متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

45- وبه قال: (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ) _بتشديد المُوحَّدة_ ابن محمَّدٍ، وللأَصيليِّ: ((البزَّار))؛ بزايٍ بعدها راءٌ، الواسطيُّ، المُتوفَّى ببغدادَ سنة ستِّين ومئتين أنَّه (سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ)؛ أي: ابن جعفرٍ المخزوميَّ، المُتوفَّى بالكوفة سنة سبعٍ ومئتين [/ج1ص131/] قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ)؛ بضمِّ العين المُهمَلَة، وفتح الميم، وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، آخره سينٌ مهملَةٌ، الهُذَلِيُّ المسعودِيُّ الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة عشرين ومئةٍ، قال: (أَخْبَرَنَا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ) الكوفيُّ العابد، المُتوفَّى سنة عشرين ومئةٍ أيضًا، (عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ)؛ يعني: ابنَ عبد شمسٍ الصَّحابيِّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وعشرين ومئةٍ [1] ، وقال المِزِّيُّ: سنة ثلاثٍ وثمانين، وقِيلَ: سنة اثنتين، وقِيلَ: سنة أربعٍ، (عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه: (أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ)؛ هو كعب الأحبار قبل أن يسلم، كما قاله الطَّبرانيُّ في «الأوسط» وغيره، كلُّهم من طريق رجاء [2] بن أبي سلمة عن عبادة [3] بن نُسَيٍّ _بضمِّ النُّون وفتح المُهمَلَة_ عن إسحاق بن قَبيصة بن ذؤيبٍ، عن كعبٍ أنَّه (قَالَ لَهُ)؛ أي: لعمرَ: (يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ): مبتدأٌ، وساغ مع كونه نكرةً لتخصيصه بالصِّفة؛ وهي: (فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَؤُونَهَا)، والخبرُ: (لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ)؛ أي: لو نزلت علينا؛ كقوله: {لو أنتم تملكون} [الإسراء: 100] ؛ أي: لو تملكون أنتم؛ لأنَّ «لو» لا تدخل إلَّا على الفعل، فحُذِف الفعل لدلالة الفعل المذكور عليه، و«معشرَ»: نُصِبَ على الاختصاص؛ أي: أعني معشرَ اليهود؛ (لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا) نعظِّمه في كلِّ سنةٍ، ونُسَرُّ فيه؛ لعظم ما حصل فيه من كمال الدِّين، (قَالَ) عمر رضي الله عنه: (أَيُّ آيَةٍ) هي؟ فالخبر محذوفٌ، (قَالَ) كعبٌ: ({الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ})، قال البيضاويُّ: بالنَّصر والإظهار على الأديان كلِّها، أو بالتَّنصيص على قواعد العقائد، والتَّوقيف على أصول الشَّرائع وقوانين الاجتهاد، ({وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي})؛ بالهداية والتَّوفيق، أو بإكمال الدِّين، أو بفتح مكَّة وهدم منارات الجاهليَّة، ({وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ})؛ أي: اخترته لكم ({دِينًا}) [المائدة: 3] من بين الأديان، وهو الدِّين عند الله، (قَالَ) وفي رواية الأربعة: ((فقال)) (عُمَرُ) رضي الله عنه: (قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ)، وفي رواية الأَصيليِّ: ((أُنزِلت)) (فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ)، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((على رسول الله)) (صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ قَائِمٌ)؛ أي: والحال أنَّه قائمٌ (بِعَرَفَةَ) بعدم الصَّرف؛ للعلميَّة والتَّأنيث، (يَوْمَ جُمُعَةٍ)، وفي رواية أبي ذَرٍّ وأبي الوقت ونسخةٍ لابن عساكر [4] : ((يوم الجمعة))، وإنَّما لم يُمنَع من الصَّرف على الأولى _كما في «عرفة»_ لأنَّ الجمعة صفةٌ، أو غير صفةٍ وليس علمًا، ولو كانت علمًا؛ لامتنع صرفها، وهي بفتح الميم وضمِّها وإسكانها، فالمتحرِّك بمعنى الفاعل؛ كضُحَكة بمعنى: ضاحكٍ، والمُسكَّن بمعنى المفعول؛ كضُحْكةٍ؛ أي: مضحوكٍ عليه، وهذه قاعدةٌ كُلِّيَّةٌ، فالمعنى إمَّا جامعٌ للنَّاس أو مجموعٌ له، وإنَّما لم يقل عمرُ رضي الله عنه: جعلناه عيدًا؛ ليطابق جوابه السُّؤال؛ لأنَّه ثبت في الصَّحيح أنَّ النُّزول كان بعد العصر، ولا يتحقَّق العيد إلَّا من أوَّل النَّهار، وقد قالوا: إنَّ رؤية الهلال بعد الزَّوال للقابلة، ولا ريب أنَّ اليوم التَّالي ليوم عرفة عيدٌ للمسلمين، فكأنَّه قال: جعلناه عيدًا بعد إدراكنا استحقاق ذلك اليوم للتَّعبُّد فيه [5] ، وقال الحافظ ابن حجرٍ: وعندي أنَّ هذه الرِّواية اكتفى فيها بالإشارة، وإلَّا فرواية إسحاق بن قبيصةَ قد نصَّت على المُرَاد، ولفظه: «يوم جمعة يوم عرفة، وكلاهما _بحمد الله سبحانه_ لنا عيدٌ»، وللطَّبرانيِّ: وهما لنا عيدٌ، فظهر أنَّ الجواب تضمَّن أنَّهم اتَّخذوا ذلك اليوم عيدًا؛ وهو يوم الجمعة، واتَّخذوا يوم عرفة عيدًا؛ لأنَّه ليلة العيد. انتهى. وقال النَّوويُّ: قد اجتمع في ذلك اليوم فضيلتان وشرفان، ومعلومٌ تعظيمنا لكلٍّ منهما، فإذا اجتمعا؛ زاد التعظيم، فقد اتَّخذنا ذلك اليوم عيدًا وعظَّمنا مكانه.

وفي رجال هذا الحديث ثلاثةٌ كوفيُّون، ورواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «المغازي» [خ¦4407] ، و«التَّفسير» [خ¦4606] ، و«الاعتصام» [خ¦7268] ، ومسلمٌ، والتِّرمذيُّ وقال: حسنٌ صحيحٌ، وكذا النَّسائيُّ في «الإيمان» و«الحجِّ».

