متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

49- وبه قال: (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) السَّابق، وفي رواية الأَصيليِّ بإسقاط: ((ابن سعيدٍ))، وفي رواية أبي الوقت: ((هو ابن سعيدٍ))، قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريُّ المدنيُّ، (عَنْ حُمَيْدٍ)؛ بضمِّ الحاء، ابن أبي حُمَيْدٍ تِيْر؛ بكسر المُثنَّاة الفوقيَّة، وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره راءٌ؛ أي: السَّهميِّ الخزاعيِّ البصريِّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وأربعين ومئةٍ، (عَنْ أَنَسٍ)، وزاد الأَصيليُّ [1] : ((ابن مالكٍ))، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: ((حدَّثنا أنسٌ))، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: ((حدَّثني)) بالإفراد [2] ((أنسٌ))، وبذلك يحصل الأمن من تدليس حُمَيْدٍ، (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ) رضي الله عنه: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ) من الحجرة (يُخْبِرُ)؛ استئنافٌ أو حالٌ مُقدَّرةٌ؛ لأنَّ الخبر بعد الخروج على حدِّ {فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73] ؛ أي: مقدِّرين الخلود، (بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ)؛ أي: بتعيينها، (فَتَلَاحَى)؛ بفتح الحاء المهملة، مِنَ التَّلاحِي؛ بكسرها؛ أي: تنازع (رَجُلَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)؛ وهما _فيما قاله ابن دحية_: عبد الله بن أبي حَدْرد؛ بمُهمَلَةٍ مفتوحةٍ، ودالين مُهمَلَتين: أولاهما ساكنةٌ، وبينهما راءٌ، وكعبُ بن مالكٍ، كان له على عبد الله دَيْنٌ، فطلبه، فتنازعا، وارتفع صوتهما في المسجد، (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم: (إِنِّي خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ) بنصب الرَّاء بأَنِ المُقدَّرة بعد لام التَّعليل، و«الضَّمير» مفعول «أخبر» الأوَّل، وقوله: (بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ) سدَّ مسدَّ الثَّاني والثَّالث؛ أي: أخبركم بأنَّ ليلة القدر هي ليلةُ كذا، (وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ)؛ ابن أبي [3] حدرد وكعب بن مالكٍ في المسجد وشهر رمضان اللَّذين [/ج1ص137/] هما محلَّان للذِّكر لا لِلَّغو، مع استلزام ذلك لرفع الصَّوت بحضرة الرَّسول عليه الصلاة والسلام المنهيِّ عنه، (فَرُفِعَتْ)؛ أي: رُفِعَ بيانُها أو علمها من قلبي؛ بمعنى: نسيتها، ويدلُّ له حديث أبي سعيدٍ المرويِّ في «مسلمٍ»: «فجاء رجلان يحتقَّان _بتشديد القاف؛ أي: يدَّعي كلٌّ منهما أنَّه مُحِقٌّ_ معهما الشَّيطان فنسيتها»، (وَعَسَى أَنْ يَكُونَ) رَفْعُها (خَيْرًا لَكُمُ)؛ لتزيدوا في الاجتهاد في طلبها، فتكون زيادةً في ثوابكم، ولو كانت مُعيَّنةً؛ لاقتصرتم عليها فَقَلَّ عملكم، وشَذَّ قومٌ، فقالوا برفعها، وهو غلطٌ، كما بيَّنه قوله: (الْتَمِسُوهَا)؛ أي: اطلبوها؛ إذ لو كان المُرَاد رفع وجودها؛ لم يأمرهم بالتماسها، وفي رواية أبي ذرٍّ والأَصيليِّ: ((فالتمسوها)) (فِي) ليلة (السَّبْعِ) _بالمُوحَّدة_ والعشرين من رمضان المذكور، (وَالتِّسْعِ) والعشرين منه، (وَالْخَمْسِ) والعشرين منه، كما استُفِيد التَّقدير من رواياتٍ أُخَرَ، وفي روايةٍ: بتقديم التِّسع _بالمُثنَّاة_ على السَّبع _بالمُوحَّدة_ فإن قلت: كيف أمر بطلب ما رُفِعَ علمه؟ أُجِيب: بأنَّ المُرَادَ طلبُ التَّعبُّد في مظانِّها، وربَّما يقع العمل مُضَافًا [4] لها، لا أنَّه أمر بطلب العلم بعينه.

