متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

44- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ)؛ بضمِّ ميم «مُسلِم» وكسر لامه مُخفَّفًا، أبو عمرٍو البصريُّ الأزديُّ، الفَرَاهِيدِيُّ؛ بفتح الفاء، وبالرَّاء وبالهاء المكسورة، والمُثنَّاة التَّحتيَّة، والدَّال المُهمَلَة، وعند ابن الأثير: بالمُعجَمَة؛ بطنٌ من الأزد مولاهم، القصَّاب أو الشَّحَّام، المُتوفَّى سنة اثنتين وعشرين ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) بكسر الهاء، ابن أبي عبد الله سنْدر، الرَّبَعيُّ؛ بفتح الرَّاء والمُوحَّدة؛ نسبةً إلى ربيعة بن نزار [1] بن معد بن عدنان البصريُّ، الدَّسْتوَائيُّ؛ بفتح الدَّال وإسكان السِّين المُهمَلَتين، بعدهما مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ مفتوحةٌ أو مضمومةٌ، مهموزٌ من غير نونٍ؛ نسبةً إلى كورة من كور الأهواز؛ لبيعه الثِّياب المجلوبة منها، المُتوفَّى سنة أربعٍ وخمسين ومئةٍ، وكان يُرمَى بالقَدَر، لكنَّه لم يكن داعيةً، (قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامةَ، (عَنْ أَنَسٍ)؛ هو ابن مالكٍ رضي الله عنه، (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ) _بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة_ مِنْ الخروج، وفي رواية الأَصيليِّ وأبي الوقت: ((يُخرَج)) _بضمِّها _ مِنَ الإخراج في جميع الحديث، فالتَّالي وهو: (مَنْ قَالَ) في محلِّ رفعٍ على الوجهين، فالرَّفع على الأوَّل: على الفاعليَّة، وعلى الثَّاني: على النِّيابة عن الفاعل، و«مَنْ» موصولةٌ، ولاحقها: جملةُ صلتِها، ومقول القول: (لَا إِلَهَ إِلَّا الله)؛ أي: مع قول: محمَّدٌ رسول الله، فالجزء الأوَّل علَمٌ على المجموع؛ كـ: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} على السُّورة كلِّها، أو أنَّ هذا كان قبل مشروعيَّة ضمِّها إليه، كما قاله العينيُّ كالكرمانيِّ، وفي ذلك نظرٌ على ما لا يخفى، (وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ)؛ أي: من إيمانٍ، كما في الرِّواية الأخرى، والمُرَاد به: الإيمان بجميع ما جاء به الرَّسول عليه الصلاة والسلام، [/ج1ص130/] والجملة في موضع الحال، والتَّنوين في «خيرٍ»؛ للتَّقليل المُرغَّب في تحصيله؛ إذ إنَّه إذا حصل الخروج بأقلَّ ممَّا [2] ينطلق عليه اسم الإيمان؛ فبالكثير منه أحرى، فإن قلت: الوزن إنَّما يُتصوَّر في الأجسام دون المعاني، أُجِيب: بأنَّ الإيمان شُبِّه بالجسم، فأُضِيف إليه ما هو من لوازمه؛ وهو الوزن، والمُرَاد بـ: «القول» هنا النَّفسيُّ. نعم؛ الإقرار لا بدَّ منه؛ ولذا أعاده في كلِّ مرَّةٍ، (وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله) محمَّدٌ رسول الله، (وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ)؛ بضمِّ المُوحَّدة وتشديد الرَّاء المفتوحة؛ وهي القمحة، (مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله) محمَّدٌ رسول الله، (وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ)؛ بفتح الذَّال المُعجَمَة، وتشديد الرَّاء المفتوحة، واحدة الذَّرِّ، وهو كما قال [3] في «القاموس»: صغار النَّمل، ومئةٌ منها زِنَةُ حبَّة شعيرٍ. انتهى. ولغيره: أنَّ أربع ذَرَّاتٍ وزن خردلةٍ، أو هو الهباء الذي يظهر في شعاع الشَّمس مثل رؤوس الإبر؛ وهو السَّاقط من التُّراب بعد وضع كفِّك فيه ونفضها، ونُسِبَ هذا الأخير لابن عبَّاسٍ، فوزن الذَّرَّة هو التَّصديق الذي لا يجوز أن يدخله النَّقص، وما في البُرَّة والشَّعيرة من الزِّيادة على الذَّرَّة؛ فإنَّما هو من زيادة الأعمال التي يكمل التَّصديق بها، وليست زيادةٌ في نفس التَّصديق، قاله المُهلَّب، وقال في «الكواكب»: وإنَّما أضاف هذه الأجزاء التي في الشَّعيرة والبُرَّة الزَّائدة على الذَّرَّة إلى القلب؛ لأنَّه لمَّا كان الإيمان التَّامُّ إنَّما هو قولٌ وعملٌ، والعمل لا يكون إلَّا بنيَّةٍ وإخلاصٍ من القلب؛ فلذا جاز أن يُنسَب العمل إلى القلب؛ إذ تمامه بتصديق القلب، فإن قلت: التَّصديق القلبيُّ كافٍ في الخروج؛ إذ المؤمن لا يُخلَّد في النَّار، وأمَّا قوله: «لا إله إلَّا الله» فلإجراء أحكام الدُّنيا عليه، فما وجه الجمع بينهما؟ أُجِيب: بأنَّ المسألة مُختلَفٌ فيها؛ فقال جماعةٌ: لا يكفي مجرَّد التَّصديق، بل لا بدَّ من القول والعمل أيضًا، وعليه البخاريُّ، أو المُرَاد بالخروج هو بحسب حكمنا به؛ أي: الحكم بالخروج لمن كان في قلبه إيمانٌ ضامًّا إليه عنوانه الذي يدلُّ عليه؛ إذ الكلمة هي شعار الإيمان في الدُّنيا، وعليه مدار الأحكام، فلا بدَّ منهما حتَّى يصحَّ الحكم بالخروج. انتهى. وقال ابن بطَّالٍ: التَّفاوت في التَّصديق على قدر العلم والجهل، فمن قلَّ علمه؛ كان تصديقه مثلًا بمقدار ذَرَّةٍ، والذي فوقه في العلم تصديقه بمقدار بُرَّةٍ أو شعيرةٍ، إلَّا أنَّ التَّصديق الحاصلَ في قلبِ كلِّ واحدٍ منهم لا يجوز عليه النُّقصان، وتجوز عليه الزِّيادة بزيادة العلم والمُعايَنة، وبالجملة؛ فحقيقة التَّصديق واحدةٌ لا تقبل الزِّيادة والنُّقصان، وقدَّم «الشَّعيرة» على «البُرَّة»؛ لكونها أكبرَ جرمًا منها، وأَخَّرَ «الذَّرَّة»؛ لصغرها، فهو من باب التَّرقِّي في الحكم وإن كان من باب التَّنزُّل.

