متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

41- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (قَالَ مَالِكٌ)، وللأَصيليِّ: ((وقال مالكٌ))، ولابن عساكر في نسخةٍ: ((قال: وقال مالكٌ))؛ يعني: ابن أنسٍ، إمام دار الهجرة: (أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ)؛ هو [1] أبو أسامةَ القرشيُّ المكِّيُّ، مولى عمر بن الخطَّاب (أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ)؛ بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة والسِّين المُهمَلة، أبا محمَّدٍ المدنيَّ، مولى أمِّ المؤمنين ميمونةَ (أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ) بالدَّال المُهمَلة رضي الله عنه (أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم) حال كونه (يَقُولُ) _بالمضارع_ حكاية حالٍ ماضيةٍ: (إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ) أو الأَمَةُ، وذكر المذكَّر فقط تغليبًا، (فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ) أو إسلامها؛ بأنْ دَخَلَا فيه بريئين من الشُّكوك، أو المُرَاد: المبالغة في الإخلاص بالمراقبة؛ (يُكَفِّرُ اللهُ عَنْهُ) وعنها (كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا)؛ بتخفيف اللَّام المفتوحة، وبه قُرِئَ على الحافظ المنذريِّ وغيره، ولأبي الوقت: ((زلَّفها))؛ بتشديدها، وعَزَاه في «التَّنقيح» للأَصيليِّ، ولأبي ذَرٍّ ممَّا ليس في «اليونينيَّة»: ((أَزلفها))؛ بزيادة همزةٍ مفتوحةٍ، وهما بمعنًى، كما قاله الخطَّابيُّ وغيره؛ أي: أسلفها وقدَّمها، وفي «فرع اليونينيَّة» كهي: ((أسلفها)) _بالهمزة والسِّين_ لأبي ذَرٍّ، والتَّكفير: هو التَّغطية، وهو في المعاصي كالإحباط في الطَّاعات، وقال الزَّمخشريُّ: التَّكفير إماطة المُستحَقِّ من العقاب بثوابٍ زائدٍ، والرِّواية في «يُكَفِّرُ» بالرَّفع، ويجوز الجزم؛ لأنَّ فعل الشَّرط ماضٍ وجوابه مضارعٌ [2] ، وقول الحافظ ابن حجرٍ في «الفتح»: بضمِّ الراء؛ لأنَّ «إذا» وإن كانت من أدوات الشَّرط؛ لكنها لا تجزم، تعقَّبه العينيُّ، فقال: هذا كلامُ من لم يَشَمَّ شيئًا من العربيَّة، وقد قال الشاعر: [من الكامل]

~ استغنِ ما أغناك ربُّكَ بالغِنَى وإذا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ فَتَحَمَّلِ

فجزم «إذا تُصِبْك». انتهى. قلت: قال ابن هشامٍ في «مُغْنِيه»: ولا تعمل «إذا» الجزمَ إلَّا في الضَّرورة؛ كقوله: استغنِ ما أغناك... إلى آخره، قال الرَّضِيُّ: لمَّا كان حَدَثُ «إذا» الواقعُ فيه مقطوعًا به في أصل الوضع؛ لم يرسخ فيه معنى «إن» الدَّالُّ على الفَرَض [3] ، بل صار عارضًا على شرف الزَّوال، فلهذا لم تَجْزِم إلَّا في الشِّعر، مع إرادة معنى الشَّرط، وكونه بمعنى: «متى»، (وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ)؛ أي: بعد حسن الإسلام (الْقِصَاصُ) _بالرَّفع_ اسم «كان» على أنَّها ناقصةٌ، أو فاعلٌ على أنَّها تامَّةٌ، وعبَّر بالماضي وإن كان السِّياق يقتضي المضارع؛ لتحقُّق الوقوع؛ كما في نحو قوله تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الجَنَّةِ} [الأعراف: 44] ، والمعنى: وكتابة المجازاة في الدُّنيا (الْحَسَنَةُ) _بالرَّفع_ مبتدأٌ، خبره: (بِعَشْرِ)؛ أي: تُكتَب أو تثبت بِعَشْرِ (أَمْثَالِهَا) حال كونها منتهيةً (إِلَى سَبْعِ مئةِ ضِعْفٍ)؛ بكسر الضَّاد، والضِّعْفُ: المِثْلُ إلى ما زاد، ويُقَال لك: ضِعْفُه؛ يريدون: مثليه وثلاثةَ [/ج1ص127/] أمثاله؛ لأنَّه زيادةٌ غير مخصوصةٍ. قاله في «القاموس»، وقد أخذ بعضهم _فيما حكاه الماورديُّ_ بظاهر هذه الغاية، فزعم أنَّ التَّضعيف لا يتجاوز سَبْعَ مئةٍ، وأُجِيب: بأنَّ في حديث ابن عبَّاسٍ عند المصنِّف في «الرِّقاق»: «كتب له الله عشر حسناتٍ إلى سبع مئة ضعفٍ إلى أضعافٍ كثيرةٍ» [خ¦6491] وهو يَرُدُّ عليه، وأمَّا قولُه تعالى: {وَالله يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 261] ؛ فيحتمل أن يكون المُرَاد أنَّه يضاعف تلك المُضَاعَفَة لمن يشاء؛ بأن يجعلها سَبْعَ مئةٍ، وهو الذي قاله البيضاويُّ تبعًا لغيره، ويحتمل أن يضاعف السَّبع مئةٍ بأن يزيد عليها، (وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا) من غير زيادةٍ (إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ الله) عزَّ وجلَّ (عَنْهَا)؛ أي: عن السَّيِّئة؛ فيعفوَ عنها، وفيه دليلٌ لأهل السُّنَّة أنَّ العبد تحت المشيئة؛ إن شاء الله تعالى تجاوز عنه، وإن شاء؛ آخذه، وَرَدٌّ على القاطع لأهل الكبائر بالنَّار كالمعتزلة، وقول الحافظ ابن حجرٍ: «إنَّ أوَّل الحديث يردُّ على من أنكر الزِّيادة والنَّقص في الإيمان؛ لأنَّ الحسن تتفاوت درجاته»، تعقَّبه العينيُّ: بأنَّ الحسن من أوصاف الإيمان، ولا يلزم من قابليَّة الوصف الزِّيادةُ والنُّقصانُ قابليَّة الذَّات إيَّاهما؛ لأنَّ الذات من حيث هي هي [4] لا تقبل ذلك، كما عُرِفَ [5] في موضعه، انتهى. وقد تقدَّم في أوَّل كتاب «الإيمان» عند قوله عزَّ وجلَّ: {وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إيْمَانًا وتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 22] تحقيق البحث في ذلك، فليُراجَع.