وفي الحديث: ذمُّ المُلاحَاة والخصومة، وأنَّهما سبب العقوبة للعامَّة بذنب الخاصَّة، والحثُّ على طلب ليلة القدر، ورواتُهُ ما بين بلخِيٍّ وبصرِيٍّ ومدنِيٍّ، ورواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه أيضًا في «الصَّوم» [خ¦2023] وفي «الأدب» [خ¦6049] ، وكذا النَّسائيُّ.

[1] في (م): «وللأصيليِّ».
[2] قوله: «ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «حدَّثني» بالإفراد»، جاء في (م) بعد قوله: «أخبرنا قتيبة»، ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.
[3] «أبي»: سقط من (م).
[4] في (م): «مصادفًا».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

49-. حدَّثنا [1] قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ [2] : حدَّثنا إِسْماعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ، عن حُمَيْدٍ: عَنْ أَنَسٍ [3] ، قالَ:

أخبَرَني عُبَادَةُ بنُ الصَّامِتِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلاحَىَ رَجُلانِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فقالَ: «إِنِّي خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، وإِنَّهُ تَلاحَىَ فُلانٌ وَفُلانٌ، فَرُفِعَتْ، وَعَسَىَ أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، التَمِسُوها [4] فِي السَّبْعِ والتِّسْعِ [5] والخَمْسِ».

[1] في (ب، ص): «أخبَرَنا» وعزوا المثبت إلى رواية ابن عساكر والأصيلي، وفي رواية أبي ذر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «حدَّثني».
[2] قوله: «بن سعيد» ليس في رواية الأصيلي، وفي رواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «هو ابن سعيد».
[3] هكذا في رواية أبي ذر أيضًا (ب، ص)، وفي رواية الأصيلي وابن عساكر: «حدَّثنا أنس»، وزاد الأصيلي: «بن مالك».
[4] في رواية أبي ذر والأصيلي: «فالتمسوها».
[5] في رواية [ح] و [عط] : «في التسع والسبع».





49- ( فَتَلاَحَى ) من المماراة والمجادلة.

( رَجُلاَنِ ) هما كعب بن مالك وعبد الله بن أبي حَدْرَد، قال الإسماعيلي: وإنَّما ذكر البخاري في هذا الباب هذا الحديث للتنبيه على أن التلاحي غير السباب [/ج1ص45/] الذي هو فسوق، وهو المماراة والمجادلة، بخلاف المسابَّة والمشاتمة.


49# (فَتَلاَحَى رَجُلاَنِ) قال ابنُ دِحية في ((العلم)) [1] : المشهور هما كعبُ بنُ مالك، وعبد الله بن أبي حَدْرَد. ولم يأت على ذلك بشاهدٍ.

قال الإسماعيلي: إنما [2] ذكر البخاريُّ في هذا الباب هذا الحديث؛ لينبِّه [3] على أنَّ التَّلاحي، وهو المماراة والمجادلة، غيرُ السباب الذي هو فسقٌ [4] .

(فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ) في أكثر النسخ هكذا بتقديم الأدنى، وفي بعضها بالعكس.

[1] في (ق): ((المعلم)).
[2] في (ق): ((وإنما)).
[3] في (م): ((لتنبيه)).
[4] في (ق): ((هو فوق ذلك)).





49- قوله: (عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ): هذا هو حميد بن تير، ويُقال: تيرويه، الطَّويل، توفِّي وهو قائمٌ يُصلِّي سنةَ (142 هـ ) ، أخرج له الجماعة، ثقةٌ يُدلِّس [1] .

ولهم شخصٌ آخرُ يُقال له: حُميد بن هلال العَدَويُّ أبو نصرٍ البصريُّ، يروي عن أنسٍ أيضًا، وله عن أنسٍ في «البخاريِّ» حديثان، والله أعلم، سأذكرْهُما [2] [خ¦1246] [خ¦3214] .

قوله: (فَتَلَاحَى [رَجُلَانِ] ): أي: تسابَّا، والاسمُ: اللِّحاء، وفي «الصِّحاح»: (لاحيتُه مُلاحاةً ولِحاءً؛ إِذَا نازعتَه) ، وفي المَثَل: «مَن لاحاكَ؛ فقد عاداكَ») [3] . [/ج1ص33/]

قوله: (رَجُلَانِ): قال شيخُنا الشَّارح: (مكثتُ مُدَّةً فلم أعثر على مَن سمَّاهما، إلى أن رأيتُ ابنَ دحيةَ في كتابه «العلم» المشهور قال: هما كعب بن مالك وعبد الله بن أبي حدرد) انتهى.