[1] زيد في (ب) و(س): «أبي»، وهو خطأ.
[2] في (م): «جابر»، وليس بصحيحٍ.
[3] في (م): «عباد»، وليس بصحيحٍ.
[4] في (م): «للأصيلي»، وليس بصحيحٍ.
[5] في (م): «به».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

45-. حدَّثنا الحَسَنُ [1] بنُ الصَّبَّاحِ، سَمِعَ جَعْفَرَ بنَ عَوْنٍ: حدَّثنا أَبُو العُمَيْسِ: أخبَرَنا قَيْسُ بنُ مُسْلِمٍ، عن طارِقِ بنِ شِهابٍ:

عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ: أَنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ قالَ لَهُ: يا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتابِكُمْ تَقْرَؤُونَها، لَوْ عَلَيْنا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ، لاتَّخَذْنا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا. قالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قالَ: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا } [المائدة: 3] . قالَ [2] عُمَرُ: قَدْ عَرَفْنا ذَلِكَ اليَوْمَ، والمَكانَ الَّذِي نَزَلَتْ [3] فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ [4] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وهو قائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ [5] .

[1] في رواية الأصيلي زيادة: «البَزَّارُ».
[2] هكذا في روايةٍ لابن عساكر أيضًا، وفي روايةٍ أخرىَ عنه ورواية أبي ذر والأصيلي و [عط] و [ح] ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «فقال».
[3] في رواية الأصيلي: «أُنزلت».
[4] في رواية أبي ذر: «رسول الله».
[5] هكذا في رواية ابن عساكر أيضًا، وفي رواية أبي ذر وحاشية رواية ابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «يوم الجمعة».





45- ( ابْنُ الصَّبَّاحِ ) بموحدة مشدَّدة.

( أَبُو الْعُمَيْسِ ) بعين مهملة مضمومة ثم ميم مفتوحة وياء مثناة تحت ساكنة ثم سين مهملة، وهو عتبة [1] بن عبد الله.

( لاَتَّخَذْنَا ) اللام جواب ( لو )، وقيل: جواب قسم مقدَّر.

( عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ ) بنصب ( اليوم ) صفة أو عطف بيان.

( وَالْمَكَانَ ) منصوب بالعطف عليه.

[1] في [ب] : (عقبة)، وهو تصحيف.





45# (الصَّبَّاحِ) بموحدة مشددة.

(أَبُو الْعُمَيْسِ) بعين مهملة مضمومة فميم مفتوحة فياء مثناة من تحت ساكنة فسين مهملة.

(لاَتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا) أي: ولم تتخذوهُ أنتم، يحاول نقضَ كونها حقًّا بإهمال يوم نزولها، فبيَّن له عمر أنهم احتفلوا فيه احتفالين [1] ، واتَّخذوه عيدين.

[1] في (د) و(ج) و(ق): ((اختلفوا فيه اختلافين)).





45- قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ [1] ): قال الدِّمياطيُّ: (عُتبة بن عبد الله بن مسعود أخو عبد الرحمن المسعوديُّ) انتهى، وهو بضمِّ العين المهملة، وفي آخرِه سينٌ مثلها مهملة، وثَّقه أحمدُ وابنُ مَعينٍ، وقال [2] أبو حاتم: (صالح) ، قال الذَّهبيُّ: (موتُه قريبٌ مِن موت الأعمش) ، وقال شيخُنا الشَّارح: (مات سنة 120 هـ ) انتهى.

وبينهما بَوْنٌ؛ فإنَّ الأعمشَ تٌوفِّي في [3] ربيع الأوَّل سنةَ ثمانٍ وأربعينَ ومئة؛ فتحرَّر ما قالاه، وقد أخرجَ له الجماعةُ.

قوله: (أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ قَالَ [لَهُ] : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ): لا أعرفه [4] ، وقال ابن شيخنا البلقينيِّ: (وقع في «معجم الطبرانيِّ الأوسط» أنَّ القائلَ كعبُ الأحبار، ثمَّ ذكرَ شاهِدَه منه، وفيه عن كعب الأحبار قال: قلت لعُمر: إِنِّي لأعرفُ يومًا...؛ فذكره) انتهى.

وقال حافظُ عصري: (إنَّه كعبُ الأحبار، قال روينا ذلك في مُسند مُسَدَّد بإسنادٍ حسنٍ، وأورده ابنُ عساكر في أوائل [5] «تاريخ دمشق» من طريقه، وهو في «المعجم الأوسط» للطبرانيِّ من هذا الوجه، وكأنَّ سؤالَه لعُمر غير ذلك قبل أن يُسلم، وجاء في روايةٍ أُخرى في «الصحيح»: أنَّ اليهودَ قالوا، وقد تعيَّن السائلُ منهم هنا، فلعلَّه [6] لمَّا سأل كان في جماعة) انتهى

والذي ظهر لي أنَّ كعبًا قال لعُمر هذه المقالة أيضًا، والمذكورُ في «البخاريِّ»: (أنَّ رجلًا مِنَ اليهود قال...) ؛ فذكره، وكعبٌ وقتَ قوله لعُمر لَمْ يكن يهوديًّا، وقد تقدَّم أنَّه سأل في حال يهوديَّته، وفيه نظرٌ، فإن قيل: إنَّه أُطلق عليه ذلك باعتبار ما كان عليه؛ فهو مجازٌ، ولكنَّ [7] عندي أنا في ذلك وقفة، والله أعلم؛ وهو أنَّه يُطلق على كعب يهوديًّا مجازًا باعتبار ما كان عليه، والله أعلم، وما قيل فيه يتمشَّى على أنَّه أسلمَ في خلافةِ عمر، والصَّحيحُ خِلافُه.

[1] في هامش (ق): (عُتبة بن عَبد الله بن عُتبة بن عبد الله بن مسعُود أخو عبد الرحمن المسعُودي) .
[2] في (ب): (قال) .
[3] (في): ليس في (ب) .
[4] (لا أعرفه): ليس في (ب) .
[5] في (ج): (أول) .
[6] في (ج): (ولعله) .
[7] في (ب): (لكن) .





