متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

36- هذا (باب خَوْفِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ)؛ على صيغة المعلوم من باب: «عَلِم يعلَم» (عَمَلُهُ)؛ أي: من حَبْطِ عمله وهو ثوابه الموعود به، (وَهُوَ لَا يَشْعُرُ) به، جملةٌ اسميَّةٌ وقعت حالًا، لا يُقَال: إنَّ ما قاله المؤلِّف يقوِّي مذهب الإحباطيَّة؛ لأنَّ مذهبهم إحباط الأعمال بالسَّيِّئات وإذهابها جملةً، فحكموا على العاصي بحكم الكافر؛ لأنَّ مُرَاد المؤلِّف إحباطُ ثواب ذلك العمل فقط؛ لأنَّه لا يُثَاب إلَّا على ما أخلص فيه، وقال النَّوويُّ: المُرَاد بـ: «الحبط»: نقصانُ الإيمان، وإبطال بعض العبادات لا الكفر انتهى. ولفظة: ((مِنْ)) ساقطةٌ في رواية ابن عساكر، وهي مقدَّرةٌ عند سقوطها؛ لأنَّ المعنى عليها، وهذا الباب وضعه المؤلِّف ردًّا على المرجئة القائلين: بأنَّ الإيمان هو التَّصديق بالقلب فقط، المُطلقين الإيمان الكامل مع وجود المعصية.

(وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن شريكٍ (التَّيْمِيُّ)؛ تيم الرِّباب؛ بكسر الراء، الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة اثنتين وتسعين: (مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذَّبًا)، بفتح المُعجَمة؛ أي: يكذِّبني مَنْ رأى عملي مخالفًا لقولي، وإنَّما قال ذلك؛ لأنَّه كان يَعِظُ، وفي روايةٍ للأربعة: ((مكذِّبًا))؛ بكسر الذَّال، وهي رواية الأكثر، كما قاله الحافظ ابن حجرٍ؛ ومعناه: أنَّه مع وعظه للنَّاس لم يبلغ غاية العمل، وقد ذمَّ الله تعالى مَنْ أمر بالمعروف ونهى عن المُنْكر وقصَّر في العمل، فقال: {كَبُرَ مَقْتَا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 3] . وقال البيضاويُّ في آية {أَتَأْمُرُونَ النَّاس بِالبِرِّ} [البقرة: 44] : [/ج1ص135/]

إنَّها ناعيةٌ على من يَعِظُ غيرَه ولا يَعِظُ نفسَه سوءَ صنيعِه وخُبْثَ نفسِه، وأنَّ فعلَه فعلُ الجاهل بالشَّرع، أو الأحمق الخالي عن العقل، فإنَّ الجامع بينهما تأبى عنه شكيمته، والمُرَاد بها: حثُّ الواعظ على تزكية النَّفس، والإقبال عليها بالتَّكميل، لِيقومَ فيقيمَ، لا منع الفاسق من الوعظ، فإنَّ الإخلال بأحد الأمرين المأمور بهما لا يوجب الإخلال، بالآخر انتهى.

وهذا التَّعليق المذكور وصله المصنِّف في «تاريخه» عن أبي نعيمٍ، وأحمدُ ابن حنبل في «الزُّهد»، عن ابن مهديٍّ، كلاهما عن سفيانَ الثَّوريِّ، عن أبي حيَّان التَّيميِّ، عن إبراهيم المذكور.

(وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ)؛ بضمِّ الميم، عَبد الله _بفتح العين_ ابن عُبيد الله _بضمِّها_ القرشيُّ التَّيميُّ المكيُّ، الأحول المؤذِّن القاضي لابن الزُّبير، المُتوفَّى سنة سَبْعَ عشْرةَ ومئةٍ: (أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ)، وفي نسخةٍ: ((رسول الله)) (صلى الله عليه وسلم)، أجلُّهم عائشة، وأختها أسماء، وأمُّ سلمة، والعبادلة الأربعة، وعقبة بن الحارث، والمِسْوَرُ بن مَخْرَمة، (كُلُّهُمْ يَخَافُ)؛ أي: يخشى (النِّفَاقَ) في الأعمال (عَلَى نَفْسِهِ)؛ لأنَّه قد يعرض للمؤمن في عمله ما يشوبه ممَّا يخالف الإخلاص، ولا يلزم من خوفهم ذلك وقوعه منهم، وإنَّما ذلك على سبيل المُبالغَة منهم في الورع والتَّقوى، رضي الله عنَّا بهم، أو قالوا ذلك؛ لكون أعمارهم طالت حتَّى رأَوْا مِنَ التَّغيير ما لم يعهدوه، مع عجزهم عن إنكاره، فخافوا أن يكونوا داهنوا بالسُّكوت، (مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ) عليهما الصَّلاة والسَّلام؛ أي: لا يجزم أحدٌ منهم بعدم عروض ما يخالف الإخلاص، كما يجزم بذلك في إيمان جبريل وميكائيل؛ لأنَّهما معصومان لا يطرأ عليهما ما يطرأ على غيرهما من البشر، وقد روى معنى هذا الأثرِ الطَّبرانيُّ في «الأوسط» مرفوعًا من حديث عائشة بإسنادٍ ضعيفٍ، وفي هذا الأثر إشارةٌ إلى أنَّهم كانوا يقولون بزيادة الإيمان ونقصانه، (وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه (عَنِ الْحَسَنِ) البصريِّ رحمه الله ممَّا وصله جعفر الفريابيُّ في كتاب «صفة المنافق» له من طرقٍ: (مَا خَافَهُ)؛ أي: النِّفاق، وفي نسخةٍ: ((عن الحسن أنَّه قال: ما خافه))، وفي روايةٍ: ((وما خافه)) (إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا أَمِنَهُ) بفتح الهمزة وكسر الميم (إِلَّا مُنَافِقٌ)، جعل النَّوويُّ الضَّميرَ في «خافه» وأ«منه» لله تعالى، وتبعه جماعةٌ على ذلك، لكنَّ سياق الحسن البصريِّ المرويِّ عند الفريابيِّ حيث قال: حدَّثنا قتيبة: حدَّثنا جعفر بن سليمان عن المعلَّى بن زيادٍ: سمعت الحسن يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلَّا هو: ما مضى مؤمن قطُّ ولا [1] بقي إلَّا وهو من النفاق مُشفِقٌ، ولا مضى منافقٌ قطُّ ولا بقي إلَّا وهو من النِّفاق آمنٌ، وهو عند أحمد بلفظ: والله ما مضى مؤمنٌ ولا بقي إلَّا وهو يخاف النِّفاق، ولا أمنه إلَّا منافقٌ. يعيِّن إرادة المؤلف الأوَّل، وأتى بـ: «يُذكر» الدالة على التمريض مع صحَّة هذا الأثر؛ لأنَّ عادته الإتيان بنحو ذلك فيما يختصره من المتون أو يسوقه بالمعنى، لا أنَّه ضعيفٌ.

ثم عطف المؤلِّف على خوف المؤمن قوله: (وَمَا يُحْذَرُ) بضم أوله وفتح ثالثه المعجم مع التخفيف. وقال الحافظ ابن حجر: بتشديده، أي: وباب ما يحذَّر (مِنَ الإِصْرَارِ عَلَى التقاتلِ وَالْعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ)، وفي رواية أبوي ذر والوقت: ((على النِّفاق)) بدل التَّقاتل، والأولى هي المناسبة لحديث الباب؛ حيث قال فيه _كما سيأتي إن شاء الله تعالى_: «وقتاله كفرٌ» [خ¦48] ، وهي رواية أبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر، ومعنى الثانية _كما في «الفتح»_ صحيحٌ وإن لم تثبت به الرواية انتهى. نعم؛ ثبتت به الرواية عن أبي ذرٍّ ونسخة السِّيمساطيِّ، كما رقم له بـ: «فرع اليونينيَّة» كما ترى، و«ما»: مصدريَّةٌ، وما بين التَّرجمتين من الآثار اعتراضٌ بين المعطوف والمعطوف عليه، وفصل بها بينهما؛ لتعلقها بالأولى فقط. وأما الحديثان الآتيان _إن شاء الله تعالى_ فالأوَّل منهما للثَّانية، والثاني للأولى، فهو لفٌّ ونشرٌ غير مرتَّبٍ، ومراد المؤلِّف الردُّ على المرجئة أيضًا؛ حيث قالوا: لا حذر من المعاصي مع حصول الإيمان، ومفهوم الآية التي ذكرها المؤلف يردُّ عليهم؛ حيث قال: (لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) ولأبي ذر: ((عزَّ وجلَّ)) بدل قوله: «تعالى»، وفي رواية الأَصيليِّ: ((لقوله عزَّ وجلَّ)): ({وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا}) ولم يقيموا على ذنوبهم غير مستغفرين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه التِّرمذيُّ [/ج1ص136/] من حديث أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه: «ما أصرَّ مَنِ استغفرَ، وإن عاد في اليوم سبعين مرَّةً»، ({وَهُمْ يَعْلَمُونَ}) [آل عمران: 135] حالٌ من {يُصِرُّوا}؛ أي: ولم يُصِرُّوا على قبيح فِعلِهم عالمين به، وروى أحمد من حديث ابن عمر مرفوعًا: «ويلٌ للمُصِرِّين الذين يُصِرِّون على ما فعلوا وهم يعلمون»؛ أي: يعلمون أنَّ مَنْ تاب؛ تاب الله عليه، ثمَّ لا يستغفرون، قاله مجاهدٌ وغيره.

[1] في (ب) و(س): «وما».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

(36) بابُ خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ [1] أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وهو لا يَشْعُرُ

_وقالَ إِبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: ما عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَىَ عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذَّبًا [2] .

وقالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَدْرَكْتُ ثَلاثِينَ مِنْ أَصْحابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كُلُّهُمْ يَخافُ النِّفاقَ عَلَىَ نَفْسِهِ، ما مِنْهُمْ أَحَدٌ يقول: إِنَّهُ عَلَىَ إِيمانِ جِبْرِيلَ وَمِيكايِلَ.

وَيُذْكَرُ [/ج1ص18/] عَنِ الحَسَنِ [3] : ما [4] خافَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلا أَمِنَهُ إِلَّا مُنافِقٌ._

وَما يُحْذَرُ مِنَ الإِصْرارِ عَلَى النِّفاقِ [5] والعِصْيانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تعالىَ [6] : { وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } [آل عمران: 135] .

[1] لفظة: «من» ليست في رواية ابن عساكر و [عط] .
[2] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «مكذِّبًا» بكسر الذال اسم فاعلٍ.
[3] بهامش اليونينية دون رقم زيادة: «أنه قال». كتبت بالحمرة.
[4] في رواية [عط] : «وما».
[5] هكذا في روايةٍ عن أبي ذر وروايةٍ للسمعاني عن أبي الوقت أيضًا (ب، ص)، وفي روايةٍ عن أبي ذر ورواية الأصيلي وابن عساكر: «على التقاتل»، وزاد في (ن، و) نسبتها إلىَ روايةٍ للسمعاني عن أبي الوقت أيضًا
[6] في رواية أبي ذر: «عزَّ وَجَلَّ»، وفي رواية الأصيلي: «لقوله عزَّ وَجَلَّ».





( أَنْ يَحْبَطَ ) بفتح الياء والطاء، وفي إيراده في الحديث هنا: ( مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا ) تنبيه على الحثِّ على الإخلاص؛ فإنها مَظِنَّة أن يقصد بها مراعاة أهلها أو يشرك فيها هذا القصد؛ فنبَّه على استحضار الإخلاص، وما أحسن ذكر هذا بعد خوف الإحباط وهو لا يشعر.

( إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذِّبًا ) بكسر الذال المشددة؛ لأنَّه خاف التقصير في العمل، فخشي أنَّه لم يصدق إذ لم يجر على مقتضى التصديق.

( مُلَيْكَةَ ) بضم الميم.


(36) [بَابُ خَوْفِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لاَ يَشْعُرُ]

(أَنْ يَحْبَطَ) بفتح الباء والطاء، والإحباط قسمان:

إحباطُ إسقاط: وهو إحباط الكفر لجميع [1] الأعمال الصَّالحة.

وإحباطُ موازنة: وهو وزن العمل الصالح بالسيئ، فإن رجح السيئ، فأمُّه هاوية، أو الصَّالح، فهو في عيشةٍ راضية، والمراد هنا: الثاني، لا الأول.

قال ابن المنيِّر: انتقل البخاريُّ من الرد على القدرية إلى الردِّ على المرجئة، وهما ضدان: القدرية تكفِّر بالذنب، والمرجئة تُهدِر الذَّنبَ بالكليَّة، وما ساقه في الترجمة صريحٌ في الرد عليهم.

(إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذَّبًا) المختار في ضبطه كسرُ الذال [2] المشددة؛ لأنَّه خاف التَّقصير في العمل، وضُبط بفتحها؛ أي: خشيت أن يكذبني مَنْ رأى عملي مخالفًا لقولي.

(مُلَيْكَةَ) بضم الميم، مصغرًا.

[1] في (م) و(ج): ((بجميع)).
[2] في (ق): ((ضبطه كذباً بالذال)).





قوله: (مُكذِّبًا): المختارُ في الذَّال الكسرُ، وقد ضُبِطَ بفتحِها، وقد ضُبِطَ في أصلنا: بكسر الذَّال، وطرأَ عليها الفتحُ أيضًا، ومعناه بالفتح: إلَّا خشيتُ أنْ يُكذِّبَنِي [1] ؛ مَن رأى عملي مخالفًا قولي، ويقول: لو كنتَ صادقًا؛ ما فعلتَ هذا الفعل، وبالكسرِ معناه ظاهرٌ.

قوله: (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ): هذا هو عبدُ الله بنُ عُبيدِ الله بن أبي مليكةَ زهير -وزهيرٌ صحابيٌّ ورَوى عن أبي بكرٍ الصديق- ابنِ عبد الله بن جُدعان التيميُّ، وابنُ أبي مُليكةَ مؤذِّنُ ابنِ الزُّبير وقاضيه، وثَّقه أبو زرعةَ وأبو حاتم، تُوفِّي سنةَ سبعَ عشرةَ ومئةٍ [2] ، قال: (أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) .

واعلم أنَّ أسماءَ مَنْ أدركَ مِنَ الصحابة مذكورةٌ في «تهذيب الكمال» وغيره في ترجمتِه [3] ، لكنَّهم لَمْ يبلغوا هذا العدد، أخرج له الجماعة [4] .

قوله: (وَيُذْكَرُ عَنِ الْحَسَنِ): (يُذْكَرُ): هو مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، و (الحسن): هو ابنُ أبي الحسن البصريُّ، العالم المشهور الجليل.

