وفي «الفتن» ببعضه، وأبو داود في «السُّنَّة»، والنَّسائيُّ في «الإيمان»، وكذا التِّرمذيُّ، وأحمد [/ج1ص141/] في «مُسنَده»، والبزَّار بإسنادٍ حسنٍ، وأبو عوانة في «صحيحه»، وأخرجه مسلمٌ أيضًا: عن عمر بن الخطَّاب، ولم يخرجه البخاريُّ؛ لاختلافٍ فيه على بعض رواته، وبالجملة: فهو حديثٌ جليلٌ، حتَّى قال القرطبيُّ: يصلح أن يُقَال له: أمُّ السُّنَّة؛ لِمَا تضمَّنه من جمُلِ علمها، وقال عياضٌ: إنَّه اشتمل على جميع وظائف العبادات الظَّاهرة والباطنة من عقود الإيمان، ابتداءً وحالًا ومآلًا، ومن أعمال الجوارح، ومن إخلاص السَّرائر، والتَّحفُّظ من آفات الأعمال، حتَّى إنَّ علوم الشَّريعة كلَّها راجعةٌ إليه ومتشعِّبةٌ منه ا ه.

[1] في (س): «جيَّان»، وهو تصحيفٌ.
[2] في (ب) و(س): «وهو».
[3] في (س): «خير»، وهو تصحيفٌ.
[4] «قاله أبو عبد الله الأبِّيُّ»: سقط من (س).
[5] في (ب) و(س): «أجساد».
[6] في (م): «تصديق».
[7] قوله: «وفي نسخة كريمة: «ولا تشركُ»؛ بالضَّمِّ»، سقط من (م).
[8] قوله: «كما صرَّح به في «مسلمٍ»»، سقط من (م).
[9] في (م): «لمسلم».
[10] «في»: سقط من (م).
[11] في (م): «العلوم».
[12] في (ب) و(س): «بالآخرين».
[13] «يا رسول الله»: سقط من (س).
[14] في (س): «لتأكد».
[15] «به»: سقط من (س).
[16] «أو»: سقط من (م).
[17] «البهم»: سقط من (م).
[18] في (م): «تعالى»، وهو خطأٌ.
[19] في (ب) و(س): «إبانه»، وكلاهما صحيحٌ.
[20] في (م): «بريرة»، وهو تصحيفٌ.
[21] في هامش (م): «محلِّ».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

50-. حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قالَ: حدَّثنا إِسْماعِيلُ بنُ إِبْراهِيمَ: أخبَرَنا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عن أَبِي زُرْعَةَ:

عن أَبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: كان النَّبِيُّ [1] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ، فأَتاهُ جِبْرِيلُ [2] فقالَ: ما الإِيمانُ؟ قالَ: «الإِيمانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ [3] وَبِلِقائِهِ [4] وَرُسُلِهِ [5] وَتُؤْمِنَ بِالبَعْثِ». قالَ: ما الإِسْلامُ؟ قالَ: «الإِسْلامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلا تُشْرِكَ بِهِ [6] ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضانَ». قالَ: ما الإِحْسانُ؟ قالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كأَنَّكَ تَراهُ، فإِنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فإِنَّهُ يَراكَ». قالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قالَ: «ما المَسْؤُولُ [7] بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَسأُخْبِرُكَ عن أَشْراطِها: إِذا وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّها، وإِذا تَطاوَلَ رُعاةُ الإِبِلِ البُهْمُ [8] فِي البُنْيانِ، فِي خَمْسٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ». ثُمَّ تَلا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [9] }الآيَةَ [10] [لقمان: 34] ، ثُمَّ أَدْبَرَ، فقالَ: «رُدُّوهُ». فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فقالَ: «هذا جِبْرِيلُ، جاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ».

قالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: جَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَ الإِيمانِ.

[1] في رواية [عط] : «رسول الله».
[2] صحَّح عليها في اليونينيَّة، وفي رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر و [عط] ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «فأتاه رجلٌ».
[3] في رواية الأصيلي زيادة: «وكتبه».
[4] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«وَبِلِقايِهِ».
[5] في رواية الأصيلي: «وبرسله».
[6] في رواية الأصيلي والحَمُّويِي زيادة: «شيئًا».
[7] في رواية أبي ذر زيادة: «عنها».
[8] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«البُهْمِ»، وكتب فوقها «معًا». وبهامش (ن): مَن ضمَّ الميم جعله نعتًا للرُّعاة، وهو الصواب، قاله عياض ورجَّحه، ومن كسر الميم جعله نعتًا للإبل، وهو بضم الباء، وهو صوابه، وهي رواية أبي ذر وغيره، وروي عن الأصيلي بفتح الباء وضمِّها، وضبطه القابسيُّ بالفتح، وحكي عنه الضم للباء والميم وإسكان الهاء، جعله نعتًا للرُّعاة، أي: السود، ووصْفُهم بالصمِّ البُكم [يعني: كما في رواية مسلم] يدلُّ علىَ أنَّه وصفٌ للرُّعاة لا للإبل، قاله عياض.اهـ. انظر المشارق: 1/200.
[9] في رواية الأصيلي زيادة: «{ وَيُنْزِلُ }» هكذا ضبطت في (ب، ص) على قراءة أبي عمرو ويعقوب وخلف وابن كثير وحمزة والكسائي، وأهمل ضبطها في (ن، و).
[10] لفظة: «الآية» ليست في [عط] .





50- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ)؛ هو ابن مسرهدٍ، (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سهمٍ، وأمُّه عُلَيَّة؛ بضمِّ العين المُهمَلَة، وفتح اللَّام، وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ) _بفتح الحاء المُهمَلَة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة_ يحيى بن سعيد بن حيَّان [1] (التَّيْمِيُّ)؛ نسبةً إلى تيم الرِّباب الكوفيِّ، (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هرم بن عمرو بن جرير البجليِّ، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ) وفي روايةٍ: ((رسول الله)) (صلى الله عليه وسلم بَارِزًا)؛ أي: ظاهرًا (يَوْمًا لِلنَّاسِ) غير محتجبٍ عنهم، و«يومًا» نُصِبَ على الظَّرفيَّة، (فَأَتَاهُ رَجُلٌ)؛ أي: مَلَكٌ في صورة رجلٍ، وهي [2] رواية الأربعة، وفي روايةٍ في أصل متن «فرع اليونينيَّة» كهي: ((جبريل)) (فَقَالَ) بعد أن سَلَّم: يا محمَّد، كما في «مسلمٍ»، وإنَّما ناداه باسمه كما يناديه الأعراب تعميةً بحاله، أو لأنَّ له دالَّة المعلِّم: (مَا الإِيمَانُ)؟ أي: ما مُتعلَّقاتُه؟ (قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ)؛ أي: تصدِّق بوجوده، وبصفاته الواجبة له تعالى، وقد وقع السُّؤال بـ: «ما»، ولا يُسأَل بها إلَّا عنِ الماهيَّة، لكنَّ الظَّاهر أنَّه عليه الصلاة والسلام علم أنَّه سأله [/ج1ص138/]

