متن الصحيح الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

40- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ)؛ بفتح العين، ابن فروخٍ الحنظليُّ الحرَّانيُّ [1] ، نزيل مصر، المُتوفَّى سنة تسعٍ وعشرين ومئتين، وليس هو ((عُمرَ)) بالضَّمِّ والفتح، وإن وقع في رواية القابسيِّ عن عبدوسٍ عن أبي زيدٍ المروزيِّ، وفي رواية أبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ؛ فقد قالوا: إنَّه تصحيفٌ، (قَالَ)؛ أي: عمرٌو: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ)؛ بضمِّ أوَّله وفتح ثانيه، ابن معاويةَ بن حُدَيجٍ؛ بضمِّ الحاء وفتح الدَّال المُهمَلَتين، آخره جيمٌ، الجعفيُّ [2] الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة اثنتين أو ثلاثٍ وسبعين ومئةٍ، (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله بن عليٍّ [3] الهَمْدانيُّ السَّبيعيُّ، الكوفيُّ التَّابعيُّ الجليل، المُتوفَّى سنة ستٍّ، أو سبعٍ، أو ثمان، أو تسعٍ وعشرين ومئةٍ، وقول أحمد: إنَّ سماع زهيرٍ منه بعد أن بدا تغيَّره، أُجِيب عنه: بأنَّ إسرائيل بن يونس حفيدُه، وغيره تابعه عليه عند المؤلِّف [خ¦399] ، (عَنِ الْبَرَاءِ)؛ بتخفيف الرَّاء والمدِّ على الأشهر، أبي عمرٍو أو أبي عامرٍ، أو أبي الطَّفيل، وللأَصيليِّ في روايةٍ: ((عن البراء بن عازب)) بن الحارث الأنصاريِّ الأوسيِّ، المُتوفَّى بالكوفة سنة اثنتين وسبعين، وله في «البخاريِّ» ثمانيةٌ وثلاثون حديثًا، وما يُخَاف من تدليس أبي إسحاق، فهو مأمونٌ؛ حيث ساقه المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦4486] من طريق الثَّوريِّ بلفظ عن أبي إسحاق: سمعت البَرَاء رضي الله عنه: (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ)؛ بكسر الدَّال، ونصب «أوَّلَ» على الظَّرفيَّة، لا خبر «كان» كما وَهِمَ [4] الزَّركشيُّ، فإنَّ خبرَ «كان» قولُهُ: «نزل»؛ أي: في أوَّل قدومه (الْمَدِينَةَ)؛ طيبة في هجرته من مكَّة (نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ، أَوْ قَالَ)؛ أي: أبو إسحاقَ: (أَخْوَالِهِ مِنَ الأَنْصَارِ)، وكلاهما صحيحٌ، وهو على سبيل المجاز؛ لأنَّ أقاربه من الأنصار من جهة الأمومة؛ لأنَّ أُمَّ جدِّه عبد المطَّلب منهم، (وَأَنَّهُ) عليه الصلاة والسلام (صَلَّى قِبَلَ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة (بَيْتِ الْمَقْدِسِ)؛ مصدرٌ ميميٌّ كالمَرْجِع؛ أي: حال كونه مُتوجِّهًا إليه (سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا)؛ على الشَّكِّ في رواية زُهيرٍ هنا، وللمؤلِّف عن إسرائيل [خ¦399] ، وللتِّرمذيِّ أيضًا وكذا لمسلمٍ من رواية أبي الأحوص الجزمُ بالأوَّل، فيكون أخذ من شهر القدوم [/ج1ص125/] وشهر التَّحويل شهرًا، وألغى الأيَّام الزَّائدة، وللبزَّار والطَّبرانيِّ عن عمرو بن عوفٍ الجزم بالثَّاني كغيرهما، فيكون عدَّ الشهرين معًا، ومن شكَّ؛ تردَّد في ذلك؛ وذلك أنَّ القدوم كان في شهر ربيع الأوَّل بلا خلافٍ، وكان التَّحويل في نصف رجب من السَّنة الثَّانية على الصَّحيح، وبه جزم الجمهور، ورواه الحاكم بسندٍ صحيحٍ عن ابن عبَّاسٍ، وقال ابن حبَّان: سبعة عشر شهرًا وثلاثة أيَّامٍ، وهو مبنيٌّ على أن القدوم كان في ثاني عشر ربيع الأوَّل، وقال ابن حبيبٍ: كان التَّحويل في نصف شعبان، وهو الذي ذكره النَّوويُّ في «الرَّوضة»، وأقرَّه مع كونه رجَّح في «شرح مسلم» رواية ستَّة عشر شهرًا؛ لكونها مجزومًا بها عند «مسلمٍ»، ولا يستقيم أن يكون ذلك في شعبان، إلَّا إن ألغى شهرا القدوم والتَّحويل، وسقط لغير ابن عساكر قوله: ((شهرًا)) الأوَّل، (وَكَانَ) عليه الصلاة والسلام (يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ)؛ أي: كون قبلته جهة (الْبَيْتِ) الحرام؛ (وَأَنَّهُ) _بفتح الهمزة_ عطفًا على «أنَّ» الأولى كالثَّانية، (صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا) متوجِّهًا إلى الكعبة (صَلَاةَ الْعَصْرِ)؛ بنصب «أوَّلَ» مفعول «صلَّى»، و«صلاةَ العصر» بدلٌ منه، وأعربه ابن مالكٍ بالرَّفع، وسقط لغير الأربعة لفظة: ((صلَّى))، ولابن سعدٍ: حُوِّلَت القبلة في صلاة الظُّهر أو العصر، (وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ)؛ وهو عبَّاد بن بشر بن قيظيٍّ، أو عبَّاد بن نَهْيكٍ، (فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ) من بني حارثة، ويعرف الآن بمسجد القبلتين، (وَهُمْ رَاكِعُونَ) حقيقةً، أو من باب: إطلاق الجزء وإرادة الكلِّ، (فَقَالَ: أَشْهَدُ)؛ أي: أحلف (بِاللهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ)، ولابن عساكرَ: ((مع النَّبيِّ)) (صلى الله عليه وسلم قِبَلَ مَكَّةَ)؛ أي: حال كونه متوجِّهًا إليها، و«اللَّام» للتَّأكيد، و«قد» للتَّحقيق، وجملة «أشهد» اعتراضٌ بين القول ومقوله، (فَدَارُوا)؛ أي: سمعوا كلامه فداروا (كَمَا هُمْ) عليه (قِبَلَ الْبَيْتِ) الحرام، ولم يقطعوا الصَّلاة، بل أتمُّوها إلى جهة الكعبة، فصلَّوا صلاةً واحدةً إلى جهتين بدليلين شرعيِّين. قال في «المصابيح»: والظَّاهر: أنَّ الكاف في «كما هم» بمعنى: على، و«ما»: كافَّةٌ، و«هم»: مبتدأٌ حُذِفَ خبرُه؛ أي: عليه أو كائنون، وقد يُقَال: إنَّ «ما» موصولةٌ، و«هم»: مبتدأٌ حُذِفَ خبره؛ أي: عليه، لكن يلزم حذف العائد المجرور مع تخلُّف شرطه، وفيه: جواز النَّسخ بخبر الواحد، وإليه ميلُ المحقِّقين، (وَكَانَتِ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ)؛ أي: النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، و«هم» [5] : منصوبٌ على المفعوليَّة؛ (إِذْ كَانَ) عليه الصلاة والسلام (يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ)؛ أي: حال كونه متوجِّهًا إليه، (وَأَهْلُ الْكِتَابِ) _بالرَّفع_ عطفًا على «اليهود»، وهو من عطف العامِّ على الخاصِّ، أو المُرَاد به النَّصارى فقط، وإعجابهم ذلك ليس لكونه قبلتهم، بل بطريق التَّبعيَّة لهم، (فَلَمَّا وَلَّى) صلى الله عليه وسلم (وَجْهَهُ) الشَّريفَ (قِبَلَ الْبَيْتِ) الحرام؛ (أَنْكَرُوا ذَلِكَ)، فنزل [6] : {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ} [البقرة: 142] كما صرَّح به المصنِّف في روايةٍ من طريق إسرائيل [خ¦399] ، (قَالَ زُهَيْرٌ)؛ يعني: ابن معاويةَ: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ)؛ يعني: السَّبيعيُّ، (عَنِ الْبَرَاءِ) بن عازبٍ (فِي حَدِيثِهِ هَذَا)، وللأَصيليِّ: ((أبو إسحاق في حديثه عن البَرَاء)) (أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ) المنسوخة (قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ)؛ أي: قبل التَّحويل إلى الكعبة (رِجَالٌ) عشرةٌ؛ منهم: عبد الله بن شهابٍ الزُّهريُّ القرشيُّ مات بمكَّة، والبَرَاء بن معرورٍ الأنصاريُّ بالمدينة، (وَقُتِلُوا)؛ بضمِّ أوَّله وكسر ثانيه، وفائدة ذكر القتل: بيان كيفيَّة موتهم؛ إشعارًا بشرفهم، واستبعادًا لضياع طاعتهم، أو أنَّ «الواو» بمعنى: أو، فيكون شكًّا، لكنَّ القتلَ فيه نظرٌ؛ فإنَّ تحويل القبلة كان قبل نزول القتال، على أنَّ هذه اللَّفظة لا توجد في غير رواية زهير بن معاوية، إنَّما الموجود في باقي الرِّوايات ذكر الموت فقط، (فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى)، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: ((عزَّ وجلَّ)): ({وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}) [البقرة: 143] بالقبلة المنسوخة، أو صلاتكم إليها، وقول الكرمانيِّ في قول زهيرٍ هذا: «إنَّه يحتمل أن يكون المؤلِّف ذكره معلَّقًا» تعقَّبه الحافظ ابن حجرٍ: بأنَّ المؤلِّف ساقه في «التَّفسير» [خ¦4486] موصولًا مع [7] جملة الحديث، وقد تعقَّبه العينيُّ: بأنَّ صورتَه صورةُ تعليقٍ، وأنَّه لا يلزم من سَوْقِه في «التَّفسير» جملةً واحدةً أن يكون هذا موصولًا غير معلَّقٍ، انتهى.