وهذا الحديث لم يسنده المؤلِّف، بل علَّقه، وقد وصله أبو ذَرٍّ الهرويُّ في روايته، فقال: أخبرنا النَّضرويُّ؛ وهو العبَّاس بن الفضل: حدَّثنا الحسين بن إدريسَ: حدَّثنا هشام بن خالدٍ، حدَّثنا الوليد بن مسلمٍ، عن مالكٍ، عن زيد بن أسلم به، ووصله النَّسائيُّ في «سننه»، والحسن بن سفيان في «مُسنَدِه»، والإسماعيليُّ، ولفظه من طريق عبد الله بن نافعٍ عن زيد بن أَسْلَمَ، عن عطاء بن يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أسلم العبد؛ كتب الله له كلَّ حسنةٍ قدَّمها، ومحا عنه كلَّ سيِّئةٍ زلفها، ثمَّ قِيلَ له: اِئْتَنِفِ العمل، الحسنة بعشر أمثالها إلى سَبْعِ مئةٍ، والسَّيِّئة بمثلها إلَّا أن يغفر [6] الله»، والدَّارقطنيُّ في «غرائب مالكٍ» من تسع طرقٍ، ولفظه من طريق طلحة بن يحيى عن مالكٍ: «ما من عبدٍ يُسْلِم فَيحسن إسلامه إلَّا كتب الله له كلَّ حسنةٍ زَلَفَها، ومحا عنه كلَّ خطيئةٍ زَلَفَها»؛ بالتَّخفيف فيهما، وللنَّسائيِّ نحوه، لكن قال: «أزلفها»، فقد ثبت في جميع الرِّوايات ما أسقطه البخاريُّ؛ وهو كتابة الحسنات المتقدِّمة قبل الإسلام، وقوله: «كتب الله»؛ أي: أمر أن يُكتب، وللدَّارقطنيِّ من طريق ابن شعيبٍ عن مالكٍ: «يقول الله لملائكته: اكتبوا»، قِيلَ: وإنَّما اختصره المؤلِّف؛ لأنَّ قاعدة الشَّرع: أنَّ الكافر لا يُثابُ على طاعته في شِرْكِه؛ لأنَّ من شرطِ المتقرِّبِ كونُه عارفًا بمن تقرَّب إليه، والكافر ليس كذلك، وردَّه النَّوويُّ: بأنَّ الذي عليه المحقِّقون _بل نقل بعضهم فيه الإجماع_ أنَّ الكافر إذا فعل أفعالًا جميلةً على جهة التَّقرُّب إلى الله تعالى؛ كصدقةٍ، وصِلَةِ رَحمٍ، وإعتاقٍ ونحوها، ثمَّ أسلم ومات على الإسلام؛ أنَّ ثواب ذلك يُكتَب له، وحديث حكيم بن حزامٍ المرويُّ في «الصَّحيحين» يدلُّ عليه [خ¦1436] ، كالحديث الآتي [خ¦42] ، ودعوى أنَّه مخالفٌ للقواعد غير مُسلَّمَةٍ؛ لأنَّه قد يُعتَدُّ ببعض أفعال الكافر في الدُّنيا؛ ككفَّارة الظِّهار، فإنَّه لا يلزم إعادتها إذا أسلم، وتُجْزِئُهُ، قال ابن المُنَيِّر: المخالف للقواعد دعوى أنَّه يُكتَب له ذلك في حال كفره، وأمَّا أنَّ الله تعالى يضيف إلى حسناته في الإسلام ثواب ما كان صدر منه ممَّا كان يظنُّه خيرًا؛ فلا مانع منه، ورواة هذا الحديث أئمَّةٌ أَجِلَّاءُ مشهورون، وهو مُسلسَلٌ بلفظ الإخبار على سبيل الانفراد، مع التَّصريح بسماع الصَّحابيِّ من الرسول صلى الله عليه وسلم.

[1] «هو»: سقط من (س).
[2] قوله: «ويجوز الجزم؛ لأنَّ فعل الشَّرط ماضٍ وجوابه مضارعٌ»، سقط من (م).
[3] في (م): «العرض»، وهو تصحيفٌ.
[4] «هي»: سقط من (م)
[5] في (س): «عرفت».
[6] في (م): «يعفو».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

41-. قالَ [1] مالِكٌ: أخبَرَني زَيدُ بنُ أَسْلَمَ: أَنَّ عَطاءَ بنَ يَسارٍ أخبَرَهُ:

أَنَّ أَبا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ أخبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «إِذا أَسْلَمَ العَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلامُهُ، يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كان زَلَفَها [2] ، وكان بَعْدَ ذَلِكَ القِصاصُ: الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثالِها إِلىَ سَبْعِ مائةِ ضِعْفٍ، والسَّيِّئَةُ بِمِثْلِها إِلَّا أَنْ يَتَجاوَزَ اللَّهُ عَنْها».