45- (آيَةٌ): مبتدأٌ وإنْ كان نكرةً؛ لوصفه بما بعدَه، و (فِي كِتَابِكُمْ): صفتُه، و (تَقْرَؤُونَهَا): صفةٌ أخرى، و (لَوْ عَلَيْنَا): تقديرُه: لو نزلَتْ علينا؛ لأنَّ (لو) لا تدخُلُ إلَّا على الفعل، و (نَزَلَتْ) المذكورُ مُفَسِّرٌ لـ (نَزَلَتْ) المقدَّر؛ نحو: {لو [1] أنتم تملكون} [الإسراء: 100] ، والجملةُ الشَّرطيَّةُ خبرُ المبتدأِ.

أو (آيَةٌ) [2] مبتدأٌ بتقديرِ: آيةٌ عظيمةٌ، و (فِي كِتَابِكُمْ) خبرُه، وكذا (تَقْرَؤُونَهَا)، ويَحتمل أَنْ يكونَ خبرُه محذوفًا؛ وهو (فِي كِتَابِكُمْ) مقدَّمًا عليه، و (فِي كِتَابِكُمْ) المُؤَخَّرُ مُفَسِّرٌ له.

(مَعْشَرَ): منصوبٌ على الاختصاصِ.

(لَاتَّخَذْنَا): اللَّامُ جوابُ (لو)، وقيل: جوابُ قَسَمٍ مقدَّرٍ، قاله الزَّركشيُّ.

(عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ): بنصب (الْيَوْمَ) صفةً أو عطفَ بيانٍ، و (الْمَكَانَ) منصوبٌ بالعطفِ عليه.

(بِعَرَفَةَ): متعلِّقٌ بـ (قَائِمٌ) أو (نَزَلَتْ).

وقال الكرمانيُّ: (وصُرِفتِ الـ«جُمُعَة»؛ لأنَّها صفةٌ، ولو جُعِلَ عَلَمًا؛ لامتنعَ الصَّرْفُ، بخلاف «عَرَفَة» ففيه العَلَميَّةُ والتَّأنيثُ) [3] .

وقال الجوهريُّ: (وهي مصروفةٌ، قال عزَّ وجلَّ: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ} [البقرة: 198] ، قال الأخفشُ: إنَّما صُرفتْ؛ لأنَّ «التَّاء» بمنزلة «الياء» و«الواو» في «مسلمين» و«مسلمون»؛ لأنَّهُ تذكيرُه، وصارَ التَّنوينُ بمنزلةِ النُّونِ، فلمَّا سُمِّيَ به؛ تُرِك على حالِهِ؛ كما يُترَكُ «مسلمون» إذا [4] سُمِّيَ بهِ على حالِهِ، وكذلِكَ القولُ في: «أَذْرِعاتٍ» و«عَانَاتٍ» و«عُرَيتِناتٍ») انتهى.

واعلم أنَّ التَّنوين في (عَرَفاتٍ) وبابِه فيه ثلاثةُ أقوالٍ:

أظهرُها: أنَّه تنوينُ مقابلةٍ؛ يعنونُ بذلك: أنَّ تنوينَ هذا الجَمْعِ مقابلٌ لنونِ جَمْعِ المذكر، فتنوينُ (مسلماتٍ) مقابلٌ لنونِ (مسلمينَ)، ثمَّ جُعِلَ كلُّ تنوينٍ في جَمْعِ الإناثِ ـ وإِنْ لم يكُنْ لهنَّ جَمْعُ مُذَكَّرٍ ـ كذلكَ؛ طَرْدًا للباب.

الثَّاني: أنَّه تنوينُ صَرْفٍ، وهو ظاهرُ قولِ الزَّمخشريِّ.

الثَّالث: أنَّ جمعَ المؤنَّثِ إِنْ كان له جَمْعٌ مذكَّرٌ كـ (مسلماتٍ ومسلمينَ) ؛ فالتَّنوينُ للمقابلةِ، وإلَّا فللصَّرْفِ؛ كـ (عَرَفاتٍ).

والمشهورُ ـ حالَ التَّسميةِ ـ أَنْ يُنَوَّنَ ويُعرب بالحركتينِ؛ الضَّمةِ والكسرةِ، كما لو كانَ جَمْعًا، وفيه لغةٌ ثانيةٌ: وهي [5] حَذْفُ التَّنوينِ تخفيفًا، وإعرابُه بالكسرةِ نصبًا، والثَّالثة: إعرابُه غيرَ منصرفٍ بالفتحةِ جرًّا، وحكاها الكوفيونَ والأخفشُ.

قال النَّوويُّ: (وقرأَ أشهبُ العُقيليُّ [6] : {مِنْ عَرَفَاتَ} [البقرة: 198] ؛ بفتحِ التَّاءِ).

فإنْ قيلَ: (عرفةُ) غيرُ منصرفٍ للعَلَميَّةِ والتَّأنيثِ، فلمَ لا كانت (جَمُعُة) كذلك؟ قيل: لأنَّ (جَمُعُة) ليس عَلَمًا، بل صفة.

[1] {لو}: ليست في النسختين، والمثبت من «الكواكب الدراري»، و«اللامع الصبيح».
[2] في النسختين: (أو أنه)، والمثبت من «الكواكب الدراري» أولى.
[3] «الكواكب الدراري» (1/178)، وقول الكرماني مستدركٌ في هامش (أ)، ومحله بياض.
[4] في النسختين: (وإذا)، والمثبت من مصدره.
[5] في النسختين: (وهو)، ولعلَّ المثبت هو الأَولى.
[6] لعله: مسكين بن عبد العزيز أبو عمرو المصري، المعروف بأشهب، صاحب الإمام مالك، روى القراءة عن نافع، انظر «غاية النهاية» (2/296).