قال ابن شيخنا البلقينيِّ: (ولم يأتِ على ذلك بشاهدٍ) انتهى.

وأخبرني مَن أَخبر [4] عن شيخنا شيخ الإسلام البُلقينيِّ إنكار ذلك.

وابنُ دحيةَ: هو الحافظُ عمر بن الحسن بن الخطاب الأندلسيُّ، متَّهمٌ في نقله، له ترجمةٌ في «الميزان»؛ فانظرها إن شئت، والله أعلم.

والعلَّامة أبو حيَّان أثير الدين [5] شيخ شيوخنا في «النظر الحَسبي» أنكر أنْ يكون ضعيفًا، وقال: (إنَّ [6] مَن ضعَّفَه لَمْ يَخبُرْه) ، والله أعلم.

قوله: (فَرُفِعَتْ): أي: رُفِعَ معرفتُها، لا أنَّها رفعتْ، وقد أجمعَ مَن يُعتدُّ به في الإجماع على بقائها، وشذَّتِ الروافضُ فقالوا: رُفعتْ، ولو رُفعتْ؛ ما قال عليه الصَّلاة والسَّلام: «التمسوها»، والله أعلم [7] .

[1] انظر «تهذيب الكمال» (7/355) .
[2] انظر «تهذيب الكمال» (7/403) .
[3] «الصحاح» (*) .
[4] في (ج): (وأخبرت عمن أخبرني) ، وكذا كانت في الأصل قبل الإصلاح.
[5] (أثير الدين): ليس في (ب) .
[6] (إنَّ): ليس في (ج) .
[7] (والله أعلم): ليس في (ب) .





49- (خَرَجَ يُخْبِرُ): (يُخْبِرُ): إمَّا استئنافٌ أو حالٌ، إِنْ قلتَ: الخروجُ لم يكن في حالِ الإخبارِ؛ قلتُ: مثلُه يسمَّى بالحالِ المقدَّرةِ؛ أي: خرجَ مقدِّرًا الإخبارَ؛ نحو: {فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73] ، ولا شكَّ أنَّ الخروجَ حالَةَ تقديرِ الإخبارِ كالدُّخولِ حالَةَ تقديرِ الخلودِ.

(لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ): المفعولانِ محذوفانِ، أو (بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ) هو بمنزلةِ المفعولينِ؛ إذِ التَّقديرُ: أخبرُكم بأنَّ ليلةَ القدرِ هي اللَّيلةُ الفلانيَّةُ، ولا يجوزُ أَنْ يكونَ (بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ) ثاني المفعولات، والثَّالثُ محذوفٌ؛ لأنَّ مفعولَهُ الأوَّلَ كمفعولِ (أعطيتُ)، والثَّاني والثَّالث كمفعولَي [1] (علمتُ).

[1] في النسختين: (كمفعولِ)، والمثبت من مصدره.





