متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

46- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُويسٍ الأصبحيُّ المدنُّي، المُتوفَّى سنة ستٍّ وعشرين ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنِي)؛ بالإفراد، وللأَصيليِّ: ((حدَّثنا)) (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) الإمام، وسقط عند الأَصيليِّ وابن عساكر قوله: ((ابن أنسٍ))، (عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ)، واسمُ أبي سُهيلٍ: نافعٌ المدنيِّ، (عَنْ أَبِيهِ) مالك بن أبي عامرٍ (أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ) بن عثمان القرشيَّ التَّيميَّ، أحد العشرة المُبشَّرة بالجنَّة، المقتول يوم الجمل لعشرٍ خَلَوْنَ من جمادى الأولى سنة ستٍّ وثلاثين، ودُفِنَ بالبصرة، وله في «البخاريِّ» أربعة أحاديثَ (يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ)؛ هو ضمام بن ثعلبة أو غيره (إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ)؛ بفتح النُّون وسكون الجيم، وهو _كما في «العباب» وغيره_ ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((جاء رجلٌ من أهل نجدٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم)) (ثَائِرُ) _بالمُثلَّثة_ أي: متفرِّق شعر (الرَّأْسِ) من عدم الرَّفاهيَة، فحُذِف المضافُ؛ للقرينة العقليَّة، أو أُطلِقَ اسم الرَّأس على الشَّعر؛ لأنَّه نبت منه، كما يُطلَق اسم السَّماء على المطر، أو مبالغةً بجعل الرَّأس كأنَّها المنتفشة، و«ثائرُ»: بالرَّفع صفةٌ لـ: «رجل»، أو بالنَّصب على الحال، ولا يضرُّ إضافتها؛ لأنَّها لفظيَّةٌ (نسْمَعُ) بنون الجمع (دَوِيَّ صَوْتِهِ) _بفتح الدَّال، وكسر الواو، وتشديد الياء_ منصوبٌ مفعولًا به، (وَلَا نفْقَهُ)؛ بنون الجمع كذلك، (مَا يَقُولُ)؛ أي: الذي يقوله، في محلِّ نصبٍ على المفعوليَّة، وفي رواية ابن عساكر: ((يُسمَع)) ((ولا يُفقَه))؛ بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة فيهما مبنيًّا لِمَا لم يُسمَّ فاعله، و((دويُّ)) و((ما يقول)) نائبان عنه، والدَّويُّ: شدَّة الصَّوت وبُعْدُه في الهواء، فلا يُفهَمُ منه شيءٌ، (حَتَّى دَنَا)؛ أي: إلى أن قَرُبَ فهمناه، (فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ)؛ أي: عن أركانه وشرائعه بعد التَّوحيد والتَّصديق، أو عن حقيقته، واستُبعِد هذا؛ من حيث إنَّ الجواب يكون غير مطابقٍ للسُّؤال، وهو قوله: (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم): هو (خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ)، أو خذ خمسَ صلواتٍ، ويجوز الجرُّ بدلًا من «الإسلام»، فظهر أنَّ السُّؤال وقع عن أركان الإسلام وشرائعه، ووقع الجواب مطابقًا له، ويؤيِّده ما في رواية إسماعيل بن جعفرٍ عند المؤلِّف في «الصِّيام» [خ¦1891] أنَّه قال: أخبرني ماذا فرض الله عليَّ من الصَّلاة؟ وليست [1] الصَّلوات الخمس عين الإسلام، ففيه حذفٌ تقديره: إقامة خمس صلواتٍ في اليوم واللَّيلة، وإنَّما لم يذكر له الشَّهادة؛ لأنَّه علم أنَّه يعلمها، أو علم أنَّه إنَّما يسأل عن الشَّرائع الفعليَّة، أو ذكرها فلم ينقلها الرَّاوي؛ لشهرتها، (فَقَالَ) الرَّجل المذكور، ولابن عساكر: ((قال)): (هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا)؟ _بالرَّفع_ مبتدأٌ مُؤخَّرٌ، خبره: «عليَّ»، (قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (لَا) شيءَ عليك غيرُها، وهو حجَّةٌ على الحنفيَّة حيث أوجبوا الوترَ، وعلى الإصطخريِّ من الشَّافعيَّة حيث قال: إنَّ صلاة العيدين فرضُ كفاية، (إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ)؛ استثناءٌ من قوله: «لا»، منقطعٌ؛ أي: لكنَّ التطوَّعَ مُستحَبٌّ لك، وعلى هذا لا تلزم النَّوافل بالشُّروع فيها، لكن يُستحَبُّ إتمامها ولا يجب، وقد روى النَّسائيُّ وغيره: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان أحيانًا ينوي صوم التَّطوُّع ثمَّ يفطر، وفي «البخاريِّ»: أنَّه أمر جويرية بنت الحارث أن تفطر يوم الجمعة بعد أن شرعت فيه» [خ¦1986] ، فدلَّ على أنَّ الشُّروع في النَّفل لا يستلزم الإتمام، فهذا النَّصُّ في الصَّوم، والباقي [2] بالقياس، ولا يرد الحجُّ؛ لأنَّه امتاز عن غيره بالمضيِّ في فاسده، فكيف في صحيحه؟ أو الاستثناء متَّصلٌ على الأصل، واستُدلَّ به على أنَّ الشُّروع في التَّطوُّع يلزم إتمامه، وقرَّره القرطبيُّ من المالكيَّة: بأنَّه نفيُ وجوب شيءٍ آخرَ؛ أي: إلَّا ما تطوَّع به، والاستثناء من النَّفيِ إثباتٌ [/ج1ص133/] ولا قائلَ بوجوب التَّطوُّع، فتعيَّن أن يكون المُرَاد: إلَّا أن تشرع في تطوُّعٍ، فيلزمك إتمامه، وفي «مُسنَد أحمد» من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: أصبحت أنا وحفصةُ صائمتين، فأُهدِيتْ لنا شاةٌ فأكلْنا، فدخل علينا النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرناه، فقال: «صُوما يومًا مكانه»، والأمر للوجوب، فدلَّ على أنَّ الشُّروع مُلزِمٌ، (قَالَ): وفي رواية أبي الوقت والأَصيليِّ: ((فقال)) (رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: وَصِيَامُ) بالرَّفع [3] عطفًا على «خمس صلوات»، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((وصوم)) (رَمَضَانَ. قَالَ) الرَّجل: (هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ)، فلا يلزمك إتمامه إذا شرعت فيه، أو إلَّا إذا تطوَّعت؛ فالتَّطوُّع يلزمك إتمامه؛ لقوله تعالى: {ولا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] ، وفي استدلال الحنفيَّة نظرٌ، لأنَّهم لا يقولون بفرضيَّة الإتمام، بل بوجوبه واستثناء الواجب من الفرض منقطعٌ لتباينهما، وأيضًا: فإنَّ الاستثناء عندهم من النَّفيِ ليس للإثبات، بل مسكوتٌ عنه، كما قاله في «الفتح»، (قَالَ) الرَّاوي طلحةُ بن عبيد الله: (وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الزَّكَاةَ، قَالَ)، وفي رواية الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: ((فقال)) الرَّجل المذكور: (هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ، قَالَ) الراوي: (فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ)؛ من الإدبار؛ أي: تَوَلَّى (وَهُوَ يَقُولُ)؛ أي: والحالُ أنَّه يقول: (وَاللهِ لَا أَزِيدُ) في التَّصديق والقَبول (عَلَى هَذَا، وَلَا أَنْقُصُ) منه شيئًا؛ أي: قبلت كلامك قبولًا لا مَزِيدَ عليه من جهة السُّؤال، ولا نقصانَ فيه من طريق القبول، أو لا أَزِيدُ على ما سمعت، ولا أنقص منه عند الإبلاغ؛ لأنَّه كان وافدَ قومه؛ ليتعلَّم ويعلِّمهم، لكن يعكِّر عليهما رواية إسماعيل بن جعفر حيث قال: لا أتطوَّع شيئًا، ولا أنقص ممَّا فرض الله عليَّ شيئًا [خ¦1891] ، أو المُرَاد: لا أغيِّر صفة الفرض؛ كمن ينقص الظُّهر مثلًا ركعةً، أو يزيدُ المغربَ، (قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَفْلَحَ) الرَّجل؛ أي: فاز (إِنْ صَدَقَ) في كلامه، واستُشكِل كونه أثبت له الفلاح بمُجرَّد ما ذكر، وهو لم يذكر له جميع الواجبات ولا المنهيَّات ولا المندوبات، وأُجِيب: بأنَّه داخلٌ في عموم قوله في حديث إسماعيل بن جعفرٍ المرويِّ عند المؤلِّف في «الصِّيام» [خ¦1891] بلفظ: فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام، فإن قلت: أمَّا فلاحه بأنَّه لا ينقص؛ فواضحٌ، وأمَّا بألَّا يزيد فكيف يصحُّ؟ أجاب النَّوويُّ: بأنَّه أثبت له الفلاح؛ لأنَّه أتى بما عليه، وليس فيه أنَّه إذا أتى بزائدٍ على ذلك؛ لا يكون مفلحًا؛ لأنَّه إذا أفلح بالواجب؛ ففلاحه بالمندوب مع الواجب أَوْلى.