قوله: (وَمَا خَافَهُ) وكذا (وَلَا أَمِنَهُ): الضميرُ فيهما يعودُ على [5] الله عزَّ وجلَّ، ويَحتمل أنْ يعودَ على (النفاق) .

قوله: (ومَا يُحْذَرُ): هو مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله.

[1] في (ب): (تكذبني) .
[2] زيد في (ب): (وعنه) .
[3] «تهذيب الكمال» (15/256) .
[4] قوله: (أخرج له الجماعة): ليس في (ب) .
[5] في (ب): (إلى) .





(وَهُوَ لَا يَشْعُرُ): جملةٌ حاليَّةٌ، وهو مثلُ معنى: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: 47] .

(مَا خَافَهُ): قال الكرمانيُّ: (حَذَفَ الجارَّ وأوصلَ الفعلَ إليه؛ أي: ما خافَ مِنَ اللهِ، وكذا في «أَمِنَهُ»؛ إِذْ معناهُ: أمِنَ منهُ) انتهى.

أقولُ: والضَّميرُ يَحتملُ أَنْ يكونَ فيه وفي (أَمِنَهُ) أيضًا يعودُ على (النِّفَاقَ).

(وَمَا يُحْذَرُ): بلفظِ المجهولِ، هو عطفٌ على (خَوْفِ) ؛ أي: بابُ ما يُحْذَرُ، و (مَا) مصدريَّةٌ، وهو مجرورُ المحلِّ.

ويَحتملُ عطفُه على (يَقُولُ) ؛ أي: ما منهم أحدٌ ما يَحْذَرُ، فـ (مَا) نافيةٌ، و (يَحْذَرُ) بلفظِ المعروفِ [1] ، وهو مرفوعُ المحلِّ.

[1] أي: بالبناء للفاعل.





36- هذا (باب خَوْفِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ)؛ على صيغة المعلوم من باب: «عَلِم يعلَم» (عَمَلُهُ)؛ أي: من حَبْطِ عمله وهو ثوابه الموعود به، (وَهُوَ لَا يَشْعُرُ) به، جملةٌ اسميَّةٌ وقعت حالًا، لا يُقَال: إنَّ ما قاله المؤلِّف يقوِّي مذهب الإحباطيَّة؛ لأنَّ مذهبهم إحباط الأعمال بالسَّيِّئات وإذهابها جملةً، فحكموا على العاصي بحكم الكافر؛ لأنَّ مُرَاد المؤلِّف إحباطُ ثواب ذلك العمل فقط؛ لأنَّه لا يُثَاب إلَّا على ما أخلص فيه، وقال النَّوويُّ: المُرَاد بـ: «الحبط»: نقصانُ الإيمان، وإبطال بعض العبادات لا الكفر انتهى. ولفظة: ((مِنْ)) ساقطةٌ في رواية ابن عساكر، وهي مقدَّرةٌ عند سقوطها؛ لأنَّ المعنى عليها، وهذا الباب وضعه المؤلِّف ردًّا على المرجئة القائلين: بأنَّ الإيمان هو التَّصديق بالقلب فقط، المُطلقين الإيمان الكامل مع وجود المعصية.

(وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن شريكٍ (التَّيْمِيُّ)؛ تيم الرِّباب؛ بكسر الراء، الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة اثنتين وتسعين: (مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذَّبًا)، بفتح المُعجَمة؛ أي: يكذِّبني مَنْ رأى عملي مخالفًا لقولي، وإنَّما قال ذلك؛ لأنَّه كان يَعِظُ، وفي روايةٍ للأربعة: ((مكذِّبًا))؛ بكسر الذَّال، وهي رواية الأكثر، كما قاله الحافظ ابن حجرٍ؛ ومعناه: أنَّه مع وعظه للنَّاس لم يبلغ غاية العمل، وقد ذمَّ الله تعالى مَنْ أمر بالمعروف ونهى عن المُنْكر وقصَّر في العمل، فقال: {كَبُرَ مَقْتَا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 3] . وقال البيضاويُّ في آية {أَتَأْمُرُونَ النَّاس بِالبِرِّ} [البقرة: 44] : [/ج1ص135/]

إنَّها ناعيةٌ على من يَعِظُ غيرَه ولا يَعِظُ نفسَه سوءَ صنيعِه وخُبْثَ نفسِه، وأنَّ فعلَه فعلُ الجاهل بالشَّرع، أو الأحمق الخالي عن العقل، فإنَّ الجامع بينهما تأبى عنه شكيمته، والمُرَاد بها: حثُّ الواعظ على تزكية النَّفس، والإقبال عليها بالتَّكميل، لِيقومَ فيقيمَ، لا منع الفاسق من الوعظ، فإنَّ الإخلال بأحد الأمرين المأمور بهما لا يوجب الإخلال، بالآخر انتهى.