واختُلِف في صلاته عليه الصلاة والسلام إلى بيت المقدس [/ج1ص126/] وهو بمكَّة، فقال قومٌ: لم يَزَلْ يستقبل الكعبة بمكَّة، فلمَّا قدم المدينة؛ استقبل بيت المقدس، ثمَّ نُسِخَ، وقال البيضاويُّ في تفسير قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ التِّي كُنْتَ عَلَيْهَا} [البقرة: 143] ؛ أي: الجهة التي كنت عليها؛ وهي الكعبة، فإنَّه _ عليه الصلاة والسلام _ كان يصلِّي إليها بمكَّة، ثمَّ لمَّا هاجر؛ أُمِرَ بالصَّلاة إلى الصَّخرة تألُّفًا لليهود، وقال قومٌ: كان لبيت المقدس، فروى ابن ماجه حديث: «صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس ثمانيةَ عَشَرَ شهرًا، وصُرِفَتِ القبلةُ إلى الكعبة بعد دخول المدينة بشهرين»، وظاهره: أنَّه كان يصلِّي بمكَّةَ إلى بيت المقدس مَحضًا، وعن ابن عبَّاسٍ: كانت قبلتُه بمكَّةَ بيتَ المقدس، إلَّا أنَّه كان يجعل الكعبة بينه وبينه، قال البيضاويُّ: فالمخبر به على الأوَّلَ الجعل النَّاسخ، وعلى الثاني المنسوخ؛ والمعنى: أنَّ أصل أمرك أن تستقبل الكعبة، وما جعلنا قبلتك بيت المقدس، ا ه.

وفي هذا [8] الحديث جواز نسخ الأحكام؛ خلافًا لليهود، وبخبر الواحد، وإليه مال القاضي أبو بكرٍ وغيره من المحقِّقين، وجواز الاجتهاد في القبلة، وبيان شرفه عليه الصلاة والسلام، وكرامته على ربِّه لإعطائه له ما أحبَّ، والرَّدُّ على المرجئة في إنكارهم تسميةَ أعمالِ الدِّين إيمانًا، ورواة الحديث السَّابق أئمَّةٌ أَجِلَّاءُ أربعةٌ، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦399] ، و«التَّفسير» [خ¦4486] ، وفي «خبر الواحد» [خ¦7252] ، والنَّسائيُّ، والتِّرمذيُّ، وابن ماجه.

[1] في (س): (الحزَّانيُّ)، وهو تصحيفٌ.
[2] في (س): «الجعدي»، وهو خطأٌ.
[3] (ابن عليٍّ): سقط من (س).
[4] في (م): «ووهم».
[5] في (م): «وهو».
[6] في (م): «فنزلت».
[7] في (م): «من».
[8] «هنا»: سقط من (م).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

40-. حدَّثنا عَمْرُو بنُ خالِدٍ، قالَ: حدَّثنا زُهَيْرٌ، قالَ: حدَّثنا أَبُو إِسْحاقَ:

عَنِ البَراءِ [1] : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان أَوَّلَ ما قَدِمَ المَدِينَةَ نَزَلَ عَلَىَ أَجْدادِهِ _أَوْ قالَ: أَخْوالِهِ_ مِنَ الأَنْصارِ، وَأَنَّهُ صَلَّىَ قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ [2] أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وكان يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ البَيْتِ، وَأَنَّهُ أَوَّلُ [3] صَلاةٍ صَلَّاها صَلاةُ العَصْرِ [4] ، وَصَلَّىَ مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّىَ مَعَهُ، فَمَرَّ عَلَىَ أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ راكِعُونَ، فقالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ [5] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ مَكَّةَ. فَدارُوا كَما هُمْ قِبَلَ البَيْتِ، وَكانَتِ اليَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كان يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ المقْدِسِ وَأَهْلُ الكِتابِ، فَلَمَّا وَلَّىَ وَجْهَهُ قِبَلَ البَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ.

قالَ زُهَيْرٌ: حدَّثنا أَبُو إِسْحاقَ عن البَراءِ فِي حَدِيثِهِ هَذا [6] : أَنَّهُ ماتَ عَلَى القِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ رِجالٌ وَقُتِلُوا، فَلَمْ نَدْرِ ما نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالىَ [7] : { وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ } [البقرة: 143] .

[1] في رواية الأصيلي زيادة: «بن عازب».
[2] في رواية ابن عساكر و [عط] زيادة: «شهرًا».
[3] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت و [عط] : «وأنه صَلَّىَ أولَ». كتبت بالحمرة، وهي مثبتة في متن (ب، ص).
[4] في رواية أبي ذر و [عط] : «وأنَّه أَوَّلَ صَلاةٍ صَلَّاها العَصْرُ».
[5] في رواية ابن عساكر: «النَّبيِّ».
[6] في رواية الأصيلي: «أبو إسحاق في حديثه عن البراء في حديثه هذا».
[7] في رواية الأصيلي وابن عساكر: «عزَّ وَجَلَّ».





40- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ)؛ بفتح العين، ابن فروخٍ الحنظليُّ الحرَّانيُّ [1] ، نزيل مصر، المُتوفَّى سنة تسعٍ وعشرين ومئتين، وليس هو ((عُمرَ)) بالضَّمِّ والفتح، وإن وقع في رواية القابسيِّ عن عبدوسٍ عن أبي زيدٍ المروزيِّ، وفي رواية أبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ؛ فقد قالوا: إنَّه تصحيفٌ، (قَالَ)؛ أي: عمرٌو: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ)؛ بضمِّ أوَّله وفتح ثانيه، ابن معاويةَ بن حُدَيجٍ؛ بضمِّ الحاء وفتح الدَّال المُهمَلَتين، آخره جيمٌ، الجعفيُّ [2] الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة اثنتين أو ثلاثٍ وسبعين ومئةٍ، (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله بن عليٍّ [3] الهَمْدانيُّ السَّبيعيُّ، الكوفيُّ التَّابعيُّ الجليل، المُتوفَّى سنة ستٍّ، أو سبعٍ، أو ثمان، أو تسعٍ وعشرين ومئةٍ، وقول أحمد: إنَّ سماع زهيرٍ منه بعد أن بدا تغيَّره، أُجِيب عنه: بأنَّ إسرائيل بن يونس حفيدُه، وغيره تابعه عليه عند المؤلِّف [خ¦399] ، (عَنِ الْبَرَاءِ)؛ بتخفيف الرَّاء والمدِّ على الأشهر، أبي عمرٍو أو أبي عامرٍ، أو أبي الطَّفيل، وللأَصيليِّ في روايةٍ: ((عن البراء بن عازب)) بن الحارث الأنصاريِّ الأوسيِّ، المُتوفَّى بالكوفة سنة اثنتين وسبعين، وله في «البخاريِّ» ثمانيةٌ وثلاثون حديثًا، وما يُخَاف من تدليس أبي إسحاق، فهو مأمونٌ؛ حيث ساقه المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦4486] من طريق الثَّوريِّ بلفظ عن أبي إسحاق: سمعت البَرَاء رضي الله عنه: (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ)؛ بكسر الدَّال، ونصب «أوَّلَ» على الظَّرفيَّة، لا خبر «كان» كما وَهِمَ [4] الزَّركشيُّ، فإنَّ خبرَ «كان» قولُهُ: «نزل»؛ أي: في أوَّل قدومه (الْمَدِينَةَ)؛ طيبة في هجرته من مكَّة (نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ، أَوْ قَالَ)؛ أي: أبو إسحاقَ: (أَخْوَالِهِ مِنَ الأَنْصَارِ)، وكلاهما صحيحٌ، وهو على سبيل المجاز؛ لأنَّ أقاربه من الأنصار من جهة الأمومة؛ لأنَّ أُمَّ جدِّه عبد المطَّلب منهم، (وَأَنَّهُ) عليه الصلاة والسلام (صَلَّى قِبَلَ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة (بَيْتِ الْمَقْدِسِ)؛ مصدرٌ ميميٌّ كالمَرْجِع؛ أي: حال كونه مُتوجِّهًا إليه (سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا)؛ على الشَّكِّ في رواية زُهيرٍ هنا، وللمؤلِّف عن إسرائيل [خ¦399] ، وللتِّرمذيِّ أيضًا وكذا لمسلمٍ من رواية أبي الأحوص الجزمُ بالأوَّل، فيكون أخذ من شهر القدوم [/ج1ص125/] وشهر التَّحويل شهرًا، وألغى الأيَّام الزَّائدة، وللبزَّار والطَّبرانيِّ عن عمرو بن عوفٍ الجزم بالثَّاني كغيرهما، فيكون عدَّ الشهرين معًا، ومن شكَّ؛ تردَّد في ذلك؛ وذلك أنَّ القدوم كان في شهر ربيع الأوَّل بلا خلافٍ، وكان التَّحويل في نصف رجب من السَّنة الثَّانية على الصَّحيح، وبه جزم الجمهور، ورواه الحاكم بسندٍ صحيحٍ عن ابن عبَّاسٍ، وقال ابن حبَّان: سبعة عشر شهرًا وثلاثة أيَّامٍ، وهو مبنيٌّ على أن القدوم كان في ثاني عشر ربيع الأوَّل، وقال ابن حبيبٍ: كان التَّحويل في نصف شعبان، وهو الذي ذكره النَّوويُّ في «الرَّوضة»، وأقرَّه مع كونه رجَّح في «شرح مسلم» رواية ستَّة عشر شهرًا؛ لكونها مجزومًا بها عند «مسلمٍ»، ولا يستقيم أن يكون ذلك في شعبان، إلَّا إن ألغى شهرا القدوم والتَّحويل، وسقط لغير ابن عساكر قوله: ((شهرًا)) الأوَّل، (وَكَانَ) عليه الصلاة والسلام (يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ)؛ أي: كون قبلته جهة (الْبَيْتِ) الحرام؛ (وَأَنَّهُ) _بفتح الهمزة_ عطفًا على «أنَّ» الأولى كالثَّانية، (صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا) متوجِّهًا إلى الكعبة (صَلَاةَ الْعَصْرِ)؛ بنصب «أوَّلَ» مفعول «صلَّى»، و«صلاةَ العصر» بدلٌ منه، وأعربه ابن مالكٍ بالرَّفع، وسقط لغير الأربعة لفظة: ((صلَّى))، ولابن سعدٍ: حُوِّلَت القبلة في صلاة الظُّهر أو العصر، (وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ)؛ وهو عبَّاد بن بشر بن قيظيٍّ، أو عبَّاد بن نَهْيكٍ، (فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ) من بني حارثة، ويعرف الآن بمسجد القبلتين، (وَهُمْ رَاكِعُونَ) حقيقةً، أو من باب: إطلاق الجزء وإرادة الكلِّ، (فَقَالَ: أَشْهَدُ)؛ أي: أحلف (بِاللهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ)، ولابن عساكرَ: ((مع النَّبيِّ)) (صلى الله عليه وسلم قِبَلَ مَكَّةَ)؛ أي: حال كونه متوجِّهًا إليها، و«اللَّام» للتَّأكيد، و«قد» للتَّحقيق، وجملة «أشهد» اعتراضٌ بين القول ومقوله، (فَدَارُوا)؛ أي: سمعوا كلامه فداروا (كَمَا هُمْ) عليه (قِبَلَ الْبَيْتِ) الحرام، ولم يقطعوا الصَّلاة، بل أتمُّوها إلى جهة الكعبة، فصلَّوا صلاةً واحدةً إلى جهتين بدليلين شرعيِّين. قال في «المصابيح»: والظَّاهر: أنَّ الكاف في «كما هم» بمعنى: على، و«ما»: كافَّةٌ، و«هم»: مبتدأٌ حُذِفَ خبرُه؛ أي: عليه أو كائنون، وقد يُقَال: إنَّ «ما» موصولةٌ، و«هم»: مبتدأٌ حُذِفَ خبره؛ أي: عليه، لكن يلزم حذف العائد المجرور مع تخلُّف شرطه، وفيه: جواز النَّسخ بخبر الواحد، وإليه ميلُ المحقِّقين، (وَكَانَتِ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ)؛ أي: النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، و«هم» [5] : منصوبٌ على المفعوليَّة؛ (إِذْ كَانَ) عليه الصلاة والسلام (يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ)؛ أي: حال كونه متوجِّهًا إليه، (وَأَهْلُ الْكِتَابِ) _بالرَّفع_ عطفًا على «اليهود»، وهو من عطف العامِّ على الخاصِّ، أو المُرَاد به النَّصارى فقط، وإعجابهم ذلك ليس لكونه قبلتهم، بل بطريق التَّبعيَّة لهم، (فَلَمَّا وَلَّى) صلى الله عليه وسلم (وَجْهَهُ) الشَّريفَ (قِبَلَ الْبَيْتِ) الحرام؛ (أَنْكَرُوا ذَلِكَ)، فنزل [6] : {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ} [البقرة: 142] كما صرَّح به المصنِّف في روايةٍ من طريق إسرائيل [خ¦399] ، (قَالَ زُهَيْرٌ)؛ يعني: ابن معاويةَ: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ)؛ يعني: السَّبيعيُّ، (عَنِ الْبَرَاءِ) بن عازبٍ (فِي حَدِيثِهِ هَذَا)، وللأَصيليِّ: ((أبو إسحاق في حديثه عن البَرَاء)) (أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ) المنسوخة (قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ)؛ أي: قبل التَّحويل إلى الكعبة (رِجَالٌ) عشرةٌ؛ منهم: عبد الله بن شهابٍ الزُّهريُّ القرشيُّ مات بمكَّة، والبَرَاء بن معرورٍ الأنصاريُّ بالمدينة، (وَقُتِلُوا)؛ بضمِّ أوَّله وكسر ثانيه، وفائدة ذكر القتل: بيان كيفيَّة موتهم؛ إشعارًا بشرفهم، واستبعادًا لضياع طاعتهم، أو أنَّ «الواو» بمعنى: أو، فيكون شكًّا، لكنَّ القتلَ فيه نظرٌ؛ فإنَّ تحويل القبلة كان قبل نزول القتال، على أنَّ هذه اللَّفظة لا توجد في غير رواية زهير بن معاوية، إنَّما الموجود في باقي الرِّوايات ذكر الموت فقط، (فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى)، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: ((عزَّ وجلَّ)): ({وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}) [البقرة: 143] بالقبلة المنسوخة، أو صلاتكم إليها، وقول الكرمانيِّ في قول زهيرٍ هذا: «إنَّه يحتمل أن يكون المؤلِّف ذكره معلَّقًا» تعقَّبه الحافظ ابن حجرٍ: بأنَّ المؤلِّف ساقه في «التَّفسير» [خ¦4486] موصولًا مع [7] جملة الحديث، وقد تعقَّبه العينيُّ: بأنَّ صورتَه صورةُ تعليقٍ، وأنَّه لا يلزم من سَوْقِه في «التَّفسير» جملةً واحدةً أن يكون هذا موصولًا غير معلَّقٍ، انتهى.

واختُلِف في صلاته عليه الصلاة والسلام إلى بيت المقدس [/ج1ص126/] وهو بمكَّة، فقال قومٌ: لم يَزَلْ يستقبل الكعبة بمكَّة، فلمَّا قدم المدينة؛ استقبل بيت المقدس، ثمَّ نُسِخَ، وقال البيضاويُّ في تفسير قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ التِّي كُنْتَ عَلَيْهَا} [البقرة: 143] ؛ أي: الجهة التي كنت عليها؛ وهي الكعبة، فإنَّه _ عليه الصلاة والسلام _ كان يصلِّي إليها بمكَّة، ثمَّ لمَّا هاجر؛ أُمِرَ بالصَّلاة إلى الصَّخرة تألُّفًا لليهود، وقال قومٌ: كان لبيت المقدس، فروى ابن ماجه حديث: «صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس ثمانيةَ عَشَرَ شهرًا، وصُرِفَتِ القبلةُ إلى الكعبة بعد دخول المدينة بشهرين»، وظاهره: أنَّه كان يصلِّي بمكَّةَ إلى بيت المقدس مَحضًا، وعن ابن عبَّاسٍ: كانت قبلتُه بمكَّةَ بيتَ المقدس، إلَّا أنَّه كان يجعل الكعبة بينه وبينه، قال البيضاويُّ: فالمخبر به على الأوَّلَ الجعل النَّاسخ، وعلى الثاني المنسوخ؛ والمعنى: أنَّ أصل أمرك أن تستقبل الكعبة، وما جعلنا قبلتك بيت المقدس، ا ه.

وفي هذا [8] الحديث جواز نسخ الأحكام؛ خلافًا لليهود، وبخبر الواحد، وإليه مال القاضي أبو بكرٍ وغيره من المحقِّقين، وجواز الاجتهاد في القبلة، وبيان شرفه عليه الصلاة والسلام، وكرامته على ربِّه لإعطائه له ما أحبَّ، والرَّدُّ على المرجئة في إنكارهم تسميةَ أعمالِ الدِّين إيمانًا، ورواة الحديث السَّابق أئمَّةٌ أَجِلَّاءُ أربعةٌ، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦399] ، و«التَّفسير» [خ¦4486] ، وفي «خبر الواحد» [خ¦7252] ، والنَّسائيُّ، والتِّرمذيُّ، وابن ماجه.

[1] في (س): (الحزَّانيُّ)، وهو تصحيفٌ.
[2] في (س): «الجعدي»، وهو خطأٌ.
[3] (ابن عليٍّ): سقط من (س).
[4] في (م): «ووهم».
[5] في (م): «وهو».
[6] في (م): «فنزلت».
[7] في (م): «من».
[8] «هنا»: سقط من (م).





40- (أَوَّلَ): بالنَّصبِ؛ أي: في أوَّل زمانِ قُدُومِه عندَ الهجرةِ، و (مَا) مصدريَّةٌ.

وقال البِرْماويُّ: (نصبٌ على الظَّرفيَّةِ، وَوَهِمَ الزَّركشيُّ فقال: خبرُ «كَانَ») [1] .

(وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا صَلَاةَ الْعَصْرِ): (وَأَنَّهُ): بفتح الهمزةِ معطوفٌ على (أَنَّهُ) الَّتي قبلها، و (أَوَّلَ): هو مفعولُ (صَلَّى)، و (صَلَاةَ الْعَصْرِ): هو بالنَّصبِ أيضًا بدلًا منه، وفي الكلامِ تقديرٌ؛ أي: أوَّل صلاةٍ صلَّاها [وهو] متوجِّهٌ الكعبةَ، ولوضوحِه لم يذْكُرْه.

وقال ابنُ الملقِّن: («صَلَاةَ العَصْرِ» هو بَدَلٌ من قوله: «أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا») انتهى.

وفي أصلنا المصري: (صَلَاةُ) بالرَّفْعِ على أنَّه اسمُ (كان)، والخبرُ (أوَّل) مقدَّمٌ، كذا أعرَبَهُ والدي.