45- وبه قال: (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ) _بتشديد المُوحَّدة_ ابن محمَّدٍ، وللأَصيليِّ: ((البزَّار))؛ بزايٍ بعدها راءٌ، الواسطيُّ، المُتوفَّى ببغدادَ سنة ستِّين ومئتين أنَّه (سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ)؛ أي: ابن جعفرٍ المخزوميَّ، المُتوفَّى بالكوفة سنة سبعٍ ومئتين [/ج1ص131/] قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ)؛ بضمِّ العين المُهمَلَة، وفتح الميم، وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، آخره سينٌ مهملَةٌ، الهُذَلِيُّ المسعودِيُّ الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة عشرين ومئةٍ، قال: (أَخْبَرَنَا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ) الكوفيُّ العابد، المُتوفَّى سنة عشرين ومئةٍ أيضًا، (عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ)؛ يعني: ابنَ عبد شمسٍ الصَّحابيِّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وعشرين ومئةٍ [1] ، وقال المِزِّيُّ: سنة ثلاثٍ وثمانين، وقِيلَ: سنة اثنتين، وقِيلَ: سنة أربعٍ، (عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه: (أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ)؛ هو كعب الأحبار قبل أن يسلم، كما قاله الطَّبرانيُّ في «الأوسط» وغيره، كلُّهم من طريق رجاء [2] بن أبي سلمة عن عبادة [3] بن نُسَيٍّ _بضمِّ النُّون وفتح المُهمَلَة_ عن إسحاق بن قَبيصة بن ذؤيبٍ، عن كعبٍ أنَّه (قَالَ لَهُ)؛ أي: لعمرَ: (يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ): مبتدأٌ، وساغ مع كونه نكرةً لتخصيصه بالصِّفة؛ وهي: (فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَؤُونَهَا)، والخبرُ: (لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ)؛ أي: لو نزلت علينا؛ كقوله: {لو أنتم تملكون} [الإسراء: 100] ؛ أي: لو تملكون أنتم؛ لأنَّ «لو» لا تدخل إلَّا على الفعل، فحُذِف الفعل لدلالة الفعل المذكور عليه، و«معشرَ»: نُصِبَ على الاختصاص؛ أي: أعني معشرَ اليهود؛ (لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا) نعظِّمه في كلِّ سنةٍ، ونُسَرُّ فيه؛ لعظم ما حصل فيه من كمال الدِّين، (قَالَ) عمر رضي الله عنه: (أَيُّ آيَةٍ) هي؟ فالخبر محذوفٌ، (قَالَ) كعبٌ: ({الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ})، قال البيضاويُّ: بالنَّصر والإظهار على الأديان كلِّها، أو بالتَّنصيص على قواعد العقائد، والتَّوقيف على أصول الشَّرائع وقوانين الاجتهاد، ({وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي})؛ بالهداية والتَّوفيق، أو بإكمال الدِّين، أو بفتح مكَّة وهدم منارات الجاهليَّة، ({وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ})؛ أي: اخترته لكم ({دِينًا}) [المائدة: 3] من بين الأديان، وهو الدِّين عند الله، (قَالَ) وفي رواية الأربعة: ((فقال)) (عُمَرُ) رضي الله عنه: (قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ)، وفي رواية الأَصيليِّ: ((أُنزِلت)) (فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ)، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((على رسول الله)) (صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ قَائِمٌ)؛ أي: والحال أنَّه قائمٌ (بِعَرَفَةَ) بعدم الصَّرف؛ للعلميَّة والتَّأنيث، (يَوْمَ جُمُعَةٍ)، وفي رواية أبي ذَرٍّ وأبي الوقت ونسخةٍ لابن عساكر [4] : ((يوم الجمعة))، وإنَّما لم يُمنَع من الصَّرف على الأولى _كما في «عرفة»_ لأنَّ الجمعة صفةٌ، أو غير صفةٍ وليس علمًا، ولو كانت علمًا؛ لامتنع صرفها، وهي بفتح الميم وضمِّها وإسكانها، فالمتحرِّك بمعنى الفاعل؛ كضُحَكة بمعنى: ضاحكٍ، والمُسكَّن بمعنى المفعول؛ كضُحْكةٍ؛ أي: مضحوكٍ عليه، وهذه قاعدةٌ كُلِّيَّةٌ، فالمعنى إمَّا جامعٌ للنَّاس أو مجموعٌ له، وإنَّما لم يقل عمرُ رضي الله عنه: جعلناه عيدًا؛ ليطابق جوابه السُّؤال؛ لأنَّه ثبت في الصَّحيح أنَّ النُّزول كان بعد العصر، ولا يتحقَّق العيد إلَّا من أوَّل النَّهار، وقد قالوا: إنَّ رؤية الهلال بعد الزَّوال للقابلة، ولا ريب أنَّ اليوم التَّالي ليوم عرفة عيدٌ للمسلمين، فكأنَّه قال: جعلناه عيدًا بعد إدراكنا استحقاق ذلك اليوم للتَّعبُّد فيه [5] ، وقال الحافظ ابن حجرٍ: وعندي أنَّ هذه الرِّواية اكتفى فيها بالإشارة، وإلَّا فرواية إسحاق بن قبيصةَ قد نصَّت على المُرَاد، ولفظه: «يوم جمعة يوم عرفة، وكلاهما _بحمد الله سبحانه_ لنا عيدٌ»، وللطَّبرانيِّ: وهما لنا عيدٌ، فظهر أنَّ الجواب تضمَّن أنَّهم اتَّخذوا ذلك اليوم عيدًا؛ وهو يوم الجمعة، واتَّخذوا يوم عرفة عيدًا؛ لأنَّه ليلة العيد. انتهى. وقال النَّوويُّ: قد اجتمع في ذلك اليوم فضيلتان وشرفان، ومعلومٌ تعظيمنا لكلٍّ منهما، فإذا اجتمعا؛ زاد التعظيم، فقد اتَّخذنا ذلك اليوم عيدًا وعظَّمنا مكانه.

وفي رجال هذا الحديث ثلاثةٌ كوفيُّون، ورواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «المغازي» [خ¦4407] ، و«التَّفسير» [خ¦4606] ، و«الاعتصام» [خ¦7268] ، ومسلمٌ، والتِّرمذيُّ وقال: حسنٌ صحيحٌ، وكذا النَّسائيُّ في «الإيمان» و«الحجِّ».

[1] زيد في (ب) و(س): «أبي»، وهو خطأ.
[2] في (م): «جابر»، وليس بصحيحٍ.
[3] في (م): «عباد»، وليس بصحيحٍ.
[4] في (م): «للأصيلي»، وليس بصحيحٍ.
[5] في (م): «به».





45- ( ابْنُ الصَّبَّاحِ ) بتشديد الموحَّدة.

( أَبُو الْعُمَيْسِ ) بضمِّ المهملة وفتح الميم وسكون التَّحتيَّة وسين مهملة، هو: عتبة بن عبد الله بن عتبة بن مسعود.

( أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ ): هو كعب الأحبار، بيَّنه الطَّبرانيُّ في «الأوسط» وابن جرير في «تفسيره». [/ج1ص200/]

( قَالَ عُمَرُ... ) إلى آخره، في بعض طرقه عند التِّرمذيِّ: «فإنَّها نزلت في يوم عيدين يوم جمعة ويوم عرفة ».

وعند ابن جرير: «نزلت [في] [1] يوم جمعة يوم عرفة وكلاهما بحمد الله لنا عيد»، وللطَّبرانِّي: «وهما لنا عيدان»، وبهذا يحصل الجواب عن سؤال كعب. [/ج1ص201/]

[1] ما بين معقوفين زيادة من [ع] .





لا تتوفر معاينة

45 - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيْسِ، حَدَّثَنَا [1] قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه، أَنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ قَالَ لَهُ [2]: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَؤونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ، لاَتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا، قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: [3] {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [4] وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة: 3] فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ، وَالمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ [5].

الشرح:

أما (عُمَرَ) و(أَنَسٍ) و(قَتَادَةُ) رضيَ الله عنهم فسبق ذكرهم.

وأما (هِشَامٌ [6] الدَّسْتَوَائِيُّ): وهو أبو بكر هشام بن أبي عبد الله، واسم أبي عبد الله سنهر [7]، الربعي البصري الدَّسْتَوائي [8]- بفتح الدال وإسكان السين المهملتين، وبعدهما مثناة فوق مفتوحة، وآخره همزة ممدودة بلا نون- وقيل: الدستواني - بالقصر والنون - والصحيح المشهور الأول، ودستوا كورة من كور [9] الأهواز، كان يبيع الثياب التي تجلب منها، فنسب إليها [10].

سمع جماعة من التابعين منهم: أبو الزبير، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير، وحماد بن أبي سليمان الفقيه، وغيرهم. روى عنه الأعلام من الأئمة والحفاظ منهم: شعبة، ويحيى القطان، وعفان، وأبو داود وأبو الوليد الطيالسيان، وابن علية، وابنه [11] معاذ بن هشام، وآخرون.

قال أبو داود الطيالسي: كان هشام الدستوائي أمير المؤمنين في الحديث، وذكره أبو نعيم فأثنى عليه خيرًا.وقال أحمد بن حنبل: لا يُسْأَلُ [12] عن الدستوائي، ما أظن الناس يروون عن أثبت منه، فأما [13] مثله فعسى.

وقال ابن المديني: أثبت أصحاب يحيى بن أبي كثير هشام، ثم الأوزاعي وحسين

#%ص172%

المعلم.

وسئل أبو زرعة وأبو حاتم: من أحب إليكما من أصحاب يحيى بن أبي كثير [14]؟ قالا: هشام، قيل: الأوزاعي؟ قالا: بعده.

قال أبو الوليد وعمرو [15] بن علي: توفي سنة أربع وخمسين ومائة، وقيل: [16] ثلاث، وقيل: سنة اثنتين [17]، قال [18] ابن سعد، وقال عبد الصمد: سنة إحدى وخمسين.

وأما (مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) فهو أبو عمرو [19] مسلمُ بنُ إبراهيمَ، الفراهيدي - مولاهم - البصري، وفراهيد - بفتح الفاء وبالدال المهملة - بطن من الأزد، ومنهم [20] الخليل بن أحمد الإمام النحوي.

سمع خلائق من الكبار منهم: شعبة، وهشام، وأبان بن يزيد [21]، وحماد بن سلمة، وابن المبارك، وأبو عوانة، وجرير بن حازم، ومالك بن مِغَول.

روى عنه الكبار من الأعلام وحفاظ الإسلام منهم: ابن معين، والذهلي، والبخاري، وعمرو [22] بن علي، ونصر بن علي، وأبو زرعة.

قال أبو زرعة: سمعت مسلم بن إبراهيم يقول: ما أتيت حرامًا ولا حلالًا قط، وكان أتى عليه نيف وثمانون سنة.

وقال أحمد بن عبد الله: سمع مسلم بن إبراهيم من سبعين [23]امرأة، توفي سنة اثنتين وعشرين ومائتين.

فصل: هذا الإسناد الأول كله بصريون.

وأما قوله: (وقَالَ [24] أَبَانٌ) فهو أبان بن يزيد، أبو يزيد البصري العطار، روى عن قتادة، وابن [25] أبي كثير وآخرين، روى عنه حَبَّان بن هلال، ويزيد بن هارون، وعفان، ومسلم بن إبراهيم، وأبو داود وأبو الوليد الطيالسيان، ووكيع، وآخرون، روى له مسلم في الأصول، والبخاري [26] متابعة، كما وقع هنا.

واعلم أنه وقع في روايته هنا فائدتان حسنتان:

إحداهما في الإسناد، وهي قوله: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسٍ) لأن قتادة رحمه الله تعالى مُدَلِّسٌ، لا يُحْتَجُّ بِعَنْعَنَتِهِ إلا [27] إذا ثبت سماعه لذلك [28] الذي عنعن عنه، وقد [29] وقع في الرواية الأولى عنه - وهي [30] رواية هشام - بالعنعنة, فإذا ثبت من رواية أبان عنه التحديث والسماع علمنا اتصال عنعنته واحتججنا بها، وعلى هذا يحمل كل ما جاء في «الصحيح» من هذا النوع، وقد قدمت [31] بيان هذه القاعدة في الفصول السابقة في أول هذا الكتاب.

وأما الفائدة الثانية: فهي في المتن، وهي قوله: (مِنْ إِيمَانٍ) مكان (خَيْرٍ)، يعني قال

#%ص173%

في روايته: (يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنَ شَعِيْرَةٍ [32] .. وَوَزْنَ بُرَّةٍ مِنْ إِيمانٍ.. وَوَزْنَ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمانٍ) وهذا يدل على زيادة الإيمان ونقصه وتفاوته.

فصل:

في أبان لغتان: الصرف وعدمه، فمن صرفه جعله فَعالًا، كغزال ونظائره، و فاء [33] الهمزة أصل، وهي فاء الكلمة، ومن منعه جعل الهمزة زائدة، وجعله أفعل، فمنع صرفه لوزن الفعل مع العلمية، والصحيح الذي عليه المحققون والأكثرون صرفه، وغلَّط أكثرهم من منع صرفه، حتى قال بعضهم: لا يَمْنَعُ صرفُ أبان إلا أتان.