عن متعلَّقات الإيمان، لا عن حقيقته، وإِلَّا؛ فكان الجواب: الإيمانُ، التَّصديقُ، وإنَّما فسَّر الإيمان بذلك؛ لأنَّ المُرَاد من المحدود الإيمان الشَّرعيُّ، ومن الحدِّ اللُّغويِّ، حتَّى لا يلزم تفسير الشَّيء بنفسه، وحَمَلَهُ الأبِّيُّ على الحقيقة، معلِّلًا بأنَّ السُّؤال بـ: «ما» بحسب الخصوصيَّة إنَّما يكون عن الحقيقة لا عن الحكم، وعلى هذا فقوله: «أن تؤمن...» إلى آخره؛ من حيث إنه جواب السُّؤال المذكور يتعيَّن أن يكون حدًّا؛ لأنَّ المقول في جوابه إنَّما هو الحدُّ، فإن قلت: لو كان حدًّا لم يَقُلْ جبريل عليه السلام في جوابه: «صدقتَ»، كما في «مسلمٍ»؛ لأنَّ الحدَّ لا يقبل التَّصديق، أُجِيب: بأنَّه إذا قِيلَ في الإنسان: إنَّه حيوانٌ ناطقٌ، وقُصِدَ به التَّعريف؛ فهو لا يقبل التَّصديق كما ذكرت، وإن قُصِدَ به أنَّه الذَّات المحكوم عليها بالحيوانيَّة والنَّاطقيَّة؛ فهو دعوى وخبر [3] ، فيقبل التَّصديق، فلعلَّ جبريلَ عليه الصلاة والسلام راعى هذا المعنى؛ فلذلك قال: «صدقتَ»، أو يكون قوله: «صدقت» تسليمًا، والحدُّ يقبل التَّسليم، ولا يقبل المنع؛ لأنَّ المنع طلب الدَّليل، والدَّليل إنَّما يتوجَّه للخبر، والحدُّ تفسيرٌ لا خبرٌ، قاله أبو عبد الله الأبِّيُّ [4] ، وأعاد لفظ «الإيمان»؛ للاعتناء بشأنَّه وتفخيمًا لأمره، (وَمَلَائِكَتِهِ)؛ جمع مَلَكٍ، وأصله: مَلْأَكٌ «مَفْعَلٌ» مِنَ: الألوكة؛ بمعنى: الرِّسالة، زِيدَت فيه «التَّاء»؛ لتأكيد معنى الجمع، أو لتأنيث الجمع، وهم: أجسامٌ [5] علويَّةٌ نورانيَّةٌ، مُشكَّلةٌ بما شاءت من الأشكال، والإيمان بهم: هو التَّصديق بوجودهم، وأنَّهم كما وصفهم الله تعالى: {عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} [الأنبياء: 26] ؛ أي: وأن تؤمن بملائكته، (وَ) أن تؤمن (بِلِقَائِهِ)؛ أي: برؤيته تعالى في الآخرة، كما قال الخطَّابيُّ، وتعقَّبه النَّوويُّ: بأنَّ أحدًا لا يقطع لنفسه بها؛ إذ هي مختصَّةٌ بمن مات مؤمنًا، والمرء لا يدري بِمَ يُختَم له؟ وأُجِيب: بأنَّ المُرَاد أنَّها حقٌّ في نفس الأمر، أو المُرَاد الانتقال من دار الدُّنيا، (وَ) أن تؤمن (بِرُسُلِهِ) عليهم الصَّلاة والسَّلام، وفي رواية غير الأَصيليِّ: ((ورسله))؛ بإسقاط المُوحَّدة؛ أي: التَّصديق بأنَّهم صادقون فيما أخبروا به عن الله تعالى، وتأخيرهم في الذِّكر؛ لتأخُّر إيجادهم، لا لأفضليَّة الملائكة، وفي هامش «فرع اليونينيَّة» كهي زيادة: ((وكتبه)) للأَصيليِّ؛ بإسقاط المُوحَّدة؛ أي: تصدِّق [6] بأنَّها كلام الله تعالى، وأنَّ ما اشتملت عليه حقٌّ، (وَ) أن (تُؤْمِنَ)؛ أي: تصدِّق (بِالْبَعْثِ) من القبور وما بعده؛ كالصِّراط والميزان، والجنَّة والنَّار، أو المُرَاد بعثة الأنبياء، وقد قِيلَ: إنَّ قوله: «وبلقائه» مُكرَّرةٌ؛ لأنَّها داخلةٌ في الإيمان بالبعث، وتغاير تفسيرهما يحقِّق أنَّها ليست مُكرَّرةً، وإنما أعاد «تؤمن»؛ لأنَّه إيمانٌ بما سيُوجَد، وما سبق: إيمانٌ بالموجود في الحال، فهما نوعان، ثمَّ (قَالَ)؛ أي: جبريل: يا رسول الله؛ (مَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (الإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ الله)؛ أي: تطيعه مع خضوعٍ وتذلُّلٍ، أو تنطق بالشَّهادتين، (وَلَا تُشْرِكَ بِهِ)؛ بالفتح، وفي نسخة كريمة: ((ولا تشركُ))؛ بالضَّمِّ [7] ، زاد الأَصيليُّ: ((شيئًا))، (وَ) أن (تُقِيمَ)؛ أي: تديمَ (الصَّلَاةَ) المكتوبة؛ كما صرَّح به في «مسلمٍ» [8] ، أو تأتيَ بها على ما ينبغي، وهو وتاليه من عطف الخاصِّ على العامِّ، (وَ) أن (تُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ)؛ قيَّد بها؛ احترازًا من صدقة التَّطوُّع؛ فإنَّها زكاةٌ لغويَّةٌ، أو من المُعجَّلة، أو لأنَّ العرب كانت تدفع المال للسَّخاء والجود، فنبَّه بالفرض على رفض ما كانوا عليه، قال الزَّركشيُّ: والظَّاهر: أنَّها للتَّأكيد، وفي رواية مسلمٍ [9] : «تقيم الصَّلاة المكتوبة، وتؤتي الزَّكاة المفروضة»، (وَتَصُومَ رَمَضَانَ) ولم يذكر الحجَّ؛ إمَّا ذهولًا أو نسيانًا من الرَّاوي، ويدلُّ له مجيئه في رواية كهمس: «وتحجَّ البيت إنِ استطعتَ إليه سبيلًا»، وقِيلَ: لأنَّه لم يكن فرضٌ، ودُفِعَ: بأنَّ في رواية ابن منده بسندٍ على شرط مسلمٍ: أنَّ الرَّجل جاء في آخر عمره صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر «الصَّوم» في رواية عطاء الخراسانيِّ، واقتصر في حديث أبي عامرٍ على «الصَّلاة والزَّكاة»، ولم يزد في حديث ابن عبَّاسٍ على «الشَّهادتين»، وزاد سليمان التَّيميُّ بعد ذكر الجميع: الحجَّ والاعتمار، والاغتسال من الجنابة، وإتمام الوضوء، وقد وقع هنا التَّفريق بين الإيمان والإسلام، فجعل الإيمان: عمل القلب، والإسلام: عمل الجوارح، فالإيمان: لغةً: التَّصديق مُطلَقًا، وفي الشَّرع: التَّصديق والنُّطق معًا، فأحدهما ليس بإيمانٍ، أمَّا التَّصديق؛ فإنَّه لا ينجِّي وحده من النَّار، وأمَّا النُّطق؛ فهو وحده نِفَاقٌ، فتفسيره في الحديث «الإيمانُ» بالتَّصديق، [/ج1ص139/] و«الإسلامُ» بالعمل؛ إنَّما فسَّر به إيمان القلب والإسلام في [10] الظَّاهر، لا الإيمان الشَّرعيَّ والإسلام الشَّرعيَّ، والمؤلِّف يرى أنَّهما والدِّينُ عباراتٌ عن واحدٍ، والمتَّضح: أنَّ محلَّ الخلاف إذا أُفْرِدَ لفظُ أحدِهما، فإنِ اجتمعا؛ تغايرا، كما وقع هنا، ثمَّ (قَالَ) جبريل: يا رسول الله؛ (مَا الإِحْسَانُ)؟ مبتدأٌ وخبرٌ، و«أل» للعهد؛ أي: ما الإحسان المتكرِّر في القرآن المترتِّب عليه الثَّواب؟ (قَالَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم مُجِيبًا له: الإحسان: (أَنْ تَعْبُدَ الله)؛ أي: عبادتُك اللهَ تعالى حال كونك في عبادتك له (كَأَنَّكَ تَرَاهُ)؛ أي: مثل حال كونك رائيًا له، (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ) سبحانه وتعالى؛ فاستمِرَّ على إحسان العبادة؛ (فَإِنَّهُ) عزَّ وجلَّ (يَرَاكَ) دائمًا، والإحسان: الإخلاص، أو إجادة العمل، وهذا من جوامع كَلِمِهِ عليه الصلاة والسلام؛ إذ هو شاملٌ لمقام المُشاهَدَة ومقام المُراقَبَة، ويتَّضح لك ذلك بأن تعرف أنَّ للعبد في عبادته ثلاثَ مقاماتٍ:

الأوَّل: أن يفعلها على الوجه الذي تسقط معه وظيفة التَّكليف؛ باستيفاء الشَّرائط والأركان.

الثَّاني: أن يفعلها كذلك وقد استغرق في بحار المُكاشَفَة، حتَّى كأنَّه يرى الله تعالى، وهذا مقامه صلى الله عليه وسلم؛ كما قال: «وجُعِلَتْ قُرَّةُ عيني في الصَّلاة»؛ لحصول الاستلذاذ بالطَّاعة، والرَّاحة بالعبادة، وانسداد مسالك الالتفات إلى الغير باستيلاء أنوار الكشف عليه؛ وهو ثمرة امتلاء زوايا القلب من المحبوب، واشتغال السِّرِّ به، ونتيجته: نسيان الأحوال من المعلوم [11] ، واضمحلال الرُّسوم.

الثَّالث: أن يفعلها وقد غلب عليه أنَّ الله تعالى يشاهده، وهذا هو مقام المُراقَبَة.

فقوله: «فإن لم تكن تراه»؛ نزولٌ عن مقام المُكاشَفَة إلى مقام المُراقَبَة؛ أي: إن لم تعبده وأنت من أهل الرُّؤية المعنويَّة؛ فاعبده وأنت بحيث إنَّه يراك، وكلٌّ من المقامات الثَّلاث إحسانٌ، إلَّا أنَّ الإحسان الذي هو شرطٌ في صحَّة العبادة إنَّما هو الأوَّل؛ لأنَّ الإحسان بالأخيرين [12] من صفة الخواصِّ، ويتعذَّر من كثيرين، وإنَّما أخَّر السُّؤال عن الإحسان؛ لأنَّه صفة الفعل، أو شرطٌ في صحَّته، والصِّفة بعد الموصوف، وبيان الشَّرط متأخِّرٌ عن المشروط، قاله أبو عبد الله الأُبِّيُّ، ثمَّ (قَالَ) جبريل: يا رسول الله [13] ؛ (مَتَى) تقوم (السَّاعَةُ)؟ اللَّام للعهد، والمُرَاد: يوم القيامة، (قَالَ: مَا)؛ أي: ليس (الْمَسْؤُولُ)، زاد في رواية أبي ذَرٍّ: ((عنها))، (بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ)؛ بزيادة «المُوحَّدة» في «أعلم»؛ لتأكيد [14] معنى النَّفيِ، والمُرَاد: نفيُ علمِ وقتها؛ لأنَّ عِلْمَ مجيئِها مقطوعٌ به، فهو علمٌ مُشتَرَكٌ، وهذا وإن أشعر بالتَّساوي في العلم؛ إلَّا أنَّ المُرَاد التَّساوي في العلم بأنَّ الله استأثر بعلم وقت مجيئها؛ لقوله بعد: «خمسٌ لا يعلمهنَّ إلَّا الله»، وليس السُّؤال عنها ليعلم الحاضرون كالأسئلة السَّابقة، بل لينزجروا عن السُّؤال عنها، كما قال تعالى: {يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ} [الأحزاب: 63] ، فلمَّا وقع الجواب بأنَّه لا يعلمها إلَّا الله تعالى؛ كفُّوا، وهذا السُّؤال والجواب وقعا بين عيسى ابن مريم وجبريل عليهما السَّلام؛ كما في «نوادر الحميديِّ»، لكن كان عيسى هو السَّائل، وجبريل هو المسؤول، ولفظه: حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا مالك بن مغولٍ، عن إسماعيل بن رجاء، عن الشَّعبيِّ قال: سأل عيسى ابن مريم جبريلَ عنِ السَّاعة قال: ما المسؤولُ عنها بأعلمَ من السَّائل، (وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا)؛ بفتح الهمزة، جمع شَرَطٍ؛ بالتَّحريك؛ أي: علاماتها السَّابقة عليها، أو مقدِّماتها لا المقارنة لها؛ وهي: (إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ)؛ أي: وقت ولادة الأمة (رَبَّهَا)؛ أي: مالكها وسيِّدها، وهو هنا كنايةٌ عن كثرة أولاد السَّراري، حتَّى تصير الأمُّ كأنَّها أَمَةٌ لابنها؛ من حيث إنَّها ملكٌ لأبيه، أو أنَّ الإماء يلدن الملوك، فتصير الأمُّ من جملة الرَّعايا، والملِك سيِّد رعيَّته، أو كنايةٌ عن فساد الحال؛ لكثرة بيع أمَّهات الأولاد، فيتداولهنَّ المُلَّاك، فيشتري الرَّجل أمَّه وهو لا يشعر، أو هو كنايةٌ عن كثرة العقوق؛ بأن يعامل الولد أمَّه مُعامَلَة السَّيِّد أَمَتَهُ في الإهانة؛ بالسَّبِّ، والضَّرب، والاستخدام، فأطلق عليه «ربَّها» مجازًا لذلك، وعُورِضَ: بأنَّه لا وجه لتخصيص ذلك بولد الأَمَة إلَّا أن يُقَال: إنَّه أقرب إلى العقوق، وعند المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦4777] : «ربَّتها»؛ بتاء التَّأنيث على معنى النَّسمة؛ ليشمل الذَّكر والأنثى، وقِيلَ: كراهة أن يقول: «ربَّها»؛ تعظيمًا للفظ الرَّبِّ تعالى، وعبَّر بـ: «إذا» الدَّالَّة على الجزم؛ لأنَّ الشَّرط مُحقَّق الوقوع، ولم يعبِّر بـ: «إن»؛ لأنَّه لا يصحُّ أن يُقَال: إن قامت القيامة؛ كان كذا، بل يرتكب [/ج1ص140/] قائله محظورًا؛ لأنَّه يُشْعِرُ بالشك فيه، (وَ) من أشراط السَّاعة: (إِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ) بضمِّ الرَّاء (الْبُهْمُ فِي الْبُنْيَانِ)؛ أي: وقت تفاخر أهل البادية بإطالة البنيان، وتكاثرهم به [15] باستيلائهم على الأمر، وتملُّكهم البلاد بالقهر، المقتضي لتبسُّطهم في الدُّنيا؛ فهو عبارةٌ عن ارتفاع الأسافل؛ كالعبيد والسَّفلة من الجمَّالين وغيرهم، وما أحسن قول القائل: [من الوافر]