وقال الزَّركشيُّ: («صَلَاةُ» بالرَّفع عنِ ابن مالكٍ) انتهى. [/ص18/]

(كَمَا هُمْ): (مَا) موصولةٌ، و (هُمْ) مبتدأٌ، وخبرُه محذوفٌ؛ وهو «عليه»؛ أي: داروا مُشبهين الحال الَّذي كان متقدِّمًا على حال دورانهم، أو داروا على الحال الَّذي هم [2] كانوا عليه، ومثلُ هذه الكاف تُسمَّى كافَ المقاربةِ؛ أي: دورانهم مقارِبٌ لحالِهم.

(قَدْ أَعْجَبَهُمْ): فاعلُ (أعجبَ) هو رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم.

و (إِذْ كَانَ): بدلُ الاشتمال، أو (إِذْ كَانَ) فاعلٌ [3] ؛ إذ هو ههنا للزَّمان المطلق؛ أي: أعجبَهم زمانُ كان يصلِّي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم نحوَ بيتِ المقدسِ؛ لأنَّه كان قبلتَهم، فإعجابُهم لموافقته قِبلةَ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم.

(وَأَهْلُ الْكِتَابِ): عطفٌ على (الْيَهُودُ)، فإمَّا أنْ يُرادَ به العمومُ، فهو عامٌّ عُطِفَ على خاصٍّ؛ أي: جميع أهل الكتاب، أو المرادُ به: النَّصارى فقط، فهو خاصٌّ عُطِفَ على خاصٍّ، وعَجِبُوا متابعةً؛ لأنَّها لم تكنْ قِبلَتَهم، بلْ إعجابُهم كانَ بالتَّبعيَّةِ لليهود، ويَحتمل أنْ تكونَ (الواو) بمعنى: (مع)، لكنْ تكونُ القراءةُ بالنَّصبِ واجبةً حينئذٍ، ومعناه: كانَ يُصلِّي نحو بيت المقدس مع أهل الكتاب، وهو مثلُ: (جئتُ وزيدًا)، وهذا هو الأظهرُ لو صحَّتْ روايةُ النَّصبِ.

وقال والدي رحمه الله: («وَأَهْلُ الْكِتَابِ» مرفوعٌ معطوفٌ على «الْيَهُودُ»).

وقال ابن الملقِّن: (ولعلَّه المراد بهم: النَّصارى؛ فإنَّ اليهودَ أيضًا أهلُ كتابٍ).

قال والدي: (وفيه نَظَرٌ؛ لأنَّ النَّصارى يُصَلُّونَ إلى المشرِقِ، ولعلَّ المرادَ بـ«أهل الكتاب» هم اليهودُ، وجازَ العطفُ؛ لاختلافِ اللَّفظِ، ويَحتمل أنَّه أرادَ النَّصارى، ويكونُ إعجابُهم لكونِ المسلمينَ خالفوا اليهودَ في القبلة) انتهى.

ويَحتمل أنْ يكونَ فيه حذفٌ تقديرُه: وأهلُ الكتابِ لم يعجبْهُم ذلك.

والضَّميرُ في قوله: (أَنْكَرُوا) [4] عائدٌ إلى (الْيَهُود) لا إلى (أَهْل الْكِتَاب)، ويكون المراد بـ (أَهْل الْكِتَاب): النَّصارى.

[1] «اللامع الصبيح» (1/241)، وكذا وهَّمه الدماميني في «مصابيح الجامع» (1/133)، وانظر «التنقيح» (1/40)، وقوله: (وقال البرماوي: نصب...) تقدم في (ب) على قوله: (وما مصدرية)، وهو خطأ في معرفة مكان اللحق في (أ).
[2] هم: سقطت من (ب).
[3] في النسختين: (فاعلًا)، والمثبت من المصادر.
[4] في النسختين: (وأنكروا) بواو العطف، وليست في الحديث.





40- قوله: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ): هذا هو الصوابُ، وهو بفتح العين، وبالواو في آخره، وقد ذكر أبو عليٍّ الغسانيُّ في كتابه «تقييد المهمل» أنَّه كان في نسخة أبي زيد المروزيِّ: عُمر بن خالد؛ يعني: بضمِّ العين من غير واوٍ، كذا نقله عنه أبو الحسن القابِسيُّ وأبو الفرج الطيطليُّ [1] ، وهو وهم.

واعلم أنَّ الأوهام التي ذكرها أبو عليٍّ الغسَّانيُّ التي وقعت في «البخاريِّ» لا أذكر أنا منها إلَّا يسيرًا، فمَن أراد الاستيعاب؛ فلينظر «تقييد المهمل» له، وقد تقدَّم ذلك في الدِّيباجة.

قوله: (حَدَّثَنَا [2] أَبُو إِسْحَاقَ): هذا هو السَّبِيعيُّ -بفتح السين وكسر الموحدة- نسبةً إلى السَّبِيع جدِّ القبيلة، قال الجوهريُّ: (والسَّبِيعُ أيضًا بطنٌ مِن هَمْدان، رَهْط أبي إسحاق السَّبِيعيِّ) انتهى.

واسمه عمرو بن عبد الله الهَمْدانيُّ؛ بإسكان الميم، وبالدَّال المهملة، وهو أحدُ الأعلام، له نحو ثلاثُ مئةِ شيخٍ، وهو يُشبه الزُّهريَّ في الكثرة، وقد غزا مرَّاتٍ، وكان صوَّامًا قوَّامًا، توفِّي سنة ستٍّ، وقيل: سبعٍ، وقيل: ثمانٍ، وقيل: تسع وعشرين ومئة، وله خمسٌ وتسعون سنة، أخرج له الجماعة [3] .

فائدة هي تنبيه [4] : أبو إسحاق هذا اختلط، وقد ذكره ابن الصَّلاح في «علومه»، وأنكره صاحب «الميزان»، فقال: (شاخ ونسي ولم يختلط) ، وقد سمع منه سُفيان وقد تغيَّر قليلًا، والرَّاوي عنه هنا [5] زهير بن معاوية، قال صالح بن أحمد ابن حنبل، عن أبيه: (في حديثه عن أبي إسحاق ليْنٌ، سمع منه بأَخَرَة) ، وقال أبو زُرعة: (ثقةٌ، إلَّا أنَّه سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط) ، [/ج1ص28/] وقال التِّرمذيُّ: (زهير في أبي إسحاق ليس بذاك؛ لأنَّ سماعه منه بأَخَرَة) انتهى.

وروايتُه عنه في «الصحيحين»، قال أبو عمرو بن الصلاح: (واعلم أنَّ ما كان مِن هذا القبيل مُحتجًّا [6] بروايته في «الصَّحيحين» أو أحدِهِما؛ فإنَّا نعرفُ على الجملةِ أنَّ ذلك ممَّا تميَّزَ، وكان مأخوذًا عنه قبل الاختلاط) انتهى.

تنبيه: قد ذكرتُ جماعةً مِنَ المختلطين أو مَن قد رُمي به في مؤلَّفٍ مفردٍ، لعلَّك ألَّا تجدَهم مجموعين في غيره؛ فانظره إن أردته.

قوله: (أَجْدَادِهِ -أَوْ [قَالَ] : أَخْوَالِهِ- مِنَ الْأَنْصَارِ): هذا [7] شكٌّ مِنَ الرَّاوي، وهم أخوال وأجداد، مجازًا؛ لأنَّ هاشمًا جدُّ والدِ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، تزوَّجَ منهم سَلمى بنت عمرو بن زيد بن لَبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عديِّ بن النَّجَّار، فولدتْ له عبدَ المطَّلب، والمذكور في السِّير: أنَّ أوَّل ما نَزَلَ عليه الصَّلاة والسَّلام على كلثوم بن الهِدْم بن امرئ القيس، وقيل: على سعد بن خيثمة، والأوَّل أكثرُ، قاله في «الاستيعاب»، ثمَّ على أبي أيُّوب خالد بن زيد الأنصاريِّ، وليسوا ولا واحدٌ منهم مِن أخواله ولا أجداده، وإنَّما أخوالُه وأجدادُه في بني عديِّ بن النَّجَّار، وقد مرَّ بهم، واعترضه سَلِيط بن قيس، وأبو سَلِيط أُسَيرة بن أبي خارجة في رجالٍ مِن بني عديٍّ فلم ينزل، ونزل على بني مالك أخي عديٍّ، فلعلَّ ذلك وقعَ تجوُّزًا كعادةِ العربِ في النِّسبةِ إلى الأخ، أو لقُرب ما بين داريهما، والله أعلم.

قوله: (قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ [8] ): أمَّا (قِبَلَ) ؛ فبكسرِ القاف، وفتحِ الموحَّدة، وأمَّا (المَقْدِس) ؛ فيُقال فيه: المَقْدِس والمُقَدَّس؛ الأُولى: بفتح الميم، وبإسكان القاف، وكسر الدَّال، والثانية: بضمِّ الميم، وفتح القاف، وفتح الدَّال المشدَّدة؛ لغتان مشهورتان.

قوله: (سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا [9] ): كذا بالشَّكِّ في هذا «الصَّحيح»، وفي روايةٍ في «مسلم» وغيرِه عنِ البراء الجزم بـ (سِتَّةَ عَشَرَ) ، فتعيَّنَ اعتمادُها، وفي «أبي داود»: (ثمانيةَ عَشَرَ شهرًا) ، وجاء: (بضعةَ عَشَرَ شهرًا) [10] ، وحَكى المُحِبُّ الطَّبريُّ: (ثلاثةَ عَشَرَ شهرًا) ، وفي روايةٍ أُخرى: (سنتين) ، وأغربُ منها: (تسعة أشهر) ، وفي روايةٍ: (عشرة) ، وذكرهما أبو الفتح اليَعمريُّ في «سيرته».