فصل:

وأما الإسناد الثاني ففيه: (طَارِقِ) وهو أبو عبد الله طارقُ بنُ شهابِ بنِ عبدِ شمسِ بن سلمةَ بن هلال، البَجَلِيُّ الأَحْمَسِيُّ الصحابيُّ الكوفيُّ رضيَ اللهُ عنه، رأى النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وغزا في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ثلاثًا [34] وثلاثين، أو ثلاثًا وأربعين من غزوة إلى سرية.

وروى عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وسلمان، وحذيفة، وخالد بن الوليد، وأبي موسى، وأبي سعيد رضيَ الله عنهم.

قال عمرو بن علي: توفي سنة ثلاث وثمانين.

وأما (قَيْسُ) فهو أبو عمرو قيسُ بنُ مُسْلمٍ، الجَدَلِيُّ الكوفيُّ، سمع طارق بن شهاب، ومجاهدًا، وسعيد بن جبير، وغيرهم، روى عنه الأعمش، ومسعر، والثوري، وشعبة، وغيرهم، توفي سنة عشرين ومائة.

وأما (أَبُو العُمَيْسِ): فهو -بضم العين المهملة، وفتح الميم، وإسكان الياء، وبالسين المهملة- وهو عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله [35] بن مسعود، الهذلي الكوفي، أخو عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي.

سمع جماعات من التابعين منهم: الشعبي، والسَّبيعي، وعمرو بن مرة، وقيس، وابن أبي مليكة [36]، وآخرون.

روى عنه محمد بن إسحاق بن يسار، وهو تابعي، وشعبة، وابن عيينة، ووكيع، وحفص بن غياث، وأبو أسامة، وأبو نعيم، وأبو معاوية الضرير، وغيرهم.

وأما (جَعْفَرَ): فهو أبو عون جعفرُ بنُ عون بن جعفر بن عمرو بن حريث، القرشي المخزومي الكوفي.

سمع جماعة من التابعين منهم: يحيى الأنصاري، والأعمش، وهشام بن عروة، وآخرون غيرهم.

روى عنه

#%ص174%

ابنا أبي شيبة، وابن راهويه، وابن المديني، وخلائق.

قال البخاري: توفي بالكوفة، سنة ست ومائتين [37].

وأما (الحَسَنُ [38] بنُ الصَّبَّاحِ) [39]فهو أبو علي الحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ [40] بنِ محمد [41]، البزار - آخره راء - الواسطي، سكن بغداد، سمع ابن عيينة، ووكيعًا، وأبا معاوية، وآخرين، روى عنه البخاري، ومحمد بن إسحاق الصاغاني، وإبراهيم الحربي، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وخلائق، توفي ببغداد في شهر ربيع الآخر، سنة تسع وأربعين ومائتين، رحمه [42] الله تعالى.

فصل: في فقه الباب.

فيه الدلالة لما ترجم له، وهو زيادة الإيمان ونقصه، وقد سبق تقريره في أول كتاب الإيمان.

وفيه دخول طائفة من عصاة [43] الموحدين النار، وفيه أن أصحاب الكبائر من [44] الموحدين لا يكفرون بفعلها، ولا يخلدون في النار، وفيه أنه لا يكفي في الإيمان معرفة القلب دون النطق بكلمتي الشهادة، ولا النطق من غير اعتقاد، وهذا مذهب أهل السنة في هذه المسائل.

وقوله [45]صلَّى الله عليه وسلَّم: (يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ) ضبط بضم أوله وفتحه، وقوله صلَّى الله تعالى عليه وسلَّم: (يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ [46]) وفي الرواية الأخرى [47]: (مِنْ إِيمَانٍ) اختلف فيه، فنقل ابن بطال عن المهلب: أن المراد بالشعيرة والبرة والذرة زيادة الأعمال التي يكمل بها التصديق، لا أنها [48] من نفس التصديق، وهذا موافق للرواية الأخرى في «الصحيح» أنه قال بعد ذكره الذرة: (ثُمَّ يَخْرُجُ منَ النَّارِ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ) يعني غير التوحيد، وقال غير المهلب: يحتمل أن تكون الشعيرة [49] وما بعدها من نفس التصديق؛ لأن قول (لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) لا ينفع [50] حتى ينضم إليه [51] تصديق القلب، والناس يتفاضلون في تصديق القلب على قدر علمهم ومعاينتهم.

فمن زيادته بالعلم قوله تعالى: { أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا } [التوبة: 127].

ومن المعاينة قوله تعالى: { [52]لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ } [التكاثر: 7] فجعل له مزية على [53] علم اليقين، والله أعلم، وهذا التأويل هو الصحيح المختار [54].

والذَّرَّةُ هنا: -بفتح الذال وتشديد الراء- واحدة الذَّرِّ [55]، قد [56] صحفها شعبة، فضم الذال وخفف الراء.

وقوله: (مَعْشَرَ) سبق بيانه في آخر قصة هرقل.

#%ص175%

قوله: (يَوْمَ جُمُعَةٍ) هي -بضم الميم وإسكانها وفتحها- وحكى [57] الفتح الفراء والواحدي وغيرهما، قالوا: كأنه يجمع [58] الناس، كما يقال: رجل [59]حطمة.

وقوله [60]: (لاَتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا) معناه: لعظمناه وجعلنا [61] عيدًا لنا في كل سنة، لِعِظَمِ [62] ما حصل [63] فيه من كمال الدين، وقول عمر رضي الله عنه: (قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ، وَالمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ [64] فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ [65]) معناه: إنَّا لم نهمل هذا، ولا خفي علينا زمان نزولها ومكانه، ولا تركنا تعظيم ذلك اليوم والمكان، أما المكان فهو عرفات، وهو معظم الحج الذي هو أحد أركان الإسلام، وأما الزمان: فيوم الجمعة، ويوم عرفة، وهو يوم اجتمع فيه فضلان وشرفان، ومعلوم تعظيمنا [66] لكل واحد منهما، فإذا اجتمعا زاد التعظيم، فقد اتخذنا ذلك اليومَ عيدًا وأيَّ عيد, فعظمناه وعظمنا مكان نزول الآية، وهذا كان [67] في حجة الوداع، وعاش النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم بعدها ثلاثة أشهر، والله أعلم.