49- وبه قال: (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) السَّابق، وفي رواية الأَصيليِّ بإسقاط: ((ابن سعيدٍ))، وفي رواية أبي الوقت: ((هو ابن سعيدٍ))، قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريُّ المدنيُّ، (عَنْ حُمَيْدٍ)؛ بضمِّ الحاء، ابن أبي حُمَيْدٍ تِيْر؛ بكسر المُثنَّاة الفوقيَّة، وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره راءٌ؛ أي: السَّهميِّ الخزاعيِّ البصريِّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وأربعين ومئةٍ، (عَنْ أَنَسٍ)، وزاد الأَصيليُّ [1] : ((ابن مالكٍ))، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: ((حدَّثنا أنسٌ))، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: ((حدَّثني)) بالإفراد [2] ((أنسٌ))، وبذلك يحصل الأمن من تدليس حُمَيْدٍ، (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ) رضي الله عنه: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ) من الحجرة (يُخْبِرُ)؛ استئنافٌ أو حالٌ مُقدَّرةٌ؛ لأنَّ الخبر بعد الخروج على حدِّ {فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73] ؛ أي: مقدِّرين الخلود، (بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ)؛ أي: بتعيينها، (فَتَلَاحَى)؛ بفتح الحاء المهملة، مِنَ التَّلاحِي؛ بكسرها؛ أي: تنازع (رَجُلَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)؛ وهما _فيما قاله ابن دحية_: عبد الله بن أبي حَدْرد؛ بمُهمَلَةٍ مفتوحةٍ، ودالين مُهمَلَتين: أولاهما ساكنةٌ، وبينهما راءٌ، وكعبُ بن مالكٍ، كان له على عبد الله دَيْنٌ، فطلبه، فتنازعا، وارتفع صوتهما في المسجد، (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم: (إِنِّي خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ) بنصب الرَّاء بأَنِ المُقدَّرة بعد لام التَّعليل، و«الضَّمير» مفعول «أخبر» الأوَّل، وقوله: (بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ) سدَّ مسدَّ الثَّاني والثَّالث؛ أي: أخبركم بأنَّ ليلة القدر هي ليلةُ كذا، (وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ)؛ ابن أبي [3] حدرد وكعب بن مالكٍ في المسجد وشهر رمضان اللَّذين [/ج1ص137/] هما محلَّان للذِّكر لا لِلَّغو، مع استلزام ذلك لرفع الصَّوت بحضرة الرَّسول عليه الصلاة والسلام المنهيِّ عنه، (فَرُفِعَتْ)؛ أي: رُفِعَ بيانُها أو علمها من قلبي؛ بمعنى: نسيتها، ويدلُّ له حديث أبي سعيدٍ المرويِّ في «مسلمٍ»: «فجاء رجلان يحتقَّان _بتشديد القاف؛ أي: يدَّعي كلٌّ منهما أنَّه مُحِقٌّ_ معهما الشَّيطان فنسيتها»، (وَعَسَى أَنْ يَكُونَ) رَفْعُها (خَيْرًا لَكُمُ)؛ لتزيدوا في الاجتهاد في طلبها، فتكون زيادةً في ثوابكم، ولو كانت مُعيَّنةً؛ لاقتصرتم عليها فَقَلَّ عملكم، وشَذَّ قومٌ، فقالوا برفعها، وهو غلطٌ، كما بيَّنه قوله: (الْتَمِسُوهَا)؛ أي: اطلبوها؛ إذ لو كان المُرَاد رفع وجودها؛ لم يأمرهم بالتماسها، وفي رواية أبي ذرٍّ والأَصيليِّ: ((فالتمسوها)) (فِي) ليلة (السَّبْعِ) _بالمُوحَّدة_ والعشرين من رمضان المذكور، (وَالتِّسْعِ) والعشرين منه، (وَالْخَمْسِ) والعشرين منه، كما استُفِيد التَّقدير من رواياتٍ أُخَرَ، وفي روايةٍ: بتقديم التِّسع _بالمُثنَّاة_ على السَّبع _بالمُوحَّدة_ فإن قلت: كيف أمر بطلب ما رُفِعَ علمه؟ أُجِيب: بأنَّ المُرَادَ طلبُ التَّعبُّد في مظانِّها، وربَّما يقع العمل مُضَافًا [4] لها، لا أنَّه أمر بطلب العلم بعينه.

وفي الحديث: ذمُّ المُلاحَاة والخصومة، وأنَّهما سبب العقوبة للعامَّة بذنب الخاصَّة، والحثُّ على طلب ليلة القدر، ورواتُهُ ما بين بلخِيٍّ وبصرِيٍّ ومدنِيٍّ، ورواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه أيضًا في «الصَّوم» [خ¦2023] وفي «الأدب» [خ¦6049] ، وكذا النَّسائيُّ.

[1] في (م): «وللأصيليِّ».
[2] قوله: «ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «حدَّثني» بالإفراد»، جاء في (م) بعد قوله: «أخبرنا قتيبة»، ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.
[3] «أبي»: سقط من (م).
[4] في (م): «مصادفًا».





49- ( فَتَلاَحَى ) التَّلاحي: التَّنازع والمخاصمة.

( رَجُلاَنِ ) هما: كعب بن مالك، وعبد الله بن أبي حَدْرَد.

قال الإسماعيليُّ: إنَّما ذكر البخاريُّ هذا الحديث هنا للتَّنبيه على أنَّ التَّلاحي غير السِّباب الذي هو فسوق.

( فَرُفِعَتْ ) أي: فرفع تعيينها عن ذِكري، وليس المراد رفعها أصلًا بدليل قوله: «فالتمسوها».