وفي هذا الحديث: أنَّ السَّفر والارتحال لتعلُّم العلم مشروعٌ، وجواز الحلف من غير استحلافٍ ولا ضرورةٍ، ورجاله كلُّهم مدنيُّون، وتسلسلٌ بالأقارب؛ لأنَّ إسماعيل يرويه [4] عن خاله عن عمِّه عن أبيه، وأخرجه أيضًا في «الصَّوم» [خ¦1891] ، وفي «ترك الحيل» [خ¦6956] ، وأخرجه مسلمٌ في «الإيمان»، وأبو داودَ في «الصَّلاة»، والنَّسائيُّ فيها وفي «الصَّوم».

[1] في غير (م): «وليس».
[2] في (م): «والثاني».
[3] «بالرَّفع»: ليس في (م).
[4] في (م): «يروي».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

46-. حدَّثنا إِسْماعِيلُ، قالَ: حدَّثني [1] مالِكُ بنُ أَنَسٍ [2] ، عن عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بنِ مالِكٍ، عن أَبِيهِ:

أَنَّه سَمِعَ طَلْحَةَ بنَ عُبَيْدِ اللَّهِ يقول: جاءَ رَجُلٌ إِلىَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ [3] ، ثائرَ الرَّأسِ، يُسْمَعُ [4] دَوِيُّ [5] صَوْتِهِ وَلا يُفْقَهُ [6] ما يقول، حتَّىَ دَنا فَإِذا هو يَسْأَلُ عن الإِسْلامِ، فقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَمْسُ صَلَواتٍ فِي اليَوْمِ واللَّيْلَةِ». فقالَ [7] : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُها؟ قالَ: «لا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ [8] ». قالَ [9] رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَصِيامُ [10] رَمَضانَ». قالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قالَ: «لا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ». قالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزَّكاةَ، قالَ [11] : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُها؟ قالَ: «لا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ». قالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وهو يقول: واللَّهِ لا أَزِيدُ عَلَىَ هَذا وَلا أَنْقُصُ. قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ».

[1] في رواية الأصيلي: «حدَّثنا».
[2] قوله: «بن أنس» ليس في رواية الأصيلي وابن عساكر.
[3] في رواية أبي ذر: «جاءَ رَجُلٌ من أهل نجد إلىَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».
[4] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«يَسْمَعُ».
[5] ضبطت في (ن): بضمِّ الدال، قال القاضي في المشارق: بفتح الدال وكسر الواو، وجاء عندنا في البخاري بضم الدال، والصواب فتحها.اهـ.
[6] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«يَفْقَهُ»، وفي رواية أبي ذر وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ وَلا نَفْقَهُ».
[7] في رواية ابن عساكر: «قال».
[8] في هامش (ص، ب): طاء (تطوَّع) مخفَّفة في اليونينية في المواضع الثلاثة، وقال في الفتح: (تطَّوَّع) بتشديد الطاء والواو، وأصله تتطوع بياءين، فأدغمت أحدهما، ويجوز تخفيف الطاء على حذف أحدهما.اهـ.
[9] في رواية الأصيلي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «فقال».
[10] في رواية أبي ذر: «وصوم».
[11] في رواية أبي ذر والأصيلي: «فقال».





46- ( جَاءَ رَجُلٌ ) هو ضِمَام بن ثعلبة.

( ثَائِرُ الرَّأْسِ ) بالرفع على الصفة، وبالنصب على الحال، أي: منتشر الشعر.

( نسْمَعُ ونفقَهُ ) بالنون المفتوحة، والياء المثناة [ تحت] المضمومة [على البناء] [1] لما لم يسمَّ فاعله، وبالنون أشهر.

( دَوِيُّ ) بفتح الدال، وحكي ضمها: شدَّةُ الصوت وبُعده في الهواء.

( فَإِذَا هُوَ ) ( إذا ) للمفاجأة، ويجوز في ( يَسْأَلُ ) الخبرية والحالية على ما سبق في «فإذا هو جالس».

( خَمْسُ صَلَوَاتٍ ) مرفوع؛ لأنَّه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو، أي: الإسلام خمس صلوات. [/ج1ص43/]

( تَطَوَّعَ ) يُروى بتشديد الطاء وتخفيفها، وأصله: تتطوع بتاءين، فمن شدَّد أدغم إحدى التائين في الطاء لقرب المخرج، ومن خفَّف حذف إحدى التاءين اختصارًا لتخف الكلمة.

( أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ ) فيه ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنَّه أخبر بفلاحه ثم أعقبه بالشرط المتأخر؛ لينبه على أن سبب فلاحِه صدقه.

الثَّاني: أنَّه فعل ماض أريد به مستقبل.

الثَّالثُ: أنَّه فِعل تقَدَّم عَلَى حرف الشَّرط وَالنيَّة بِهِ التَّأْخِيرُ، كما أن النية في قوله: ( إِنْ صَدَقَ ) التقديم، والتقدير: إن صدَق أفلح.

[1] ما بين معقوفين هذه والتي قبلها زيادة من [ف] .





46# (أَبي سُهَيْلِ) على التصغير.

(جَاءَ رَجُلٌ) قال القاضي: هو ضمامُ بنُ ثعلبةَ أخو بني سعدِ بنِ بكرٍ، وكذا قال ابن بطَّال وغيره، واستشكلَه القرطبيُّ بأنَّ ضمامًا إنما هو في حديث أنس، أمَّا في حديث طلحة، فلا، فاستظهر [1] أن يكونا قصَّتين [2] ؛ لتباين الألفاظ.

(ثَائِرُ الرَّأْسِ) بثاء مثلثة وهمزة بعد الألف، منتفشُ الشعر قائمُه، ويرفع [3] على أنَّه صفة رجل، ويُنصب على أنَّه حال منه، وإن كان نكرة؛ لأنه وُصف.

(نَسْمَعُ وَنَفْقَهُ) بالنون المفتوحة، وبالياء المثناة من تحت المضمومة على البناء للمجهول، والأول أشهرُ.

(دَوِيُّ) بفتح الدال المهملة، وحكي ضمها: شدةُ الصوتِ وبُعْدُه في الهواء.

(خَمْسُ صَلَوَاتٍ) هو وما بعده مرفوع، والمبتدأ محذوف؛ أي: الإسلام.

(إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ) الاستثناء متصلٌ عند من يرى لزوم التطوع بالشروع كمالك، ومنقطعٌ عند من يقول: لا يلزم بذلك كالشافعي، والأول هو الأصل [4] .

و((تَطَّوع)): يروى بتشديد الطاء، والأصل: تتطوع، فأبدل التاء الثانية طاءً وأدغم، ويروى بتخفيفها على حذف إحدى التاءين

@%ج1ص63%

اختصارًا لتخفَّ [5] الكلمة، وهل [6] المحذوف الثانية، وهو الصحيح، أو الأولى [7] ؟ قولان.

ولا يخفى أن هذا الرجل إنما وفد بالمدينة، وأقل ما قيل فيه: إنه وفد سنة خمس، وقد تقرر في ذلك الزمن النهيُ عن أمور؛ كالقتل، والزنا، والعقوق، والظلم، والسرقة، فثبت أن عليه وظائفَ أُخَرَ غيرَ الصلاة والزكاة والصيام.

وأجاب ابن المنير: بأنه عليه السلام كان يجيبُ بما تقتضيه الحال، وبالأهم [8] فالأهم؛ إذ لا يمكن بيان الشريعة دفعة واحدةً، لا سيما لحديثِ عهدٍ بالإسلام.

(لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا، وَلاَ أَنْقُصُ) أحسنُ ما يقال فيه: أن المعنى: أُبلِّغها قومي على ما سمعتُها من غير زيادةٍ ولا نقصٍ؛ لأنه كان وافدًا لهم ليتعلم ويعلمهم، قاله ابن المنير.

فإن قلت: في كتاب: الصيام: ((والَّذي أكرَمَكَ! لا أتطَوَّعُ شيئًا، وَلا أَنْقُصُ ممَّا فرَضَ اللهُ عليَّ شيئًا))، فهذا مما يدفع هذا التأويل.

قلت: راوي ما في الصيام هو طلحة، وما هنا من رواية أنس، وقد مرَّ قريبًا أن القرطبي جعلها قصتين [9] ، فتأمله.

(أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ) قال الزركشي [10] : معناه ظاهرٌ باعتبار ما تقدم.

قال الزركشي: وفيه ثلاثة أقوال:

الأول: أخبر بفلاحه، ثم أعقبه بالشرط؛ لينبِّه على سبب [11] فلاحه.

الثاني: هو ماض أريد به مستقبل.

الثالث: هو على التقديم والتأخير؛ أي: إن صدق أفلح. قلت: ليس في الثلاثة ما يثلج [12] به الصدر [13] .

وفي «القبس»: إنما قال له النبي صلى الله عليه وسلم ذلك؛ لأنه كان أول ما أسلم، فأراد أن يطمئن [14] فؤاده عليها، وبعد ذلك يفعلُ ما سواها [15] بما يظهر [16] من ترغيب الإسلام.

@%ج1ص64%

[1] في (ق): ((واستظهر)).
[2] في (ق): ((قضيتين)).
[3] ((ويرفع)): ليست في (م) و(ج).
[4] في (ق): ((والأصل هو الأول)).
[5] في (ق): ((للحق)).
[6] في (د): ((وهي)).
[7] في (ق): ((لأولى)).
[8] في (ق): ((والأهم)).
[9] في (د) و(ج) و(ق): ((قضيتين)).
[10] ((قال الزركشي)): ليست في (ق).
[11] في (د): ((نسب)).
[12] في (م) و(د): ((يفلج)).
[13] في (د): ((الصدور)).
[14] في (ق): ((يطهر)).
[15] في (د) و(ج): ((تهواها)).
[16] في (د): ((يرغب)).