[1] في رواية الأصيلي و [عط] : «وقال» (ص، ب)، وفي نسخة عند ابن عساكر: «قال: وقال».
[2] وضع علامة التَّخفيف على لام «زَلَفَها» في اليونينيَّة، وفي رواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «زلَّفها» (و)، وعزاها في (ص) إلىَ رواية الأصيلي، وفي رواية أبي ذر: «أَسْلَفها».
وبهامش اليونينية: حاشية بخط اليونيني قال: «كان زَلَفها» بفتح اللام مخففة أي: جمعها واكتسبها أو قَرَّبها قربةً إلى الله عزَّ وَجَلَّ، قاله عياض، وقال ابن سِيْدَه: وزَلَف الشيءَ وزلَّفه: قدَّمه، عن ابن الأعرابي، ضُبط بالتخفيف والتثقيل. وبالتخفيف ثابتةٌ في أصلٍ مقروءٍ على الحافظ أبي العباس أحمد بن مَعد بن عيسىَ بن وكيل الإقليشي، وكذلك قرأته علىَ سيدي ومولاي والدي أبي عبد الله محمد رحمه الله تعالىَ وعلىَ غيره من أئمتنا؛ كالحافظ الإمام أبي محمد عبد العظيم المنذري وغيره رضي الله عنهم أجمعين، وفي أصل الحافظ أبي محمد الأصيلي المشار إليه: زَلَفَها، بتخفيف اللام، ومعناه: قدَّمها، وضبطه بالتثقيل أيضًا.اهـ.





41- ( فَحَسُنَ إِسْلاَمُهُ )؛ أَيْ: قرن الإيمان بحسن العمل، وهذا التَّعليق أسنده البزار [1] ، وزاد فيه: «إن الكافر إذا حسُنَ إسلامه يُكتَبُ له في الإسلام بكل حسنة عملها في الشرك»، [/ج1ص40/] وإنَّما اختصره البخاري؛ لأنَّ قاعدة الشرع أنَّ المسلم لا يثاب على عمل لم ينوِ به القربة، فكيف بالكافر ؟

ثم وجه مطابقته: أنَّه لما وصف الإسلام بالحسن، وحسن الشيء زائد على ماهيته تعين أن يكون ذلك هو الأعمال؛ لأن الزيادة والنقص في الأعمال؛ لأنَّ العقائد لا تقبلها. [2]

( زَلَفَهَا ) بفتح اللام مخفَّفة: قدَّمها، والزُّلفة بالضم: القربة من الخير والشر، وعن الأصيلي تشديدها أيضًا.

[[الهوامش:]]/=
[1] قال ابن حجر رحمه الله: نسبته إلى النسائي أقربُ وأسهل مأخذًا.
[2] قال محب الدين البغدادي: قوله: لأن العقائد لا تقبلها. كذا، ولعله: لا تقبلهما.





41# (قَالَ مَالِكٌ: أَخْبَرَنِي زيدُ بْنُ أَسْلَمَ) أخرجه هنا معلقًا، فإن بينه وبين مالك واسطةً؛ لأنه لم يسمع منه، وعبر عن ذلك بصيغة [1] لا تقتضي التصريح بالسماع، لكنها [2] تقتضي حكمه بالصَّحة إلى [3] مَنْ علَّقه عنه، فإنَّ ((قال)) من صيغ [4] الجزم، ويقع في بعض

@%ج1ص59%

النسخ وَصْلُ ذلك من قِبل أبي ذرٍّ الهروي.

وقد صنَّف الحافظُ [5] العلَّامةُ شهابُ الدين ابنُ حجر _ سلَّمه الله، وجمعَ الشملَ به في خير وعافية _ كتابًا وصلَ فيه معلقات البخاري، وسمَّاه: «تغليق التعليق» مَلَكتهُ في سِفرين [6] ، وهو كتابٌ حافلٌ لم يُسبق إليه [7] .

(فَحَسُنَ إِسْلاَمُهُ) أي: أضاف [8] إلى الإيمان حسنَ العمل.

قال الزركشي: وزاد البزَّار فيه: ((إن الكافر إذا حسن إسلامه، يكتب له في الإسلام بكل حسنة عملها في الشرك))، وإنما اختصره البخاري؛ لأن قاعدة الشرع أن المسلمَ لا يثاب على عملٍ لم يَنوِ به القُربة، فكيف بالكافر؟

قلت: لا نسلم أن هذا هو الحاملُ للبخاري على اختصاره، ولأن [9] قاعدة الشرع تنافي ما زاده البزَّار، فإنه قد ثبت في الشَّرع أنَّ الله تعالى يتفضل على العاجز إذا تركَ الأعمال عجزًا بثواب تلك الأفعال التي كان يفعلُ مثلها وهو قادرٌ، فإذا جاز أن يُكتب له ثواب ما لم يعمله البتة، جاز أن يُكتب له ثواب ما [10] عمله غير مستوفي الشروط.

ووجه مطابقة الحديث للترجمة: أنه لما أثبتَ للإسلام صفة الحسن، وهي زائدةٌ عليه، دلَّ على اختلاف أحواله، وإنما تختلفُ الأحوال بالنسبة إلى الأعمال؛ إذ هي القابلةُ للزيادة والنَّقص، وأما التَّصديق، فلا يقبله على ما مرَّ. هذا معنى كلام ابن المنيِّر رحمه الله.

(زَلفَهَا) بفتح اللام مخففة: جمعها واكتسبها [11] ، أو قرَّبها [12] قُربةً إلى الله تعالى.

[1] في (ق): ((بصيغ)).
[2] في (د): ((ولكنها)).
[3] في (ق): ((أي)).
[4] في (ق): ((صنع)).
[5] في (ق): ((العالم)).
[6] في (ق): ((سفرتي)).
[7] في هامش (ق): ((انظر تصنيف ابن حجر وهو تعليق التعليق)).
[8] في (ق): ((ضاف)).
[9] في (ق) و(د): ((ولا أن)).
[10] في (ق) زيادة: ((ليس)).
[11] في (ق): ((وألبسها)).
[12] في (ق): ((وقربها)).