وهذا التَّعليق المذكور وصله المصنِّف في «تاريخه» عن أبي نعيمٍ، وأحمدُ ابن حنبل في «الزُّهد»، عن ابن مهديٍّ، كلاهما عن سفيانَ الثَّوريِّ، عن أبي حيَّان التَّيميِّ، عن إبراهيم المذكور.

(وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ)؛ بضمِّ الميم، عَبد الله _بفتح العين_ ابن عُبيد الله _بضمِّها_ القرشيُّ التَّيميُّ المكيُّ، الأحول المؤذِّن القاضي لابن الزُّبير، المُتوفَّى سنة سَبْعَ عشْرةَ ومئةٍ: (أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ)، وفي نسخةٍ: ((رسول الله)) (صلى الله عليه وسلم)، أجلُّهم عائشة، وأختها أسماء، وأمُّ سلمة، والعبادلة الأربعة، وعقبة بن الحارث، والمِسْوَرُ بن مَخْرَمة، (كُلُّهُمْ يَخَافُ)؛ أي: يخشى (النِّفَاقَ) في الأعمال (عَلَى نَفْسِهِ)؛ لأنَّه قد يعرض للمؤمن في عمله ما يشوبه ممَّا يخالف الإخلاص، ولا يلزم من خوفهم ذلك وقوعه منهم، وإنَّما ذلك على سبيل المُبالغَة منهم في الورع والتَّقوى، رضي الله عنَّا بهم، أو قالوا ذلك؛ لكون أعمارهم طالت حتَّى رأَوْا مِنَ التَّغيير ما لم يعهدوه، مع عجزهم عن إنكاره، فخافوا أن يكونوا داهنوا بالسُّكوت، (مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ) عليهما الصَّلاة والسَّلام؛ أي: لا يجزم أحدٌ منهم بعدم عروض ما يخالف الإخلاص، كما يجزم بذلك في إيمان جبريل وميكائيل؛ لأنَّهما معصومان لا يطرأ عليهما ما يطرأ على غيرهما من البشر، وقد روى معنى هذا الأثرِ الطَّبرانيُّ في «الأوسط» مرفوعًا من حديث عائشة بإسنادٍ ضعيفٍ، وفي هذا الأثر إشارةٌ إلى أنَّهم كانوا يقولون بزيادة الإيمان ونقصانه، (وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه (عَنِ الْحَسَنِ) البصريِّ رحمه الله ممَّا وصله جعفر الفريابيُّ في كتاب «صفة المنافق» له من طرقٍ: (مَا خَافَهُ)؛ أي: النِّفاق، وفي نسخةٍ: ((عن الحسن أنَّه قال: ما خافه))، وفي روايةٍ: ((وما خافه)) (إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا أَمِنَهُ) بفتح الهمزة وكسر الميم (إِلَّا مُنَافِقٌ)، جعل النَّوويُّ الضَّميرَ في «خافه» وأ«منه» لله تعالى، وتبعه جماعةٌ على ذلك، لكنَّ سياق الحسن البصريِّ المرويِّ عند الفريابيِّ حيث قال: حدَّثنا قتيبة: حدَّثنا جعفر بن سليمان عن المعلَّى بن زيادٍ: سمعت الحسن يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلَّا هو: ما مضى مؤمن قطُّ ولا [1] بقي إلَّا وهو من النفاق مُشفِقٌ، ولا مضى منافقٌ قطُّ ولا بقي إلَّا وهو من النِّفاق آمنٌ، وهو عند أحمد بلفظ: والله ما مضى مؤمنٌ ولا بقي إلَّا وهو يخاف النِّفاق، ولا أمنه إلَّا منافقٌ. يعيِّن إرادة المؤلف الأوَّل، وأتى بـ: «يُذكر» الدالة على التمريض مع صحَّة هذا الأثر؛ لأنَّ عادته الإتيان بنحو ذلك فيما يختصره من المتون أو يسوقه بالمعنى، لا أنَّه ضعيفٌ.