46- قوله: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ): تقدَّم غيرَ مرَّةٍ أنَّه إسماعيلُ بنُ أبي أُويس عبدُ الله، وأنَّه [1] ابن أخت مالكٍ الإمامِ.

قوله: (عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيلِ بْنِ مَالِكٍ): اسمُ أبي سُهيلٍ عمِّ مالكِ بن أنسٍ الإمامِ نافعٌ، روى عنِ ابن عمر، وسهل بن سعد، وأنس، وأبيه، وغيرِهم، وعنه مع ابن أخيه: الزُّهريُّ مع تقدُّمه، وآخرون، وثَّقه أحمدُ وأبو حاتم، قال الواقديُّ: (كان يُؤخَذُ عنه القراءة بالمدينة، بقي إلى إمارة السَّفَّاح) ، وقد تقدَّم، أخرج له الجماعةُ.

قوله: (عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيدِ اللهِ): هذا فيه تصريحٌ مِن مالك بن أبي عامر الأصبحيِّ جدِّ الإمامِ مالكِ بن أنس أنَّه سمع طلحةَ بن عبيد الله، وقد توقَّفَ في ذلك الدِّمياطيُّ الحافظ أبو محمَّد عبد المؤمن بن خلف شيخ شيوخي، وسيأتي ما في ذلك؛ حيث ذكره الدِّمياطيُّ في «حواشيه» في أوَّل (كتاب الصوم) ، وأتعقَّبُه هناك إن شاء الله تعالى.

قوله: (أَنَّه سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيدِ اللهِ يَقُولُ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ): هذا الرجلُ هو ضِمامُ بنُ ثعلبةَ السَّعديُّ، ذكره ابنُ طاهرٍ وابن بشكوال كذلك، وقد عزاه ابنُ بشكوال إلى ابن إسحاقَ، والبخاريِّ في «صحيحه»، والنَّسائيِّ، وغيرِهم، قال [2] ابنُ شيخنا العراقيُّ: (قلتُ: ضِمام بن ثعلبةَ هو السَّائلُ في حديث أنسٍ -كما [3] سيأتي- لا [4] في حديث طلحةَ، والظاهرُ: أنَّهما قِصَّتان [5] ، نبَّه عليه شيخُنا الإمامُ أبو حفصٍ [6] البُلقينيُّ) انتهى.

وقال ابن شيخنا البلقينيِّ بعد أن ذكر أنَّه ضِمام قال: (كذا قال ابنُ بطَّال وغيرُه، وفيه [/ج1ص31/] نظرٌ؛ لأنَّ ضِمامًا إنَّما هو في حديث أنس [7] ، أمَّا في حديث طلحةَ؛ فلا، والظاهرُ: أنَّهما قضيتان؛ لتبايُن الألفاظ، نبَّه عليه القُرطبيُّ) انتهى.

وكذا نقل حافظُ عصري ذلك عنِ البُلقينيِّ، وأنَّ الظاهر أنَّه غيرُه؛ لاختلاف السِّياقينِ قال: وهو كما قال، انتهى.

وقال السُّهيليُّ في الوفود من «الرَّوض» بعد أن ذكر حديث ضِمام قال: (وهو [8] الذي قال فيه طلحةُ بن عُبيد الله: جاء أعرابيٌّ مِن أهل نجدٍ ثائرَ الرأس) انتهى، فوافقَ مَن ذُكر عنه ذلك، وسيأتي الكلامُ على ضِمام، ومتى قَدِمَ في (باب القراءة والعرض على المحدث) .

قوله: (مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ): هي ما بينَ جُرَشَ إلى الكوفةِ، وحدُّه ممَّا يلي المغرب الحجاز، وعن يسار الكعبة اليمن كذلك، ونجدٌ كلُّها من عمل اليمامة.

قوله: (ثَائِر الرَّأْسِ): هو بالثاءِ المثلَّثة؛ أي: منتشرُ الشَّعر منتفِشُه قائمُه، وهو مرفوعٌ صفةً لـ (رَجُلٌ) ، ويجوزُ نصبُه على الحال.

قوله: (نَسْمَعُ... وَنَفْقَهُ): بالنون المفتوحة مبنيَّان للفاعل، وبالمثنَّاة تحت المضمومة مبنيَّان للمفعول؛ روايتان، والنونُ أشهرُ وأكثرُ.

قوله: (دَوِيّ صَوْتِهِ): بفتح الدَّال المهملة، قال في «المطالع» بعد أن ذكر الفتح: (وجاء عندنا في «البخاريِّ»: ضمُّ الدال، والأوَّل أصوبُ؛ وهو شِدَّة الصَّوت وبُعده في الهواء) .

قوله: (خَمْسُ صَلَوَاتٍ): هو مرفوعٌ غيرُ منوَّنٍ، وهو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: هي خمسُ صلوات، والله أعلم، وكذا قوله: (وَصِيَامُ) .

قوله: (إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ): اختُلف في هذا الاستثناء، فقال الشَّافعيُّ وأصحابُه وغيرُهم ممَّن يقول: لا تلزم النوافل بالشروع: هو منقطعٌ؛ تقديرُه: لكن إن تطوَّعتَ؛ فهو خيرٌ لك، وقال آخرون: متَّصلٌ، وهؤلاء يقولون: يلزمُ التَّطوُّعُ بالشروع؛ لأنَّه الأصلُ في الاستثناء، وقد قال تعالى: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] ، وبالقياس على حجِّ التطوُّع وعمرتِه.

قوله: (وَصِيَامُ رَمَضَانَ): فيه دليلٌ على جواز قولِ (رمضان) مِن غير إضافةٍ إلى (شهرٍ) ، والمسألةُ ذكرها البخاريُّ في (الصوم) ، وهو والمحقِّقون على جوازِه، وكان عطاءٌ ومجاهدٌ يكرهان أن يُقال: (رمضان) ، وإنَّما يُقال كما قال الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ} [البقرة: 185] ، وحُكي أيضًا عنِ الحسن [9] ، والطريقُ إليه وإلى مجاهدٍ ضعيفةٌ، وهو قولُ أصحاب مالكٍ.

وفي المسألة قولٌ ثالثٌ، وهو قولُ أكثر الشَّافعيَّة: إنْ كان هناك قرينةٌ تصرفُه إلى الشَّهر؛ فلا كراهةَ، وإلَّا؛ فيُكره، قالوا: فيُقال: (قُمنا [10] رمضان) ، و (رمضانُ أفضلُ الشُّهور) ، وإنَّما يُكرَه أن يُقال: (جاء رمضان) ، و (حضر رمضان) ، وأمَّا الحديثُ الذي في «كامل ابن عديٍّ» من حديث أبي هريرةَ مرفوعًا: «لا تقولوا: رمضانَ؛ فإنَّ رمضانَ اسمٌ مِن أسماء الله عزَّ وجلَّ، ولكن قولوا: شهرُ رمضان»؛ فقال أبو حاتم: إنَّه خطأ، وإنَّما هو مِن قول أبي هريرةَ، وقد عزا هذا الحديث الشَّيخُ محيي الدين النوويُّ في «تهذيبه» إلى البيهقيِّ قال: (وضعَّفه، والضعفُ عليه بيِّن) انتهى، وقد ذكر هذا الحديث القُرطبيُّ في «مُفهمه» وقال: (ليس بصحيحٍ من حديثِ أبي معشرٍ نجيحٍ، وهو ضعيفٌ) انتهى.

وذكره أيضًا الذهبيُّ في «ميزانه» في ترجمة أبي معشرٍ المذكور، وكذا ذكرَه أبو الفرج بن الجوزيِّ في «موضوعاته»، فقال: (حديثٌ موضوعٌ) ، ثمَّ ذكر أبا معشرٍ بالضَّعْف.

قوله: (وَلَا أَنْقُصُ): هو بفتح الهمزة، وضمِّ القاف، وهذا ظاهرٌ.

[1] (عبد الله وأنه): ليس في (ب) .
[2] في (ب): (وقال) .
[3] في (ب): (لما) .
[4] (لا): ليس في (ب) .
[5] في (ب): (قضيتان) .
[6] (الإمام أبو حفص): وضعت في (ب) في غير محلها.
[7] زيد في (ب): (أما في حديث أنس) .
[8] في (ج): (هو) .
[9] في (ب): (وحكي عنِ الحسن أيضًا) .
[10] في (ب): (في) .





46- (ثَائِرُ الرَّأْسِ): مرفوعٌ صفةً لـ (رَجُلٌ)، وقيل: منصوبٌ على الحالِ.

فإِنْ قلتَ: شرطُ الحال أَنْ يكونَ نكرةً، وهو مضافٌ فيكونُ معرفةً؛ قلتُ: إضافتُه لفظيَّةٌ، فلا تُفيدُ إلَّا تخصيصًا.

وقال الطِّيبيُّ: («ثَائِرَ» ينتصبُ على الحالِ من «رَجُلٌ» لوصفِه، والرَّفعُ فيه حَسَنٌ على الصِّفةِ لولا الرِّوايةُ بالنَّصبِ).

(نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ وَلَا نَفْقَهُ): بالنُّونِ المفتوحةِ مبنيَّانِ للفاعلِ، و (دَوِيَّ): منصوبٌ مفعولٌ. وبالمثنَّاةِ تحتُ المضمومةِ مبنيَّانِ للمفعول، و (دَوِيُّ) بالرَّفعِ قائمٌ مَقامَ الفاعلِ.

(فَإِذَا هُوَ): (إِذَا) للمفاجأةِ، ويجوزُ في (يَسْأَلُ) الخبريَّةَ والحاليَّةَ.

(خَمْسُ صَلَوَاتٍ): مرفوعٌ غيرُ منوَّنٍ، خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: (هي)، وكذا قوله: (وَصِيَامُ).

(تَطَّوَّعَ) بتشديد «الطَّاء» و«الواو»، على إدغامِ إحدى «التَّاءين» في «الطَّاء».

وقيل: يجوزُ تخفيفُ «الطَّاء» على الحذفِ، والأصليَّةُ أَولى بالإسقاطِ مِنَ العارضةِ الزَّائدةِ؛ لأنَّ الزائدةَ إنَّما دخلتْ لإظهارِ معنًى، فلا تُحذَفُ؛ لئلَّا يزولَ العارضُ [1] الَّذي لأجلِهِ دَخَلَتْ.

[1] في «الكواكب الدراري» (1/181): (الغرض) بدل: (العارض).





46- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُويسٍ الأصبحيُّ المدنُّي، المُتوفَّى سنة ستٍّ وعشرين ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنِي)؛ بالإفراد، وللأَصيليِّ: ((حدَّثنا)) (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) الإمام، وسقط عند الأَصيليِّ وابن عساكر قوله: ((ابن أنسٍ))، (عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ)، واسمُ أبي سُهيلٍ: نافعٌ المدنيِّ، (عَنْ أَبِيهِ) مالك بن أبي عامرٍ (أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ) بن عثمان القرشيَّ التَّيميَّ، أحد العشرة المُبشَّرة بالجنَّة، المقتول يوم الجمل لعشرٍ خَلَوْنَ من جمادى الأولى سنة ستٍّ وثلاثين، ودُفِنَ بالبصرة، وله في «البخاريِّ» أربعة أحاديثَ (يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ)؛ هو ضمام بن ثعلبة أو غيره (إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ)؛ بفتح النُّون وسكون الجيم، وهو _كما في «العباب» وغيره_ ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((جاء رجلٌ من أهل نجدٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم)) (ثَائِرُ) _بالمُثلَّثة_ أي: متفرِّق شعر (الرَّأْسِ) من عدم الرَّفاهيَة، فحُذِف المضافُ؛ للقرينة العقليَّة، أو أُطلِقَ اسم الرَّأس على الشَّعر؛ لأنَّه نبت منه، كما يُطلَق اسم السَّماء على المطر، أو مبالغةً بجعل الرَّأس كأنَّها المنتفشة، و«ثائرُ»: بالرَّفع صفةٌ لـ: «رجل»، أو بالنَّصب على الحال، ولا يضرُّ إضافتها؛ لأنَّها لفظيَّةٌ (نسْمَعُ) بنون الجمع (دَوِيَّ صَوْتِهِ) _بفتح الدَّال، وكسر الواو، وتشديد الياء_ منصوبٌ مفعولًا به، (وَلَا نفْقَهُ)؛ بنون الجمع كذلك، (مَا يَقُولُ)؛ أي: الذي يقوله، في محلِّ نصبٍ على المفعوليَّة، وفي رواية ابن عساكر: ((يُسمَع)) ((ولا يُفقَه))؛ بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة فيهما مبنيًّا لِمَا لم يُسمَّ فاعله، و((دويُّ)) و((ما يقول)) نائبان عنه، والدَّويُّ: شدَّة الصَّوت وبُعْدُه في الهواء، فلا يُفهَمُ منه شيءٌ، (حَتَّى دَنَا)؛ أي: إلى أن قَرُبَ فهمناه، (فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ)؛ أي: عن أركانه وشرائعه بعد التَّوحيد والتَّصديق، أو عن حقيقته، واستُبعِد هذا؛ من حيث إنَّ الجواب يكون غير مطابقٍ للسُّؤال، وهو قوله: (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم): هو (خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ)، أو خذ خمسَ صلواتٍ، ويجوز الجرُّ بدلًا من «الإسلام»، فظهر أنَّ السُّؤال وقع عن أركان الإسلام وشرائعه، ووقع الجواب مطابقًا له، ويؤيِّده ما في رواية إسماعيل بن جعفرٍ عند المؤلِّف في «الصِّيام» [خ¦1891] أنَّه قال: أخبرني ماذا فرض الله عليَّ من الصَّلاة؟ وليست [1] الصَّلوات الخمس عين الإسلام، ففيه حذفٌ تقديره: إقامة خمس صلواتٍ في اليوم واللَّيلة، وإنَّما لم يذكر له الشَّهادة؛ لأنَّه علم أنَّه يعلمها، أو علم أنَّه إنَّما يسأل عن الشَّرائع الفعليَّة، أو ذكرها فلم ينقلها الرَّاوي؛ لشهرتها، (فَقَالَ) الرَّجل المذكور، ولابن عساكر: ((قال)): (هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا)؟ _بالرَّفع_ مبتدأٌ مُؤخَّرٌ، خبره: «عليَّ»، (قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (لَا) شيءَ عليك غيرُها، وهو حجَّةٌ على الحنفيَّة حيث أوجبوا الوترَ، وعلى الإصطخريِّ من الشَّافعيَّة حيث قال: إنَّ صلاة العيدين فرضُ كفاية، (إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ)؛ استثناءٌ من قوله: «لا»، منقطعٌ؛ أي: لكنَّ التطوَّعَ مُستحَبٌّ لك، وعلى هذا لا تلزم النَّوافل بالشُّروع فيها، لكن يُستحَبُّ إتمامها ولا يجب، وقد روى النَّسائيُّ وغيره: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان أحيانًا ينوي صوم التَّطوُّع ثمَّ يفطر، وفي «البخاريِّ»: أنَّه أمر جويرية بنت الحارث أن تفطر يوم الجمعة بعد أن شرعت فيه» [خ¦1986] ، فدلَّ على أنَّ الشُّروع في النَّفل لا يستلزم الإتمام، فهذا النَّصُّ في الصَّوم، والباقي [2] بالقياس، ولا يرد الحجُّ؛ لأنَّه امتاز عن غيره بالمضيِّ في فاسده، فكيف في صحيحه؟ أو الاستثناء متَّصلٌ على الأصل، واستُدلَّ به على أنَّ الشُّروع في التَّطوُّع يلزم إتمامه، وقرَّره القرطبيُّ من المالكيَّة: بأنَّه نفيُ وجوب شيءٍ آخرَ؛ أي: إلَّا ما تطوَّع به، والاستثناء من النَّفيِ إثباتٌ [/ج1ص133/] ولا قائلَ بوجوب التَّطوُّع، فتعيَّن أن يكون المُرَاد: إلَّا أن تشرع في تطوُّعٍ، فيلزمك إتمامه، وفي «مُسنَد أحمد» من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: أصبحت أنا وحفصةُ صائمتين، فأُهدِيتْ لنا شاةٌ فأكلْنا، فدخل علينا النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرناه، فقال: «صُوما يومًا مكانه»، والأمر للوجوب، فدلَّ على أنَّ الشُّروع مُلزِمٌ، (قَالَ): وفي رواية أبي الوقت والأَصيليِّ: ((فقال)) (رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: وَصِيَامُ) بالرَّفع [3] عطفًا على «خمس صلوات»، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((وصوم)) (رَمَضَانَ. قَالَ) الرَّجل: (هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ)، فلا يلزمك إتمامه إذا شرعت فيه، أو إلَّا إذا تطوَّعت؛ فالتَّطوُّع يلزمك إتمامه؛ لقوله تعالى: {ولا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] ، وفي استدلال الحنفيَّة نظرٌ، لأنَّهم لا يقولون بفرضيَّة الإتمام، بل بوجوبه واستثناء الواجب من الفرض منقطعٌ لتباينهما، وأيضًا: فإنَّ الاستثناء عندهم من النَّفيِ ليس للإثبات، بل مسكوتٌ عنه، كما قاله في «الفتح»، (قَالَ) الرَّاوي طلحةُ بن عبيد الله: (وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الزَّكَاةَ، قَالَ)، وفي رواية الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: ((فقال)) الرَّجل المذكور: (هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ، قَالَ) الراوي: (فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ)؛ من الإدبار؛ أي: تَوَلَّى (وَهُوَ يَقُولُ)؛ أي: والحالُ أنَّه يقول: (وَاللهِ لَا أَزِيدُ) في التَّصديق والقَبول (عَلَى هَذَا، وَلَا أَنْقُصُ) منه شيئًا؛ أي: قبلت كلامك قبولًا لا مَزِيدَ عليه من جهة السُّؤال، ولا نقصانَ فيه من طريق القبول، أو لا أَزِيدُ على ما سمعت، ولا أنقص منه عند الإبلاغ؛ لأنَّه كان وافدَ قومه؛ ليتعلَّم ويعلِّمهم، لكن يعكِّر عليهما رواية إسماعيل بن جعفر حيث قال: لا أتطوَّع شيئًا، ولا أنقص ممَّا فرض الله عليَّ شيئًا [خ¦1891] ، أو المُرَاد: لا أغيِّر صفة الفرض؛ كمن ينقص الظُّهر مثلًا ركعةً، أو يزيدُ المغربَ، (قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَفْلَحَ) الرَّجل؛ أي: فاز (إِنْ صَدَقَ) في كلامه، واستُشكِل كونه أثبت له الفلاح بمُجرَّد ما ذكر، وهو لم يذكر له جميع الواجبات ولا المنهيَّات ولا المندوبات، وأُجِيب: بأنَّه داخلٌ في عموم قوله في حديث إسماعيل بن جعفرٍ المرويِّ عند المؤلِّف في «الصِّيام» [خ¦1891] بلفظ: فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام، فإن قلت: أمَّا فلاحه بأنَّه لا ينقص؛ فواضحٌ، وأمَّا بألَّا يزيد فكيف يصحُّ؟ أجاب النَّوويُّ: بأنَّه أثبت له الفلاح؛ لأنَّه أتى بما عليه، وليس فيه أنَّه إذا أتى بزائدٍ على ذلك؛ لا يكون مفلحًا؛ لأنَّه إذا أفلح بالواجب؛ ففلاحه بالمندوب مع الواجب أَوْلى.