41- قوله: (قَالَ مَالِكٌ: أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) إلى آخره: قال شيخُنا الشَّارح: (قد وصلَه أبو ذرٍّ الهرويُّ في بعض النسخ، فقال: أخبرنا النَّضْرويُّ: حدَّثنا [1] الحسين بن إدريس: حدَّثنا هشام بن خلف: حدَّثنا الوليد بن مسلم: حدَّثنا مالكٌ...؛ فذكره، وأسنده النَّسائيُّ: عن أحمد بن المعلَّى بن يزيد [2] ، عن صفوان بن صالح، عنِ الوليد بن مسلم، عن مالكٍ، قال المِزِّيُّ نحوَه) انتهى، وقد رأيتُه في «أطراف المزِّيِّ»، قال شيخُنا: وقد وصله الإسماعيليُّ بزيادة فيه؛ فذكره.

قوله: (أنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ): تقدَّم مرَّاتٍ أنَّه سعْدُ بنُ مالكِ بن سِنان الخُدريُّ، وأنَّه بالدَّال المهملة.

قوله: (فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ): أي: قَرَنَ الإيمانَ بحُسن العمل.

قوله: (كَانَ زَلَفَهَا): بالزَّاي، واللَّام المخفَّفة، وبالفاء، كذا في أصلنا، وعلى اللَّام (خف) ، وعنِ النَّوويِّ: يقال: زلَّفها تزليفًا؛ أي: قرَّبها وقدَّمها لله عزَّ وجلَّ، وقيل: جمعها واكتسبها [3] ، ومنه: المزدلفة؛ لجمعها الناسَ، وقيل: لقُرب أهلِها إلى منازِلِهِم بعدَ الإفاضة، مُفْتَعِلَة مِن زلف، أُبدلتِ التاء دالًا، ويقعُ في بعض النسخ: (أزلفها) ؛ بالهمز؛ أي: قرَّبها، وهذه في «الصحاح» و«أفعال ابن القطَّاع»، وليس فيهما التضعيف، وعن الأصيليِّ: تشديدُها أيضًا.

قوله: (إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ): اختُلف في مقتضى لفظ (الضعف) ؛ فقال أبو عُبيدة: (الضعفُ واحدٌ؛ وهو مثلُ الشيء، وضِعفاه: مِثلاه) ، وقال غيرُه: هو المِثْل، أو ما زاد، وقال غيرهما: الضعفُ: هو مِثْلَا الشيءِ.

فائدةٌ: أَخذ بظاهر هذا الحديث بعضُ العلماء، وقال: (لا يتجاوزُ التضعيفُ سبعَ مئةٍ) ، حكاه الماورديُّ عن بعضِهم، والجمهورُ كما حكاه النوويُّ عنهم [4] على خِلافه، وهو أنَّه لا يقف على سبعِ مئة، بل يُضاعِفُ اللهُ لمن يشاءُ أضعافًا كثيرةً زائدةً على ذلك، ويدُلُّ عليه ما في «البخاريِّ» و«مسلمٍ» من حديث ابن عبَّاسٍ عنه عليه الصَّلاة والسَّلام فيما يَروي عن ربِّه عزَّ وجلَّ قال: «إنَّ اللهَ كتبَ الحسناتِ والسيِّئاتِ...» إلى أن قال: «إلى سبعِ مئةِ ضِعفٍ إلى أضعافٍ كثيرةٍ»، قال شيخُنا الشَّارحُ: (وفي كتاب «العلم» لأبي بكرٍ أحمدَ بنِ عَمرِو [5] بن أبي عاصمٍ النبيل: حدَّثنا شيبانُ الأُبَلِّيُّ: حدَّثنا سويد بن حاتم: حدَّثنا أبو العوَّام الجزَّار -واسمُه فائد بن كيسان- عن أبي عثمان النَّهْديِّ، عن أبي هريرةَ قال: «إنَّ اللهَ يُعطي بالحسنةِ ألفَي ألفِ حسنة») ، قال: (وهذا لا يُقال مِن قِبَلِ الرَّأيِ، فهو مرفوعٌ؛ فاعلمه) انتهى.

وقد أخرجه الإمام أحمد في «المسند» عن عبد الصَّمد: حدَّثنا سليمان -يعني: ابن المغيرة- عن عليِّ بن زيد، عن أبي عثمان قال: بلغني عن أبي هريرةَ أنَّه قال: «بلغني أنَّ الله عزَّ وجلَّ يُعطي عبدَه بالحسنةِ الواحدةِ ألفَ ألفِ حسنة»، قال: فقضي لي أنِّي انطلقت حاجًّا أو معتمرًا فلقيتُه، فقلت له: بلغني عنك حديث أنَّك تقول: سمعت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقول: «إنَّ الله عزَّ وجلَّ يُعطي عبدَه المؤمنَ بالحسنةِ ألفَ ألفِ حسنة»، فقال أبو هريرة: لا، بل سمعت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقول: «إنَّ الله عزَّ وجلَّ [6] يُعطيه ألفي ألفِ حسنة»، ثمَّ تلا: {يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 40] ، فقال: إذا قال الله عزَّ وجلَّ [7] : {أَجْرًا عَظِيمًا} فمَن يقدِّر قدره؟!

وقد أخرجه أيضًا أحمدُ: عن يزيدَ: أخبرنا المبارك بن فَضالة عن عليِّ بن زيدٍ، عن أبي عثمانَ النَّهْديِّ قال: أتيتُ أبا هريرةَ، فقلتُ: بلغني...؛ فذكر نحوه، فيه: عليُّ بنُ زيدٍ، ليس بالثَّبْت، وفي سند الذي ساقه شيخنا من عند [8] ابن أبي عاصم سويد بن حاتم لا أعرفُه.