وعند مسلم في هذه القصَّة: «فجاء رجلان يحتقَّان _بتشديد القاف_ أي: يدَّعي كلٌّ منهما أنَّه المحقُّ معهما الشَّيطان فنُسِّيتها».

قال القاضي عياض: ففيه دليل على ذمِّ الخصام، وأنَّه سبب في العقوبة المعنويَّة، أي: الحرمان، وأنَّ المكان الذي يحضره الشَّيطان ترفع منه البركة والخير.

( وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمُ ) لكونه سببًا لزيادة الاجتهاد في التماسها

(فِيْ السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالْخَمْسِ )، في «مستخرج أبي نعيم» بتقديم التِّسع، والمراد: البواقي، أي: ليلة إحدى وعشرين وثلاث وعشرين وخمس وعشرين. [/ج1ص206/]


لا تتوفر معاينة

49 - وَحَدَّثَنَا [1]قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ رضيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ

#%ص184%

بْنُ الصَّامِتِ رضيَ اللهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلاَحَى رَجُلاَنِ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقَالَ: ((إِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلاَحَى فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ، فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا [2] ، التَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالخَمْسِ».

الشرح:

أما (عَبْدُ اللَّهِ) وهو ابن مسعود رضي الله عنه و(شُعْبَةُ) و(عُبَادَةُ) و(أَنَسُ) رضي الله عنهما و(إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) و(قُتَيْبَةُ) [3]فسبق ذكرهم [4].

وأما (حُمَيْدٍ) فهو أبو عُبَيدةَ حُمَيْد بنُ أبي حميد، واسم أبي حميد: تِير - بكسر المثناة - وقيل: تِيْرَوَيْه، وقيل: غير ذلك، وحميد [5] خزاعي بصري، مولى طلحة الطلحات، سمع أنسًا رضيَ اللهُ عنه، وسمع خلائق من التابعين.

روى عنه يحيى الأنصاري، وعبيد الله العمري، ومالك، والثوري، وخلائق من الأعلام.

وحميد هذا هو حميد الطويل، قيل: كان قصيرًا طويل اليدين، فقيل له: الطويل، وقال الأصمعي: لم يكن بذاك الطويل، لكن كان [6] في جيرانه رجل يُقَال له: حميد القصير، فقيل: حميد الطويل ليتميز.

توفي سنة ثلاث وأربعين ومائة.

وأما (أَبُو وَائِلٍ) فهو شَقِيْقُ بنُ سَلمةَ الأسَدي - أسْد خزيمة - الكوفي، أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره، وسمع عمرَ بنَ الخطاب، وعثمانَ، وعليًا، وابنَ مسعود، وعمارًا، وخبابًا، وحذيفة، وأبا موسى، وخلائق من الصحابة رضيَ الله عنهم، وخلائق من التابعين رحمهم الله تعالى.

روى عنه خلائق من التابعين [7]وغيرهم، وأجمعوا على جلالته وورعه، وصلاحه وتوثيقه.

وهو من أجلِّ أصحاب ابن مسعود رضيَ اللهُ عنه، وكان ابن مسعود رضي الله عنه يثني عليه.

توفي سنة مائة، وقيل: تسع وتسعين، وولد قبل النبوة بعشر سنين، وقيل: سبع، وقيل غير ذلك.

وأما (زُبَيْدٍ) فهو أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عبد الله زُبَيْدُ بنُ الحارثِ بنِ عبد الكريم اليامي [8] - ويقال: الأيامي - الكوفي، منسوب إلى يام جد للقبيلة [9]، روى عن أبي وائل، وجماعات من التابعين، روى [10] عنه الأعمش وغيره من التابعين فمن بعدهم، وهو متفق على جلالته [11]، وهو زُبَيْد -بضم الزاي وبالموحدة [12]، ثم بالمثناة [13]- وليس في «الصحيحين»: زُيَيد - بالمثناة المكررة - وقد سبق بيان هذا في الفصول في أول الكتاب.

وأما (مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ) فهو -بفتح العينين المهملتين، وبالراء المكررة، الأولى ساكنة- وهو [14] إبراهيم، ويقال: أبو عبد الله محمدُ بنُ عَرْعَرَةَ بن البِرِند - بموحدة ثم راء مكسورتين،

#%ص185%

ويقال: بفتحهما، والكسر أفصح [15] وأشهر, ثم نون ساكنة، ثم دال مهملة - القرشي السامي، بالسين المهملة، من [16] ولد سامة بن لؤي بن غالب، البصري.