وفي هذا الحديث: الدَّلالة على زيادة الإيمان ونقصانه، ودخول طائفةٍ من عصاة [4] الموحِّدين النَّارَ، وأنَّ الكبيرة لا يُكفَّر مَنْ عملها ولا يُخلَّد في النار، ورواته كلُّهم أئمَّةٌ أَجِلَّاءُ بصريُّون، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرجه البخاريُّ أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦7410] ، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ في «صفة جهنَّم»، وقال: حسنٌ صحيحٌ.

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ، وفي رواية ابن عساكرَ بحذف: ((قال أبو عبد الله)) كما في «الفرع» و«أصله»، (قَالَ أَبَانُ) _بفتح الهمزة وتخفيف المُوحَّدة، بالصَّرف على أنَّه «فَعَال»؛ كغزالٍ، والهمزة أصلٌ؛ وهي فاء الكلمة، والمنع: على أنَّها زائدةٌ، ووزنه «أَفْعَل»، فمُنِعَ؛ لوزن الفعل والعلميَّة، واختاره ابن مالكٍ_ ابنُ يزيدَ العطَّار البصريُّ، وللأربعة: ((وقال أبان)) _بواو العطف_: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامةَ قال: (حَدَّثَنَا أَنَسٌ)؛ هو ابن مالكٍ، (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: مِنْ إِيمَانٍ مَكَانَ خَيْرٍ)، وللأَصيليِّ: ((من خيرٍ))، وهذا من التَّعليقات، وقد وصله الحاكم في كتاب «الأربعين» له من طريق أبي سلمة موسى بن إسماعيل قال: حدَّثنا أَبَانُ، ونبَّه المؤلِّف به على تصريح قتادة فيه بالتَّحديث عن أنسٍ؛ لأنَّ قتادة مُدلِّسٌ، لا يُحتَجُّ بعنعنته إلَّا إذا ثبت سماعه للذي عنعن عنه [5] ، وعلى تفسير [6] المتن بقوله: «من إيمانٍ» بدل قوله: «من خيرٍ».