~ إذا التحقَ الأسافلُ بالأعالي فقد طابتْ منادمةُ المنايا

وفيه: إشارةٌ إلى اتِّساع دين الإسلام، كما أنَّ الأوَّل فيه: اتِّساعُ الإسلام، واستيلاء أهله على بلاد الكفر، وسبيُ ذراريهم، قال البيضاويُّ: لأنَّ بلوغَ الأمرِ الغايةَ مُنْذِرٌ بالتَّراجع المُؤْذِنِ بأن القيامة ستقوم؛ كما قِيلَ: [من الطَّويل]

~ ........................ وعند التَّناهي يقصـرُ المتطاولُ

والبُهمُ: _بضمِّ المُوحَّدة_ جمع الأبهم؛ وهو الذي لاشِيَةَ له، أو جمع بهيمٍ؛ وهي رواية أبي ذرٍّ وغيره، ورُوِيَ عن الأَصيليِّ: الضَّمُّ والفتحُ، وكذا ضبطه القابسيُّ بالفتح أيضًا، ولا وجه له؛ لأنَّها صغار الضَّأن والمعز، وفي الميم الرَّفع نعتًا لـ: «الرعاة»؛ أي: السُّود، أوِ [16] المجهولون الذين لا يُعرَفُون، والجرُّ صفةً لـ: «الإبل»؛ أي: رعاة الإبل البهمِ [17] السُّود، وقد عدَّ في الحديث من الأشراط علامتين، والجمع يقتضي ثلاثةً؛ فإمَّا أن يكون على أنَّ أقلَّ الجمع اثنان، أو أنَّه اكتفى باثنين؛ لحصول المقصود بهما في علم أشراط السَّاعة، وعلم وقتها داخلٌ (فِي) جملة (خَمْسٍ) من الغيب (لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا الله، ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ}) [لقمان: 34] ؛ أي: علم وقتها، وللأَصيليِّ: (({وَيُنَزِّلُ}...)) (الآيَةَ) بالنَّصبِ بتقدير: «اقرأ»، وبالرَّفع مبتدأ خبره محذوفٌ؛ أي: الآيةُ مقروءةٌ إلى آخر السُّورة، ولمسلمٍ: إلى قوله: {خَبِيرٌ}، وكذا في رواية أبي فَرْوة، والسِّياق يرشد إلى أنَّه تلا الآية كلَّها، وسقط في رواية قوله: ((الآية)) [18] ، والجارُّ متعلِّقٌ بمحذوفٍ كما قدَّرته، فهو على حدِّ قوله تعالى: {في تسعِ آياتٍ} [النمل: 12] ؛ أي: اذهب إلى فرعون بهذه الآية في جملة تسع آياتٍ، وتمام الآية السَّابقة: {وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ}؛ أي: في أوانه [19] المُقدَّر له، والمحلِّ المُعيَّن له، {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَام} أذكرًا أم أنثى، تامًّا أم ناقصًا؟ {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا} من خيرٍ أو شرٍّ، وربَّما يعزم على شيءٍ ويفعل خلافه، {وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ}؛ أي: كما لا تدري في أيِّ وقتٍ تموت؟ قال القرطبيُّ: لا مطمع لأحدٍ في علم شيءٍ من هذه الأمور الخمسة لهذا الحديث، فَمَنِ ادَّعى علم شيءٍ منها غير مستندٍ إلى الرَّسول صلى الله عليه وسلم؛ كان كاذبًا في دعواه.

(ثُمَّ أَدْبَرَ) الرَّجل السَّائل، (فَقَالَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رُدُّوهُ)، فأخذوا ليردُّوه، (فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا)،لا عينه ولا أثره، قال ابن بزيزة [20] : ولعلَّ قوله: «رُدُّوه عليَّ» إيقاظٌ للصَّحابة؛ ليتفطَّنوا إلى أنَّه مَلَكٌ لا بشرٌ، (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم: (هَذَا)، ولكريمة: ((إنَّ هذا)) (جِبْرِيلُ) عليه السلام (جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ)؛ أي: قواعد دينهم، وهي جملةٌ وقعت حالًا مُقدَّرةً؛ لأنَّه لم يكن معلِّمًا وقت المجيء، وأَسْنَدَ التَّعليمَ إليه _وإن كان سائلًا_ لأنَّه لمَّا كان السَّبب فيه، أسنده إليه، أو أنَّه كان من غرضه، وللإسماعيليِّ: «أراد أن تعلَّموا إذ لم تسألوا»، وفي حديث أبي عامرٍ: «والَّذي نفسُ محمَّدٍ بيده؛ ما جاءني قطُّ إلَّا وأنا أعرفه، إلَّا أن تكون هذه المرَّة»، وفي رواية سليمانَ التَّيميِّ: «ما شَبُهَ عليَّ منذ أتاني قبل مرَّتي هذه، وما عرفته حتَّى ولَّى».

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ رحمه الله: (جَعَلَ) النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم (ذَلِكَ) المذكور في هذا الحديث (كُلَّهُ مِنَ الإِيمَانِ)؛ أي: الكامل المشتمل على هذه الأمور كلِّها، وفي هذا الحديث: بيان عِظَمِ [21] الإخلاص والمُرَاقَبَة، وفيه: أنَّ العالِمَ إذا سُئِلَ عمَّا لا يعلمه يقول: لا أدري، ولا يُنْقِصُ ذلك من جلالته، بل يدلُّ على ورعه وتقواه ووفور علمه، وأنَّه يسأل العالِمَ؛ لِيعلمَ السَّامعون، ويحتمل أنَّ في سؤال جبريلَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم في حضور الصَّحابة أنَّه يريد أنْ يُرِيَهم أنَّه عليه الصلاة والسلام مليءٌ من العلوم، وأنَّ علمه مأخوذٌ من الوحيِ، فتزيد رغبتهم ونشاطهم فيه، وهو المعنيُّ بقوله: «جاء يعلِّم النَّاس دينَهم»، وأنَّ الملائكة تَمثَّلُ بأيِّ صورةٍ شاؤوا من صور بني آدم، وأخرجه المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦4777] وفي «الزَّكاة» مُختصرًا [خ¦1397] ، ومسلمٌ في «الإيمان»، وابن ماجه في «السُّنَّة» بتمامه، وفي «الفتن» ببعضه، وأبو داود في «السُّنَّة»، والنَّسائيُّ في «الإيمان»، وكذا التِّرمذيُّ، وأحمد [/ج1ص141/] في «مُسنَده»، والبزَّار بإسنادٍ حسنٍ، وأبو عوانة في «صحيحه»، وأخرجه مسلمٌ أيضًا: عن عمر بن الخطَّاب، ولم يخرجه البخاريُّ؛ لاختلافٍ فيه على بعض رواته، وبالجملة: فهو حديثٌ جليلٌ، حتَّى قال القرطبيُّ: يصلح أن يُقَال له: أمُّ السُّنَّة؛ لِمَا تضمَّنه من جمُلِ علمها، وقال عياضٌ: إنَّه اشتمل على جميع وظائف العبادات الظَّاهرة والباطنة من عقود الإيمان، ابتداءً وحالًا ومآلًا، ومن أعمال الجوارح، ومن إخلاص السَّرائر، والتَّحفُّظ من آفات الأعمال، حتَّى إنَّ علوم الشَّريعة كلَّها راجعةٌ إليه ومتشعِّبةٌ منه ا ه.

[1] في (س): «جيَّان»، وهو تصحيفٌ.
[2] في (ب) و(س): «وهو».
[3] في (س): «خير»، وهو تصحيفٌ.
[4] «قاله أبو عبد الله الأبِّيُّ»: سقط من (س).
[5] في (ب) و(س): «أجساد».
[6] في (م): «تصديق».
[7] قوله: «وفي نسخة كريمة: «ولا تشركُ»؛ بالضَّمِّ»، سقط من (م).
[8] قوله: «كما صرَّح به في «مسلمٍ»»، سقط من (م).
[9] في (م): «لمسلم».
[10] «في»: سقط من (م).
[11] في (م): «العلوم».
[12] في (ب) و(س): «بالآخرين».
[13] «يا رسول الله»: سقط من (س).
[14] في (س): «لتأكد».
[15] «به»: سقط من (س).
[16] «أو»: سقط من (م).
[17] «البهم»: سقط من (م).
[18] في (م): «تعالى»، وهو خطأٌ.
[19] في (ب) و(س): «إبانه»، وكلاهما صحيحٌ.
[20] في (م): «بريرة»، وهو تصحيفٌ.
[21] في هامش (م): «محلِّ».





50- (كَأَنَّكَ تَرَاهُ): حالٌ مِنَ الفاعلِ؛ أي: تعبدَ اللهَ متشبِّهًا [1] بمَنْ يَرَاهُ، قاله الكرمانيُّ.

وقال الطِّيبيُّ: («كَأَنَّكَ» إمَّا مفعولٌ مطلقٌ، أو حالٌ مِنَ الفاعلِ، والثَّاني أوجَهُ)، ثمَّ ذَكَرَ وجهَهُ، وقد ذكرتُه في مؤلَّفي الَّذي على «البخاريِّ».

(فَإِنَّهُ يَرَاكَ): ليسَ هو نفسَ جوابِ الشَّرطِ؛ لأنَّه ليسَ مسبَّبًا عنه، بلِ الجوابُ مقدَّرٌ [2] ؛ أي: فإِنْ لم تكنْ تَراهُ؛ فاعبدِ الله أو اعتبر [3] ، فإنَّهُ يَراكَ؛ كما يقال: «إِنْ أكرمتَني؛ فقدْ أكرمتُك أحسنَ »؛ أي: إِنْ تعتدَّ بإكرامِكَ؛ فاعْتدَّ بإكرامي، [فقد أكرمتُك] ، ويَحتملُ: فإِنْ لم تكنْ تَراهُ؛ فلا تَغْفَل فإنَّه يَراكَ، فإنَّ رؤيَتَه مستلزمةٌ ألَّا [4] تَغْفَلَ عنه؛ [يعني: أنَّهُ مجازٌ في كونِهِ جزاءً] ، والمرادُ لازِمُهُ [5] ، وهذا قولُ البيانيِّ، والأوَّلُ قولُ النَّحْوِيِّ.

(مَا): نافيةٌ بمعنى: لستُ أنا أعلمَ منكَ يا جبريلُ بعِلْمِ القيامةِ.