[1] في (ت): ((أخبرنا)).
[2] قوله: ((له)) ليس في (ع).
[3] في (ت): ((قال: أي آية؟ قال)) ليس في الأصل(ز).
[4] جاء في حاشية الأصل(ز): ((أضاف الدين إليهم; إذ هم المختصون بهذا الدين القيم الأنور دون سائر الأمم، والدين تارة يضاف إلى العبد، وتارة يضاف إلى الرب تعالى، فيقال الإسلام دين الله الذي لا يقبل من أحد دينًا سواه، ولهذا يقال في الدعاء: (اللهم انصر دينك ) ونسب الكمال إلى الدين والتمام إلى النعمة مع إضافتها إليه; لأنه سبحانه هو وليها ومسديها إليهم، وهم محل محض لنعمه قابلين لها.
وأما الدين فلما كانوا هم القائمين به الفاعلين له بتوفيق ربهم عز وجل نسبه إليهم، فقال: {أكملت لكم دينكم} [المائدة: 3] ، وكان الكمال في جانب الدين والتمام في جانب النعمة واللفظتان وإن تقاربتا وتوازنتا فبينهما فرق لطيف يظهر عند التأمل فإن الكمال أخص بالصفات والمعاني ويطلق على الأعيان والذوات وذلك باعتبار صفاتها وخواصها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد)) . وقال عمر بن عبد العزيز: إن للإيمان فرائض وشرائع وحدودًا وسننًا فمن استكملها فقد استكمل الإيمان،.
وأما التمام فيكون في الأعيان والمعاني، ونعمة الله تعالى أعيان وأوصاف ومعان.
وأما دينه فهو شرعه المتضمن لأمره ونهيه ومحابه فكانت نسبة الكمال إلى الدين والتمام إلى النعمة أحسن كما كانت إضافة الدين إليهم والنعمة إليه أحسن، والمعنيون بقوله: {اليوم أكملت دينكم وأتممت عليكم نعمتي} هم أهل النعمة المطلقة المتصلة بسعادة الأبد وهي المختصة بالمؤمنين، أما النعمة المقيدة كنعمة الصحة، والغنى، وعافية الجسد، وبسط الجاه، وكثرة الولد، والزوجة الحسنة، وأمثال هذه، فمشتركة بين البر والفاجر والمؤمن والكافر، وقد تكون النعم المقيدة استدراجا للعبد ومآلها إلى العذاب والشقاء فكأنها لم تكن نعمة وإنما كانت بلية، فالنعمة المقيدة لا توجب لصاحبها أن يكون من أهل النعمة المطلقة قال تعالى: {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمني - وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانني كلا} [الفجر: 15 - 16] أي: ليس كل من أكرمته في الدنيا ونعمته فيها قد أنعمت عليه وإنما كان ذلك ابتلاء مني له، واختبارًا، ولا كل من قدرت عليه رزقه فجعلته بقدر حاجته من غير فضلة أكون قد أهنته، بل أبتلي عبدي بالنعم كما أبتليه بالمصائب )).
[5] في (ع): ((الجمعة)).
[6] زاد في (ت) و(ك) و(ع): ((فهو)).
[7] في (ك): ((واسم عبيد الله سنبر))، وفي (ع): ((سنبر)).
[8] قوله: ((وهو أبو بكر هشام بن أبي عبد الله، واسم أبي عبد الله سنهر، الربعي البصري الدستوائي)) ليس في الأصل(ز).
وقوله: ((الدستوائي)) ليس في (ك).
[9] في (ع): ((كورة)).
[10] قوله: ((إليها)) ليس في (ع).
[11] في (ع): ((وابن)).
[12] في (ع): ((لا تسأل)).
[13] في (ع): ((وأما)).
[14] في (ك): ((بكير)).
[15] في (ك): ((وعمر)).
[16] زاد في (ك): ((سنة)).
[17] في (ع): ((اثنين)).
[18] في (ت) و(ك): ((قاله)).
[19] في (ع): ((أبو عبد الله)).
[20] زاد في (ك): ((الإمام)).
[21] في (ت): ((زيد)).
[22] في (ك): ((وعمر)).
[23] في (ع) تصحيفًا: ((سفيان)).
[24] في (ت): ((قال)).
[25] في (ع): ((عن قتادة بن)).
[26] في (ك): ((وللبخاري)).
[27] قوله: ((إلا)) ليس في (ك).
[28] زاد في (ك): ((الحديث من)).
[29] في (ك): ((قد)).
[30] في (ك): ((وهو)).
[31] في (ك): ((تقدمت)).
[32] زاد في (ت) و(ك) و(ع): ((من إيمان)).
[33] قوله: ((فاء)) ليس في (ك).
[34] في (ك): ((ثلاثة)).
[35] قوله: ((بن عتبة بن عبد الله)) ليس في(ت).
[36] في (ك): ((وقيس بن أبي مليك)).
[37] زاد في (ت) و(ك) و(ع): (وقال أبو داود: سنة سبع، قيل: مات وهو ابن سبع وتسعين، وقيل: سبع ومائتين)، وفي (ع): ((وقيل: سبع وثمانين)) .
[38] في (ك): ((الحسين)).
[39] في (ع): ((صباح)).
[40] قوله: ((فهو: أبو علي، الحسن بن الصباح )) ليس في (ع).
[41] في (ع): ((ومحمد)).
[42] في (ت) و(ك): ((رحمهم)).
[43] في (ك): ((العصاة)).
[44] قوله: ((من)) ليس في (ع).
[45] في (ك): ((قوله)).
[46] قوله: ((من خير)) ليس في (ع).
[47] في (ع): ((وفي رواية أخرى)).
[48] في (ت) و(ع): ((لأنها)).
[49] قوله: ((الشعيرة)) ليس في (ع).
[50] في (ع): ((لا تنفع)).
[51] في (ع): ((إليها)).
[52] زاد في (ت) و(ك) و(ع): ((ثم)).
[53] قوله: ((على)) ليس في (ك).
[54] قوله: ((وهذ التأويل هو الصحيح المختار)) ليس في (ك).
[55] زاد في (ت) و(ك) و(ع): ((المعروف)).
[56] في (ك) و(ع): ((وقد)).
[57] في (ك): ((حكى)).
[58] في (ع): ((كانوا بجمع)).
[59] قول: ((رجل)) ليس في (ت).
[60] في (ك) و(ع): ((قوله)).
[61] في (ع): ((وجعلناه))، وفي (ك): ((لجعلناه لنا)).
[62] في (ت): ((العظم)).
[63] في (ع): ((يحصل)).
[64] في (ع): ((نزل)).
[65] في (ع): ((الجمعة)).
[66] في (ك): ((تعظيمًا))، وفي (ع): ((تعظيم)).
[67]في (ك): ((وكان)).
#%ص176%