توفي سنة ثلاث عشرة [17] ومائتين.

فصل: مراد البخاري رحمه الله تعالى بهذا [18] الباب الرد على المرجئة في قولهم الباطل: إن الله سبحانه وتعالى لا يعذب على شيء من المعاصي من قال: لا إله إلا الله، ولا يحبط شيئًا [19] من أعماله [20] بشيء من الذنوب، وأن إيمان العاصي والمطيع سواء، فذكر في صدر الباب أقوال أئمة التابعين وما نقلوه عن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وهو كالمشير إلى أنه لا خلاف بينهم في هذا، وأنهم [21] رضي الله عنهم - مع اجتهادهم وفضلهم المعروف - خافوا أن لا ينجوا من عذاب الله تعالى.

وبهذا المعنى استدل أبو وائل لما سأله عن المرجئة: أمصيبون، [22]أم مخطئون، في قوله [23]: إن سباب المسلم وقتاله وغير ذلك لا يضر إيمانهم؟ فروى قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ)) وأراد أبو وائل الإنكار عليهم، وإبطال قولهم المخالف لصريح الحديث.

قوله [24] صلَّى الله عليه وسلَّم: (وَقِتَالُهُ كُفْرٌ) المراد به كفر الحقوق، فإن للمسلم حقوقًا على المسلم، كما تظاهرت به دلائل الشرع، كقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (( كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ)) الحديث، فإذا قاتله فقد كفر تلك الحقوق [25]، وليس المراد الكفر بالله تعالى الذي يخرجه عن ملة الإسلام، هذا هو المختار في معناه، وأشار الإمام [26] الخطابي رحمه الله تعالى إلى أنه كفر بالله تعالى، وأن ذلك في [27] حق من فعل ذلك مُسْتَحِلًّا من غير موجبٍ ولا تأويل، وهذا الذي قاله محتمل على بعد، لكن ظاهر الحديث ما ذكرناه، وبه يحصل الزجر عن انتهاك حرمات المسلمين، فهو أكثر فائدة، والحكم على وفقه، فيجب المصير إليه.

ثم هذا فيمن لا تأويل له، أما المتأول فلا يكفر ولا يفسق بذلك، كالبغاة الخارجين على الإمام بتأويل وغيرهم، وقد قال عمر رضي الله عنه: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فلم يُنْكِر عليه النبي صلَّى الله عليه وسلَّم لما كان فِعْل حاطب يشبه [28] فعل المنافقين، وكما قال [29] معاذ رضيَ اللهُ عنه للمنصرف من الصلاة: نافقت، وأشباه هذا كثيرة.

وأما

#%ص186%

قول (إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ) [30]فمعناه: أن الله تعالى ذمَّ من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر [31] وقصر في العمل، فقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ } [الصف: 2، 3] فخشي أن يكون مكذبًا إذا لم يبلغ غاية العمل، وهذا على المختار في ضبط قوله: (مُكَذِّبًا) [32]بكسر الذال، وقد ضبط بفتحها، ومعناه: خشيت أن يكذبني من رأى [33] عملي مخالفًا قولي، ويقول: لو كنت صادقًا ما فعلت هذا الفعل.

وأما قول (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) عن الصحابة رضيَ اللهُ عنهم فمعناه: أنهم خافوا أن يكونوا من جملة من داهن ونافق.

وقوله: (مَا مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ [34] عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ) هذا على ما تقدم أن الإيمان يزيد وينقص، وأن إيمان جبريل وميكائيل [35] أكمل من إيمان آحاد الناس، خلافًا للمرجئة.

قالَ ابنُ بَطَّال: وإنما خافوا؛ لأنهم طالت أعمارهم حتى رأوا من التغيُّرِ [36] ما لم يعهدوه، ولم يقدروا على إنكاره، فخافوا أن يكونوا داهنوا أو نافقوا [37].

وأما قول الحسن، وهو البصري: (مَا خَافَهُ إِلَا مُؤْمِنٌ) يعني الله تعالى، وقد قال الله تعالى: { وَإِيَّايَ [38] فَارْهَبُونِ } [البقرة: 40], وقال تعالى: { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ } [الرحمن: 46], وقال تعالى: { فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ } [الأعراف: 99] ونظائره كثيرة.