(عَنْهَا): إِنْ قلتَ: من حقِّ الظَّاهرِ أَنْ يُقالَ: ( [ما المسؤولُ] عنه) ؛ ليَرجِعَ الضَّميرُ إلى اللَّام [6] ؛ قلتُ: كما يقال: (سألتُ عن زيدٍ المسألةَ) ؛ يقال: (سألتُه عنِ المسألةِ)، فالضَّميرُ المرفوعُ راجعٌ إلى اللَّام، والمجرورُ إلى (الساعةِ)، واعْلَمْ أَنَّ الضَّميرَ [في (عنها) ] راجعٌ إلى (السَّاعةِ)، فلا بُدَّ مِنْ تقديرِ مضافٍ في السُّؤالِ والجوابِ؛ نحو: (وَقْت) و (أَيَّان) ؛ إِذْ وجودُ السَّاعةِ ومجيئُها مقطوعٌ به، وإنَّما يُسأَلُ عن وقتِها.

(بِأَعْلَمَ): [/ص20/] (الباءُ) زِيدَتْ لتأكيدِ معنى النَّفي.

(إِذَا وَلَدَتِ): أتى بـ (إِذَا) ؛ لأنَّها لِمَا يتحقَّقُ، بخلافِ (إِنْ)، حتَّى لو قالَ شخصٌ: (إِنْ قامتِ القيامةُ) ؛ أشعرَ بالشَّكِّ الَّذي يكفرُ به، وجوابُ الشَّرطِ محذوفٌ؛ أي: فالولادةُ شرطٌ معدودٌ مِنَ الأشراطِ، وجملةُ الشَّرطِ متضمِّنَةٌ له؛ كما في قوله تعالى: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 97] ؛ التَّقديرُ: وأَمِّنْ مَنْ دَخَلَه [7] ، واعلم أنَّه عدَّ مِنَ الأشراطِ اثنين، والجمعُ يقتضي ثلاثةً، فهو حُجَّةٌ لِمَنْ قالَ: إِنَّ أقلَّ الجَمْعِ اثنان، أو أَنَّهُ اكتفى باثنين؛ لحصولِ المقصودِ؛ كما في الآية المذكورةِ، وإنَّما أتى به جمعَ قِلَّةٍ والعلاماتُ أكثرُ مِنْ عَشَرَةٍ؛ لأنَّ جَمْعَ القِلَّةِ قد يقومُ مَقامَ الكَثْرةِ، وبالعكس، أو لفَقْدِ جَمْعِ الكَثْرةِ للفظِ الشَّرطِ، أو أَنَّ الفَرْقَ بالقلَّةِ والكَثْرةِ إنَّما هو [8] في النَّكراتِ لا في المعارفِ.

(الْبُهْم): بجَرِّ الميمِ صفةً لـ (الْإِبِلِ)، ورفْعِها صفةً للـ (رُعَاةُ).

(فِي خَمْسٍ): قال الطِّيبيُّ: (أي: عِلْمُ وقتِ السَّاعةِ داخلٌ في جملةِ خمسٍ، وحَذْفُ متعلَّقِ الجارِّ سائغٌ شائعٌ؛ كما في قوله تعالى: {فِي تِسْعِ آيَاتٍ} [النمل: 12] ؛ أي: اذهبْ إلى فرعونَ في شأْنِ تسعِ آياتٍ، ويجوزُ أنْ يعلَّق بـ«أَعْلَمَ»؛ يعني: ما المسؤولُ عنها بأعلمَ في خَمْسٍ؛ أي: في عِلْمِ الخمسِ؛ أي: لا ينبغي لأحدٍ أنْ يَسألَ أحدًا في عِلْمِ الخَمْسِ؛ لأنَّ العِلْمَ بها مُختصٌّ بالله تعالى).

وقال غيرُه: و (في) هذه قيل: بمعنى (مع) ؛ كما تقول في الدُّعاء: (واحشرني في زمرتهم)، وقيل: بمعنى (مِن) ؛ أي: علم السَّاعةِ مِنْ جُملةِ خَمْسٍ، وقيل: متعلِّقٌ بمحذوفٍ تقديرُه: ذَكَرَ اللهُ تعالى ذلكَ في خَمْسٍ، أو تجدُ عِلْمَ ذلك في خَمْسٍ، قيل: هذه التَّقديرات تقتضي أنْ يذكرَ (فِي خَمْسٍ) قبل قوله: (فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا)، فالأَولى أنْ يُقالَ: إنَّه في موضعِ النَّصبِ على الحالِ؛ أي: تَراهم [ملوكَ الأرضِ] متفكِّرينَ في خمسٍ لا يَعلمُهُنَّ إلَّا اللهُ.

وقال الكرمانيُّ: (هو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: علمُ وقتِ السَّاعةِ في جملةِ خَمْسٍ، أو متعلِّقٌ بـ«أَعْلَمَ»).

إشارةٌ: إِنْ قلتَ: كيف طابقَ تفسيرُ سيِّدِ المرسلينَ الآيةَ بقوله: «فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللهُ» وليس في الآيةِ أداةُ الحصرِكما في الحديث؟ قلتُ: فيه وجهانِ:

أحدُهما: أَنْ يكونَ {عِلْمُ السَّاعَةِ} فاعلًا للظَّرف؛ لاعتماده على اسم {إِنَّ}، ويُعطف {وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ} وما بعدَه مِنَ الجملِ على الظَّرفِ وفاعلِه، على تأويلِ الجملتين المنفيَّتين بإثبات ما نُفِيَ فيهما لله تعالى عنِ الغير؛ أي: يَعلمُ ماذا تكسِبُ كلُّ نفْسٍ غدًا، ويعلمُ أنَّ كلَّ نفْسٍ بأيِّ أرضٍ تموتُ.

قال أبو البقاء: (هذا العطفُ يدُلُّ على قوَّةِ شَبَهِ الظَّرفِ بالفعلِ).

وقال صاحبُ «الكشف» [9] : جاءَ بالظَّرفِ وما ارتفعَ به، ثمَّ قال: {وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ}، فعَطَفَ الجملةَ على الجملةِ، ومثلُه قولُه تعالى: {نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُم فِيهَا مَنَافِعُ} [المؤمنون: 21] ، فصدَّر بالفعلِ والفاعلِ، ثمَّ عَطَفَ بالظَّرفِ وما ارتفعَ به.

وإذا تقرَّرَ هذا؛ فنقول: إذا كانَ الفعلُ عظيمَ الخطرِ، وما يُبْنَى عليه الفعلُ عليَّ القدْر، رفيعَ الشَّأن؛ فُهِمَ منه الحصرُ على سبيلِ الكنايةِ.

قال صاحب «الكشَّاف» في قوله تعالى: {الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ} الآيةَ [الزمر: 23] : (إيقاعُ اسمِ اللهِ مبتدأً وبناءُ {نَزَّلَ} عليه: فيه تفخيمٌ لـ{أَحْسَنَ الْحَدِيثِ}، ورَفْعٌ منه، واستشهادٌ على حُسْنِه، وتأكيدٌ لإسنادِه إلى الله تعالى، وأنَّه مِنْ عِندِه، وأنَّ مثلَه لا يجوزُ أَنْ يصدُرَ إلَّا عنه).

وقال في قوله تعالى: {اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ} في (الرَّعد): (اللهُ وحدَه هو يبسُطُ الرِّزقَ ويقْدِرُ دونَ غيرِه).

فإن قلتَ: إذا عطفتَ {وَيُنَزِّلُ} على الجملةِ؛ كيف دلَّ على العِلْم؟ قلتُ: إذا نَفى إنزالَ الغيثِ عمَّا كانوا ينسبونَ إليه مِنْ طلوعِ الأنواءِ؛ اختصَّ بالله تعالى، فيَلْزَمُ منه اختصاصُ عِلْمِ الله تعالى به.

وثانيهما: أَنْ يذهبَ إلى أنَّ الظَّرفَ خبرٌ مقدَّمٌ [10] على المبتدأِ؛ لإفادةِ الحصرِ، ويُعطف {وَيُنَزِّلُ} على المضافِ إليه؛ بمعنى: عندَه عِلْمُ السَّاعةِ وعِلْمُ تنزيلِ الغيث؛ على تقدير: (أَنْ يُنَزِّلَ)، فحذف [11] (أَنْ)، فارتفعَ الفعلُ؛ نحو قوله: (أحضُرُ الوغى)، ويُعطف {ويَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ} وما بعدَه على المضافِ؛ أي: إنَّ اللهَ عندَه عِلْمُ ما في الأرحامِ وعِلْمُ ماذا تكسب كلُّ نفْسٍ غدًا، على التَّقديرِ المذكورِ.

فإِنْ قلتَ: أيُّ نكتةٍ دَعَتْ إلى العُدولِ عنِ المثبتِ إلى المنفيِّ في قوله: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ}؟ وما فائدةُ تكريرِ {نفس} وتنكيرِها؟ وإيثارِ الدِّراية على العلم؛ فإنَّها إدراكُ الشَّيءِ بالحيلةِ؟ قلتُ: إذا نُفيتِ الدِّرايةُ لِمَا فيها مِنْ معنى الحيلةِ في اكتسابِ العِلْمِ عن [12] كلِّ نفسٍ على سبيلِ الاستغراقِ؛ لوقوعِ النَّكرةِ في سِياقِ النَّفيِ؛ أفادَ أنَّ كلَّ نفْسٍ منفوسةٍ مِنَ الإنسانِ وغيرِه، إذا أَعملَتْ [حيلَها في معرفةِ ما يختصُّ ويلصَقُ بها، ولا شيءَ أخصَّ مِنَ الإنسانِ في [13] كسبِ نفسِه وعاقبةِ أمره، ولا يقفُ على شيءٍ مِن ذلك؛ فكيفَ يقفُ على] ما هوَ أبعدُ وأبعد، خصوصًا مِنْ معرفةِ وقتِ السَّاعةِ، وأيَّانَ إنزالُ الغيثِ، ومعرفةِ ما في الأرحامِ؟

والفائدةُ في بيانِ الأماراتِ: هي أَنْ يتأهَّبَ المكلَّفُ المسيرَ إلى المعادِ بزادِ التَّقوى، والله تعالى أعلم.

(الآيَةَ): (بالنَّصبِ بفعلٍ محذوفٍ؛ أي: اقرأِ الآيةَ، وبالرَّفعِ بأنَّه مبتدأٌ وخبرُه محذوفٌ؛ أي: الآيةُ مقروءةٌ إلى آخرِها، وبالجرِّ؛ أي: إلى الآيةِ) انتهى.

وقال السَّخوميُّ: («الآيَةَ» بالنَّصبِ؛ فإنَّ الرَّسولَ قرأَ الآيةَ إلى آخرِها).