تنبيه: سُئِلْتُ عن قولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «وإذا [9] همَّ بسيئةٍ فلم يعملْها؛ كَتَبَها الله حسنةً كاملةً»، هل هذه تتضاعف [10] أم لا؟

فأجبتُ: بأنَّ الذي ظهر لي من الأحاديث أنَّها لا تتضاعف [11] ، وإنَّما تتضاعف [12] الحسنةُ الأصليَّةُ لا هذه، وهذه شرطُها أن يتركها من أجله تعالى، أمَّا إذا تركها خوفًا من الناس، أو من الاطِّلاع [13] عليه، أو خوفًا على منصبه، أو غير ذلك؛ فإنَّها سيِّئة، ولكنَّ شرطها أن يتركها [14] من أجله تعالى، كما جاء في حديث آخر، والله أعلم.

تنبيه: حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما مرفوعًا: «حسنات الحرم بمئة ألف حسنة»، ذكره الذهبيُّ في «ميزانه» في ترجمة عيسى بن سواء، وقال: (هذا ليس بصحيح) انتهى.

[1] (حدثنا): ليس في (ب) .
[2] في (ب): (بريد) ، وهو خطأ.
[3] في (ب): (وألبسها) .
[4] (عنهم): ليس في (ب) .
[5] (بن عمرو): ليس في (ب) .
[6] (عز وجل): ليس في (ب) .
[7] (عز وجل): ليس في (ج) .
[8] في (ب): (شيخنا عن عبد) .
[9] في (ج): (إذا) .
[10] في (ب): (مضاعف) .
[11] في (ب): (يتضاعف) .
[12] في (ب): (يتضاعف) .
[13] في (ج): (إطلاع) .
[14] في (ب): (يترك) .





41- (فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ): عطفٌ على (أَسْلَمَ)، وجزاءُ الشَّرْطِ (يُكَفِّرُ اللهُ)، ويجوزُ فيه الرَّفعُ والجَزْمُ؛ نحو: [من البسيط]

~ إِذَا أَتاهُ خَلِيلٌ يومَ مَسْغَبَةٍ يَقُولُ: لا غائِبٌ مَالِي وَلا حَرِمُ

وعندَ الجزْمِ يلتقي السَّاكنان فيحرَّكُ بالكسرِ، والرِّوايةُ إنَّما هي بالرَّفْعِ.

(القِصَاصُ): مرفوعٌ اسمُ (كَانَ)، ويَحتمل أنْ تكونَ ناقصةً، وأنْ تكونَ تامَّةً.

وقال البِرْماويُّ: (رَفْعُه اسمُ «كَانَ» إنْ قُدِّرَتْ ناقصةً، أو فاعلٌ إنْ قُدِّرَتْ تامَّةً).

(الْحَسَنَةُ): مبتدأٌ، و (بِعَشْرِ): خبرُه، والجملةُ استئنافيَّةٌ.

(إِلَى سَبْعِ مِئَةِ): متعلِّقٌ بمقدَّرٍ؛ أي: منتهيًا إلى سبع مئة، فهو منصوبٌ على الحالِ.


41- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (قَالَ مَالِكٌ)، وللأَصيليِّ: ((وقال مالكٌ))، ولابن عساكر في نسخةٍ: ((قال: وقال مالكٌ))؛ يعني: ابن أنسٍ، إمام دار الهجرة: (أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ)؛ هو [1] أبو أسامةَ القرشيُّ المكِّيُّ، مولى عمر بن الخطَّاب (أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ)؛ بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة والسِّين المُهمَلة، أبا محمَّدٍ المدنيَّ، مولى أمِّ المؤمنين ميمونةَ (أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ) بالدَّال المُهمَلة رضي الله عنه (أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم) حال كونه (يَقُولُ) _بالمضارع_ حكاية حالٍ ماضيةٍ: (إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ) أو الأَمَةُ، وذكر المذكَّر فقط تغليبًا، (فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ) أو إسلامها؛ بأنْ دَخَلَا فيه بريئين من الشُّكوك، أو المُرَاد: المبالغة في الإخلاص بالمراقبة؛ (يُكَفِّرُ اللهُ عَنْهُ) وعنها (كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا)؛ بتخفيف اللَّام المفتوحة، وبه قُرِئَ على الحافظ المنذريِّ وغيره، ولأبي الوقت: ((زلَّفها))؛ بتشديدها، وعَزَاه في «التَّنقيح» للأَصيليِّ، ولأبي ذَرٍّ ممَّا ليس في «اليونينيَّة»: ((أَزلفها))؛ بزيادة همزةٍ مفتوحةٍ، وهما بمعنًى، كما قاله الخطَّابيُّ وغيره؛ أي: أسلفها وقدَّمها، وفي «فرع اليونينيَّة» كهي: ((أسلفها)) _بالهمزة والسِّين_ لأبي ذَرٍّ، والتَّكفير: هو التَّغطية، وهو في المعاصي كالإحباط في الطَّاعات، وقال الزَّمخشريُّ: التَّكفير إماطة المُستحَقِّ من العقاب بثوابٍ زائدٍ، والرِّواية في «يُكَفِّرُ» بالرَّفع، ويجوز الجزم؛ لأنَّ فعل الشَّرط ماضٍ وجوابه مضارعٌ [2] ، وقول الحافظ ابن حجرٍ في «الفتح»: بضمِّ الراء؛ لأنَّ «إذا» وإن كانت من أدوات الشَّرط؛ لكنها لا تجزم، تعقَّبه العينيُّ، فقال: هذا كلامُ من لم يَشَمَّ شيئًا من العربيَّة، وقد قال الشاعر: [من الكامل]

~ استغنِ ما أغناك ربُّكَ بالغِنَى وإذا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ فَتَحَمَّلِ