وفي هذا الحديث: أنَّ السَّفر والارتحال لتعلُّم العلم مشروعٌ، وجواز الحلف من غير استحلافٍ ولا ضرورةٍ، ورجاله كلُّهم مدنيُّون، وتسلسلٌ بالأقارب؛ لأنَّ إسماعيل يرويه [4] عن خاله عن عمِّه عن أبيه، وأخرجه أيضًا في «الصَّوم» [خ¦1891] ، وفي «ترك الحيل» [خ¦6956] ، وأخرجه مسلمٌ في «الإيمان»، وأبو داودَ في «الصَّلاة»، والنَّسائيُّ فيها وفي «الصَّوم».

[1] في غير (م): «وليس».
[2] في (م): «والثاني».
[3] «بالرَّفع»: ليس في (م).
[4] في (م): «يروي».





46- ( جَاءَ رَجُلٌ ) زاد أبو ذرٍّ: «من أهل نجد»، قيل: هو ضِمَام بن ثَعْلبة.

( ثَائِرُ الرَّأْسِ ) بالرَّفع صفة، ويجوز نصبه حالًا، أي: متفرِّقٌ شعرُه من ترك الرَّفاهية.

( يُسْمَعُ ) بالياء المضمومة أو النُّون، وكذا ( يفقه ).

( دَوِيُّ ) بفتح الدَّال وكسر الواو وتشديد الياء، وخطَّأَ القاضي عياضٌ ضمَّ الدَّال. [وقال] [1] الخطَّابيُّ: الدَّويُّ صوت مرتفع متكرِّر لا يُفهم؛ وذلك أنَّه نادى من بُعد.

( فَإِذَا ): فجائيَّة.

( يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلاَمِ ) أي: عن شرائعه، وفي الصِّيام عند المؤلف: «فقال: أخبرني ماذا فرض الله عليَّ من الصلاة ؟ فقال: الصَّلوات الخمس» [خ: 1891] وكذا قال في الزَّكاة، [خ: 1397] وبهذا: يتبيَّن مطابقة الجواب هنا للسُّؤال.

( تَطَّوَّعَ ) بتشديد الطَّاء والواو، أصله: تتطوَّع، فأدغمت التَّاء في الطَّاء، ويجوز تخفيف الطَّاء على حذف التَّاء.

( لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلاَ أَنْقُصُ ) في الصِّيام: «لا أتطوَّع شيئًا، ولا أنقص ممَّا فرض الله عليَّ شيئًا». [خ: 1891]

( أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ ) في مسلم: «أفلح وأبيه»، وتكلَّمت عليها في «الدِّيباج»، فإن قيل: أمَّا فلاحه إذا لم ينقص فواضح، وأمَّا بأن لا يزيد فكيف يصحُّ؟ [/ج1ص202/]

أجاب النَّوويُّ: بأنَّه أثبت له الفلاح؛ لأنَّه أتى بما عليه، وليس فيه إذا أتى بزائد لا يكون مفلحًا.

[1] ما بين معقوفين زيادة توضيحية.





لا تتوفر معاينة

46 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكُ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ رضيَ اللهُ عَنْهُ، يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ [1] ثَائِرَ الرَّأْسِ، نَسْمَعُ [2] دَوِيَّ [3] صَوْتِهِ وَلاَ نَفْقَهُ [4] مَا يَقُولُ، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلاَمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ)). قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: ((لاَ، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ)). قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [5]: ((وَصِيَامُ رَمَضَانَ)). قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُا؟ قَالَ: ((لاَ، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ)). قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ [6] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزَّكَاةَ [7]، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: ((لاَ، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ)). قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلاَ أَنْقُصُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ)).

الشرح:

أما رجال الإسناد فسبق ذكرهم، إلا (طَلْحَةَ رضي الله عنه).

وهو: أبو[8]طلحة بن [9] عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد

#%ص176%

بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، القرشي التيمي، أحد العشرة رضي الله عنهم، شهد المشاهد مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلا بدرًا، وقد ضرب له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بسهمه [10]وأجره فيها، وكان أبو بكر رضي الله عنه إذا ذكر يوم أحد يقول: ذاك [11] يوم كله لطلحة.

وهو أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالجنة، والثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، والخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر رضيَ اللهُ عنهم، والستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو صلى اللهُ عليه وسلم عنهم راض.

سماه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم طلحة الخير، وطلحة الجود.

روي له عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ثمانية وثلاثون حديثًا، اتفقا منها على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بثلاثة.

قتل يوم الجمل لعشر خلون من جمادى الأولى [12] سنة ست وثلاثين، وهو ابن أربع وستين سنة، وقيل: اثنتين وستين، وقيل: ثمان وخمسين، وقبره بالبصرة.

روى عنه السائب بن يزيد الصحابي رضيَ اللهُ عنه، وجماعات [13] من التابعين.

روينا عن عائشة رضيَ الله عنها قالت: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ، وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا)).

فصل: في لغات الباب وألفاظه [14]:

قول الله تعالى: ({ حُنَفَاءَ }) جمع حنيف، وفيه قولان، أحدهما: المستقيم، وأصحهما: المائل، والمراد هنا المائل عن الشرك وغيره من أنواع الضلالة إلى الإسلام والهداية.

وقوله تعالى: ({ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ })أي: دين الملة المستقيمة.

قوله: (جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ) هو بلاد معروفة [15]، قالوا: هو ما بين حرش [16] وسواد الكوفة، وحده من الغرب الحجاز.

وقوله: (ثَائِرَ الرَّأْسِ) [17]منتفش شعر رأسه.

قوله: (نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ، وَلَا نَفْقَهُ [18] مَا يَقُولُ) روي: (نَسمع ونَفقه [19]) بالنون المفتوحة وبالياء المضمومة، والنون أشهر وأكثر، قال المحققون: وعليها الاعتماد، والدَّوِيُّ: -بفتح الدال على المشهور- وحكى صاحب «المطالع» ضمها أيضًا، ومعناه: بعده في الهواء وعلوه.

قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ) هو بتشديد الطاء والواو، على إدغام إحدى التاءين

#%ص177%

في الطاء، وقيل: يجوز تخفيف الطاء على الحذف، والفَلَاحُ: الفوز والبقاء، أي: يبقى في النعيم.

فصل: في أحكام الباب:

ففيه [20] دلالة لما ترجم له وهو كون الزكاة من الإسلام، وموضع الدلالة قوله: (فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلاَمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خَمْسُ صَلَوَاتٍ) وذكر في صوم رمضان، والزكاة مثله، وهذا دليل على كون هذه الأعمال من الإسلام، والإسلام والإيمان بمعنى كما سبق.

وفيه أنَّ الصلاةَ التي هي [21] من أركان الإسلام، والتي أطلقت في باقي الأحاديث: هي الصلوات الخمس، وأنها واجبة على كل مكلف بها في كل يوم وليلة.

وقولنا: (بها) احتراز من الحائض والنفساء، فإنها مكلفة بأحكام الشرع إلا الصلاة وما ألحق بها، مما هو مقرر في كتب الفقه، ويدخل في قولنا: (مُكَلَّفٌ بِهَا) الكافر، فإن المذهب المختار الذي عليه الأكثرون أنه مخاطب بفروع الشرع، كما أنه مخاطب بالتوحيد بالإجماع، وقيل: لا يخاطب بالفروع، وقيل: يخاطب بالمنهي عنه كالخمر والزنا؛ لأنه يصح [22]منه تركه، دون المأمور به، وهذه المذاهب مشهورة في الأصول.

وفيه أنَّ وجوبَ صلاةِ الليل منسوخٌ في حق الأمة، وهذا مُجْمَعٌ عليه، واخْتَلَفَ قول الشافعي رحمه الله تعالى ورضي عنه في نَسْخه في حق رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، والأصح نسخه، وسنوضحه في موضعه في أبواب [23]قيام الليل، إن شاء الله تعالى.

وفيه أنَّ صلاةَ الوتر والعيدين ليست بواجبة، وهذا مذهب الجمهور في المسألتين، وقال أبو حنيفة وطائفة: الوتر واجب [24]، وقال أبو سعيد الإصطخري من أصحاب الشافعي: صلاة العيدين فرض كفاية.

وفيه أنَّه لا يجب صوم عاشوراء ولا غيره سوى رمضان، وهذا مجمع عليه.