وقال ابن حِبَّان: (صلَّى المسلمون إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرًا وثلاثة أيَّام سواء) ، وقرَّر ذلك بالتاريخ، فحصل أقوالٌ في المُدَّة؛ وهي: (سنتان) ، (ثمانية عشر شهرًا) ، (بضعة عشر شهرًا) ، (سبعة عشر شهرًا [11] وثلاثة أيام) ، (سبعة عشر شهرًا) ، (ستَّة عشر شهرًا) ، (ثلاثة عشر شهرًا) ، (عشرة أشهر) ، (تسعة أشهر) ، (شهران) ، وهو ما وقع في «ابن ماجه»، ولفظ ابن ماجه في «السُّنن»: (صلَّينا مع رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نحو بيت المقدس ثمانيةَ عَشَرَ شهرًا، وصُرفتِ القبلةُ إلى الكعبة بعد دخوله المدينة بشهرين) .

واعلم أنِّي حاولت الجمع بين هذه الرِّوايات كلِّها؛ فرأيتُ فيها عُسرًا، وبعضُها لا يجتمع مع بعض، وقد اختُلف في الشَّهر الذي حُوِّلت فيه على ثلاثة أقوال: نصف شعبان يوم الثلاثاء في الظهر، ثانيها: في رجب في نصفه في صلاة الظهر يوم الاثنين، وقيل: كان ذلك في جُمادى، وقيَّده بعضُهم بالآخرة.

واختُلف في اليوم الذي حُوِّلت فيه؛ فقيل: الاثنين، وقيل: الثَّلاثاء.

واختُلف في المسجد الذي حُوِّلت فيه؛ فقيل: مسجده عليه الصَّلاة والسَّلام، وقيل: مسجد بني سَلِمَة حين زار أُمَّ بِشر بن البراء.

فإن قيل: في أيِّ ركعةٍ؟ فالجواب: في الثَّالثة، فإن قيل: في أيِّ ركنٍ؟ فالجواب: أنَّه [12] في ركوعها.

واختُلف في أيِّ صلاة [13] ؛ فقيل: الظُّهر، وقيل: العصر [14] ، وفي خبرٍ ساقه ابنُ سعدٍ: (فمرَّ رجلٌ بقومٍ مِن بني سَلِمة، وهم ركوعٌ في صلاة الفجر -وكذا هو في «البخاريِّ» في (التفسير) - فنادى: ألا إنَّ القبلةَ قد حُوِّلت) .

وكذلك حديثٌ آخرُ ساقه ابنُ سعدٍ عن عُمارةَ بنِ أوسٍ الأنصاريِّ قال: (صلَّينا إحدى صلاتي العشيِّ [15] -والعشيُّ: قال الجوهريُّ: والعشيَّة: مِن صلاة المغرب إلى العَتَمَة- فقام رجلٌ على بابِ المسجد ونحن في الصَّلاة، فنادى: إنَّ الصلاة قد وُجِّهت نحوَ الكعبة) ، ولا يُعارِضُ هذان ما تقدَّم؛ لأنَّ بُلُوغَ التحويلِ غيرُ التحويل.

وقد رُوِّينا عنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قال: (كان الناسُ يُصلُّون الصبحَ، فانحرفوا وهم ركوعٌ) ، فهذا قد يُعَدُّ قولًا، وقد يُحملُ على مكانٍ بلغهم فيه التحويلُ، فإنْ حُمل على الأوَّل -وهو أن يكون ذلك اتَّفق له عليه الصَّلاة والسَّلام- كان قولًا في المسألة، فيبقى فيها ثلاثةُ أقوالٍ: الظُّهرُ، العصرُ، الصُّبحُ، وإنْ [16] حُمل على الثاني؛ فليس قولًا.

وقال القُرطبيُّ في «تفسيره» في (البقرة) ما لفظُه: (وقيل: إنَّ الآية نزلت في غير صلاةٍ، وهو الأكثرُ، وكان أوَّل صلاة إلى الكعبة العصر، فالله أعلم) انتهى.

تنبيه: اعلم أنَّ صلاتَه عليه الصَّلاة والسَّلام قبلَ مَقْدَمِه المدينة كانت إلى بيت المقدس من حين الفرض إلى أنْ قدم المدينة، ثمَّ بها إلى وقت التَّحويل، وقال آخرون: إنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام صلَّى أوَّل ما صلى إلى الكعبة، ثمَّ إنَّه صُرف إلى بيت المقدس، وقال الزُّهريُّ: زعم ناسٌ -والله أعلم- أنَّه كان يسجدُ نحوَ بيت المقدس ويجعلُ وراءَ ظهرِه الكعبةَ وهو بمكَّة، وزعمَ ناسٌ أنَّه لَمْ يَزَلْ يستقبلُ الكعبةَ حتى خرج منها، فلمَّا قَدِمَ المدينةَ [17] ؛ استقبل بيت المقدس.

قال ابنُ عبد البَرِّ: وأحسنُ من ذلك قولُ مَن قال: إنَّه عليه السلام كان يُصلِّي بمكَّة مستقبِلَ القبلتين، يجعلُ الكعبة بينه وبين بيت المقدس، وقد ذكر أبو الفتح في «سيرته» مستندَ هذه الأقوال [18] ، ولكن إنَّما كان عليه الصَّلاة والسَّلام يستقبل الكعبة وبيت المقدس في إقامته بمكَّة، ولم يتبيَّن للناس توجُّهُه إلى بيت المقدس حتَّى خرج من مكَّة، والحاصلُ قولان:

أحدُهما: أنَّه كان يستقبلُ بيت المقدس أوَّلًا، ثمَّ صُرِف.

الثاني: أنَّه استقبلَ الكعبةَ، ثمَّ بيتَ المقدس، ثمَّ الكعبةَ، والله أعلم.

وقد أطلتُ الكلامَ في ذلك، ولكن لا تجِدُه كذلك مجموعًا إلَّا في هذا التَّعليق، وإنَّما هو مُفرَّقٌ في كلامهم، والله أعلم.

قوله: (وَأَنَّهُ صَلَّى [19] ): بفتح الهمزة، معطوف على (أنَّه) التي قبلَها.

قوله: (صَلَاةُ الْعَصْرِ): هو [20] برفعِ (الصلاة) ، كذا في أصلنا، وعليه (صح) [21] ، وطرأ عليها النَّصبُ، فالرَّفعُ على أنَّ [22] (صَلَاةُ الْعَصْرِ) اسمُ (كان) ، والخبرُ (أوَّلَ) مقدَّمٌ، ورأيتُ في نسخةٍ صحيحةٍ (صلاةَ) بالنَّصب بالقلم ليس غير، وإعرابُ النَّصبِ ظاهرٌ على أنَّه بدلٌ مِنَ الضَّميرِ في (صَلَّاهَا) ، ويُعرَب أيضًا بغير ذلك، وعن بعضِهم: (صَلَاةُ العَصْرِ) بالرَّفع، وقد تقدَّم إعرابُه، وقال شيخُنا الشَّارح: إنَّها بدلٌ مِن (صلاةٍ صَلَّاها) ؛ يعني: فتكونُ بالجرِّ، والله أعلم.

قوله: (فَخَرَجَ رَجُلٌ): هذا الرجلُ قال شيخُنا الشَّارح: (هو عَبَّاد بن نَهِيك بن إساف الخطميُّ، وقيل: عَبَّاد بن بشر الأشهليُّ، وسيأتي ما فيه، وقيل: عَبَّاد بن وهب) انتهى.

ولا أعلم أنا أحدًا في الصَّحابة يُقال له: عبَّاد بن وهب، إلَّا أن يكونَ نُسِبَ إلى جدِّه، أو جدٍّ له أعلى، أو إلى خلافِ الظاهر، وقد ذكر ابنُ بشكوال حديث ابن عمر: (بينما الناسُ بقُباء في صلاة الصبح؛ إذ جاءهم رجلٌ...) ؛ الحديث، هو عبَّاد بن بشر الأشهليُّ، ذكره الفاكهيُّ [23] في «أخبار مكَّة»، انتهى، وسيأتي ما فيه، وقيل: عبَّاد بن نهيك الخطميُّ، ذكره [/ج1ص29/] ابن عبد البَرِّ، انتهى.

وقد ذكر القول الأوَّل ابنُ طاهرٍ في «مبهماته».

وذكر ابن شيخنا البلقينيِّ الأقوالَ الثلاثة التي ذكرتُها عن شيخنا الشَّارح، ثمَّ قال: (وعبَّاد بن بشر هذا غيرُ رفيقِ أُسيد بن الحُضير في المصباحين [24] ) انتهى.

والذي قاله صحيحٌ، صاحبُ هذه القصَّة عبَّاد بن بشر بن قيظيٍّ من بني حارثة، كان يَؤُمُّ قومَه في عهده عليه الصَّلاة والسَّلام، له حديثٌ في الاستدارة إلى الكعبة، والمذكور مع أُسَيد بن حُضَير: عبَّادُ بنُ بِشر بن وَقْش بن زُغْبة بن زَعُوراء الأشهليُّ، مِن كبار الصحابة، له حديثٌ واحدٌ في «معجم الطبرانيِّ»، والله أعلم.

قوله: (فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ...) إلى آخره: قال شيخُنا الشَّارح: (هؤلاء ليسوا أهلَ قُباء، بل أهل مسجدٍ بالمدينة، وهو مسجدُ بني سلِمة، ويُعرَف بمسجدِ القِبلتين، ومرَّ عليهم المارُّ في صلاة العصر) انتهى، وهذا على القول بأنَّها حُوِّلتْ في مسجده، قال شيخُنا: (وأمَّا أهلُ قُباء؛ فأتاهمُ الآتي في صلاة الصُّبح) ، كما هو مصرَّحٌ به في «البخاريِّ» و«مسلم» في موضعه من حديث ابن عمر.