فجزم «إذا تُصِبْك». انتهى. قلت: قال ابن هشامٍ في «مُغْنِيه»: ولا تعمل «إذا» الجزمَ إلَّا في الضَّرورة؛ كقوله: استغنِ ما أغناك... إلى آخره، قال الرَّضِيُّ: لمَّا كان حَدَثُ «إذا» الواقعُ فيه مقطوعًا به في أصل الوضع؛ لم يرسخ فيه معنى «إن» الدَّالُّ على الفَرَض [3] ، بل صار عارضًا على شرف الزَّوال، فلهذا لم تَجْزِم إلَّا في الشِّعر، مع إرادة معنى الشَّرط، وكونه بمعنى: «متى»، (وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ)؛ أي: بعد حسن الإسلام (الْقِصَاصُ) _بالرَّفع_ اسم «كان» على أنَّها ناقصةٌ، أو فاعلٌ على أنَّها تامَّةٌ، وعبَّر بالماضي وإن كان السِّياق يقتضي المضارع؛ لتحقُّق الوقوع؛ كما في نحو قوله تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الجَنَّةِ} [الأعراف: 44] ، والمعنى: وكتابة المجازاة في الدُّنيا (الْحَسَنَةُ) _بالرَّفع_ مبتدأٌ، خبره: (بِعَشْرِ)؛ أي: تُكتَب أو تثبت بِعَشْرِ (أَمْثَالِهَا) حال كونها منتهيةً (إِلَى سَبْعِ مئةِ ضِعْفٍ)؛ بكسر الضَّاد، والضِّعْفُ: المِثْلُ إلى ما زاد، ويُقَال لك: ضِعْفُه؛ يريدون: مثليه وثلاثةَ [/ج1ص127/] أمثاله؛ لأنَّه زيادةٌ غير مخصوصةٍ. قاله في «القاموس»، وقد أخذ بعضهم _فيما حكاه الماورديُّ_ بظاهر هذه الغاية، فزعم أنَّ التَّضعيف لا يتجاوز سَبْعَ مئةٍ، وأُجِيب: بأنَّ في حديث ابن عبَّاسٍ عند المصنِّف في «الرِّقاق»: «كتب له الله عشر حسناتٍ إلى سبع مئة ضعفٍ إلى أضعافٍ كثيرةٍ» [خ¦6491] وهو يَرُدُّ عليه، وأمَّا قولُه تعالى: {وَالله يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 261] ؛ فيحتمل أن يكون المُرَاد أنَّه يضاعف تلك المُضَاعَفَة لمن يشاء؛ بأن يجعلها سَبْعَ مئةٍ، وهو الذي قاله البيضاويُّ تبعًا لغيره، ويحتمل أن يضاعف السَّبع مئةٍ بأن يزيد عليها، (وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا) من غير زيادةٍ (إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ الله) عزَّ وجلَّ (عَنْهَا)؛ أي: عن السَّيِّئة؛ فيعفوَ عنها، وفيه دليلٌ لأهل السُّنَّة أنَّ العبد تحت المشيئة؛ إن شاء الله تعالى تجاوز عنه، وإن شاء؛ آخذه، وَرَدٌّ على القاطع لأهل الكبائر بالنَّار كالمعتزلة، وقول الحافظ ابن حجرٍ: «إنَّ أوَّل الحديث يردُّ على من أنكر الزِّيادة والنَّقص في الإيمان؛ لأنَّ الحسن تتفاوت درجاته»، تعقَّبه العينيُّ: بأنَّ الحسن من أوصاف الإيمان، ولا يلزم من قابليَّة الوصف الزِّيادةُ والنُّقصانُ قابليَّة الذَّات إيَّاهما؛ لأنَّ الذات من حيث هي هي [4] لا تقبل ذلك، كما عُرِفَ [5] في موضعه، انتهى. وقد تقدَّم في أوَّل كتاب «الإيمان» عند قوله عزَّ وجلَّ: {وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إيْمَانًا وتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 22] تحقيق البحث في ذلك، فليُراجَع.