واختلف العلماء في صوم عاشوراء: هل كان واجبًا قبل إيجاب رمضان، أم [25] كان ندبًا متأكدًا؟ فقال [26] أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعي: كان فرضًا، وقال أكثر أصحاب الشافعي: كان ندبًا.

وفيه جواز قول رمضان من غير ذكر شهر، وسيأتي بسط هذه المسألة في كتاب الصيام إن شاء الله تعالى.

وفيه أنه ليس في المال حق سوى الزكاة.

وفيه جواز الحلف بالله سبحانه وتعالى من غير

#%ص178%

استحلاف ولا ضرورة؛ لأن الرجل حلف هكذا بحضرة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ولم ينكر عليه، وقد سبق تفصيل هذه المسألة قريبًا في باب: أحب [27] الدين إلى الله تعالى أدومه.

فصل: اختلف العلماء في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ) فقال الشافعي وأصحابه وغيرهم ممن يقول: لا تلزم [28] النوافل بالشروع، وهو [29] استثناء منقطع، [30]تقديره: لكن إن تطوعت فهو خير لك، وهؤلاء يقولون: من شرع في صوم تطوع أو صلاة تطوع يستحب له إتمامهما، ولا يجب، بل يجوز قطعهما، وقال آخرون: هو استثناء متصل، فهؤلاء [31] يقولون: تلزم النوافل بالشروع، ويستدلون بهذا الحديث؛ لأن الأصل في الاستثناء الاتصال، وبقول الله تعالى: { وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ } [محمد: 33]. وبأنهم اتفقوا على أن حج التطوع يلزم بالشروع.

فصل: اختلفوا في معنى قوله: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلاَ أَنْقُصُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ)).

فقيل: هذا الفلاح راجع إلى قوله: (وَلَا أُنْقِصُ) خاصة، والأظهر المختار: أنه راجع إلى المجموع، بمعنى أنه إذا لم يزد ولم ينقص كان مفلحًا؛ لأنه أتى بما عليه، ومن أتى بما عليه كان مفلحًا، وليس فيه أنه إذا أتى بزائد على ذلك لا يكون مفلحًا؛ لأن هذا مما يعرف بالضرورة، فإنه إذا أفلح بالواجب ففلاحه بالمندوب مع الواجب أولى.

فصل: إن قيل كيف قال لا أزيد على هذا، وليس في هذا جميع الواجبات، ولا المنهيات، ولا السنن المندوبات، وأقره النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وزاده فقال صلى اللهُ عليه وسلم [32]: ( أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ )

فالجواب: أنه جاء في رواية للبخاري [33] - في أول كتاب الصيام - زيادة توضح المقصود، قال: فأخبره [34] رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بشرائع الإسلام، فقال: والذي أكرمك لا أتطوع شيئًا، ولا أنقص مما فرض الله تعالى علي شيئًا، فعلى عموم قوله: (بِشَرَائِعِ [35] الإِسْلَامِ) وقوله: (مِمَّا فَرَضَ اللهُ تَعَالى) [36] يزول [37] الإشكال في الفرائض، وأما النوافل فقيل: يحتمل أن هذا كان [38] قبل شرعها، وقيل: يحتمل أنه أراد لا أزيد في الفرض بتغير [39] صفته، كأنه

#%ص179%

قال: لا أصلي الظهر خمسًا، وهذا تأويل ضعيف، بل باطل؛ لأنه قال في رواية البخاري التي ذكرتها عن [40] كتاب الصيام: لا أتطوع.

والجواب الصحيح أنَّه على ظاهره، وأنه أراد أنه لا يصلي النوافل، بل يحافظ على كل [41] الفرائض، وهذا مفلح بلا شك، وإن كانت مواظبته على ترك النوافل مذمومة وتُرَدُّ بها [42] الشهادة، إلا أنه ليس بمأثوم به [43]، بل هو مفلح ناج، وإن كان فاعل النوافل أكمل فلاحًا منه، والله أعلم [44].

فصل:

اعلم أنه لم يأت في هذا الحديث ذكر الحج، ولا جاء ذكره في حديث جبريل صلى الله عليه وسلم من رواية أبي هريرة رضيَ اللهُ عنه، وكذا غيرهما [45] من الأحاديث لم يذكر في بعضها الصوم، ولم يذكر في بعضها الزكاة، وذكر في بعضها صلة الرحم، وفي بعضها أداء الخمس، ولم يذكر في بعضها الإيمان، فتفاوتت هذه الأحاديث في عدد خصال الإيمان زيادة ونقصًا، وإثباتًا وحذفًا.

وأجاب العلماء عنها: بأن هذا ليس اختلافًا صادرًا من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، بل هو من تفاوت [46] الرواة في الحفظ والضبط: فمنهم من قصر فاقتصر [47]على حفظه فأداه، ولم [48] يتعرض لما زاده [49] غيره بنفي ولا إثبات، وإن كان [50] اقتصاره على ذلك يشعر [51] بأنه الجميع، فقد بان بما أثبته غيره من الثقات أن ذلك ليس بالجميع، وأن اقتصاره عليه كان لقصور ضبطه، ولهذا اختلف [52] نقلهم القضية [53] الواحدة، كحديث جبريل عليه السلام، فإنه جاء في رواية عمر رضي الله عنه إثبات الحج، وفي رواية أبي هريرة حذفها.

وقصة النعمان بن قوقل [54] رضي الله عنه في «صحيح مسلم»، اختلفت [55]الرواة [56]فيها بالزيادة والنقص [57]، مع أن [58] راويها [59]واحد وهو جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، ثم لا يمنع هذا كله من ذكر هذه الروايات في الصحيح، لما تقرر من مذهب الجمهور أن زيادة الثقة مقبولة، والله أعلم.

فصل: قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ) وجاء في رواية أخرى [60] من «البخاري [61]»: ((أَفْلَحَ وَأَبيهِ إِنْ صَدَقَ)). وفي أخرى: (أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ، أو دَخَلَ الجنَّةَ إنْ صَدَقَ ). وقد يسأل عن قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (أَفْلَحَ

#%ص180%

وَأَبيهِ) مع قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ( مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِالله ). وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ( إنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ ).

والجواب [62]: أن قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ( أَفْلَحَ وَأَبِيهِ ) ليس حلفًا، إنما [63] هي كلمة جرت عادة العرب أن تدخلها في كلامه [64]، غير قاصدة بها حقيقة الحلف، والنهي إنما ورد فيمن قصد حقيقة الحلف، [64]لما فيه من إعظام المحلوف [65] به، ومضاهاته بالله [66] سبحانه وتعالى، فهذا هو الجواب المرضي، وأما من قال يحتمل أن يكون هذا قبل النهي عن الحلف بغير الله تعالى، فليس بمرضي ولا مقبول؛ لأنه ادعاء للنسخ [67]، ولا يصار إلى النسخ إلا إذا تعذر [68] التأويل وعلمنا التاريخ، كما تقرر في كتب الأصول وغيرها، وليس هنا واحد من الأمرين، بل التاريخ مجهول، والتأويل ممكن كما ذكرنا، والله أعلم.

[1] قوله: ((من أهل نجد)) ليس في (ع).
[2] في (ك): ((يسمع)).
[3] قوله: ((دوي)) ليس في (ع).
[4] في (ك): ((ولا يفقه)).
[5] قوله: (( فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ». قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: ((لاَ، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ)). قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)) ليس في الأصل(ز).
[6] في (ك): ((وذكر لرسول الله)).
[7] قوله: ((الزكاة)) ليس في الأصل(ز).
[8] قوله: ((أبو)) ليس في (ت)، وفي الأصل(ز) بعد (أبو) بياض، وفي (ك): ((أبو محمد)).
[9] قوله: ((بن)) ليس في (ع).
[10] في (ع): ((بسهم)).
[11] في (ك): ((ذلك)).
[12] في (ع): ((الأول)).
[13] في (ك): ((وجماعة)).
[14] قوله: ((وألفاظه)) ليس في (ع).
[15] في (ت) و(ع): ((معروف)).
[16] في (ت) و(ع): ((جرش)).
[17] زاد في (ك) و(ع): ((أي)).
[18] في (ك): ((يسمع دوي صوته ولا يفقه)).
[19] في (ك): ((يسمع ويفقه)).
[20] في (ع): ((وفيه)).
[21] زاد في (ت): ((ركن))، وقوله: ((هي)) ليس في (ع).
[22] في (ك): ((لا يصح)).
[23] في (ك): ((باب)).
[24] في (ت): ((واجبة)).
[25] في (ع): ((أو)).
[26] في (ع): ((قال)).
[27] في (ك): ((وأحب)).
[28] في (ت): ((لا يلزم)).
[29] في (ك): ((هو)).
[30] جاء في حاشية (ع): ((ويجوز أن يحمل الاستثناء على الاتصال ويكون المراد: والنذر، أي: إلا أن تطوع بالتزام من عندك)).
[31] في (ت) و(ك) و(ع): ((وهؤلاء)).
[32] في (ك): ((وزاده في غير هذا الموضع)).
[33] في (ت): ((البخاري))، وزاد في (ك): ((فقال)).
[34] في (ك): ((وأخبره)).
[35] في (ع): ((شرائع)).
[36] قوله: ((علي شيئًا، فعلى عموم قوله: (بِشَرَائِعِ الإِسْلَامِ) وقوله: (مِمَّا فَرَضَ اللهُ تَعَالى) )) ليس في (ك).
[37] في (ك): ((بزوال)).
[38] قوله: ((كان)) ليس في (ع).
[39] في (ت) و(ك) و(ع): ((بتغيير)).
[40] في (ت): ((عند)).
[41] قوله: ((كل)) ليس في (ك).
[42] في (ع): ((به)).
[43] قوله: ((به)) ليس في (ت) و(ك) و(ع).
[44]قوله: ((والله أعلم)) ليس في (ك).
[45] في (ك): ((غيرها)).
[46]في (ت): ((ثقات)).
[47] وقوله: ((فاقتصر)) بياض في الأصل(ز).
[48] في (ع): ((فلم)).
[49] في (ك): ((أراده)).
[50] في (ع): ((كانت)).
[51] في (ت): ((تشعر)).
[52] في (ت) و(ك) و(ع): ((يختلف)).
[53] في (ك): ((القصة)).
[54] في (ك) و(ع): ((نوفل)).
[55] في (ع): ((اختلف)).
[56]في (ك): ((الرواية)).
[57] في (ك): ((والنقصان)).
[58] قوله: ((أن)) ليس في (ع).
[59] في (ك): ((رواتها)).
[60] في (ت) و(ك) و(ع): ((موضع آخر)).
[61] زاد في (ك): ((ومسلم)).
[62] في (ع): ((فالجواب)).
[63] في (ت): ((وإنما)).
[64] في (ت) و(ك) و(ع): ((كلامها)).
[65] قوله: ((والنهي إنما ورد فيمن قصد حقيقة الحلف)) ليس في (ك).
[66] في (ك): ((المخلوق)).
[67] في (ك): ((به الله)).
[68] في (ك): ((ادعى النسخ)).
[69]في (ك): ((بعذر)).
#%ص181%