ثم عطف المؤلِّف على خوف المؤمن قوله: (وَمَا يُحْذَرُ) بضم أوله وفتح ثالثه المعجم مع التخفيف. وقال الحافظ ابن حجر: بتشديده، أي: وباب ما يحذَّر (مِنَ الإِصْرَارِ عَلَى التقاتلِ وَالْعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ)، وفي رواية أبوي ذر والوقت: ((على النِّفاق)) بدل التَّقاتل، والأولى هي المناسبة لحديث الباب؛ حيث قال فيه _كما سيأتي إن شاء الله تعالى_: «وقتاله كفرٌ» [خ¦48] ، وهي رواية أبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر، ومعنى الثانية _كما في «الفتح»_ صحيحٌ وإن لم تثبت به الرواية انتهى. نعم؛ ثبتت به الرواية عن أبي ذرٍّ ونسخة السِّيمساطيِّ، كما رقم له بـ: «فرع اليونينيَّة» كما ترى، و«ما»: مصدريَّةٌ، وما بين التَّرجمتين من الآثار اعتراضٌ بين المعطوف والمعطوف عليه، وفصل بها بينهما؛ لتعلقها بالأولى فقط. وأما الحديثان الآتيان _إن شاء الله تعالى_ فالأوَّل منهما للثَّانية، والثاني للأولى، فهو لفٌّ ونشرٌ غير مرتَّبٍ، ومراد المؤلِّف الردُّ على المرجئة أيضًا؛ حيث قالوا: لا حذر من المعاصي مع حصول الإيمان، ومفهوم الآية التي ذكرها المؤلف يردُّ عليهم؛ حيث قال: (لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) ولأبي ذر: ((عزَّ وجلَّ)) بدل قوله: «تعالى»، وفي رواية الأَصيليِّ: ((لقوله عزَّ وجلَّ)): ({وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا}) ولم يقيموا على ذنوبهم غير مستغفرين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه التِّرمذيُّ [/ج1ص136/] من حديث أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه: «ما أصرَّ مَنِ استغفرَ، وإن عاد في اليوم سبعين مرَّةً»، ({وَهُمْ يَعْلَمُونَ}) [آل عمران: 135] حالٌ من {يُصِرُّوا}؛ أي: ولم يُصِرُّوا على قبيح فِعلِهم عالمين به، وروى أحمد من حديث ابن عمر مرفوعًا: «ويلٌ للمُصِرِّين الذين يُصِرِّون على ما فعلوا وهم يعلمون»؛ أي: يعلمون أنَّ مَنْ تاب؛ تاب الله عليه، ثمَّ لا يستغفرون، قاله مجاهدٌ وغيره.

[1] في (ب) و(س): «وما».





( يَحْبَطَ ) بفتح الياء والباء.

( مُكَذَّبًا ) بفتح الذَّال وكسرها.

( كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ ): مبالغة في الورع والتَّقوى.

وقال ابن بطَّال: إنَّما خافوا ذلك، لأنَّهم طالت أعمارهم حتَّى رأوا من المنكر ما لم يعهدوه ولم يقدروا على / إنكاره، فخافوا أن يكونوا داهنوا بالسُّكوت. [/ج1ص204/]

( وَيُذْكَرُ عَنِ الْحَسَنِ: مَا خَافَهُ ) أي: النِّفاق، وكذا هو مصرَّح به في كلام الحسن في كتاب «الإيمان» لأحمد، و«صفة المنافق» لجعفر الفريابيِّ، ومن رجَّع الضَّمير إلى الله، فقد وهم في المقصود، نبَّه عليه ابن حجر.

( وَمَا يُحْذَرُ ) بالتَّشديد والتَّخفيف، و ( ما ) مصدريَّة عطف على خوف، أي: باب ما يحذر.

( عَلَى النِّفَاقِ ) في أكثر الرِّوايات: «على التَّقاتل».


(36) (باب خوف المؤمن من أن يحبطَ عملُه وهو لا يشعرُ) [1]

[1] ما بين قوسين زيادة من هامش (ر).





قالَ البخاري رحمه الله تعالى:

35 - بَابُ خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ [1] أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لاَ يَشْعُرُ

وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذِّبًا.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَدْرَكْتُ ثَلاَثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ.

وَيُذْكَرُ عَنِ الحَسَنِ: مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلاَ أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِقٌ.

وَمَا يُحْذَرُ مِنَ الإِصْرَارِ عَلَى النِّفَاقِ وَالعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135]

[1] قوله: ((من)) ليس في (ك).
#%ص184%





لا تتوفر معاينة

(36) قوله: (أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنَ الصَّحابة [1] كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ).

وقوله: (عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ): أي: على الدِّين القويم والصِّراط المستقيم.

قال ابن بطَّال: مذهب جميع أهل السُّنَّة [2] من سلف هذه [3] الأمَّة وخلفها: أنَّ الإيمان قولٌ وعملٌ، يزيد وينقص، والمعنى الذي يستحق [4] به العبد [5] المدح والولاية من المؤمنين؛ [هو إتيانه] بالتَّصديق بالقلب، والإقرار باللِّسان، والعمل بالجوارح، وأنَّه لو أقرَّ وعمل بلا اعتقاد، أو اعتقد وعمل وجحد بلسانه؛ لا يكون مؤمنًا.

[1] في «اليونينيَّة»: (أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
[2] (السنة): ليس في (ب).
[3] (هذه): ليس في (أ).
[4] في (أ): (لا يستحق).
[5] في (ب): (الذي يستحق العبادة).





هذا ((باب خوف المؤمن من أن يحْبَط)) على صيغة المعلوم، من باب (عَلِم يعْلَم) ؛ وهو البطلان، وقال النووي: المراد بالحبط: نقصان الإيمان وإبطال بعض العبادات لا الكفر، فإن الإنسان لا يكفر إلا بما يعتقده أو يفعل عالمًا بأنه يوجب الكفر، قال الشيخ الإمام بدر الدين العيني: وفيه نظر؛ لأنَّ الجمهور على أن الإنسان يكفر بكلمة الكفر وبالفعل الموجب للكفر وإن لم يعلم أنه كفر، انتهى، قلت: وهو ظاهر؛ فليحفظ.