وهذا الحديث لم يسنده المؤلِّف، بل علَّقه، وقد وصله أبو ذَرٍّ الهرويُّ في روايته، فقال: أخبرنا النَّضرويُّ؛ وهو العبَّاس بن الفضل: حدَّثنا الحسين بن إدريسَ: حدَّثنا هشام بن خالدٍ، حدَّثنا الوليد بن مسلمٍ، عن مالكٍ، عن زيد بن أسلم به، ووصله النَّسائيُّ في «سننه»، والحسن بن سفيان في «مُسنَدِه»، والإسماعيليُّ، ولفظه من طريق عبد الله بن نافعٍ عن زيد بن أَسْلَمَ، عن عطاء بن يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أسلم العبد؛ كتب الله له كلَّ حسنةٍ قدَّمها، ومحا عنه كلَّ سيِّئةٍ زلفها، ثمَّ قِيلَ له: اِئْتَنِفِ العمل، الحسنة بعشر أمثالها إلى سَبْعِ مئةٍ، والسَّيِّئة بمثلها إلَّا أن يغفر [6] الله»، والدَّارقطنيُّ في «غرائب مالكٍ» من تسع طرقٍ، ولفظه من طريق طلحة بن يحيى عن مالكٍ: «ما من عبدٍ يُسْلِم فَيحسن إسلامه إلَّا كتب الله له كلَّ حسنةٍ زَلَفَها، ومحا عنه كلَّ خطيئةٍ زَلَفَها»؛ بالتَّخفيف فيهما، وللنَّسائيِّ نحوه، لكن قال: «أزلفها»، فقد ثبت في جميع الرِّوايات ما أسقطه البخاريُّ؛ وهو كتابة الحسنات المتقدِّمة قبل الإسلام، وقوله: «كتب الله»؛ أي: أمر أن يُكتب، وللدَّارقطنيِّ من طريق ابن شعيبٍ عن مالكٍ: «يقول الله لملائكته: اكتبوا»، قِيلَ: وإنَّما اختصره المؤلِّف؛ لأنَّ قاعدة الشَّرع: أنَّ الكافر لا يُثابُ على طاعته في شِرْكِه؛ لأنَّ من شرطِ المتقرِّبِ كونُه عارفًا بمن تقرَّب إليه، والكافر ليس كذلك، وردَّه النَّوويُّ: بأنَّ الذي عليه المحقِّقون _بل نقل بعضهم فيه الإجماع_ أنَّ الكافر إذا فعل أفعالًا جميلةً على جهة التَّقرُّب إلى الله تعالى؛ كصدقةٍ، وصِلَةِ رَحمٍ، وإعتاقٍ ونحوها، ثمَّ أسلم ومات على الإسلام؛ أنَّ ثواب ذلك يُكتَب له، وحديث حكيم بن حزامٍ المرويُّ في «الصَّحيحين» يدلُّ عليه [خ¦1436] ، كالحديث الآتي [خ¦42] ، ودعوى أنَّه مخالفٌ للقواعد غير مُسلَّمَةٍ؛ لأنَّه قد يُعتَدُّ ببعض أفعال الكافر في الدُّنيا؛ ككفَّارة الظِّهار، فإنَّه لا يلزم إعادتها إذا أسلم، وتُجْزِئُهُ، قال ابن المُنَيِّر: المخالف للقواعد دعوى أنَّه يُكتَب له ذلك في حال كفره، وأمَّا أنَّ الله تعالى يضيف إلى حسناته في الإسلام ثواب ما كان صدر منه ممَّا كان يظنُّه خيرًا؛ فلا مانع منه، ورواة هذا الحديث أئمَّةٌ أَجِلَّاءُ مشهورون، وهو مُسلسَلٌ بلفظ الإخبار على سبيل الانفراد، مع التَّصريح بسماع الصَّحابيِّ من الرسول صلى الله عليه وسلم.

[1] «هو»: سقط من (س).
[2] قوله: «ويجوز الجزم؛ لأنَّ فعل الشَّرط ماضٍ وجوابه مضارعٌ»، سقط من (م).
[3] في (م): «العرض»، وهو تصحيفٌ.
[4] «هي»: سقط من (م)
[5] في (س): «عرفت».
[6] في (م): «يعفو».





41- ( قَالَ مَالِكٌ ): وصله النَّسائيُّ وغيره.

( فَحَسُنَ إِسْلاَمُهُ ) أي: صار حسنًا باعتقاده وإخلاصه ودخوله فيه بالباطن والظَّاهر.

( يُكَفِّرُ )، في رواية البزَّار: «كفَّر» بالماضي مؤاخاة للشَّرط.

( زَلَفَها ) بالتَّخفيف، [و] [1] / قيل بالتَّشديد، ولأبي ذرٍّ: «أزلفها» وهما بمعنى أي: أسلفها وقدَّمها وكسبها، وعند الدَّارقطنيِّ زيادة، ولفظه: «ما من عبد يسلم فيحسن إسلامه إلَّا كتب الله كلَّ حسنةٍ زلفها، ومحا عنه كلَّ خطيئة زلفها».

( الْقِصَاصُ ) بالرَّفع: اسم كان.

( الْحَسَنَةُ ): مبتدأ، ( بعشر ): خبره، والجملة استئنافيَّة.

(إِلَى سَبْعِمِائَةِ ): متعلِّق بمقدار، أي: منتهية.

( إِلاَّ أَنْ يَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهَا )، زاد سَمُّوْيَه في «فوائده»: «إلَّا أن يغفر الله وهو الغفور». [/ج1ص197/]

(إذا أحسن أحدُكم إسلامَه) في «مسند ابن راهويةَ»: «إذا حسن إسلامُ أحدكم»

[1] ما بين معقوفتين مكرر في [ع]





17/41# قال أبو عبد الله: قالَ [1] مالِكٌ: أخبَرني زَيدُ بنُ أَسْلَمَ: أَنَّ عَطاءَ بنَ يَسارٍ أخبَرهُ:

أَنَّ أَبا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ أخبَرهُ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «إِذا [2] أَسْلَمَ العَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلامُهُ يُكَفِّرُ اللهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ زَلَفَها».

قوله: (زَلَفَها) معناه: أسلفها وقدَّمها، يقال: زَلَفَ وأزْلَف بمعنىً واحدٍ؛ لقوله تعالى: {وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ } [الشعراء: 64] ، والأصل فيه القرب، ومن ذلك قوله: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ } [ق: 31]

[1] في (ط): (حدثنا) وهو وهم.
[2] (يقول إذا) سقط من (ط).





قالَ البخاري رحمه الله [1]:

41 - قَالَ مَالِكٌ: أَخْبَرَنِي زَيْدُ [2] بْنُ أَسْلَمَ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رضي الله عنه أَخْبَرَهُ [3] أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((إِذَا أَسْلَمَ العَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلاَمُهُ، يُكَفِّرُ اللَّهُ [4] كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا، وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ القِصَاصُ: الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ تعالى عَنْهَا)).