[1] في (س): «نذار»، وهو تحريفٌ.
[2] في (م): «ما».
[3] «قال»: سقط من (س).
[4] في (م): «عصابة»، وهو تحريفٌ.
[5] «عنه»: سقط من (م).
[6] في (م): «تغيير».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

44-. حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إِبْراهِيمَ، قالَ: حدَّثنا هِشامٌ، قالَ: حدَّثنا قَتادَةُ:

عن أَنَسٍ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «يَخْرُجُ [1] مِنَ النَّارِ مَنْ قالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ [/ج1ص17/] النَّارِ مَنْ قالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ [2] مِنْ خَيْرٍ».

قالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ [3] : قالَ [4] أَبانُ: حدَّثنا قَتادَةُ: حدَّثنا أَنَسٌ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مِنْ إِيمانٍ» مَكانَ «خَيْرٍ [5] ».

[1] في روايةٍ الأصيلي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «يُخْرَجُ» بضم الياء في جميع الحديث.
[2] صحَّح عليها في اليونينيَّة.
[3] قوله: «قال أبو عبد الله» ليس في رواية ابن عساكر و [عط] .
[4] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر و [عط] ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «وقال».
[5] في رواية الأصيلي: «مِنْ خَيْرٍ».





44- ( يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ ) بفتح الياء وضمِّها.

( بُرَّةٍ ) بضم الموحَّدة وتشديد الراء.

( ذَرَّةٍ ) بفتح الذالِ المعجمة وتشديد الراء، وصحَّفها شعبة فضم الذال وخفف الراء؛ وأوقعَه فيه تقديمُ الشعير والبر.

( أَبَانُ ) يجوز فيه الصَّرف على أنَّه فَعَال كنزال، والهمزة أصل وهي فاء الكلمة، والمنع على أنَّها زائدة، ووزنه أفعل، فمُنع لوزن الفعل والعَلَميَّة، واختار [/ج1ص42/] ابن مالك المنع.


44# (يَخْرُجُ) بالبناء [1] للفاعل؛ من [2] الخروج، وللمفعول [3] ؛ من الإخراج.

(ذَرَّةٍ) بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء.

قال الزركشي: وصحَّفها شُعبة فضمَّ الذال وخفَّف

@%ج1ص62%

الراء، وأوقعه [4] فيه تقدُّم الشَّعير والبر.

(أَبَانُ) بالصرفِ على أنه فَعال، والهمزةُ أصلية، والمنعِ على أنها زائدةٌ، ووزنه [5] أَفعل، ففيه العلميةُ ووزن الفعل، واختارهُ ابن مالك.

[1] في (ق): ((البناء)).
[2] في (ق): ((بين)).
[3] في (ق): ((والمفعول)).
[4] في (ق): ((وأوقع)).
[5] في (ق): ((وزنه)).





44- قوله: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ [1] : حَدَّثَنَا [2] قَتَادَةُ): (هِشامٌ): هذا هو ابنُ أبي عبد الله سَنْبَر الدَّسْتَوائيّ،ُ أبو بكرٍ البصريُّ، الحافظ، كان يبيع الثياب الدَّسْتَوائيَّة، ودَسْتَوا: مِن كور الأهواز، قال أبو داود الطيالسيُّ: (كان أمير المؤمنين في الحديث) ، مات سنة (154 هـ ) ، وقد جعله الذَّهبيُّ في «الوفيات» في سنة (153 هـ ) ، وهو أحدُ الأقوال في وفاته، أخرج له الجماعة، له ترجمة في «الميزان»؛ لكونه رُمِيَ بالقدر، وقد قيل: إنَّه رجع عنه.

قوله: (ذَرَّة): هي بفتح الذَّال المعجمة، ثمَّ راء مشدَّدة، قال ابن قُرقُول: (ما يَزِنُ ذُرَة -يعني: بضمِّ الذال المعجمة، وتخفيف الراء- قال: وهو تصحيفٌ، صوابُه: ذَرَّة -يعني: كما ضبطته أنا- يعني: نملة صغيرة، وقيل: الذَّرَّة: واحدةُ الذَّرِّ؛ وهو الهباءُ الذي يظهَرُ في شُعاع الشمس مِثلَ رُؤوسِ الإبَر.

ورُويَ عنِ ابن عبَّاسٍ أنَّه قال: «إذا وضعتَ كفَّكَ على غُبارٍ، ثمَّ رفعتَها فقبضْتَها؛ فما سقط مِن ذلك الغبار؛ فهو الذَّرُّ»، وحُكي: أنَّ الذَّرَّةَ جُزءٌ [3] من خردلةٍ، وأنَّ الخردلةَ تَعدِلُ في الوزنِ أربعَ ذَرَّاتٍ، وقيل: الذَّرَّة مِن ألفٍ وأربعةٍ وعشرينَ جُزءًا من شعيرة) انتهى، وسيأتي في (سورة النساء) زيادةٌ على ذلك إن شاء الله تعالى.