((عمله)) ؛ أي: مِن حبط عمله، فـ (أن) مصدرية، و (مِن) في رواية ساقطة، و (أن) توجد، لكنها مقدرة؛ لأنَّ المعنى عليها، المراد: ثواب عمله، فالمضاف محذوف ((وهو لا يشْعُر)) به، جملة اسمية وقعت حالًا من باب (نَصَر ينْصُر) ؛ أي: لا يعلم ولا يفطن به.

لا يقال: إن ما قاله المؤلف يقوِّي مذهب الإحباطية؛ لأنَّ مذهبهم إحباط الأعمال بالسيئات وإذهابُها جملةً، فحكموا على العاصي بحكم الكافر؛ لأنَّ مراد المؤلف: إحباط ثواب ذلك العمل فقط؛ لأنَّه لا يثاب إلا على ما أخلص فيه، قاله القسطلاني.

قلت: وفيه نظر؛ لأنَّ إحباط ثواب العمل يكون غالبًا بسبب الرياء، وقد نص أئمتنا الأعلام على أن الرياء لا يدخل في الفرائض والواجبات؛ بمعنى: أنه لا يحبط ثوابها، وإنما يحبط الثواب في النوافل والطاعات المندوبة، فإن أخلص فيها؛ يبقى ثوابه الموعود به، وإن لم يخلص؛ حبط ثوابه، والمراد: أنه ينقص عن قدره المعلوم، لا يذهب بالكلية؛ لأنَّه تعالى وعد بعدم إضاعة ثواب الأعمال، والله أعلم.

ومراد المصنف هنا: الرد على المرجئة القائلين: بأن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط المطلقين الإيمان الكامل مع وجود المعصية.

((وقال إبراهيم)) بن يزيد بن شريك ((التيمي)) ؛ تيم الرِّباب؛ بكسر الراء، الكوفي، المتوفى سنة اثنتين وتسعين شهيدًا، قتله الحجاج بن يوسف، وقيل: مات في سجنه: ((ما عرضت قولي على [1] عملي إلا خشيت أن أكون مكذَّبًا)) ؛ بفتح الذال المعجمة؛ أي: أن يكذبني من رأى عملي مخالفًا لقولي، وإنما قال ذلك؛ لأنَّه كان يعظ الناس، وفي رواية: بكسر الذال؛ وهي رواية الأكثر؛ كما قاله الشيخ الإمام بدر الدين العيني، ومعناه: أنه لم يبلغ غاية العمل مع وعظه للناس، وقد ذم الله من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وقصَّر في العمل، فقال: {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ} [الصف: 3] ، فخشي أن يكون مكذِّبًا؛ أي: مشابهًا لهم، وقال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}؟ [البقرة: 44] .

وهذا التعليق وصله المؤلف في «تاريخه» عن أبي نعيم، وأحمد ابن حنبل في «الزهد»، عن ابن مهدي، كلاهما عن سفيان الثوري، عن أبي حيان التيمي، عن إبراهيم المذكور.

((وقال ابن أبي مُليكة)) ؛ بضم الميم: عبد الله-بفتح العين- ابن عبيد الله؛ بضمها، واسم أبي مليكة: زهير القرشي التيمي، المكي، الأحول، المؤذن، القاضي لابن الزبير، المتوفى سنة سبع عشرة ومئة: ((أدركت ثلاثين)) صحابيًّا ((من أصحاب النبي)) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) ((صلى الله عليه وسلم)) أجلَّهم السيدة عائشة، وأختها أسماء، وأم سلمة، والعبادلة الأربعة، وعقبة بن الحارث، والمِسور بن مَخرمة ((كلهم يخاف)) أي: يخشى ((النفاق)) في الأعمال ((على نفسه)) ؛ لأنَّ أعمارهم طالت حتى رأَوا من التغيير ما لم يعهدوه، مع عجزهم عن إنكاره، فخافوا أن يكونوا داهنوا بالسكوت، أو لأنَّه قد يَعرِض للمؤمن في عمله ما يشق به مما يخالف الإخلاص، ولا يلزم من خوفهم ذلك وقوعه منهم، وإنما ذلك على سبيل المبالغة منهم في الورع والتقوىرضي الله عنهم ((ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل)) عليهما السلام؛ لأنَّهما معصومان لا يطرأ عليهما ما يطرأ على غيرهما من البشر، وقد روى الطبراني في «الأوسط» مرفوعًا من حديث عائشة رضي الله عنها بإسناد ضعيف: «من شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؛ كان مؤمنًا كإيمان جبريل عليه السلام»، ونقل هذا عن إمامنا رأس المجتهدين الإمام الأعظم التابعي الجليل أنه قال: (إيماني كإيمان جبريل، ولا أقول: إيماني مثل إيمان جبريل) ؛ لأنَّ المثلية تقتضي المساواة في كل الصفات، والتشبيه لا يقتضي ذلك، بل يكفي لإطلاقه المساواة في بعض الصفات، لا يقال: إن الحديث ضعيف؛ لأنا نقول: اتصافه بالضعف حين وصوله إلينا، وحين وصوله للإمام الأعظم لا شك أنه صحيح يُعتمد عليه؛ لأنَّ الضعف لا يكون إلا بعد التابعين؛ لأنَّ النبي عليه السلام قد أثبت لهم الخيرية بقوله: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم»؛ وهم التابعون رضي الله عنهم أجمعين.