وأما حديثُ عبادة: فإنما أدخله البخاري في هذا الباب - والله أعلم - لأن رفع ليلة القدر كان بسبب تلاحيهما، ورفعهما الصوت بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففيه ذمُّ الملاحاة وأن صاحبها [39] ناقص، والملاحاة المخاصمة والمنازعة.

ومعنى (رُفِعَتْ) أي: رفع بيانها، وإلا فهي باقية إلى يوم القيامة، ويدل عليه من هذا الحديث قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: [40] (اِلْتَمِسُوهًا فِي السَّبْعِ والتِّسْعِ) فهكذا هو في أكثر النسخ: تقديم السبع، وفي بعضها: تقديم التسع، وسيأتي الكلام في ليلة القدر في موضعها من كتاب الاعتكاف، إن شاء الله تعالى.

وأما قوله في الترجمة: (بَابُ خَوْفِ المُؤْمِنِ [41] أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لاَ يَشْعُرُ) فالمراد بالحبط: نقصان الإيمان، وإبطال بعض العبادات، لا الكفر، فإن الإنسان

#%ص187%

لا يكفر ويخرج عن العمل إلا بما يعتقده أو يفعله عالمًا بأنه يوجب الكفر.

قال ابن بطال: وأما ما جاء في الحديث: ((الشِّرْكُ فِيْكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيْبِ النَّمْلِ )) فالمراد به [42] الرياء لا الكفر، والله أعلم.

[1] في (ك) و(ع): ((حدثنا)).
[2] زاد في (ت) و(ك): ((لكم))، وفي (ع): ((تكونوا خيرًا لكم)).
[3] إلى هنا ينتهي السقط من النسخة (ص)
[4] في (ص): ((وأما بقية رواة الحديث فسبق ذكرهم)).
[5] زاد في (ك): ((هذا)).
[6] قوله: ((كان)) ليس في (ك).
[7] قوله: ((روى عنه خلائق من التابعين)) ليس في (ك).
[8] جاء في حاشية الأصل(ز): ((يام بطن من همدان، وهو يام بن آصي بن دافع بن مالك بن جشم بن حاشد بن صوان بن نوف بن همدان )).
[9] في (ك) و(ص) و(ع): ((القبيلة)).
[10] في (ت): ((وروى)).
[11] قوله: ((وغيره من التابعين فمن بعدهم، وهو متفق على جلالته )) ليس في (ص).
[12] في (ص): ((والموحدة)).
[13] في (ك) و(ص) و(ع): ((المثناة)).
[14] زاد في (ت) و(ك) و(ص): ((أبو)).
[15] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى: ((أصح)).
[16] قوله: ((من)) ليس في (ع).
[17] في (ص): ((ثلاث وعشرين)).
[18] في (ع): ((هذا)).
[19] في (ك) و(ع): ((شيء)).
[20] في (ص): ((عمله)).
[21] في (ص): ((فإنهم)).
[22] زاد في (ك): ((هم)).
[23] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى: ((قولهم)).
[24] في (ت) و(ك) و(ع): ((وقوله)).
[25] قوله: ((الحقوق)) ليس في (ع).
[26] قوله: ((الإمام)) ليس في (ع).
[27] في (ص): ((هو)).
[28] في (ع): ((شبه)).
[29] في (ك): ((فعل)).
[30] قوله: ((التيمي)) ليس في (ك).
[31] في (ك): ((منكر)).
[32]زاد في (ك): ((إنه)).
[33] في (ص): ((يرى)).
[34] في (ت): ((إنهم)).
[35] قوله: ((وميكائيل)) ليس في (ك) و(ص) و(ع).
[36] في (ت) و(ص) و(ع): ((التغيير)).
[37] في (ك): ((ونافقوا)).
[38] في (ع): ((فإياي)).
[39] في (ص): ((وصاحبها)).
[40] زاد في (ت) و(ص) و(ع): (( الْتَمِسُوهَا. وأما قوله صلَّى الله عليه وسلَّم:)).
[41] في (ك): ((المرء)).
[42] قوله: ((به)) ليس في (ص).
#%ص188%