قوله: (وَأَهْلُ الْكِتَابِ): هو مرفوعٌ معطوفٌ على (الْيَهُودُ) ، قال شيخُنا الشَّارح: (ولعلَّ المرادَ بهم: النَّصارى، فإنَّ اليهودَ أيضًا أهلُ كتابٍ، والله أعلم) انتهى [25] ، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ النَّصارى يصلُّون إلى الشَّرق، فكيف يُعجبُهم أن يصلَّى إلى غير قِبلتِهِم؟! والله أعلم.

ولعلَّ المراد بـ (أهل الكتاب): اليهودُ [26] ، وجاز العطفُ؛ لاختلاف اللفظ، والله أعلم [27] .

ويَحتمل أنَّه أرادَ النصارى، ويكونُ إعجابُهُم؛ لكونِ المسلمينَ خالفوا اليهودَ في القبلة، والله أعلم [28] .

قوله: (وَقُتِلُوا): هذا فيه نظرٌ، وإيضاحُه: أنَّ القبلةَ كان تحويلُها قبلَ بدرٍ على الصَّحيح كما [29] تقدَّم، ولم يُقتل أحدٌ قبلَ بدرٍ في القتال، وقد قُتلتْ سُميَّةُ أُمُّ عمَّارٍ، وقُتِلَ الحارثُ بن أبي هالة في غيرِ قِتالٍ، كما سيأتي في كلامي في (الجهاد) ، وكذا قُتل ياسر [30] والدُ عمَّارٍ [31] ، وإنَّما مات قبلَ تحويلِها البراءُ بنُ معرورٍ في صفر قبل مَقْدَمِه عليه الصَّلاة والسَّلام المدينةَ، وأبو أُمامة أسعدُ بن زُرارةَ ومسجدُه عليه السَّلام يبنى بعد الهجرة بسِتَّةِ أشهرٍ، وكلثوم بن الهِدْم تُوفِّي أيضًا قبل وقعة بدرٍ، قاله الواقديُّ، فالذي [32] في «الصَّحيح» فيه نظرٌ، وإنَّما يجيءُ على القول بأنَّ التحويلَ لم يُشرَّع إلَّا بعد [33] سنتين مِنَ المَقْدَمِ، والمشهورُ ما في «الصَّحيح»، ولا تفريعَ على هذا.

واعلم أنَّ بدرًا في سبع عشرة، أو تسع عشرة، وقيل غير ذلك كما سيأتي، في رمضان في السَّنة الثانية، والله أعلم.

[قوله: (قَالَ [34] زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ): فذكره موقوفًا وإن كان الذي قبله موقوفًا؛ لأنَّه وافق زهيرًا عليه في روايته عن أبي إسحاق -وهو السَّبيعيُّ- غيرُه، وهذا تعليق مجزوم به، فهو صحيح على شرطه إلى زهير، والظاهرُ: أنَّه لم يوافقه في روايته عن أبي إسحاق غيرُه من الثِّقات فيما وقفت عليه من أصحاب الكتب السِّتَّة، فكأنَّه انفرد عنه به، وإنَّما علَّقه؛ لأنَّ أبا إسحاق ذُكر عنه أنَّه اختلط بأَخَرَة، وإن كان الذهبيُّ لم يُسلِّمِ اختلاطَه، بل قال: (إنَّه كبر ونسي، ولم يختلط) .

وقد رَوى عن أبي إسحاق: إسرائيلُ بنُ يونسَ، وزكريَّا بنُ أبي زائدةَ، وزهيرٌ المذكور، وغيرُهم، قال صالح بن أحمد ابن حنبل عن أبيه: (في حديث زهيرٍ عن أبي إسحاق لِيْنٌ، سمع منه بأَخَرَة) ، وقال أبو زُرعة: (إلَّا أنَّ زُهيرًا سمع مِن أبي إسحاقَ بعد الاختلاط) ، وقال أبو حاتم: (زهيرٌ أحبُّ إليَّ مِن إسرائيلَ في كلِّ شيءٍ إلَّا في أبي إسحاقَ) ، وقال أيضًا: (زهيرٌ مُتقِنٌ، صاحبُ سُنَّةٍ، تأخَّرَ سماعُه من أبي إسحاق) ، وقال التِّرمذيُّ: (زهيرٌ في أبي إسحاقَ ليس بذاك، سماعه عنه بأَخَرَة) انتهى.

وروايتُه في «البخاريِّ» و«مسلم»، وقد روى البخاريُّ هذا التَّعليق الثاني في (الصَّلاة) كما تقدَّم، ورواه في (التفسير) عن أبي نُعيمٍ عن زهيرٍ؛ كلُّه موقوفًا على البراء بالزِّيادة المذكورة التي علَّقها في (الصلاة) عن زهيرٍ، فكأنَّ البخاريَّ رحمه الله تغيَّر اجتهادُه، فذكرها تعليقًا عن زهيرٍ في (الصَّلاة) ، وموصولةً في (التَّفسير) ؛ هل أخذها زهيرٌ عن أبي إسحاق في اختلاطه أو قبلَه؟ ويَحتمل فيه أنَّه إنَّما علَّقها في (الصَّلاة) ، كما قيل في زهير من الأخذ عن أبي إسحاق بعدَ اختلاطه، أو أنَّه لم يصحَّ عندَه أنَّه أخذ عنه بعدَ الاختلاط، والله أعلم.

والحديثُ المُشارُ إليه أخرجه بغير الزيادة التِّرمذيُّ، وكذا النَّسائيُّ في (الصَّلاة) ، وأخرجه النَّسائيُّ أيضًا في (التفسير) ، لكن لم يكن عندي «النَّسائيُّ الكبير»، فما أدري هل أخرجها بها أم لا؟ وأخرجه أيضًا ابنُ ماجه في (الصَّلاة) عنِ البراء من حديث أبي إسحاق عنه، لكن رواه عن إبي إسحاق أبو بكر بن عيَّاش، ولفظ البراء: (صلَّينا مع رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نحو بيت المقدس ثمانيةَ عَشَرَ شهرًا، وصُرِفتِ القبلةُ إلى الكعبة بعد دخولِه المدينة بشهرين...) إلى أن قال فيه: (فقال رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «يا جبريلُ؛ كيف حالنا في صلاتنا إلى بيت المقدس؟»، فأنزل الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143] ) انتهى] [35] .

[1] في (ج): (الطليطلي) .
[2] (حدثنا): ليس في (ب) .
[3] انظر «تهذيب الكمال» (22/102) .
[4] (هي تنبيه): ليس في (ب) .
[5] في (ب): (هنا عنه) .
[6] في (ب): (محتمًا) .
[7] في (ب): (وهذا) .
[8] في هامش (ق): (كذا وقع في الأصول؛ أي: إلى البيت) .
[9] (شهرًا): ليس في (ب) .
[10] قوله: (وجاء: بضعة عشر شهرًا): سقط من (ب) .
[11] (سبعة عشر شهرًا): ليس في (ب) .
[12] (أنه): ليس في (ب) .
[13] في (ب): (الصلاة) .
[14] (وقيل: العصر): ليس في (ب) .
[15] في (ب): (العشا) .
[16] في (ج): (فإن) .
[17] زيد في (ب): (القبلة؛ أي) .
[18] في (ج): (مستند هذا القول) ، وصوَّب المثبت في (أ) .
[19] (صلى): ليس في (ب) .
[20] (هو): ليس في (ب) .
[21] (وعليه صح): ليس في (ب) .
[22] (على أنَّ): ليس في (ب) .
[23] في (ب): (الهادي) .
[24] وقصتهما في إضاءة عصواهما مشهورة، أخرجها (*) .
[25] «التوضيح» (3/97) .
[26] في (أ): (هم اليهود) .
[27] قوله: (وفيه نظر...): سقط من (ب) .
[28] قوله: (ويحتمل أنه أراد...): سقط من (ب) و (ج) .
[29] في (ب): (لما) .
[30] (ياسر): ليس في (ب) .
[31] قوله: (وكذا قُتل ياسر...): سقط من (ج) .
[32] (فالذي): ليس في (ب) .
[33] زيد في (ب): (بعد) .
[34] في (أ): (وقال) ، والمثبت موافق لما في «اليونينيَّة» و (ق) .
[35] ما بين معقوفين ليس في (ب) و (ج) ، وألحق في (أ) في ورقة مفردة، وموضعُه هنا، وزيد بعده: (وقال كاتبُه أبو ذَرٍّ ابنُ المؤلِّف: قال شيخُنا ابنُ حجرٍ في «الفتح»: هذا ليس بتعليقٍ، ووهم مَن قال: إنَّه تعليقٌ) .





40- ( ينَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ ) هو شك من الراوي وكلاهما صحيح؛ لأن هاشمًا جد أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوَّج من الأنصار.

( وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ ) بكسر القاف وفتح الموحدة.

( بَيْتِ الْمَقْدِسِ ) بفتح الميم وإسكان القاف، ويقال: بضم الميم وفتح القاف وتشديد الدال، أي: المطهَّر.

( سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ) وفي «صحيح مسلم» الجزم بالأول.

( وَأَنَّهُ أَوَّلَ صَلاَةٍ صَلاَّهَا صَلاَةَ الْعَصْرِ ) بنصب ( أول ) بتقدير فعل، أي: صلَّى، وقد ثبت كذلك في بعض الروايات، و ( صلاة العصر ) بالرفع عن ابن مالك، والضمير في قوله: ( فصلاها ) للقبلة، أي: صلَّى إليها.

( فَخَرَجَ رَجُلٌ ) هو عبَّاد بن بَشير، أو ابن نُهَيْك.

( وَكَانَتِ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَهْلُ الْكِتَابِ ) ( أهل ) مرفوع عطفًا على اليهود، ولعل المراد بهم النصارى، فإنَّ اليهود أهلُ كتاب.


40- ( عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ ) بفتح العين: الحرَّانيُّ، ففي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهنيِّ بضمِّ العين، وهو تصحيف، نبَّه عليه أبو عليٍّ الغسَّانيُّ وغيره، وليس في شيوخ البخاريِّ ولا رجاله ولا رجال أحد من الكتب السِّتَّة مَنْ اسمه: عمر بن خالد.