وما قيل: إن في هذا الأثر إشارة إلى أنهم كانوا يقولون بزيادة الإيمان ونقصانه؛ ممنوع؛ لأنَّه لا يفهم ذلك من حالهم، وإنما المفهوم من حالهم: أنهم كانوا خائفين سوء الخاتمة؛ لعدم العصمة، ويؤيده ما روي عن عائشة: أنها سألت النبي الأعظم عليه السلام عن قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [المؤمنون: 60] ، فقال: «هم الذين يصلون، ويصومون، ويتصدقون، ويخافون ألَّا يُتقبل منهم»، وقول بعض السلف في قوله تعالى: {وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: 47] : أعمال كانوا يحتسبونها حسنات بُدِّلت سيئات، والله أعلم.

((ويُذكَر)) على صيغة المجهول، لا يقال: إن هذه الصيغة تدل على الضعف؛ لأنَّها بصيغة التمريض؛ لأنَّ عادة المؤلف أن صيغة التمريض لا تدل على الضعف، بل يأتي بها إذا وقع تغيير من حيث النقل بالمعنى أو من حيث الاختصار، على أن هذا الأثر صحيح، ((عن الحسن)) البصري، وقد وصله جعفر الفريابي في كتاب «صفة المنافق» له من طرق متعددة: ((ما خافه)) ؛ أي: النفاق، وفي رواية: (عن الحسن أنه قال) ، وفي أخرى: (وما خافه) ((إلا مؤمن ولا أَمِنه)) ؛ بفتح الهمزة وكسر الميم ((إلا منافق)) ، وجعل النووي الضمير في (خافه) و (أَمِنه) لله تعالى، وتبعه الكرماني، قلت: وهو بعيد جدًّا؛ لأنَّ سياق الحسن البصري المروي عند الفريابي؛ حيث قال: (حدثنا قتيبة: حدثنا جعفر بن سليمان، عن المعلى بن زياد: سمعت الحسن يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلا هو؛ ما مضى مؤمن قط وما بقي إلا وهو من النفاق مشفق، ولا مضى منافق قط ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن) ، وهو عند أحمد بلفظ: (والله ما مضى مؤمن ولا بقي إلا وهو يخاف النفاق، ولا أمنه إلا منافق) ؛ يعيِّنُ إرادة المؤلف الأول؛ أعني: النفاق، وإليه أشار الشيخ الإمام بدر الدين العيني، وتبعه القسطلاني؛ فليحفظ.

((وما يُحذَر)) على صيغة المجهول؛ بتخفيف الذال المعجمة وتشديدها؛ كذا في «عمدة القاري»، و (ما) مصدرية، والجملة محلها الجرُّ عطفًا على حذف المؤمن؛ أي: وباب ما يحذر ((من الإصرار على القتال والعصيان من غير توبة)) ، وفي رواية: (على النفاق) بدل (القتال) ، وعليها شرح الإمام البدر العيني؛ وهي المناسِبة لما قدَّمه المؤلف، وفي الأولى مناسبة للحديث الآتي، وما قاله في «الفتح» من (الرواية الثانية لم تثبت) ، فقد رده القسطلاني بأنها ثبتت عن أبي ذر والسميساطي؛ كما رقم له بـ«فرع اليونينية»، وما بين الترجمتين من الأثار اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه، وفصل بها بينهما؛ لتعلقها بالأولى فقط، وأما الحديثان الآتيان؛ فالأول للثانية، والثاني للأولى؛ فهو لف ونشر مشوش؛ أي: غير مرتب، ومراد المؤلف: الرد على المرجئة؛ حيث قال: ((لقول الله تعالى)) وفي رواية: (عز وجل) ، وفي أخرى: (لقوله عز وجل) : (({وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا})) ولم يقيموا على ذنوبهم غير مستغفرين؛ لقوله عليه السلام فيما رواه الترمذي من حديث الصديق الأكبر رضي الله عنه: «ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة» (({وَهُمْ يَعْلَمُونَ})) [آل عمران: 135] حال مِن {يُصِرُّوا}؛ أي: ولم يصروا على قبيح فعلهم عالمين به، وروى أحمد من حديث ابن عمر مرفوعًا: «ويل للمصرين؛ الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون»؛ أي: يعلمون أن من تاب؛ تاب الله عليه، ثم لا يستغفرون، قاله مجاهد وغيره.

[1] ضرب على (على) في الأصل، ولعل الصواب ثبوتها.