قوله: (قَالَ أَبَانُ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ): (أبانُ) هذا: هو ابنُ يزيدَ [4] العطَّار أبو يزيد البصريُّ، أحدُ الأثبات المشاهير، وأبان: مصروفٌ على الصحيح، قال النوويُّ في «تهذيبه»: (فمَن صرفَه؛ قال: الهمزةُ أصلٌ، والألفُ زائدةٌ، وزنه (فَعَال) ؛ كغزال، وعَنَاق، ونظائرِهما، ومَن منع؛ عَكَسَ، فقال: الهمزةُ زائدةٌ، والألفُ بدلٌ مِن ياء، ووزنه (أفعل) فلا ينصرف؛ لوزن الفعل) ، وفي «شرح مسلم» للنَّوويِّ: (فمَن لم يصرفْهُ؛ جعلَه فِعلًا ماضيًا، والهمزةُ زائدةٌ، فيكونُ (أفعل) ، ومَن صرفه؛ جعلَ الهمزةَ أصلًا، فيكونُ (فَعَالًا) ، وصرفُه هو الصحيحُ الذي اختارَه الإمامُ محمَّدُ بنُ جعفرٍ في «جامع اللُّغة»، والإمام أبو محمَّد بن السِّيْد البطليوسيُّ) انتهى.

قال أحمدُ: (ثَبْتٌ في كلِّ المشايخ) ، وقال ابنُ معينٍ، والنَّسائيُّ، وغيرُهما: (ثقةٌ) ، توفِّي سنةَ بضعٍ وستِّين ومئة، أخرج له البخاريُّ، ومسلمٌ، وأبو داود، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ، قال شيخُنا الشَّارح: أخرج له البخاريُّ متابعةً، ومسلمُ استقلالًا، والذي وقفتُ عليه إطلاقُ العبارةِ، والحكمةُ في ذِكر تعليقِ أبان؛ لأنَّ قتادةَ مُدلِّسٌ، وقد عنعنَ في السَّند الأوَّل وصرَّح بالتحديث في التعليق؛ فلهذا [5] جاء المؤلِّفُ به، وتعليقُ أبانٍ لم أرَهُ في شيءٍ مِنَ الكتب السِّتَّة إلَّا ما هنا، ولم يخرِّجْه شيخُنا [رحمه الله تعالى، وقال الحافظ المعاصر القاهريُّ: أخرجه الحاكم في «الأربعين» له بسندٍ صحيح] [6] .

[1] زيد في «اليونينيَّة»: (قال) ، وليست في النسخ و (ق) .
[2] في النسخ: (عن) ، والمثبت موافق لما في «اليونينيَّة» و (ق) .
[3] في (ب): (حبة) .
[4] في (ب): (زيد) ، وهو خطأ.
[5] في (ب): (ولهذا) .
[6] ما بين معقوفين سقط من (ب) ، وزيد فيها: (في) .





44- (أَبَان): مُنصرِفٌ؛ لأنَّه (فَعَال) كـ (غَزَال)، ومنهم مَنْ جَعَلَه (أَفْعَل)، فمَنَعَ صرفَه؛ لوزنِ الفعلِ مع العَلَميَّةِ، واختارَ ابنُ مالكٍ المَنْعَ [1] . [/ص19/]

[1] وهو رواية اليونينية، «شواهد التوضيح» (ص221) (54).





44- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ)؛ بضمِّ ميم «مُسلِم» وكسر لامه مُخفَّفًا، أبو عمرٍو البصريُّ الأزديُّ، الفَرَاهِيدِيُّ؛ بفتح الفاء، وبالرَّاء وبالهاء المكسورة، والمُثنَّاة التَّحتيَّة، والدَّال المُهمَلَة، وعند ابن الأثير: بالمُعجَمَة؛ بطنٌ من الأزد مولاهم، القصَّاب أو الشَّحَّام، المُتوفَّى سنة اثنتين وعشرين ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) بكسر الهاء، ابن أبي عبد الله سنْدر، الرَّبَعيُّ؛ بفتح الرَّاء والمُوحَّدة؛ نسبةً إلى ربيعة بن نزار [1] بن معد بن عدنان البصريُّ، الدَّسْتوَائيُّ؛ بفتح الدَّال وإسكان السِّين المُهمَلَتين، بعدهما مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ مفتوحةٌ أو مضمومةٌ، مهموزٌ من غير نونٍ؛ نسبةً إلى كورة من كور الأهواز؛ لبيعه الثِّياب المجلوبة منها، المُتوفَّى سنة أربعٍ وخمسين ومئةٍ، وكان يُرمَى بالقَدَر، لكنَّه لم يكن داعيةً، (قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامةَ، (عَنْ أَنَسٍ)؛ هو ابن مالكٍ رضي الله عنه، (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ) _بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة_ مِنْ الخروج، وفي رواية الأَصيليِّ وأبي الوقت: ((يُخرَج)) _بضمِّها _ مِنَ الإخراج في جميع الحديث، فالتَّالي وهو: (مَنْ قَالَ) في محلِّ رفعٍ على الوجهين، فالرَّفع على الأوَّل: على الفاعليَّة، وعلى الثَّاني: على النِّيابة عن الفاعل، و«مَنْ» موصولةٌ، ولاحقها: جملةُ صلتِها، ومقول القول: (لَا إِلَهَ إِلَّا الله)؛ أي: مع قول: محمَّدٌ رسول الله، فالجزء الأوَّل علَمٌ على المجموع؛ كـ: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} على السُّورة كلِّها، أو أنَّ هذا كان قبل مشروعيَّة ضمِّها إليه، كما قاله العينيُّ كالكرمانيِّ، وفي ذلك نظرٌ على ما لا يخفى، (وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ)؛ أي: من إيمانٍ، كما في الرِّواية الأخرى، والمُرَاد به: الإيمان بجميع ما جاء به الرَّسول عليه الصلاة والسلام، [/ج1ص130/] والجملة في موضع الحال، والتَّنوين في «خيرٍ»؛ للتَّقليل المُرغَّب في تحصيله؛ إذ إنَّه إذا حصل الخروج بأقلَّ ممَّا [2] ينطلق عليه اسم الإيمان؛ فبالكثير منه أحرى، فإن قلت: الوزن إنَّما يُتصوَّر في الأجسام دون المعاني، أُجِيب: بأنَّ الإيمان شُبِّه بالجسم، فأُضِيف إليه ما هو من لوازمه؛ وهو الوزن، والمُرَاد بـ: «القول» هنا النَّفسيُّ. نعم؛ الإقرار لا بدَّ منه؛ ولذا أعاده في كلِّ مرَّةٍ، (وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله) محمَّدٌ رسول الله، (وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ)؛ بضمِّ المُوحَّدة وتشديد الرَّاء المفتوحة؛ وهي القمحة، (مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله) محمَّدٌ رسول الله، (وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ)؛ بفتح الذَّال المُعجَمَة، وتشديد الرَّاء المفتوحة، واحدة الذَّرِّ، وهو كما قال [3] في «القاموس»: صغار النَّمل، ومئةٌ منها زِنَةُ حبَّة شعيرٍ. انتهى. ولغيره: أنَّ أربع ذَرَّاتٍ وزن خردلةٍ، أو هو الهباء الذي يظهر في شعاع الشَّمس مثل رؤوس الإبر؛ وهو السَّاقط من التُّراب بعد وضع كفِّك فيه ونفضها، ونُسِبَ هذا الأخير لابن عبَّاسٍ، فوزن الذَّرَّة هو التَّصديق الذي لا يجوز أن يدخله النَّقص، وما في البُرَّة والشَّعيرة من الزِّيادة على الذَّرَّة؛ فإنَّما هو من زيادة الأعمال التي يكمل التَّصديق بها، وليست زيادةٌ في نفس التَّصديق، قاله المُهلَّب، وقال في «الكواكب»: وإنَّما أضاف هذه الأجزاء التي في الشَّعيرة والبُرَّة الزَّائدة على الذَّرَّة إلى القلب؛ لأنَّه لمَّا كان الإيمان التَّامُّ إنَّما هو قولٌ وعملٌ، والعمل لا يكون إلَّا بنيَّةٍ وإخلاصٍ من القلب؛ فلذا جاز أن يُنسَب العمل إلى القلب؛ إذ تمامه بتصديق القلب، فإن قلت: التَّصديق القلبيُّ كافٍ في الخروج؛ إذ المؤمن لا يُخلَّد في النَّار، وأمَّا قوله: «لا إله إلَّا الله» فلإجراء أحكام الدُّنيا عليه، فما وجه الجمع بينهما؟ أُجِيب: بأنَّ المسألة مُختلَفٌ فيها؛ فقال جماعةٌ: لا يكفي مجرَّد التَّصديق، بل لا بدَّ من القول والعمل أيضًا، وعليه البخاريُّ، أو المُرَاد بالخروج هو بحسب حكمنا به؛ أي: الحكم بالخروج لمن كان في قلبه إيمانٌ ضامًّا إليه عنوانه الذي يدلُّ عليه؛ إذ الكلمة هي شعار الإيمان في الدُّنيا، وعليه مدار الأحكام، فلا بدَّ منهما حتَّى يصحَّ الحكم بالخروج. انتهى. وقال ابن بطَّالٍ: التَّفاوت في التَّصديق على قدر العلم والجهل، فمن قلَّ علمه؛ كان تصديقه مثلًا بمقدار ذَرَّةٍ، والذي فوقه في العلم تصديقه بمقدار بُرَّةٍ أو شعيرةٍ، إلَّا أنَّ التَّصديق الحاصلَ في قلبِ كلِّ واحدٍ منهم لا يجوز عليه النُّقصان، وتجوز عليه الزِّيادة بزيادة العلم والمُعايَنة، وبالجملة؛ فحقيقة التَّصديق واحدةٌ لا تقبل الزِّيادة والنُّقصان، وقدَّم «الشَّعيرة» على «البُرَّة»؛ لكونها أكبرَ جرمًا منها، وأَخَّرَ «الذَّرَّة»؛ لصغرها، فهو من باب التَّرقِّي في الحكم وإن كان من باب التَّنزُّل.