[1] في (ك): ((قال البخاري رحمه الله: باب حسن إسلام المرء، قال البخاري)).
[2] إلى هنا ينتهي السقط من النسخة (ت).
[3] قوله: ((أخبره)) ليس في (ع).
[4]زاد في (ت) و(ك) و(ع): ((عنه)).
#%ص167%





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

41- وبه قال: ((قال مالك)) وفي رواية: (وقال) ، وفي أخرى: (قال: وقال مالك) هو ابن أنس: ((أخبرني)) بالإفراد ((زيد بن أسلم)) أبو أسامة القرشي المكي، مولى عمر بن الخطاب: ((أن عطاء بن يسار)) ؛ بفتح المثناة تحت والسين المهملة: أبا محمد المدني، مولى أم المؤمنين ميمونة ((أخبره أن أبا سعيد)) سعد بن مالك ((الخدري)) ؛ بالدال المهملة رضي الله عنه ((أخبره: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم)) حال كونه ((يقول)) بالمضارع حكاية حالٍ ماضية: ((إذا أسلم العبد)) وكذا الأَمة، وخصَّ الذكر؛ تغليبًا، ((فحسن إسلامه)) أو إسلامها بالدخول فيه ظاهرًا وباطنًا، أو المراد: المبالغة في الإخلاص لله تعالى بالطاعة والمراقبة؛ ((يُكَفِّر)) ؛ بضم المثناة تحت، وفتح الكاف، مع تشديد الفاء المكسور،: من التكفير؛ وهو التغطية، وهو في المعاصي كالإحباط في الطاعات، وقال الفاضل جار الله الزمخشري: التكفير إماطة المستحق من العقاب بثواب زائد أو بتوبة، انتهى ((الله عنه)) وعنها، جزاء الشرط؛ أعني: (إذا) ، ويجوز فيه الرفع والجزم، وذلك إذا كان فعل الشرط ماضيًا والجواب مضارعًا، وعند الجزم يلتقي الساكنان، فتحرك بالكسر؛ لأنَّه الأصل، ولكن الرواية هنا بالرفع، وفي روايةٍ: (كَفَّر الله) بصيغة الماضي، فوافق فعل الشرط؛ فليحفظ، ((كلَّ سيئة)) منصوب مفعول (يُكَفِّر) ((كان زلَفها)) بتخفيف اللام المفتوحة، وفي رواية: بتشديد اللام، وفي أخرى: (أَزْلَفها) بزيادة همزة مفتوحة؛ وهما بمعنًى واحد؛ أي: أسلفها وقدمها، ((وكان بعد ذلك)) ؛ أي: بعد حسن الإسلام ((القصاصُ)) بالرفع اسم (كان) على أنَّها ناقصة، أو فاعل على أنَّها تامة، وعبر بالماضي؛ لتحقق الوقوع؛ ((الحسنةُ)) بالرفع مبتدأ، خبره ((بعشر)) ؛ أي: تُكتب أو تُثبت في الصحف أو في الميزان بعشر ((أمثالها)) حال كونها منتهية ((إلى سبع مئة ضِعف)) ؛ بكسر الضاد: المثل إلى ما زاد، يقال: لك ضعفه؛ يريدون: مثليه وثلاثة أمثاله؛ لأنَّه زيادة غير مخصوصة؛ كذا في «القاموس».

وزعم بعض الشافعية أنَّ التضعيف لا يتجاوز سبع مئة، وأجيب: بأنه أخرج المؤلف في (الرقاق) من حديث ابن عباس: «كتب الله له عشر حسنات إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة»، وهو يرد عليه.

وأما قوله تعالى: {وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ} [البقرة: 261] ؛ فالمراد: أنه يضاعف تلك المضاعفة لمن يشاء؛ بأن يجعلها سبع مئة، أو أنه يضاعف السبع مئة بأن يتجاوزها بأضعاف، لما في «أبي عاصم» عن أبي هريرة أنه قال: (إن الله يعطي بالحسنة ألفي ألف حسنة) .

وفي حديث مالك مما أسقطه المؤلف: أن الكافر إذا حَسُن إسلامه، يُكتب له في الإسلام كل حسنة عملها في الشرك، فالله من فضله إذا كتب الحسنات المتقدمة قبل الإسلام؛ فبالأَولى أن يتفضَّل على عبده المسلم بما شاء من غير حساب، وإنما أسقط المؤلف هذه الزيادة؛ لأنَّ القاعدة: أنَّ الكافر لا يُثاب على طاعته في شركه، وردَّه النووي بأن الذي عليه المحققون، بل نقل بعضهم الإجماع: أن الكافر إذا فعل أفعالًا جميلة على جهة القربى؛ كصدقة، وصلة رحم، وإعتاق، ثم أسلم ومات على الإسلام؛ أنَّ ثواب ذلك يُكتب له، والحديث الآتي يدل عليه، فدعوى أنه مخالف للقواعد غير مسلَّمة.

وأما قول الفقهاء: لا تصح عبادةٌ من كافر، ولو أسلم؛ لم يعتدَّ بها؛ فمرادهم: لا يعتد بها في أحكام الدنيا، وليس فيه تعرُّض لثواب الآخرة، فإن أقدم قائل: بأنه إذا أسلم لا يثاب عليها في الآخرة؛ فهو مجازف، فيرَدُّ قوله بهذه السنة الصحيحة.

((والسيئةُ)) بالرفع مبتدأ خبره ((بمثلها)) أي: لا يُزاد عليها ((إلَّا أن يتجاوز الله)) سبحانه ((عنها)) ؛ أي: عن السيئة فيعفو عنها، وفيه دليل ظاهر لأهل السنة: أنَّ العبد تحت المشيئة إن شاء الله تجاوز عنه وإن شاء أخذه، وهو يردُّ قول القائل: إن ذنوب أهل البيت مغفورة لهم بدون توبة، وفيه ردٌّ على المعتزلة القائلين: أن مرتكب الكبيرة في النار، وقال ابن حجر: أول الحديث يردُّ على من أنكر الزيادة والنقص في الإيمان؛ لأنَّ الحُسن تتفاوت درجاته.

قلت: هذا كلام ساقط؛ لأنَّ الحُسن من أوصاف الإيمان، ولا يلزم من قابلية الوصف الزيادة والنقصان قابلية الذات إياهما؛ لأنَّ الذات من حيث هو هو لا يقبل ذلك؛ كما عرف في موضعه، أفاده الشيخ الإمام بدر الدين العيني قُدِّس سرُّه، قلت: وقدمنا ما يتعلق بذلك أول الكتاب؛ فيراجع.