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

49- وبه قال: ((أخبرنا قتيبة بن سعيد)) السابق، وفي رواية: بإسقاط (ابن سعيد) ، وفي أخرى: (هو ابن سعيد) قال: ((حدثنا إسماعيل بن جعفر)) الأنصاري المدني، وقد مر، ((عن حُميد)) ؛ بضم الحاء المهملة: ابن أبي حُميد، واسم أبي حُميد تِيْر؛ بكسر المثناة الفوقية، وسكون المثناة التحتية، آخره راء مهملة؛ أي: السهم، الخزاعي البصري، المتوفى سنة ثلاث وأربعين ومئة، ((عن أنس)) وفي رواية: (ابن مالك) ، وفي أخرى: (حدثنا أنس) ، وفي أخرى: (حدثني أنس) ، وبهذا يحصل الأمن من تدليس حُميد ((قال: أخبرني)) بالإفراد ((عبادة بن الصامت)) رضي الله عنه: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج)) ؛ أي: من الحجرة، والجملة خبر (أنَّ) ((يخبر)) جملة مستأنفة، والأولى أن يكون حالًا مقدرة؛ لأنَّ الخبر بعد الخروج على حدِّ: {فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 7] ؛ أي: مقدرين الخلود؛ كما حققه في «عمدة القاري»، ((بليلة القدر)) أي: بتعينها ((فتلاحَى)) ؛ بفتح الحاء المهملة: من التلاحِي؛ بكسرها؛ أي: تنازع ((رجلان من المسلمين)) ؛ هما عبد الله بن أبي حَدْرَد؛ بفتح الحاء المهملة، وسكون الدال المهملة، وفتح الراء، آخره دال أخرى، وكعب بن مالك؛ كان على عبد الله دين لكعب يطلبه، فتنازعا فيه ورفعا صوتيهما في المسجد ((فقال)) عليه السلام: ((إني خرجت لأخبرَكم)) بنصب الراء بـ (أن) المقدرة بعد لام التعليل، وهذا مقول القول، والضمير مفعول (أخبر) أول، وقوله: ((بليلة القدر)) سد مسد الثاني والثالث؛ لأنَّ التقدير: أخبركم بأن ليلة القدر هي الليلة الفلانية، ((وإنه)) ؛ بكسر الهمزة؛ أي: الشأْن ((تلاحى)) تنازع ((فلان)) ابن أبي حدرد ((وفلان)) كعب بن مالك في المسجد وشهر رمضان، وزادت منازعتهما على القدر المباح في المسجد، فكانت لغوًا، وهو ليس بمحلٍّ للغو، مع ما كان في الزيادة من رفع الصوت بحضرة النبي الأعظم عليه السلام؛ فافهم.

((فرُفعت)) ؛ أي: رُفع بيانها أو علمها من قلبي؛ بمعنى: نسيتها، يدل عليه ما في رواية مسلم من حديث أبي سعيد: «فجاء رجلان يحتقَّان -بتشديد القاف؛ أي: يدعي كل منهما أنه محق- معهما الشيطان، فنسيتها»، فيعلم من هذا الحديث: أن سبب الرفع: النسيان، ومن حديث الباب: التلاحي، ويَحتمل أن يكون من كل منهما، والله أعلم، ((وعسى أن يكون)) رفعها ((خيرًا لكم)) ؛ لتزيدوا في الاجتهاد في طلبها، وشذَّ قوم فقالوا برفعها، وهو غلط، ويدل عليه قوله: ((التمسوها)) ؛ أي: اطلبوها؛ لأنَّ لو كان المراد رفع وجودها؛ لم يأمرهم بالتماسها، وفي رواية: (فالتمسوها) ((في)) ليلة ((السبع)) -بتقديم السين على الموحدة- والعشرين من رمضان، ((والتسع)) -بتقديم المثناة فوق على السين المهملة- والعشرين منه، ((والخمس)) والعشرين منه، والتقييد بالعشرين وبرمضان استفيد من الأحاديث الأُخَر الدالة عليهما، لا يقال: كيف يأمر [1] بطلب ما رفع علمه؟ لأنَّا نقول: المراد طلب التعبد في مظانها، وربما يقع العمل مصادفًا لها؛ لا أنَّه مأمور بطلب العلم بعينها، وفيه ذم الملاحاة والخصومة، وأنها سبب العقوبة للعامة بذنب الخاصة، والحث على طلب ليلة القدر.

[1] في الأصل: (يؤمر)، ولعل المثبت هو الصواب.