وفي هذا الحديث: الدَّلالة على زيادة الإيمان ونقصانه، ودخول طائفةٍ من عصاة [4] الموحِّدين النَّارَ، وأنَّ الكبيرة لا يُكفَّر مَنْ عملها ولا يُخلَّد في النار، ورواته كلُّهم أئمَّةٌ أَجِلَّاءُ بصريُّون، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرجه البخاريُّ أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦7410] ، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ في «صفة جهنَّم»، وقال: حسنٌ صحيحٌ.

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ، وفي رواية ابن عساكرَ بحذف: ((قال أبو عبد الله)) كما في «الفرع» و«أصله»، (قَالَ أَبَانُ) _بفتح الهمزة وتخفيف المُوحَّدة، بالصَّرف على أنَّه «فَعَال»؛ كغزالٍ، والهمزة أصلٌ؛ وهي فاء الكلمة، والمنع: على أنَّها زائدةٌ، ووزنه «أَفْعَل»، فمُنِعَ؛ لوزن الفعل والعلميَّة، واختاره ابن مالكٍ_ ابنُ يزيدَ العطَّار البصريُّ، وللأربعة: ((وقال أبان)) _بواو العطف_: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامةَ قال: (حَدَّثَنَا أَنَسٌ)؛ هو ابن مالكٍ، (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: مِنْ إِيمَانٍ مَكَانَ خَيْرٍ)، وللأَصيليِّ: ((من خيرٍ))، وهذا من التَّعليقات، وقد وصله الحاكم في كتاب «الأربعين» له من طريق أبي سلمة موسى بن إسماعيل قال: حدَّثنا أَبَانُ، ونبَّه المؤلِّف به على تصريح قتادة فيه بالتَّحديث عن أنسٍ؛ لأنَّ قتادة مُدلِّسٌ، لا يُحتَجُّ بعنعنته إلَّا إذا ثبت سماعه للذي عنعن عنه [5] ، وعلى تفسير [6] المتن بقوله: «من إيمانٍ» بدل قوله: «من خيرٍ».

[1] في (س): «نذار»، وهو تحريفٌ.
[2] في (م): «ما».
[3] «قال»: سقط من (س).
[4] في (م): «عصابة»، وهو تحريفٌ.
[5] «عنه»: سقط من (م).
[6] في (م): «تغيير».





44- ( هِشَامٌ ): هو الدَّستوائيُّ.

( يَخْرُجُ ) بالبناء للفاعل، ويُروَى للمفعول.

( بُرَّةٍ ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الرَّاء المشدَّدة، أي: قمحة؛ ومقتضاه: أنَّها دون وزن الشَّعيرة، وهو كذلك في بعض البلاد.

( ذَرَّةٍ ) بفتح المعجمة وتشديد الرَّاء، وصحَّفها شعبة، فقال: ذُرة بضمِّ المعجمة وتخفيف الرَّاء ناسب بها الشَّعيرة والبُرَّة لكونها من الحبوب.