[1] في النسختين: (مشبهًا)، وكذا في مصدره، والمثبت من «اللامع الصبيح» (1/287).
[2] من قوله: (يراك: ليس هو نفس...) إلى هنا غير واضح في (أ).
[3] تحرفت في النسختين و«اللامع الصبيح» (1/287) إلى: (فاعبد).
[4] في (ب): (لا)، وهي في (أ) مشتبهة، وفي «الكواكب»: (لأن لا).
[5] في النسختين: (فالجزاء لازم)، والمثبت من «الكواكب الدراري» (1/196)، وما بين معقوفين مستدركٌ منه.
[6] يعني: معنى الموصولية في (أل) من قوله: (المسؤول).
[7] من قوله: (مقام إبراهيم ومن دخله...) إلى هنا غير واضح في (أ).
[8] في النسختين: (هي)، والمثبت من المصادر.
[9] كذا في النسختين، وعند الطيبي في «الكاشف»: (الكشاف).
[10] في (ب): (يقدم).
[11] في النسختين: (محذوف)، والمثبت من «الطيبي».
[12] في النسختين ومصدره: (من)، ولعل المثبت هو الصواب.
[13] في النسختين ومصدره: (من)، وفعل المثبت هو الصواب.





50- قوله: (أَخْبَرَنَا [1] أَبُو حَيَّان التَّيْمِيُّ): (حَيَّان): بفتح الحاء المهملة، وتشديد المُثنَّاة تحت، واسمُه يحيى بنُ سعيدِ بنِ حَيَّانَ -ككُنيته- التيميُّ، إمامٌ ثَبْتٌ، تُوفِّي سنةَ (145 هـ ) ، أخرج له الجماعةُ [2] .

قوله: (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ): تقدَّم أنَّ اسمَه هَرِم، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: جرير، وقيل: عمرو، واسم أبيه عمرو بن جرير بن عبد الله البَجَليُّ، من علماء التابعين، وثَّقه ابنُ مَعينٍ وغيرُه، أخرج له الجماعة [3] .

قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ): تقدَّم مرَّاتٍ أنَّه عبدُ الرحمن بن صخر، على الأصح مِن نحوِ ثلاثين قولًا، وتقدَّم ما فيه [4] .

قوله: (وَبِلِقَائِهِ... وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ): اختُلف في الجمع بين الإيمان باللِّقاء والبعث:

فقيل: اللِّقاءُ يحصُلُ بالانتقال إلى دار الجزاء، والبعثُ بعدَه عند قيام الساعة.

وقيل: اللِّقاء ما يكون بعدَ البعث عند الحِساب.

ثمَّ ليس المرادُ باللِّقاء رؤيةَ الله تعالى، فإنَّ أحدًا لا يقطعُ لنفسِه بها، فإنَّها مختصَّةٌ بمَن مات مؤمنًا، ولا يَدري الإنسانُ بِمَ يُختَمُ له، كذا قالوا، أمَّا في الجنَّة؛ فيراه داخلوها، وأمَّا في المحشر؛ فللعلماء في رؤية الخَلْق له تعالى ثلاثةُ أقوالٍ لأهل السُّنَّة، سأذكرُها في أواخر هذا التعليق إن شاء الله تعالى ذلك وقدَّره، وأذكرُها أيضًا هنا تعجيلًا للفائدة.

فاعلم أنَّ رؤيةَ الله عزَّ وجلَّ في الدار الآخرة فيها ثلاثةُ أقوالٍ لأهل السُّنَّة:

أحدُها: لا يَراه إلَّا المؤمنونَ.

والثاني: يَراه أهلُ الموقف؛ مؤمنُهُم وكافرُهم، ثمَّ يحتجِبُ عنِ الكفَّار، فلا يَرونَه بعد ذلك.

والثالث: يَراه المنافقون دون الكفَّار، قال ابنُ قيِّم الجوزيَّة في «حادي الأرواح» في الباب الخامس والستِّين: (والأقوالُ الثلاثةُ في مذهب أحمدَ وهي لأصحابه، وكذلك الأقوال الثلاثة بعينها في تكليمه لهم) ، قال: (ولشيخنا في ذلك مصنَّفٌ مفرد، حكى فيه الأقوالَ الثلاثةَ وحُجَجَ أصحابها) ، وقال ابن القيِّم قُبيل هذا الكلام: (فقد دلَّتِ الأحاديثُ الصحيحةُ الصريحةُ على أنَّ المنافقينَ يَرونَه في عَرَصات القيامة، بل والكفَّار أيضًا، كما في «الصَّحيحين» في حديث التجلِّي يومَ القيامة، وسيمرُّ بك عن قريبٍ) انتهى.

قوله: (الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ): إنَّما قيَّدها؛ ليُخرج صدقةَ التطوُّع، فإنَّها زكاةٌ لغويَّة، وقيل: للاحتراز من [5] الزكاة المعجَّلة قبل الحول، فإنَّها زكاةٌ غيرُ مفروضةٍ، أو للتأكيد، والله أعلم.

قوله: (وَتَصُومَ رَمَضَانَ): ذكرَهُ بغيرِ (شهر) ، وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك قريبًا؛ فانظره.

قوله: (عَنْ أَشْرَاطِهَا): أشراطُ الساعة: مُقَدِّماتُها، وهي علاماتٌ بين يديها أيضًا، وكذلك أشراطُ الأشياء، واحدُها شَرَط؛ بفتح الشِّين والراء، وقيل: أشراطُ الساعة: أعلامُها.

قوله: (رَبَّهَا): وفي روايةٍ لمسلمٍ: (رَبَّتَهَا) ، وفي روايةٍ له أيضًا: (بَعْلَهَا) ، والبعلُ: هو المالك على الصحيح أو السَّيِّد، وأمَّا [6] الرَّبُّ؛ فالسَّيِّد [7] ، والرَّبَّة: السَّيِّدة؛ أي: تَلِدُ مِثلَ سيِّدِها ومالِكِها؛ أراد: كثرةَ السراري واتِّساع الأحوال، وقيل: معناه: العقوقُ حتَّى يكونَ الولدُ لأُمِّه في الغِلظة والاستطالة كالسَّيِّد، وقيل: لمَّا كان الذي تلِدُه مِن سيِّدها سببَ عتقِها؛ كان كالسَّيِّد المعتقِ لها، وأصلُ الرَّبِّ: المالكُ؛ ومنه: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] ، وقيل: القائم بأمورِهم والمصلِح لهم، وقيل غيرُ ما ذكرتُ، وقد ذكر القرطبيُّ في أواخر «تذكرته» فيه خمسةَ أقوال.

قولُه: (رُعَاةُ الْإِبِلِ): الرُّعاةُ: بضمِّ الراء، جمعُ راعٍ؛ كقاضٍ وقُضاة، ويُقال أيضًا: بكسر الراء والمدِّ مِن غير هاء؛ كصاحبٍ وصِحاب [8] .

قوله: (البهم [9] ): قال في «المطالع»: (بضمِّ الموحَّدة هنا، صوابُه كما رواه أبو ذرٍّ الهرويُّ وغيرُه عنِ الأصيليِّ: بفتح الباء وضمِّها، ووقعتْ في أصل القابِسيِّ: بالفتح أيضًا، وحُكِي عنه ضمُّ الباء والميم وإسكان الهاء، جعلَه نعتًا للرُّعاة؛ أي: السود، قال الخطَّابيُّ: «معناه [10] : المجهولون الذين لا يُعرفون، ومنه: أبهم الأمر»، وقال غيرُه: همُ الذين لا شيءَ لهم؛ ومنه: «يُحشَرُ الناسُ عُراةً حفاةً بُهمًا»، وقيل في هذا أيضًا: متشابهي الألوان، والأوَّل أبين، وجاء في «مسلم» عقب [11] هذا الحديث: «يعني: العُرَيب» [12] ، تصغير (العرب) ، ومَن كسر الميمَ؛ جعلَه وصفًا لـ«الإبل»، وهي شرُّها، ووصفُهم بـ«الصُّمَّ البُكْمَ» [13] يدُلُّ على أنَّ ذلك كلَّه أوصافُ رُعاةِ الإبل [14] ، وقال الطَّحاويُّ: «المرادُ بـ: البُكْمَ الصُّمَّ؛ أي: عنِ القول المحمود وسماعِه» [15] ؛ أي: لا يعرفونه؛ لجهلهم، وقال الدِّمياطيُّ: «البُهم: السود، وهي أدونُ الإبل وشرُّها؛ لأنَّ الكِرامَ منها الصُّفْرُ والبِيضُ، ورَوى الأصيليُّ: بفتح الباء، وهو خطأٌ؛ لأنَّ البَهمةَ ليست من صِغارِ الإِبِل، وإنَّما هي مِن ولد الضَّأن والمَعز، قاله ابنُ بطَّال» [16] ) انتهى [17]

[1] في النسخ: (حدثنا) ، والمثبت موافق لما في «اليونينيَّة» و (ق) .
[2] انظر «تهذيب الكمال» (31/323) .
[3] (الجماعة): ليس في (ب) .
[4] (وتقدم ما فيه): ليس في (ج) .
[5] في (ج): (عن) .
[6] في (ب): (وإنما) .
[7] في (ب): (السيد) .
[8] في (ج): (وأصحاب) ، وكذا في الأصل قبل الحك.
[9] في هامش (ق): (يروى: «البُهْمُ»؛ بضمِّ الميم نعتًا لـ«الرُّعاة»، ويُروى بجرِّ الميم، فمَن جرَّ؛ فهي وصف للإبل، البهم: السود، وهي أدون الإبل وشرُّها؛ لأنَّ الكرام منها الصُّفْرُ والبِيضُ، وروى الأصيلي: بفتح الباء، وهو خطأ؛ لأنَّ البهمة ليست من صغار الإبل، وإنَّما هي من ولد الضأن والمعز، قاله ابن بطال) .
[10] (معناه): ليس في (ب) .
[11] في (ج): (عقيب) .
[12] هو في إحدى روايات «مسلم» كما أفاد القاضي في «إكمال المعلم» (1/162) ، وحكى الحافظ ابن حجر في «الفتح» (*): أنَّه في رواية سليمانَ التَّيميِّ، ومسلمٌ لم يَذكُر لفظ حديث سليمانَ، وانظر «مشارق الأنوار» (1/103) .
[13] أي: في رواية مسلم (10) .
[14] في (ج): (لرعاة الإبل) .
[15] «شرح مشكل الآثار» (7/434) .
[16] «شرح ابن بطال» (1/116) .
[17] «مطالع الأنوار» (*) .





50- ( مُسَدَّدٌ ) منون مضموم.

( أَبُو حَيَّانَ ) بحاء مهملة مفتوحة وبياء مثناة آخر الحروف.

( وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ ) بعد قوله: ( وَبِلِقَائِهِ ) أشار باللقاء إلى الحساب والحشر، وهو غير البعث والنشور. وقال الخطابي: المراد باللقاء الإيمان برؤية الله في الآخرة.

( الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ ) قيل: إنَّما قيّدت دون غيرها لأن العرب كانت تدفع [1] المال للسخاء والجود؛ فنبَّه بالفرض على رفض نية ما كانوا عليه، والظاهر أنَّها للتأكيد، وفي رواية مسلم: «تقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة».