( كَانَ أوَّل ) بالنَّصب

( مَا ) مصدريَّة.

( عَلَى أَجْدَادِهِ، أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ ) الشَّكِّ من أبي إسحاق، وإطلاق ذلك مجاز؛ لأنَّ الأنصار أقاربه من جهة الأمومة، لأنَّ أمَّ جدِّه عبد المطلب: سلمى بنت عمرو، أحد بني عديِّ بن النَّجار، وقد نزل على أخوتهم بني مالك بن النَّجار.

( قِبَلَ ) بكسر القاف وفتح الموحَّدة، أي: إلى جهة.

( سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ ) كذا بالشَّكِّ، وفي روايةٍ عند مسلم والنَّسائيِّ وأبي عوانة وأحمد: «ستَّة عشر» بلا شكٍّ، وفي أخرى عند البزَّار والطَّبرانيِّ: «سبعة عشر» بلا شكٍّ.

قال ابن حجر: والجمع أنَّ مَنْ جزم بستَّة عشر لفَّقَ من شهر [/ج1ص194/] القدوم وشهر التَّحويل شهرًا، وألقى الأيام الزَّائدة، ومن جزم بسبعة عشر عدَّهما معًا، ومن شكَّ تردَّدَ في ذلك، وذلك أنَّ القدوم كان في ربيع الأوَّل بلا خلاف، وكان التَّحويل في نصف رجب من السَّنة الثَّانية على الصَّحيح، وبه جزم الجمهور، ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عبَّاس.

وقال ابن حبَّان: سبعة عشر وثلاثة أيَّام، وذلك بناء على أنَّ القدوم كان في ثاني عشر ربيع الأوَّل. وفي رواية عند ابن ماجه: «ثمانية عشر [شهرًا] [1] »، وراويها أبو بكر بن عيَّاش سيِّء الحفظ، وخرَّجها بعضهم على قول محمَّد بن حبيب أنَّ التَّحويل كان في نصف شعبان.

وبقي روايات شاذَّة ضعيفة: «ثلاثة عشر شهرًا»، و«تسعة أشهر»، و«شهران»، و«سنتان».

( وَأَنَّهُ أوَّل صَلاَةٍ صَلاَّهَا صَلاَة الْعَصْرِ )، قال في «التَّنقيح»: بنصب ( أوَّل ) بتقدير فِعْلٍ، أي: صلَّى، وقد ثبتَ ذلك في بعض الرِّوايات.

و ( صَلَاةُ العَصْرِ ) بالرَّفع عند ابن مالك، والضَّمير في قوله: ( صلاها للقِبْلة )، أي: صلَّى إليها.

قلت: الصَّواب رفع ( أوَّل ) مبتدأ، و ( صلاة العصر ) خبره، والجملة خبر إنَّ، والضَّمير للصَّلاة، وفي الكلام تقدير؛ أي: أوَّل صلاة صلاها متوجِّهًا إلى الكعبة، وفي رواية: «وأنَّه صلَّى أوَّل صلاة صلَّاها صلاة العصر»، فـ ( أوَّل ) بالنَّصب مفعول، وجملة ( صلَّاها ) صفة صلاة، و ( صلاة العصر ) بالنَّصب بدل.

( فَخَرَجَ رَجُلٌ ) هو عبَّاد بن بِشْر، وقيل عبَّاد بن نَهِيكٍ.

( عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ ) هم بنو حارثة.

( كَمَا هُمْ ) الكاف للمبادرة، و ( ما ) موصولة.

( وَأَهْلُ الْكِتَابِ ): بالرَّفع عطفًا على اليهود، من عطف العام على الخاصِّ، وقيل: المراد النَّصارى، وفيه نظر؛ لأنَّهم لا يصلُّون لبيت المقدس، فكيف تعجبهم؟ [/ج1ص195/]

( قَالَ زُهَيْرٌ ) يعني بالإسناد المذكور فليس تعليقًا.

( مَاتَ عَلَى القِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ رِجَالٌ ) هم عشرة؛ بمكَّة: عبد الله بن شهاب، والمطَّلب بن أزهر الزُّهريَّان، والسَّكران بن عمرو العامريُّ، وبأرض الحبشة: حَطَّاب _ بالمهملة _ ابن الحارث الجُمَحيُّ، وعمرو بن أميَّة الأسديُّ، وعبد الله بن الحارث السَّهميُّ، وعروة بن عبد العزَّى، وعديُّ بن نضلة العَدَويَّان، وبالمدينة: البراء بن مَعْرُور بمهملات، وأسعد بن زُرَارة الأنصاريَّان، وحادي عشر مختلف في إسلامه: إياس بن معاذ الأشهليُّ.

( وَقُتِلُوا ): قال ابن حجر: لم أرَ ذكر القتل إلَّا في رواية زهير هذه، وباقي الرِّوايات إنَّما فيها ذكر الموت فقط، ولم أجد في شيء من الأخبار أنَّ أحدًا من المسلمين قُتِلَ قبل تحويل القِبْلة، لكن لا يلزم من عدم الورودِ عدمُ الوقوع. [/ج1ص196/]

[1] ما بين معقوفين زيادة من [ف] .





40- وبه قال: ((حدثنا عمرو بن خالد)) ؛ بفتح العين: ابن فروخ الحنظلي الحراني، المتوفى سنة تسع وعشرين ومئتين ((قال: حدثنا زُهَير)) ؛ بضم أوله وفتح ثانيه مصغرًا: ابن معاوية بن حُديج بضم الحاء المهملة، وفتح الدال المهملة، آخره جيم، الجُعفي الكوفي، المتوفى سنة اثنتين وسبعين ومئة ((قال: حدثنا أبو إسحاق)) عمرو بن عبد الله الهمداني الكوفي التابعي، المتوفى سنة ست وعشرين ومئة، ((عن البرَاء)) ؛ بتخفيف الراء والمد على المشهور، وفي رواية: (عن البراء بن عازب) بن الحارث الأنصاري الأوسي، المتوفى بالكوفة سنة اثنتين وسبعين: ((أن النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم كان أولَ ما قدِم)) ؛ بكسر الدال ونصب (أول) على الظرفية، لا خبر (كان) ، كما وهم الزركشي؛ فإنَّ خبر (كان) قوله: (نزل) في أول قدومه ((المدينة)) ؛ أي: مدينة النبي الأعظم عليه السلام، فـ (أل) للعهد، وتسمى طيبة؛ أي: في هجرته من مكة ((نزل على أجداده أو قال)) ؛ أي: أبو إسحاق ((أخواله من الأنصار)) : (مِن) للبيان، وهذا شكٌّ من أبي إسحاق.

والمراد بالأجداد: هم من جهة الأمومية، وإطلاق الجد والخال هنا مجاز؛ لأنَّ هاشمًا جدَّ أب النبي الأعظم عليه السلام زوِّج من الأنصار، ونزوله عليه السلام كان في بيت جدِّي الصحابي الجليل أبي أيوب خالد بن زيد رضي الله عنه، وأقام عنده سبعة أشهر، وبعث وهو عنده، وهذه فضيلة عظيمة؛ حيث اختار النبي النزول في بيت جدي رضي الله عنه.

((وأنه)) ؛ بفتح الهمزة؛ أي: النبي الأعظم عليه السلام ((صلَّى قِبَل)) ؛ بكسر القاف وفتح الموحدة، والجملة رفع خبر (أنَّ) ((بيت المقدس)) مصدر ميمي كـ (المرجع) ، منصوب على الحال؛ أي: حال كونه متوجهًا إليه ((ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا)) على الشك في رواية زهير هنا، وجزم مسلم بالأولى، فيتعيَّن اعتمادها؛ وهي الصحيحة، قبل بدر بشهرين، وجزم القاضي ومالك بن أنس بصحة الثانية، والجمع بينهما: أنَّ من جزم بالأولى؛ أخذ من شهر القدوم وشهر التحويل شهرًا، والمعنى: الأيام الزائدة فيه، ومن جزم بالثانية؛ عدَّهما معًا، ومن شكَّ؛ تردد في ذلك وكان القدوم في شهر ربيع الأول بلا خلاف، وكان التحويل في نصف رجب في السنة الثانية على الصحيح، وبه جزم الجمهور، وسقط في روايةٍ قوله: (شهرًا) الأول.

((وكان)) النبي الأعظم عليه السلام ((يعجبه)) خبر (كان) ((أن تكون قبلتُه قِبَل)) ؛ بكسر القاف وفتح الموحدة؛ أي: كون قبلته جهةَ ((البيت)) الحرام؛ أي: كان يحب ذلك فـ (أن تكون) في محل رفع فاعل (يعجبه) ، و (أنْ) مصدرية، والتقدير كما علمته، ((وأنَّه)) ؛ بفتح الهمزة؛ أي: النبي الأعظم عليه السلام، عطفًا على (أنه) السابقة ((صلى أول صلاة صلاها)) ؛ متوجِّهًا إلى الكعبة، وجملة (صلى) من الفعل والفاعل محلُّها رفع خبر (أنَّ) ، وبنصب (أولَ) مفعول (صلى) ((صلاة العصر)) بدل منه، وأعربه ابن مالك: بالرفع، وسقط لفظ (صلى) في رواية.

وجاء في «الترمذي»، و«النسائي»، و«الشيخين» في (الصلاة) : عن ابن عمر قال: (بينا الناس في صلاة الصبح) ، وفي «مسلم» عن أنس: (أنها الصبح) ، والجمع بين الروايتين: أنَّ التي صلاها مع النبي العصر، مر على قوم من الأنصار في تلك الصلاة؛ وهي العصر، فهذا رواية البراء، وأما رواية ابن عمر وأنس: أنَّها الصبح؛ فهي صلاة أهل قباء ثاني يوم، ومال بعض المتأخِّرين إلى ترجيح رواية الصبح؛ لأنَّها جاءت عن صحابيَّين، لكن الصواب أنَّها العصر؛ كما أوضحه في «عمدة القاري».