ومعنى الذَّرَّة: قيل: أقلُّ الأشياء الموزونة، وقيل: الهباء الذي يظهر في شعاع الشَّمس مثل رؤوس الإبر، وقيل: النَّملة الصَّغيرة.

( قَالَ أَبَانُ ): هو ابن يزيد العطَّار، وصل حديثه الحاكم في «الأربعين».


لا تتوفر معاينة

44 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا

#%ص171%

هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ رضيَ اللهُ عنهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ)) وَقَالَ: أَبَانُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ رضيَ اللهُ عنهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مِنْ إِيمَانٍ)) مَكَانَ (( [1]خَيْرٍ)).

[1] زاد في (ت): ((من)).
#%ص172%





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

44- وبه قال: ((حدثنا مُسلِم)) بضم الميم وكسر اللام مخففًا ((بن إبراهيم)) أبو عمرو البصري الأزدي الفَرَاهِيدي؛ بفتح الفاء والراء، وبالهاء المكسورة، والمثناة التحتية، والدال المهملة وقيل: معجمة؛ بطن من الأزد مولاهم، القصاب أو الشحام، المتوفى سنة اثنتين وعشرين ومئتين ((قال: حدثنا هِشام)) ؛ بكسر الهاء: ابن أبي عبد الله سندر، الرَّبَعي بفتح الراء والموحدة؛ نسبة إلى ربيعة بن نزار بن معَدِّ بن عدنان، البصري، الدَّسْتَُوائي؛ بفتح الدال وسكون السين المهملتين، بعدهما مثناة فوقية مفتوحة أو مضمومة، مهموز من غير نون، نسبة إلى كورة من كور الأهواز؛ لبيعه الثياب المجلوبة منها، المتوفى سنة أربع وخمسين ومئة، وكان يُرمى بالقدر؛ لكنه لم يكن داعية، ((قال: حدثنا قتادة)) هو ابن دِعامة، ((عن أنس)) هو ابن مالك رضي الله عنه، ((عن النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم قال: يَخرج من النار)) ؛ بفتح المثناة تحت: من الخروج، وفي رواية: بضم المثناة؛ من الإخراج في جميع الحديث، فقوله: ((مَن قال)) محلُّه رفع على الوجهين، فالرفع على الأول على الفاعلية، وعلى الثاني على النيابة عن الفاعل، و (مَن) موصولة، وما بعدَها جملة صلتها، ومقول القول: ((لا إله إلا الله)) ؛ أي: مع قول: محمد رسول الله، فالمراد المجموع، وصار الجزء الأول منه علمًا للكل؛ كما يقال: قرأت {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ}؛ أي: قرأت السورة، أو كان هذا قبل مشروعية ضمِّها إليه؛ كذا ذكر الاحتمالين الشيخ الإمام بدر الدين العيني.

قلت: الظاهر هو الاحتمال الأول، ولذا نظر القسطلاني في الاحتمال الثاني، ولم يذكر وجهه، ولعل وجهه: أن الإيمان لا يكون إلَّا بتصديق التوحيد بالله وبرسوله معًا، وأنَّ ذلك هو الذي يطلق عليه الإيمان، وقد يجاب: بأنَّ قوله: (قبل المشروعية) ؛ أي: حال قيام النبوة؛ فإنَّ النبي أولًا شرع لهم التوحيد لله؛ ردًّا عليهم من عبادة الأوثان، ثم بين لهم: أنِّي نبي مرسل إليكم، على أن المصدق بالله تعالى يلزمه التصديق برسوله؛ لأنَّه جاء من عند الله، فالإيمان بها إيمان إجمالًا، وهو كافٍ؛ كما قدمناه؛ فليحفظ.

((وفي قلبه وزن شعيرة)) واحدة الشعير ((من خيرٍ)) ؛ أي: من إيمان؛ كما في الرواية الأخرى، والتنوين فيه للقليل؛ ترغيبًا في تحصيله، والمراد به: الإيمان بجميع ما جاء به الرسول عليه السلام، والجملة اسميَّةٌ حالٌ، وفيه استعارة بالكناية؛ لأنَّ الوزن إنَّما يُتصوَّر في الأجسام دون المعاني، والإيمان معنى، ولكنه شبه الإيمان بالجسم، فأضيف إليه ما هو من لوازم الجسم؛ وهو الوزن.