( مَتَى السَّاعَةُ ) مبتدأ وخبر.

( وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ الْبُهْمُ ) يروي برفع ( البهم ) وجرها، فالرفع على النعت للرُّعاة، ثم هو بضم الباء وإسكان الهاء فيما قاله القاضي وغيره.

وقال ابن الأثير: بضمهما والجر نعت للإبل، والسود منها أدونها وأشرها؛ لأن الكرام منها البيض والصفر.

وروي بفتح الباء، ولا وجه له بعد ذكر الإبل؛ فإن البَهم ليس من صفات الإبل وإنَّما هي من ولد الضأن والمعز. [/ج1ص46/]

ومعنى الحديث: اتساع الإسلام بهم حتى يتطاولوا في البنيان والمساكن بعد أن كانوا أصحاب بوادٍ لا يستقرُّ بهم قرار؛ بل ينتجعون مواقع الغيث.

( فِي خَمْسٍ ) متعلق بمحذوف، أي: هي في خمس.

[1] في [ب] : (تدع).





50- ( إِسْمَاعِيلُ ): هو ابن عُليَّة.

( بَارِزًا ): ظاهرًا غير مُحتَجِب ولا ملتبس بغيره، [و] [1] لأبي داود في [/ج1ص207/] أوَّل هذا الحديث: «كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يجلس بين أصحابه فيجيء الغريب فلا يدري أيُّهم هو، فطلبنا إليه أن يجعل له مجلسًا يعرفه الغريب إذا أتاه، فبنينا له دكَّانًا من طين كان يجلس عليه».

( فَأَتَاهُ رَجُلٌ ) أي ملك في صورة رجل.

وأفاد مسلم في روايةٍ سببَ ورود ذلك، وهو أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «سلوني»، فهابوا أن يسألوه، فجاء رجل.

وعند أبي داود: «إذ أقبل رجل أحسن النَّاس وجهًا، وأطيب النَّاس ريحًا، كأنَّ ثيابه لم يمسَّها دنس، حتَّى سلم من طرف البساط، فقال: السَّلام عليك يا محمَّد، فردَّ عليه السَّلام، قال: آدنو يا محمَّد؟ قال: ادن » ففيه زيادة السَّلام.

وكذا للطَّبرانيِّ من حديث ابن عمر

(فَقَالَ: مَا الْإِيْمَانُ ؟) في رواية عند مسلم: الابتداء بالسُّؤال عن الإسلام.

وعند أبي عوانة: الابتداء بالإسلام ثمَّ بالإحسان ثمَّ بالإيمان، وهو من تصرُّف الرُّواة.

( قَالَ: الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ ) ليس حدًّا للشَّيء بنفيه؛ بل بيان [أنَّ] [1] الإيمان المعروف عندهم لغة أنَّه التَّصديق هو في الشَّرع تصديق مخصوص.

( وَمَلاَئِكَتِهِ ) قدَّمها على الكتب والرُّسل نظرًا للتَّرتيب الواقع؛ لأنَّه تعالى أرسل المَلَك بالكتاب إلى الرَّسول.

( وكتبه ) هذه للأَصِيلي وحده.

( وَبِلِقَائِهِ ) قيل: هي مكرَّرة مع البعث، وقيل: لا، والمراد بها الرُّؤية، قيل: البعث القيام من القبور، واللِّقاء بعد ذلك، وقيل: اللِّقاء بالانتقال من دار الدُّنيا، والبعث بعد ذلك.

( وَرُسُلِهِ ) للأَصِيلي: «وبرسله»

( وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ ) عند أبي عوانة وغيره: «وبالموت والبعث، وبالبعث بعد الموت». وعند ابن خزيمة: «وبالحساب والميزان والجنَّة والنَّار»، وعند مسلم زيادة: «وتؤمن بالقدر كلِّه». زاد ابن خزيمة: «خيره وشرِّه»، زاد الطَّبرانيُّ: «حلوه ومرُّه من الله». [/ج1ص208/]

( الإِسْلاَمُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَلاَ تُشْرِكَ بِهِ ): المراد بالعبادة هنا النُّطق بالشَّهادتين، ولفظ مسلم عن عمر: «أن تشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمَّدا رسول الله»

(وَتُقِيْمَ الصَّلَاةَ )، زاد مسلم: «المكتوبة».

وعدم ذكر الحجِّ في هذه الرِّواية إغفال من الرَّاوي، فقد ذُكِرَ في غيرها من الطُّرق، وفي بعضها لم يذكر الصَّوم، وفي بعضها لم يذكر سوى الشَّهادتين، وأتمُّها عند ابن خزيمة ذكر الشَّهادتين والصَّلاة والزَّكاة والصَّوم، وزاد: «وتحجَّ وتعتمر وتغتسل من الجنابة وتتمِّم الوضوء».

( أَنْ تَعْبُدَ اللهَ )، لمسلم: أن تخشى الله.

( كَأَنَّكَ تَرَاهُ )، قال النَّوويُّ: هذا من جوامع الكلم؛ لأنَّا لو قدَّرنا أنَّ أحدنا قام في عبادة ربِّه وهو يعاينه سبحانه وتعالى لم يترك شيئًا عمَّا يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السَّمت، واشتماله بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها إلَّا أتى به، فقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «اعبد الله في جميع أحوالك كعبادتك في حال العيان».

فإنَّ التَّتميم المذكور إنَّما كان لعلم العبد باطِّلاع الله عليه، فلا يقدم على تقصير في هذا الحال للاطِّلاع عليه، وهذا المعنى موجود مع عدم رؤية العبد، فينبغي أن يعمل بمقتضاه، فمقصود الكلام: الحثُّ على الإخلاص ومراقبة العبد ربَّه.

( مَتَى السَّاعَةُ ): مبتدأ وخبر، أي: متى قيامها، ولمسلم: «متى تقوم السَّاعة ؟»، ولأبي داود: «فنكس فلم يجبه، ثمَّ أعاد فلم يجبه [ثلاثًا] [1] فطأطأ ثمَّ رفع رأسه فقال: ما المسئول عنها بأعلم من السَّائل ؟». [/ج1ص209/]

عدل إليه عن قوله: منك لعمومه، تعريضًا للسَّامعين إلى أنَّ كلَّ مسؤول وكلَّ سائل فهو كذلك.

فائدة: وقع هذا السُّؤال والجواب بين عيسى ابن مريم وجبريل [عليهما الصلاة والسلام] [1] ، لكن [كان] [1] عيسى سائلًا وجبريل مسؤولًا، أخرج الحميديُّ في «أفراده» عن الشَّعبيِّ قال: «سأل عيسى ابنُ مريم جبريلَ عن السَّاعة فانتفض بأجنحته، وقال: ما المسؤول عنها بأعلم من السَّائل».

( وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا ) لأبي داود: «ولكن لها علامات تُعرف بها»، ولمسلم: «فأخبرني عن أماراتها»، فظاهره: أنَّ السَّائل سأله عن الأمارات، وظاهر ما قبله أنَّه ابتدأه بها، ويُجمَع بأنَّه ابتدأ بقوله: وسأخبرك، فقال له السَّائل: فأخبرني، ويدلُّ على ذلك رواية ابن خزيمة وأحمد: «ولكن إن شئت نبَّأتك عن أشراطها، قال: أجل فحدِّثني».

و الأشراط: -بالفتح- جمع شرط؛ العلامات.

( إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّهَا ): في التَّفسير: «ربَّتها»، [خ:4777] زاد مسلم: «يعني السَّراري»، ولأحمد: «الإماءُ أربابَهنَّ»، والمراد بالرَّبِّ: المالك أو السَّيِّد.

قال الخطَّابيُّ: معناه: اتِّساع الإسلام واستيلاء أهله على بلاد الشِّرك وسبي ذراريهم واتِّخاذهم سراري، فإذا ملك الرَّجل الجارية واستولدها كان الولد منها بمنزلة ربِّها؛ لأنَّه ولد سيِّدها. [/ج1ص210/]

ونقل النَّوويُّ ذلك عن الأكثرين، ويقرب منه قول وكيع في «تفسيره»: «أن يلد العجمُ العربَ» ووجِّه بأنَّ الإماء يلدن الملوك فتصير الأمُّ من جملة الرَّعيَّة، والملك سيِّد رعيَّته، وذلك لأنَّ الرُّؤساء في الصَّدر الأوَّل كانوا يستنكفون غالبًا عن وطئ الإماء، ويتنافسون في الحرائر، ثمَّ انعكس الأمر خصوصًا في أثناء دولة بني العبَّاس.

وقيل: معناه كثرة العقوق في الأولاد، فيعامل الولد أمَّه معاملة السَّيِّد أمته من الإهانة بالسَّبِّ والضَّرب والاستخدام، فأطلق عليه ربَّها مجازًا، أو حقيقة بمعنى المربِّي.

( تَطَاوَلَ ): تفاخر في تطويل البنيان.

( رُعَاةُ الإِبِلِ ) بضمِّ الرَّاء، جمع راع.

( الْبُهْمُ ) بضمِّ الموحَّدة ورفع الميم: صفة رعاة، وجرِّها: صفة الإبل، فعلى الأوَّل المراد: أنَّهم مجهولون الأنساب [2] ، وقيل: سواد الألوان، وقيل: الذين لا شيء لهم، وعلى الثَّاني المراد: الإبل السَّواد؛ لأنَّها شرُّ الألوان عندهم، وخيرها: الحُمر التي يُضرَب بها المثال، فيقال: خير من حُمر النَّعَم.

وللأَصِيلي: بفتح الباء، ولا يتَّجه مع ذكر الإبل؛ بل مع ذكر الشِّياه، أو مع الإضافة كما في رواية مسلم: «رعاة البَهْم».

تنبيه: زاد في التَّفسير شرطًا ثالثًا: «وإذا كان الحفاة العراة رؤوسَ النَّاس»، [خ:4777] أي: ملوك الأرض، وصرَّح به في رواية أبي داود.

قال القرطبيُّ: المقصود الإخبار عن تبدل الحال بأن يستولي أهل البادية على الأمر ويتملَّكوا البلاد بالقهر، فتكثر أموالهم وتنصرف هممهم إلى تشييد البنيان والتَّفاخر به. [/ج1ص211/]

( فِي خَمْسٍ ) أي: علم وقت السَّاعة داخل في جملة خمس، أخرج أحمد عن ابن مسعود: «أوتي نبيُّكم صلَّى الله عليه وسلَّم كلَّ شيء سوى هذه الخمس».

( فَقَالَ: رُدُّوهُ ) زاد في التَّفسير: «فأخذوا ليردُّوه». [خ:4777]

( جَاءَ يُعَلِّمُ ) في التَّفسير: «ليعلِّم»، [خ:4777] وللإسماعيليِّ: «أراد أن تَعلَّموا إذ لم تسألوا».