((وصلى معه)) ؛ أي: مع النبي الأعظم عليه السلام ((قومٌ)) مرفوع فاعل؛ وهو موضوع للرجال دون النساء، ولا واحد له من لفظه، وقد تدخلن النساءُ فيه على سبيل التبَع، ((فخرج رجل ممن صلى معه)) ؛ وهو عبَّاد بن بشر بن قيظي، أو عباد بن نَهِيك-بفتح النون وكسر الهاء- ابن أساف الخطمي، أو عباد بن وهب؛ وهي أقوالٌ ثلاثةٌ، أصحها أوسطها، ((فمر على أهل مسجد)) من بني سلمة، ويعرف الآن بمسجد القبلتين في صلاة العصر ((وهم راكعون)) يَحتمل أن يراد حقيقة الركوع، وأن يراد به الصلاة؛ من إطلاق الجزء وإرادة الكل، قلت: والظاهر الأول، ((فقال)) لهم: ((أشهد)) أي: أحلف ((بالله؛ لقد صليت مع رسول الله)) وفي رواية: (مع النبي) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم قِبَل مكة)) ؛ أي: حال كونه متوجِّهًا إليها، واللام: للتأكيد، و (قد) للتحقيق، وجملة (أشهد) اعتراض بين القول ومقوله، ((فداروا)) ؛ أي: سمعوا كلامه فداروا، فالفاء فصيحة ((كما هم)) عليه ((قِبَل البيت)) الحرام، ولم يقطعوا الصلاة؛ بل أتموها إلى جهة الكعبة، فصلوا صلاة واحدة إلى جهتين.

وهذه الكاف تحتمل وجهين؛ الأول: أن تكون للاستعلاء؛ كما في نحو: كن كما أنت، والتقدير هنا: فداروا على ما هم عليه، وفي إعرابه أوجه؛ الأول: أن تكون (ما) موصولة، و (هم) مبتدأ، وخبره محذوف؛ وهو (عليه) ، الثاني: أن تكون (ما) زائدة ملغاة، والكاف زائدة، و (هم) ضمير مرفوع أنيب عن المجرور؛ كما [في] قولك: ما أنا كأنت، والمعنى: فداروا في الحال مماثلين لأنفسهم في الماضي، الثالث: أن تكون (ما) كافة، و (هم) مبتدأ، وحذف خبره؛ وهو (عليه) أو (كائنون) ، الرابع: أن تكون (ما) كافة أيضًا، و (هم) فاعل، والأصل: كما كانوا، ثم حذفت (كان) ؛ فانفصل الضمير، الوجه الثاني: أن تكون الكاف كاف المبادرة، والمعنى: فداروا مبادرين في حالهم التي هم عليها، والوجه الأول هو الأحسن، أفاده في «عمدة القاري»؛ وهو في غاية التحقيق،

وفيه دليل على جواز نسخ السنة بالكتاب؛ أي: القرآن، وبه قال إمامنا الإمام الأعظم وأصحابه والجمهور، وللشافعي فيه قولان، وكذا أحمد، وأجازه مالك.

وفيه دليل على جواز الاجتهاد بالقبلة؛ وهو مذهب الإمام الأعظم، وجواز الاجتهاد بحضرة الرسول، وفيه خلاف.

وفيه دليل على أنَّ من صلَّى بالاجتهاد إلى غير القبلة ثم تبين له الخطأ بعدما فرغ؛ لا يلزمه الإعادة؛ لأنَّه فعل ما عليه؛ لأنَّ أهل قباء فعلوا ما وجب عليهم عند ظنِّهم بقاء الأمر؛ فلم يؤمروا بالإعادة؛ وهو مذهب الإمام الأعظم.

وفيه جواز الصلاة الواحدة إلى جهتين؛ بل إلى أربع جهات، كمن صلى إلى جهة باجتهاد ثم تبدل اجتهاده إلى أخرى؛ يستدير... وهكذا حتى لو صلى أربع ركعات كل ركعة إلى جهة؛ فإنه جائز؛ وهو مذهب الإمام الأعظم، وبه قال الشافعي.

((وكانت اليهود قد أعجبهم)) أي: النبي الأعظم عليه السلام و (هم) منصوب على المفعولية؛ ((إذ كان)) عليه السلام ((يصلي قِبَل بيت المقدس)) ؛ أي: حال كونه متوجِّهًا إليه، و (إذ) ظرف بمعنى: حين) ، والمعنى: أعجب اليهود حين كان يصلي عليه السلام قِبَل بيت المقدس، و (إذ) إنَّما تقع بدلًا عن المفعول؛ كما في قوله: {إذ انتبذت} [مريم: 16] ، وهنا المفعول هو الضمير المنصوب؛ فلا يصح أن يكون بدلًا منه؛ لفساد المعنى، والضمير المستتر في (أَعجب) ؛ ضمير الفاعل؛ فافهم، والإضافة في (بيت المقدس) ؛ من إضافة الموصوف إلى صفته كـ (صلاة الأولى) ، والمشهور فيه الإضافة، وقد جاء على الصفة: (البيت المقدس) ، قال أبو علي: تقديره: بيت مكان الطهارة، ((وأهلُ الكتاب)) بالرفع عطفًا على اليهود؛ وهو من عطف العام على الخاص، وقال ركن الدين الكرماني: أو المراد بهم النصارى فقط، خاص عطف على خاص، قال ابن حجر: وفيه نظر؛ لأنَّ النصارى لا يصلُّون لبيت المقدس، فكيف يعجبهم؟ واعترضه الشيخ الإمام بدر الدين العيني: بأن الكرماني لما قال: المراد به: النصارى فقط؛ قال: وجعلوا تابعة؛ لأنَّهم لم يكن قبلتهم، بل إعجابهم كان بالتبعية لليهود، على أن نفس الحديث يشهد بإعجاب النصارى أيضًا؛ لأنَّ قوله: (وأهل الكتاب) إذا كان عطفًا على (اليهود) ؛ يكونون داخلين فيما وصف به اليهود، فالنصارى من جملة أهل الكتاب، فهم أيضًا داخلون فيه، والأظهر أن يكون (وأهلَ الكتاب) ؛ بالنصب على أن الواو فيه بمعنى (مع) ؛ أي: كان يصلي قِبَل بيت المقدس مع أهل الكتاب، وهذا وجه صحيح، ولكن يحتاج إلى تصحيح الرواية بالنصب، وفي هذا الوجه أيضًا يدخل فيه النصارى؛ لأنَّهم من أهل الكتاب، انتهى؛ وهو في غاية التحقيق؛ فليحفظ.

((فلما ولَّى)) عليه السلام ((وجهَه قِبَل البيت)) ؛ أي: أقبل عليه السلام وجهَه نحو الكعبة؛ ((أنكروا ذلك)) ؛ أي: أنكر أهل الكتاب توجيهه إليها، فعند ذلك نزلت: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ}... الآية [البقرة: 142] ؛ كما صرح به المؤلف في رواية من طريق إسرائيل.

((قال زهير)) بالتصغير؛ يعني: ابن معاوية: ((حدثنا أبو إسحاق)) يعني: الهمداني السبيعي، ((عن البراء)) بن عازب ((في حديثه هذا)) وفي رواية: (أبو إسحاق في حديثه عن البراء) : ((أنه مات على القبلة)) أي: المنسوخة ((قبل أن تحوَّل)) أي: قبل التحويل إلى الكعبة ((رجالٌ)) عشرة؛ منهم: عبد الله بن شهاب الزهري القرشي مات بمكة، والبراء بن معرور الأنصاري بالمدينة ((وقُتِلوا)) ؛ بضم أوله وكسر ثانيه.

وفائدة ذِكر القتل: بيان كيفية موتهم؛ إشعارًا بشرفهم، واستبعادًا لضياع طاعتهم، أو أن الواو بمعنى (أو) ؛ فيكون شكًّا؛ لكن القتل فيه نظر؛ فإن تحويل القبلة كان قبل نزول القتال، على أنَّ هذه اللفظة لا توجد في غير رواية زهير بن معاوية، وإنما يوجد في باقي الروايات ذكر الموت فقط، أفاده القسطلاني، قلت: احتمال الشك بعيد، ومراده أنه مات رجال وسبب موتهم كان القتل.[/ص24/] وقوله: إن التحويل كان قبل نزول القتال؛ لا ينافي ذكر القتال؛ لأنَّ القتال كان في جميع الأمم الماضية، وليس المعنى أنهم قُتلوا قصاصًا؛ بل في وقعة من الوقعات، وجُلُّ سؤال زهير عن هذا؛ فتأمل.

((فلم ندر ما نقول فيهم؛ فأنزل الله تعالى)) وفي رواية: (عز وجل) : (({وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143] )) بالقبلة المنسوخة أو صلاتكم إليها، وقال الكرماني: يَحتمل أن يكون المؤلف ذكر قول زهير معلقًا، واعترضه ابن حجر بأن المؤلف ساقه في (التفسير) موصولًا مع جملة الحديث، وردَّه الشيخ الإمام بدر الدين العيني بأنَّ صورته صورة تعليق، وأنَّه لا يلزم من سوقه في (التفسير) جملة واحدة أن يكون هذا موصولًا غير معلق، انتهى؛ فليحفظ.

وفي الحديث دليل على صحة نسخ الأحكام؛ وهو مجمع عليه، خلافًا لليهود، ووجوب الصلاة إلى القبلة، والإجماع على أنَّها الكعبة، وعلى شرف النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم وكرامتِه على ربه؛ حيث يعطي له ما يحبه من غير سؤال.