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

45- وبه قال: ((حدثنا الحسن بن الصَّبَّاح)) ؛ بتشديد الموحدة: ابن محمد، وللأصيلي: (البزار) بالزاي بعدها راء، الواسطي، المتوفى ببغداد سنة ستين ومئتين: أنه ((سمع جعفر بن عون)) بن أبي جعفر المخزومي، المتوفى بالكوفة سنة سبع ومئتين قال: ((حدثنا أبو العُميْس)) ؛ بضم العين المهملة، وسكون المثناة التحتية، آخره سين مهملة، الهذلي المسعودي الكوفي، المتوفى سنة خمسين [1] ومئة ((قال: أخبرنا قيس بن مُسلِم)) ؛ بضم الميم وكسر اللام مخفَّفًا، الكوفي العابد، المتوفى سنة عشرين ومئة، ((عن طارق بن شهاب)) ؛ أي: ابن عبد شمس الصحابي، المتوفى سنة ثلاث وثمانين [2] ، ((عن عمر بن الخطاب)) رضي الله عنه: ((أنَّ رجلًا من اليهود)) ؛ هو كعب الأحبار قبل أن يُسلم، كما قاله الطبراني، واليهودُ: علم [على] قوم موسى؛ من (هادوا) ؛ أي: مالوا، أو من (هاد) ؛ إذا رجع؛ لأنَّهم يتهودون؛ أي: يتحركون عند قراءة التوراة وغير ذلك، كما بسطه في «عمدة القاري».

((قال له)) أي: لعمر: ((يا أمير المؤمنين)) فيه دلالة على أن ذلك كان بعد موت الصديق الأكبر؛ ((آيةٌ)) مبتدأٌ، وساغ مع كونه نكرة؛ لتخصصه بالصفة؛ وهي ((في كتابكم)) القرآن ((تقرؤونها)) جملة محلها رفع صفةٍ أخرى، والخبرُ قولُه: ((لو علينا معشر اليهود نزلت)) ؛ أي: لو نزلت علينا؛ لأنَّ (لو) لا تدخل إلا على الفعل، فحذف الفعل؛ لدلالة الفعل المذكور عليه، كذا قاله الشرَّاح، ويمكن أن يجعل الجارُّ والمجرور متعلقًا بالفعل المذكور، وتكون (لو) فقط كأنها داخلة عليه، ويتوفر عليها صفتها من اختصاصها بالفعل، والظاهر الاقتصار عليه، قاله الشيخ إسماعيل العجلوني؛ فتأمل، و (معشر) منصوب على الاختصاص، أو أعني معشر اليهود، والمعشر: الجماعة الذين شأنهم واحد، ويجمع على معاشر؛ ((لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا)) أصله: (عودًا) من العود، سُمي به؛ لأنَّه في كل عام يعود، والمعنى: نعظِّمه في كل سنة ونُسَرُّ فيه؛ لعظم ما حصل فيه من كمال الشريعة المطهرة، ((قال)) أي: عمر: ((أي آية)) هي؟ فالخبر محذوف ((قال)) أي: كعب: (({اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ})) قال البيضاوي: بالنصر والإظهار على الأديان كلها، أو بالتنصيص على قواعد العقائد والتوقيف على أصول الشرائع وقوانين الاجتهاد، (({وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي})) بالهداية والتوفيق، أو بفتح مكة وهدم منارات الجاهلية، (({وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ})) ؛ أي: اخترته لكم (({دِيناً} [المائدة: 3] )) من بين الأديان؛ وهو الدين عند الله تعالى.

((قال)) وفي رواية: (فقال) ((عمر)) رضي الله عنه: ((قد عرفنا ذلك اليوم والمكان)) وكان ذلك في حجة الوداع، وعاش بعدها عليه السلام ثلاثة أشهر، كذا قاله الشيخ الإمام بدر الدين العيني رضي الله عنه ((الذي نزلت)) وفي رواية: (أنزلت) ((فيه على النبي)) الأعظم، وفي رواية: (على رسول الله) ((صلى الله عليه وسلم، وهو قائم)) ؛ أي: والحال أنَّه قائم ((بعرفةَ)) الباء: ظرفية، غير منصرف؛ للعلميَّة والتأنيث، والباء متعلقة بـ (قائم) أو بـ (نزلت) ((يومَ جمعةٍ)) وفي رواية: (يومَ الجمعة) ، وإنَّما لم تمنع من الصرف؛ لأنَّها صفة أو غير صفة وليست علمًا، ولو كانت علمًا؛ لامتنع صرفها؛ وهي بفتح الميم، وضمها، وإسكانها، فالساكن بمعنى المفعول، والمتحرك بمعنى الفاعل، وهذه قاعدة كلية، والمعنى: إما جامع للناس أو مجموع له، وإنما لم يقل عمر: جعلناه عيدًا؛ ليطابق جوابه السؤال؛ لأنَّه جاء في «الصحيح»: أن النزول كان بعد العصر، ولا يتحقق العيد إلَّا من أول النهار، ولهذا قال الفقهاء: إن رؤية الهلال بالنهار لليلة المستقبَلة، ولا شك أن اليوم التالي ليوم عرفة عيد للمسلمين، فكأنه قال: جعلناه عيدًا بعد إدراكنا استحقاق ذلك اليوم للتعبد فيه.

ويظهر من هذه الرواية ورواية إسحاق ولفظه: (يوم جمعة يوم عرفة) ، وللطبراني: (وهما لنا عيد) : أنَّ الجواب تضمَّن أنَّهم اتخذوا ذلك اليوم عيدًا؛ وهو يوم الجمعة، واتخذوا يوم عرفة عيدًا؛ لأنَّه ليلة العيد، كذا قاله الشيخ الإمام بدر الدين العيني رحمه [الله] تعالى.

[1] في الأصل: (عشرين)، وليس بصحيح، والمثبت من المصادر.
[2] في الأصل: (ثلاث وعشرين ومئة)، وليس بصحيح، والمثبت من المصادر.