ولأحمد: «هذا جبريل جاء ليعلِّم النَّاس دينهم، والذي نفس محمَّد بيده ما جاءني قطُّ إلَّا وأنا أعرفه، إلَّا أن تكون هذه المرَّة».

ولابن خزيمة: «ثمَّ نهض فولَّى فقال رسولُ اللهِ: عليَّ بالرَّجل فطلبناه كلَّ مطلب فلم نقدر عليه فقال: هل تدرون من هذا ؟ هذا جبريل، أتاكم يعلِّمكم دينكم خذوا عنه، فو الذي نفسي بيده ما شُبِّه عليَّ منذ أتاني قبل مرَّتي هذه، وما عرفتُه حتَّى ولَّى».

وقد اتَّفقت الرِّوايات على أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم أخبر الصَّحابة بشأنه بعد أن التمسوه فلم يجدوه، وأمَّا ما وقع في مسلم من حديث عمر: «فلبثت مليًّا ثمَّ قال لي: يا عمر، أتدري من السَّائل؟»، وفي النَّسائيِّ والتِّرمذيِّ: «فلبثت ثلاثًا»، وفي أبي عوانة: «فلبثنا ليالي فلقيني رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بعد ثلاث»، ولابن حبَّان: «بعد ثالثة»، ولابن منده: «بعد ثلاثة أيام».

فأجاب عنه النَّوويُّ: بأنَّ عمر لم يحضر قول النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في المجلس؛ بل كان ممَّن قام إمَّا مع الذين توجَّهوا في طلب الرَّجل أو لشغل آخر، ولم يرجع مع من رجع لعارض عرض له، فأخبر النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم الحاضرين في الحال، ولم يتَّفق الإخبار لعمر إلَّا بعد ثلاثة أيَّام.

وفي النَّسائيِّ: «وإنَّه لجبريل نزل في صورة دَحْيَة الكلبيِّ»، وهو وهمٌ من الرَّاوي، وشذوذ مخالف للمحفوظ في باقي الرِّوايات، فإنَّ دَحْيَة معروف عندهم، وقد قال عمر: «ما يعرفه منَّا أحد». [/ج1ص212/]

[1] ما بين معقوفين زيادة من [ف] .
[2] هكذا في الأصل، والصواب: مجهولو الأنساب، أو: مجهولون بالأنساب.





50- وبه قال: ((حدثنا مسدد)) هو ابن مسرهد ((قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم)) بن سهم المشهور بابن عُلَيَّة؛ بضم العين المهملة، وفتح اللام، وتشديد المثناة التحتية؛ وهي أمه ((قال: أخبرنا أبو حَيَّان)) ؛ بفتح الحاء المهملة وتشديد المثناة التحتية، يحيى بن سعيد بن حيان ((التيمي)) ؛ نسبة إلى تيم الرباب، الكوفي، المتوفى سنة خمس وأربعين ومئة، و (حيان) ؛ إما مشتق من الحياة فلا ينصرف، أو من الحين فينصرف؛ كما مر، ((عن أبي زرعة)) هرم بن عمرو بن جرير البجلي، ((عن أبي هريرة)) رضي الله عنه أنه ((قال: كان النبي)) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) ((صلى الله عليه وسلم بارزًا)) أي: ظاهرًا ((يومًا للناس)) غير محتجب عنهم، و (يومًا) نصب على الظرفية، وفي رواية أبي داود عن أبي فروة: (كان عليه السلام يجلس بين أصحابه، فيجيء الغريب فلا يدري أيُّهم هو حتى يسأل، فطلبنا إلى رسول الله عليه السلام أن نجعل له مجلسًا يعرفه الغريب إذا أتاه، فبنينا له دكانًا من طين يجلس عليه، وكنا نجلس بجنبيه) ((فأتاه رجل)) ؛ أي: مَلَك في صورة رجل، وفي رواية: (جبريل) ، وفي «النسائي»: عن أبي فروة: (فإنا لجلوس عنده؛ إذ أقبل رجل أحسن الناس وجهًا، وأطيب الناس ريحًا، كأنَّ ثيابه لم يمسها دنس) ، وفي رواية مسلم من حديث عمر: (بينما نحن ذات يوم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر -وفي رواية ابن حبان [1] : شديد سواد اللحية- لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي عليه السلام، وأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه) ، ولسليمان التيمي: (ليس عليه سحناء؛ أي: هيئة سفر، وليس من البلد، فتخطى حتى برك بين يدي النبي عليه السلام كما يجلس أحدنا في الصلاة، ثم وضع يده على ركبتي النبي عليه السلام) ((فقال)) بعد أن سلم: (يا محمد) ، كما في «مسلم»، وإنما ناداه باسمه كما يناديه الأعراب؛ تعمية بحاله، أو لأنَّ له حالة المعلم، وللمؤلف في (التفسير) : (فقال: يا رسول الله) ؛ ((ما الإيمان؟)) ؛ أي: ما متعلقاته؟ وقد وقع السؤال بـ (ما) ولا يُسأل بها إلَّا عن الماهية، ((قال)) عليه السلام: ((الإيمان)) كرره؛ للاعتناء بشأنه ((أن تؤمن بالله)) ؛ أي: تصدق بوجوده وبصفاته الواجبة له تعالى والمستحيلة عليه تعالى، والظاهر أنه عليه السلام علم أنه سأله عن متعلقات الإيمان لا عن حقيقته، وإلَّا فكان الجواب: الإيمان التصديق، وإنما فسر الإيمان بذلك؛ لأنَّ المراد من المحدود: الإيمان الشرعي، ومن الحد: اللغوي، حتى لا يلزم تفسير الشيء بنفسه.

فإن قلت: لو كان حدًّا؛ لم يقل جبريل في جوابه: (صدقت) ؛ كما في «مسلم»؛ لأنَّ الحد لا يقبل التصديق، أجيب: بأن قوله: (صدقت) تسليم، والحد يقبل التسليم ولا يقبل المنع؛ لأنَّ المنع طلب الدليل، والدليل إنَّما يتوجه للخبر، والحد تفسير لا خبر، وتمامه في «القسطلاني».

((وملائكته)) جمع ملك، وأصله: ملائك (مفعل) من الألوكة؛ بمعنى: الرسالة، زيدت فيه التاء؛ لتأكيد معنى الجمع أو لتأنيث الجمع، وهم أجسام علوية نورانية مشكَّلة بما شاءت من الأشكال، والإيمان بهم: هو التصديق بوجودهم تفصيلًا فيما عُلم تعيينه كجبريل، أو إجمالًا فيما لم يعلم؛ كالأنبياء عليهم السلام، وأنهم كما وصفهم الله تعالى: {عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ} [الأنبياء: 26] ؛ أي: وأن تؤمن بملائكته، ((و)) أن تؤمن ((بلقائه)) ؛ أي: برؤيته تعالى في الآخرة، قاله الخطابي، واعترضه[/ص31/] النووي: بأن أحدًا لا يقطع لنفسه بها إنَّما هي مختصة بمن مات مؤمنًا، والمرء لا يدري بم يختم له، وأجاب الشيخ الإمام بدر الدين العيني: بأن المراد أنها حق في نفس الأمر، أو المراد: الانتقال من دار الدنيا، انتهى.

((و)) أن تؤمن ((برسله)) عليهم السلام، وفي رواية: (ورسله) بإسقاط الموحدة؛ أي: التصديق بأنهم صادقون فيما أَخبروا به عن الله تعالى، وتأخيرهم في الذكر؛ لتأخير إيجادهم لا لأفضلية الملائكة، وفي رواية زيادة: (وكتبه) ؛ أي: تصدق بأنها كلام الله، وأنَّ ما اشتملت عليه حقٌّ، ((و)) أن ((تؤمن)) ؛ أي: تصدق ((بالبعث)) من القبور وما بعده؛ كالصراط، والميزان، والجنة، والنار، أو المراد بعثة الأنبياء، قال في «عمدة القاري»: والأول أظهر، وقيل: إن قوله: (بلقائه) مكرر؛ لأنَّها داخلة في الإيمان بالبعث، وتغاير تفسيرهما يحقق أنَّها ليست مكررة، وإنما أعاد (تؤمن) ؛ لأنَّه إيمان بما سيوجد، وما سبق إيمان بالموجود في الحال؛ فهما نوعان.

ثم ((قال)) أي: جبريل: يا رسول الله؛ ((ما الإسلام؟ قال)) عليه السلام: ((الإسلام)) أعاده تفخيمًا لأمره: ((أن تعبدَ الله)) ؛ أي: تطيعه فيما أمر ونهى، أو تنطق بالشهادتين، قلت: والأول أظهر، ((ولا تشركَ به)) ؛ بالفتح، وفي رواية: بالضم، زاد الأصيلي: (شيئًا) ، ((و)) أن ((تقيم)) أي: تديم أداء ((الصلاة)) المكتوبة؛ كما صرح به مسلم، أو تأتي بها على ما ينبغي، وهو وتاليه من عطف الخاص على العام، ((و)) أن ((تؤدي)) أي: تعطي ((الزكاة المفروضة)) قيَّد بها؛ احترازًا من صدقة النافلة؛ فإنَّها زكاة لغوية، أو من المعجَّلة، أو لأنَّ العرب كانت تدفع المال للسخاء والجود، فنبَّه بالفرض على رفض ما كانوا عليه، قال الزركشي: والظاهر أنها للتأكيد، ((و)) أن ((تصوم رمضان)) ولم يذكر الحج، إما ذهولًا أو نسيانًا من الراوي، ويدل له مجيئه في رواية كهمس: (وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا) ، وقيل: لأنَّه لم يكن فرض، ورُدَّ بأن في رواية ابن منده بسندٍ على شرط مسلم: أن الرجل جاء في آخر عمره عليه السلام، ولم يذكر الصوم في رواية عطاء الخراساني، واقتصر في حديث أبي عامر على الصلاة والزكاة، ولم يزد في حديث ابن عباس على الشهادتين، وزاد سليمان التيمي بعد ذكر الجميع: الحج، والاعتمار، والاغتسال من الجنابة، وإتمام الوضوء، وقد حصل هنا الفرق بين الإسلام والإيمان، فجعل الإسلام عمل الجوارح، والإيمان عمل القلب.

فالإيمان لغة: التصديق مطلقًا، وفي الشرع: التصديق والنطق معًا، فأحدهما ليس بإيمان، أما التصديق؛ فإنه لا ينجي وحده من النار، وأما النطق؛ فهو وحده نفاق، فتفسيره في الحديث: الإيمان بالتصديق والإسلام بالعمل، إنَّما فسر به إيمان القلب والإسلام في الظاهر، لا الإيمان الشرعي والإسلام الشرعي، والمؤلف يرى أنهما والدين عبارات عن واحد، والمتَّضح: أن محلَّ الخلاف إذا أُفرد لفظ أحدهما، فإن اجتمعا؛ تغايرا كما وقع هنا، كذا قرره القسطلاني، قلت: فيه نظر؛ فإنَّ الإسلام هو الخضوع والانقياد؛ بمعنى: قبول الأحكام والإذعان، وذلك حقيقة التصديق، ويؤيده قوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ المُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ المُسْلِمِينَ} [الذاريات: 35،36] .