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

46- وبه قال: ((حدثنا إسماعيل)) بن أبي أويس الأصبحي المدني، ابن أخت مالك الإمام، المتوفى سنة ست وعشرين ومئتين ((قال: حدثني)) بالإفراد، وللأصيلي: (حدثنا) ((مالك بن أنس)) الإمام، وسقط في روايةٍ قوله: (بن أنس) ، ((عن عمه أبي سُهيل)) ؛ بضم السين نافع (بن مالك) بن أبي عامر المدني، ((عن أبيه)) مالك بن أبي عامر، المتوفى سنة اثنتي عشرة ومئة: ((أنه سمع طلحة بن عبيد الله)) بن عثمان القرشي التيمي، أحد العشرة المبشرة بالجنة، المقتول يوم الجمل لعشرٍ خلون من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين، ودفن بالبصرة بعد أن استُخرج طريًّا كما مات من قنطرة القرة بأمر ابنته بعد ثلاثين سنة؛ بسبب رؤيتها له في المنام، وأنه يشكو إليها النداوة رضي الله عنه ((يقول: جاء رجل)) هو ضِمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر ((إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نَجْد)) ؛ بفتح النون وسكون الجيم، قال الجوهري: نجد من بلاد العرب، وكل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق؛ فهو نجد، وهو مذكَّر، كذا في «عمدة القاري» وتمامه فيه، وفي رواية: (جاء رجل من أهل نجد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) ((ثائر)) بالمثلثة؛ أي: منتفش ومنتشر شعر ((الرأس)) من عدم الرفاهية، أطلق اسم الرأس على الشعر؛ لأنَّ الشعر منه ينبت، كما يطلق اسم السماء على المطر؛ لأنَّه من السماء ينزل، أو لأنَّه جعل نفس الأمر ذا ثوران على طريق المبالغة، وفي (ثائر) يجوز الرفع والنصب، أما الرفع؛ فعلى أنه صفة لـ (رجل) ، والنصب على أنه حال، ولا يضر إضافته؛ لأنَّها لفظية؛ فليحفظ.

((نسمع)) بنون الجمع ((دَوِيَّ صوتِه)) ؛ بفتح الدال، وكسر الواو، وتشديد الياء، منصوبٌ مفعولًا به ((ولا نفقه)) ؛ أي: لا نفهم، بنون الجمع كذلك ((ما يقول)) ؛ أي: الذي يقوله، في محل نصب على المفعولية، وفي رواية: (يُسمَع ولا يُفقَه) ؛ بضم المثناة التحتية فيهما؛ مبنيًّا لما لم يُسَمَّ فاعله، و (دوي) و (ما يقول) نائبان [/ص27/] عنه، والأولى هي المشهورة وعليها الاعتماد، كذا قاله الشيخ الإمام بدر الدين العيني، وقال: الدَّوِيُّ: بُعْدُ الصوت في الهواء وعلوه، ومعناه: صوت شديد لا يفهم منه شيء كدَوِيِّ النحل، انتهى.

((حتى دنا)) أي: إلى أن قرُب فهمناه؛ ((فإذا)) للمفاجأة ((هو)) مبتدأ ((يسأل عن الإسلام)) خبره؛ أي: عن أركانه وشرائعه بعد التوحيد والتصديق، أو عن حقيقته؛ واستبعده في «عمدة القاري»؛ من حيث إنَّ الجواب يكون غير مطابق للسؤال وهو قوله: ((فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم)) : هو ((خمسُ صلوات في اليوم والليلة)) ، أو خذْ خمسَ صلوات، ويجوز الجرُّ بدلًا من (الإسلام) ، وفيه حذف أيضًا؛ تقديره: إقامة خمس صلوات؛ لأنَّ عين الصلوات الخمس ليست عين الإسلام، بل إقامتها من شرائع الإسلام، وإنما لم يذكر له الشهادة؛ لأنَّه علم أنه يعلمها، أو علم أنه إنَّما يسأل عن الشرائع الفعلية، أو ذكرها فلم ينقلها الراوي؛ لشهرتها، وذكر هذا الأخير الكرماني، ومشى عليه القسطلاني، واستبعده الشيخ الإمام بدر الدين العيني؛ لأنَّه يلزم نسبة الراوي الصحابي إلى التقصير في إبلاغ كلام الرسول وقد نَدب النبيُّ الأعظم عليه السلام إلى ضبط كلامه، وحفظه، وإبلاغه مثل ما سمعه منه في حديثه المشهور، قلت: وهو وجيه؛ فليحفظ.

((فقال)) الرجل المذكور، وفي رواية: (قال) : ((هل عليَّ غيرُها؟)) بالرفع مبتدأ مؤخر، خبره (عليَّ) ، ((قال)) عليه السلام: ((لا)) شيء عليك غيرها.

وفيه دليل على أن الوتر سنة؛ وهو قول الإمام أبي يوسف، والإمام محمد الشيباني، والإمام الشافعي، وقال إمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم التابعي الجليل: إن الوتر واجب؛ لقوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الوُسْطَى} [البقرة: 238] ، و{الوُسْطَى} هي: الوتر، ولقوله عليه السلام: «اجعلوا آخر صلاتكم وترًا» رواه الشيخان، ولقوله عليه السلام: «إن الله زادكم صلاة ألا وهي الوتر، فصلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر»، وعن عبد الله بنبريدة عن أبيه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الوتر حق، فمن لم يوتر؛ فليس مني»، قاله ثلاثًا، وقال عليه السلام: «من نام عن وتر أو نسيه؛ فليقضه [1] إذا ذكره» رواها أبو داود وغيره، والحاكم وصححها، والأمرُ وكلمةُ (عَلَى) و (حق) للوجوب، ووجوب القضاء فرعُ وجوب الأداء.

وفي الحديث أيضًا دلالة على أن صلاة العيدين سنة؛ وهو قول الإمام أبي يوسف، والإمام محمد، والإمام الشافعي، وقال إمامنا رأس المجتهدين الإمام الأعظم: إنَّها واجبة؛ لقوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2] ، والمراد بها: صلاة العيد، كما قاله المفسرون، ولقوله تعالى: {وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 185] ، وقد واظب عليها النبي الأعظم عليه السلام من غير ترك؛ وهذا دليل الوجوب، بل والفرضية، ولهذا قال الإمام أبو موسى الضرير: إنَّها فرض كفاية، وهو قول الإصطخري من الشافعية، وقول حماد بن زيد من أصحاب إمامنا الأعظم أيضًا.

والجواب عن الحديث: أنه إنَّما لم يذكر الوتر للأعرابي؛ لأنَّه لم يكن واجبًا يومئذٍ بدليل أنه لم يذكر الحج؛ لأنَّه لم يُفرض، فالوتر مثلُه، فلا حجة في الحديث، وإنما لم يذكر له صلاة العيدين؛ لأنَّه كان من أهل البادية، وهي لا تجب عليهم ولا على أهل القرى، فلا حجة فيه أيضًا.

((إلا أن تطوع)) استثناء متصل، وهو الأصل في الاستثناء، فيُستَدل به على أن من شرع في صلاة نفل أو صوم نفل؛ وجب عليه إتمامه، وبقوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم}، وإبطال العمل: نقض العهد، وبالاتفاق على أن حج التطوع يلزم بالشروع فيه صحيحًا كان الحج أم فاسدًا، فلا يمتاز عن غيره.