((ويخرج من النار مَن قال: لا إله إلا الله)) محمد رسول الله ((وفي قلبه وزن بُرَّة)) ؛ بضم الموحدة وتشديد الراء المفتوحة: واحدة البُرِّ؛ وهي القمحة، ((من خيرٍ، ويخرج من النار مَن قال: لا إله إلا الله)) محمد رسول الله ((وفي قلبه وزن ذَرَّة)) ؛ بفتح الذال المعجمة، وتشديد الراء المفتوحة: واحدة الذَّرِّ؛ وهو كما في «القاموس»: صغار النمل، ومئة منها زنة حبة شعير، انتهى.

وقيل: إنَّ الذر: الهباء الذي يظهر في شعاع الشمس مثل رؤوس الإبر، وعن ابن عباس: إذا وضعت كفَّك على التراب ثم نفضتها، فما سقط من التراب؛ فهو ذرة.[/ص26/]

وإنما قدَّم الشعيرة على البُرَّة؛ لأنَّها أكبر جرمًا منها، وأخَّر الذرة؛ لصغرها، فهو من باب الترقِّي في الحكم وإنْ كان من باب التنزُّل في الصورة.

وقوله: ((من خير)) المراد به: الثمرات، وكذا في روايةِ: (من إيمان) ؛ أي: أنَّ ثمرات الإيمان لا نزاع في أنَّها تزيد وتنقص، والمراد بالثمرات: مراتب العلوم الحاصلة المستلزمة للتصديق لكلِّ واحد من جزئيات الشرع، وأمَّا حقيقة التصديق؛ فشيء واحد لا يقبل الزيادة ولا النقصان.

قال إمامنا رأس المجتهدين الإمام الأعظم التابعي الجليل: إن كان المراد من الإيمان: التصديق؛ فلا يقبل الزيادة والنقصان، وإن كان الطاعات؛ فيقبلهما، والأصل هو التصديق والقول بلا إله إلا الله؛ لإجراء الأحكام في الدنيا، والناس إنَّما يتفاضلون في التصديق التفصيلي، لا في مطلق التصديق، وقوله تعالى: {وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260] حكاية عن إبراهيم، وكيف يمكن أن يقال في حقه: زاد تصديقه بالمعاينة؟ لأنَّ القول بهذا يستلزم القول بنقصان تصديقه قبل ذلك؛ وذا لا يجوز في حقه عليه السلام، وإنما مراده من هذا: أن يضم إلى علمه الضروري العلمَ الاستدلالي؛ ليزيد سكونًا؛ لأنَّ تضافر [1] الأدلة أسكن للقلب؛ فليحفظ.

ويستفاد من الحديث: أنَّ صاحب الكبيرة من الموحِّدِين لا يَكفر بفعلها ولا يخلد بالنار، وفيه دخول عصاة الموحِّدين النار وأنَّ مآلهم إلى الجنة، وأنَّه لا يكفي في الإيمان معرفة القلب دون الكلمة ولا الكلمة من غير اعتقاد، والله تعالى أعلم.

اللهم إنِّي أسألك بنبينا محمد عليه السلام وبقدوتنا الإمام الأعظم؛ أن ترزقني علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وعملًا متقبَّلًا، وعمرًا طويلًا، وجاهًا عريضًا، وأولادًا كثيرة، ودخول الجنة برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على نبيه محمد وآله وصحبه.

((قال أبو عبد الله)) يعني: المؤلِّف، وفي رواية: بإسقاطها: ((قال أَبَان)) ؛ بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة: ابن يزيد العطار البصري، ووزنه: (فَعَال) كـ (غَزَال) ، منصرفٌ، والهمزة فاء الكلمة أصليةٌ، والألف زائدة، وهو المشهور وقول الأكثرين والصحيح، وقيل: إنه غير منصرف؛ لأنَّه على وزن (أَفْعَل) منقول من (أبان يبين) ، ولو لم يكن منقولًا؛ لوجب أن يقال فيه: (أَبْيَن) بالتصحيح، وهو قول ابن مالك؛ فافهم.

(حدثنا قتادة)) هو ابن دِعامة قال: ((حدثنا أنس)) هو ابن مالك، ((عن النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم: «من إيمان» مكان «خير»)) وفي رواية: (من خير) ، وهذا من تعليقات المؤلِّف، وقد وصله الحاكم، وإنما ذكره المؤلِّف؛ للتنبيه على تصريح قتادة فيه بالتحديث عن أنس؛ لأنَّ قتادة مدلس لا يحتج بعنعنته إلَّا إذا ثبت سماعه للذي عنعن عنه، وعلى تفسير المتن بقوله: (من إيمان) بدل قوله: (من خير) .

[1] في الأصل: (تظاهر)، ولعل المثبت هو الصواب.