وبالجملة: لا يصح في الشرع أن يحكم على واحد بأنه مؤمن وليس بمسلم، أو مسلم وليس بمؤمن، ولا نعني بوحدتهما سوى هذا، والمراد بعدم تغايرهما: أنَّه لا ينفك أحدهما عن الآخر، لا الاتحاد بحسب المفهوم؛ لما في ذكره في الكفاية من [أنَّ] الإيمان هو تصديق الله فيما أخبر به من أوامره ونواهيه، والإسلام هو الانقياد والخضوع لألوهيَّتِه، وذلك لا يتحقق إلَّا بقبول الأمر والنهي، فالإيمان لا ينفك عن الإسلام حكمًا، فلا يتغايران، ومن أثبت حدَّ التغاير يقال له: ما حُكْم من آمن ولم يسلم أو أسلم ولم يؤمن؟ فإن أثبت لأحدهما حكمًا؛ فهو ليس بثابت للآخر، والأظهر بطلان قوله؛ وقدمنا بقية الكلام؛ فافهم.

ثم ((قال)) جبريل: يا رسول الله؛ ((ما الإحسان؟)) (ما) استفهامية مبتدأ، والإحسان خبره، و (أل) فيه للعهد؛ أي: ما الإحسان المتكرر في القرآن المترتب عليه الثواب؟ ((قال)) عليه السلام مجيبًا له: الإحسان ((أن تعبد الله)) ؛ أي: عبادتك الله تعالى حال كونك في عبادتك له ((كأنك تراه)) ؛ أي: مثل حال كونك رائيًا له، ((فإن لم تكن تراه)) سبحانه؛ فاستمر على إحسان العبادة، ((فإنه)) تعالى ((يراك)) دائمًا، والإحسان: الإخلاص أو إجادة العمل، وهذا من جوامع كلمه عليه السلام؛ لأنَّه شامل لمقام المشاهدة ومقام المراقبة.

ثم ((قال)) جبريل: يا رسول الله؛ ((متى)) تقوم ((الساعة؟)) (أل) للعهد، والمراد يوم القيامة ((قال)) عليه السلام: ((ما)) أي: ليس ((المسؤول)) زاد في رواية: (عنها) ((بأعلم من السائل)) ؛ بزيادة الموحدة في (أعلم) ؛ لتأكيد معنى النفي، والمراد: نفي علم وقتها؛ لأنَّ علم مجيئها مقطوع به، فهو علم مشترك، وهذا وإن أشعر بالتساوي في العلم إلا أن المراد التساوي في العلم بأن الله استأثر بعلم وقت مجيئها؛ لقوله بعدُ: «خمسٌ لا يعلمهنَّ إلَّا الله»، وليس السؤال عنها ليعلم الحاضرون كالأسئلة السابقة، بل لينزجروا عن السؤال عنها، كما قال تعالى: {يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ} [الأحزاب: 63] ، فلما وقع الجواب بأنه لا يعلمها إلَّا الله؛ كفُّوا، وهذا السؤال والجواب وقعا بين عيسى وجبريل؛ كما في «نوادر الحميدي» عن الشعبي قال: سأل عيسى ابن مريم جبريل عن الساعة، قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ((وسأخبرك عن أَشراطها)) ؛ بفتح الهمزة، جمع شرط؛ بالتحريك؛ أي: علامتها السابقة عليها أو مقدماتها، لا المقارنة لها؛ وهي ((إذا ولدت الأمة)) أي: وقت ولادة الأمة ((ربَّها)) ؛ أي: مالكها وسيدها، وهو هنا كناية عن كثرة أولاد السراري حتى تصير الأم كأنها أمة لابنها؛ من حيث إنَّها ملك لأبيه، أو أن الإماء تلدن الملوك، فتصير الأم من جملة الرعايا، والملك سيد رعيته، أو كناية عن فساد الحال؛ لكثرة بيع أمهات الأولاد، فيتداولهن المُلَّاك، فيشتري الرجل أمه وهو لا يشعر، أو كناية عن كثرة العقوق بأن يعامل الولد أمه معاملة السيدِ أمتَه في الإعانة بالسب، والضرب، والاستخدام، فأطلق عليه (ربها) ؛ مجازًا لذلك.

وعورض بأنَّه لا وجه لتخصيص ذلك بولد الأمة إلَّا أن يقال: إنَّه أقرب إلى العقوق، وعند المؤلف في (التفسير) : (ربَّتها) بتاء التأنيث على معنى النسمة؛ ليشمل الذكر والأنثى، وقيل: كراهة أن يقول: (ربَّها) ؛ تعظيمًا للفظ (الرب) ، وعبر بـ (إذا) الدالة على الجزم؛ لأنَّ الشرط محقَّق الوقوع، ولم يعبر بـ (إنْ) ؛ لأنَّه لا يصح أن يقال: إنْ قامت القيامة؛ كان كذا، بل يرتكب قائله محظورًا؛ لأنَّه يشعر بالشك فيه؛ كذا حققه في «عمدة القاري»، وتمامه فيه.

قلت: وهذه الاحتمالات كلها واقعة الآن في زماننا، نعوذ بالله من الجهل والغفلة، اللهم إنِّي أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وعملًا متقبلًا، وعمرًا طويلًا، وجاهًا عريضًا، وأولادًا كثيرة، والتوفيق لما تحبه وترضاه.

((و)) من أشراط الساعة ((إذا تطاول رُعاةُ الإبل)) بضم الراء جمع راع ((البُهمُ)) ؛ بالرفع؛ صفة للرعاة، وبالجر؛ صفة للإبل، ففيه روايتان، وهو بضم الباء الموحدة، جمع (بهيم) على الأولى، وجمع (بهماء) على الثانية، وفي رواية: بفتح الباء الموحدة، فلا وجه له هنا، جمع (بهيمة) ؛ صغار الضأن والمعز، والمراد بالبهم: الأسود الذي لا يخالطه لون غيره؛ وهو شر الإبل.

والمعنى؛ أي: وقت تفاخر أهل البادية بإطالة البنيان وتكاثرهم باستيلائهم على الأمر، وتملكهم البلاد بالقهر المقتضي لتبسطهم بالدنيا، فهو عبارة عن ارتفاع الأسافل كالعبيد والسفلة من الجمَّالين والزراعين وغيرهم، وقد عَدَّ في الحديث من الأشراط علامتين، والجمع يقتضي ثلاثة، فإما أن يكون على أنَّ أقل الجمع اثنان، أو أنَّه اكتفى باثنين لحصول المقصود بهما في علم أشراط الساعة.

وعلمُ وقتها داخل ((في)) جملة ((خمس)) من الغيب ((لا يعلمهنَّ إلَّا الله، ثم تلا النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} [لقمان: 34] )) ؛ أي: علم وقتها، وفي رواية: ({وَيُنَزِّلُ}.. الآيةَ) ؛ بالنصب بتقدير: اقرأ، وبالرفع مبتدأ خبره محذوف؛ أي: الآيةُ مقروءةٌ إلى آخر السورة، ولمسلم: (إلى قوله: {خَبِيرٌ}) ، والجار والمجرور متعلق بمحذوف كما قدرناه، فهو على حد قوله تعالى: {فِي تِسْعِ آيَاتٍ} [النمل: 12] ؛ أي: اذهب إلى فرعون بهذه الآية في جملة تسع آيات، وتمام الآية: {وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ}؛ أي: في أيامه المقدَّر له والمحل المعيَّن له، {وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ} أذكرًا أم أنثى؟ تامًا أم ناقصًا؟ {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا}؟ من خير أو شر، وربما يعزم على شيء ويفعل خلافه، {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ}؟ أي: كما لا تدري في أي وقت تموت؟

قال القرطبي: لا مطمع لأحد في علم شيء من هذه الأمور الخمسة؛ لهذا الحديث، فمن ادَّعى علم شيء منها غير مستند إلى الرسول عليه السلام؛ كان كاذبًا في دعواه، انتهى.

((ثم أدبر)) من الإدبار؛ أي: رجع الرجل السائل، ((فقال)) عليه السلام: ((ردوه)) ، وفي رواية: (فأخذوا ليردوه) ((فلم يروا شيئًا)) لا عينه ولا أثره، ولعل قوله: (ردوه) على إيقاظ للصحابة؛ ليتفطنوا إلى أنه ملَك لا بشر، ((فقال)) عليه السلام: ((هذا)) ولكريمة: (إن هذا) ((جبريل)) عليه السلام ((جاء يُعلِّم الناس دينهم)) ؛[/ص32/] أي: قواعد دينهم، وهي جملة وقعت حالًا مقدرة؛ لأنَّه لم يكن معلمًا وقت المجيء، وأسند التعليم إليه وإن كان سائلًا؛ لأنَّه لما كان السبب فيه أسنده إليه، أو أنه كان من غرضه.

وللإسماعيلي: «أراد أن تعلموا؛ إذ لم تسألوا»، وفي حديث أبي عامر: «والذي نفس محمد بيده؛ ما جاءني قط إلا وأنا أعرفه إلا أن تكون هذه المرة»، وفي رواية سليمان التيمي: «ما شُبِّه عليَّ منذ أتاني قبل مرتي هذه، وما عرفته حتى ولَّى».

((قال أبو عبد الله)) المؤلف: ((جعل)) ؛ أي: النبي الأعظم عليه السلام ((ذلك)) المذكور ((كله من الإيمان)) ؛ أي: من ثمرات الإيمان، وفي الحديث بيان عظم الإخلاص والمراقبة، وفيه أن العالم إذا سئل عما لا يعلمه؛ يقول: لا أدري، ولا ينقص ذلك من جلالته، بل يدل على ورعه، وتقواه، ووفور علمه؛ فإنَّ النبي الأعظم ورد عنه أنه قال: «لا أدري حتى أسأل جبريل»، وجبريل قال: «لا أدري حتى أسأل ميكائيل...» وهكذا إلى رب العزة جل جلاله، ونُقل قول: (لا أدري) عن إمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم التابعي الجليل، وعن الإمام مالك، وعن الإمام الشافعي، وعن الإمام أحمد ابن حنبل رضي الله عنهم، وقال مالك: قول: لا أدري؛ نصف العلم، وتوقف إمامنا الإمام الأعظم في اثنتي عشر مسألة، والإمام مالك في ثماني عشرة مسألة، وهذا من ورعهما وتقواهما، قال تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا} [الإسراء: 36] ، وفيه: أن الملائكة تَمثَّل بأي صورة شاؤوا من صور بني آدم، كقوله تعالى: {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [مريم: 17] ، وقد كان جبريل يتمثل بصورة دحية، ولم يره النبي عليه السلام في صورته التي خلق عليها غير مرتين، والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: (حيان)، وهو تصحيف.