والمعنى: أي: إلَّا أن تَشرع في التطوع؛ فيصير واجبًا كما يصير واجبًا بالنذر، فإذا أفسده؛ وجب عليه قضاؤه، وقد روى أحمد في «مسنده» عن عائشة قالت: أصبحت أنا وحفصة صائمتين، فأُهديت لنا شاة؛ فأكلنا، فدخل علينا النبي عليه السلام، فأخبرناه، فقال: «صوما يومًا مكانه»، وفي لفظ آخر: «أبدلا يومًا مكانه»، وروى الدارقطني عن أم سلمة: أنها صامت يومًا تطوعًا، فأفطرت، فأمرها النبي عليه السلام أن تقضيَ يومًا مكانه، والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة، ولولا الإطالة لأوردناها، وبالجملة: فالأمر بالقضاء أمرٌ للوجوب، فدل على أن الشروع ملزِم، وأن القضاء بالإفساد واجب، وهذا مذهب إمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه.

وقال الشافعي: لا تلزم النوافل بالشروع فيها، بل يستحب إتمامها؛ لما روى النسائي: أن النبي الأعظم عليه السلام كان أحيانًا ينوي صوم التطوع ثم يفطر، وفي «البخاري»: أنه أمر جويرية [2] بنت الحارث أن تفطر يوم الجمعة بعد أن شرعت فيه، فدل بظاهره على أن الشروع في النفل لا يستلزم الإتمام، فهذا النص في الصوم، والباقي بالقياس.

قلنا معشر الحنفية: لا دلالة له على ما ذكر؛ فإن حديث النسائي لا يدل على أنه عليه السلام ترك القضاء بعد الإفطار، وإفطاره كان عن عذر، وحديث جويرية إنَّما أمرها بالفطر؛ لما تحقق عنده من العذر الموجب للإفطار؛ كضعف بنيتها أو لأجل الضيافة أو غير ذلك، وأنه أمرها بالقضاء، والأمر بالقضاء مستفاد من غير هذا الحديث كالذي شاهده لنا من حمل المطلق على المقيد، وإذا وقع تعارض بين الأخبار؛ فالترجيح معنا لثلاثة أوجه؛ أحدها: إجماع الصحابة، والثاني: أن أحاديثنا مثبتة وأحاديثه نافية، والقاعدة: أن المُثبِت مقدَّم على النافي، والثالث: أنه الاحتياط في العبادة لله تعالى؛ حيث قال: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] ، فإن إبطال العمل نقض العهد واستهزاء وسخرية، ألا ترى أن المخلوق لو أمرك بأمر وشرعت فيه ولم تتمه؛ هل يرضى منك أم يسخط؟ فإذا تممته ثم أفسدته وضيعت ماله؛ هل يفرح أم يغضب؟ هذا في المخلوق، فما بالك في الخالق جل وعلا سبحانه.

واعلم أن الواجب عندنا دون الفرض وأعلى من السنة، والفرق بينها ظاهر في كتب الفروع، وعند الشافعي: الفرض والواجب سيان إلا في الحج؛ فوافقنا فجعل فيه فرضًا وواجبًا وسنة؛ فافهم.

((قال)) وفي رواية: (فقال) ((رسول الله صلى الله عليه وسلم: وصيام رمضان)) كلام إضافي مرفوع عطفًا على قوله: (خمس صلوات) ، وفي رواية: (وصوم) ، ((قال)) الرجل: ((هل عليَّ غيره؟ قال)) عليه السلام: ((لا)) ؛ أي: ليس عليك غيره ((إلا أن تطوع)) ؛ أي: إلا إذا تطوعت؛ فيلزمك إتمامه، وإذا أفسدته؛ يلزمك قضاؤه، وما قيل: إن في استدلالنا نظر؛ لأنَّا لا نقول بفرضية الإتمام، بل بوجوبه، واستثناء الواجب من الفرض منقطع؛ لتباينهما، وأن الاستثناء عندنا من النفي ليس للإثبات، بل مسكوت عنه؛ ممنوع؛ لما علمت من ثبوت النص في الصوم أنه يجب قضاؤه بالإفساد، وإتمامه بالشروع، والباقي بالقياس عليه، على أن الاستثناء هنا متصل لا منقطع، فإنَّ الواجب عندنا فرض أيضًا، لكن يفرق بينهما من حيث الاعتقاد والتكفير، فإنَّ الوتر واجب وهو فرض عملي لا اعتقادي ولا يكفر جاحده، وإنَّ الصبح فرض علمي اعتقادي يكفر جاحده، فصار بينهما موافقة لا مباينة، فكان الاستثناء متصلًا، كما لا يخفى.

وأما قوله: فالاستثناء من النفي مسكوت عنه؛ فمعناه هنا: أنَّه لما ذكر النبيُّ للرجل الصلاة والصوم، وكان لم يصل ولم يصم، وفي عقله أنهما ثابتان، فما سيق له لنفي ما عداهما؛ فيلزمه الصلاة والصوم، وهذا بطريق الإشارة، أو أنهما يثبتان بطريق الضرورة؛ لأنَّ وجودهما لما كانا ثابتين في عقله يلزم من نفيهما ثبوتهما ضرورة، والتقدير: لا صلاة ولا صوم غير الخمس ورمضان ثابت، فيكون كالتخصيص بالوصف، وليس له دلالة على نفي الحكم عما عداه عندنا، فلا دلالة للكلام على ثبوتهما منطوقًا ولا مفهومًا، بل بالإشارة أو بالضرورة لا بالعبارة عندنا، وتمامه في كتب الأصول؛ فليحفظ.

((قال)) الراوي طلحة بن عبيد الله: ((وذكر له)) ؛ أي: للرجل ((رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الزكاة)) ، وإنما قال ذلك الراوي؛ لأنَّه إمَّا نسي نص النبي عليه السلام أو التبس عليه، وفي رواية: (الصدقة) ، والمراد بها: الزكاة، ((قال)) وفي رواية: (فقال) ؛ أي: الرجل المذكور: ((هل عليَّ غيرها؟)) خبر ومبتدأ ((قال)) عليه السلام: ((لا)) ليس عليك غيرها ((إلا أن تطوع)) ، ولم يذكر الحج، وقدمنا في الجواب: أنه لم يكن فُرِض، أو أنه علم حاله أنه لم يجب عليه الحج؛ لعدم استطاعته، ((قال)) الراوي: ((فأدبر الرجل)) الأعرابي، من الإدبار؛ أي: تولى ((وهو يقول)) ؛ أي: والحال أنه يقول: ((والله لا أزيد)) في التصديق والقبول ((على هذا)) المذكور ((ولا أنقص)) منه [/ص28/] شيئًا، وفي رواية: (والذي أكرمك إنِّي لا أزيد على ما ذكرت ولا أنقص منه شيئًا) ؛ أي: قبلت كلامك قبولًا لا مزيد عليه من جهة السؤال، ولا نقصان فيه من طريق القبول، أو لا أزيد على ما سمعت ولا أنقص منه عند الإبلاغ؛ لأنَّه كان وافد قومه؛ ليتعلم ويعلمهم، وقيل غير ذلك.

((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم)) حين سمعه: ((أفلح)) ؛ أي: الرجل؛ أي: فاز ((إن صدق)) في كلامه، وعند مسلم: «أفلح وأبيه إن صدق أو دخل الجنة وأبيه إن صدق»، وإنَّما أثبت له الفلاح بمجرد ما ذكر مع أنه لم يذكر له المنهيات، والمندوبات، والواجبات؛ لأنَّه جاء في رواية المؤلف في (الصيام) قال: (فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام) ؛ فهي داخلة في عمومه، لكن يعكر عليه قوله في آخره: (فأدبر الرجل وهو يقول: لا أزيد ولا أنقص مما فرض الله عليَّ شيئًا) ؛ فيقتصر على الفرائض والمنهيات، وأما النوافل؛ فيحتمل أنه كان قبل شرعها، والفلاح راجع إلى الزيادة والنقصان؛ يعني: أنه إذا لم يزد ولم ينقص؛ كان مفلحًا؛ لأنَّه أتى بما عليه، ومن أتى بما عليه؛ كان مفلحًا، وليس فيه أنه إذا أتى بزائد على ذلك أنه لا يكون مفلحًا؛ لأنَّ هذا مما يعرف بالضرورة، فإنَّه إذا أفلح بالفرض؛ ففلاحه بالمندوب مع الفرض أولى، وفي الحديث دلالة على عدم فرض صوم عاشوراء وغيره سوى رمضان، وهو بالإجماع.

واختلف في صوم يوم عاشوراء، هل كان فرضًا قبل رمضان؟ فعند إمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم: أنه كان فرضًا، والأظهر عند الشافعي: أنه لم يكن فرضًا، وأن السفر من بلد إلى أخرى لأجل تعلم العلم مندوب، وأن الحلف بالله من غير استحلاف ولا ضرورة يجوز؛ لأنَّه لم ينكر عليه النبي عليه السلام، وفيه استعمال الصدق في الخبر المستقبل، واستعمال (رمضان) من غير (شهر) ، وفيه دلالة على جواز الحلف بالآباء مع ورود النهي عنه، ولعله كان قبل ورود النهي، أو بأنها جارية على اللسان لا يقصد بها الحلف كما جرى على لسانهم: (عَقرى حَلقى) و (تربت يمينك) ، والنهي إنَّما ورد في القاصد بحقيقة الحلف؛ لما فيه من تعظيم المحلوف به، وهذا هو الراجح عند العلماء، والله أعلم.

[1] في الأصل: (فليقضيه)، وليس بصحيح.
[2] في الأصل: (جويرة)، وكذا في الموضع اللاحق.