متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

39- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ)؛ بالطَّاء المُهمَلَة، والهاء المُشدَّدة المفتوحتين، ابن حسامٍ الأزديُّ البصريُّ، المُتوفَّى سنة أربعٍ وعشرين ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ)؛ يعني: ابن عطاءٍ، وعين «عُمر» مضمومةٌ، المقدميُّ البصريُّ، وكان يدلِّس تدليسًا شديدًا؛ يقول: حدَّثنا وسمعت، ثمَّ يسكت، ثمَّ يقول: هشامُ بن عروة، الأعمشُ، وتُوفِّي سنة تسعين ومئةٍ، (عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ)؛ [/ج1ص123/] بفتح الميم، وسكون العين المُهمَلة، واسمُ جدِّه معنٌ أيضًا (الْغِفَارِيِّ)؛ بكسر الغين المُعجَمة؛ نسبةً إلى «غِفارٍ» الحجازيِّ، فإن قلت: ما حكم رواية عمر بن عليِّ المدلِّس بالعنعنة عن معنٍ؟ أُجِيب: بأنَّها محمولةٌ على ثبوت سماعه من جهةٍ أخرى؛ كجميع ما في «الصَّحيحين» عن المدلِّسين، انتهى. (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) واسمه: كيسان (الْمَقْبُرِيِّ)؛ بفتح الميم، وضمِّ المُوحَّدة؛ نسبةً إلى مَقبُرة بالمدينة كان مجاورًا بها، المدنيِّ، أبي سعْدٍ _بسكون العين_ المُتوفَّى بعد اختلاطه بأربع سنين، سنة خمسٍ وعشرين ومئةٍ، وكان سماع معنٍ عن سعيدٍ قبل اختلاطه، وإلَّا لمَا أخرجه المؤلِّف، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنَّه (قَالَ: إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ)؛ أي: ذو يسرٍ، قال العينيُّ: وذلك؛ لأنَّ الالتئام بين الموضوع والمحمول شرطٌ، وفي مثل هذا لا يكون إلَّا بالتَّأويل، أو هو اليسر نفسُه؛ كقول بعضهم في النبي صلى الله عليه وسلم: إنَّه عين الرَّحمة، مستدِلًّا بقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلَّا رَحْمَةً لِلعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] ، كأنَّه لكثرة الرَّحمة المُودَعة فيه صار نفسها، والتَّأكيد بـ: «إنَّ» فيه ردٌّ [1] على منكر يسر هذا الدِّين، فإمَّا أن يكون المُخاطَب مُنكِرًا، أو على تقدير تنزيله منزلته، أو على تقدير المُنكِرِين غير المُخاطَبين، أو لكون القصَّة ممَّا يُهتَمُّ بها، (وَلَنْ يُشَادَّ هَذا)، كذا في «اليونينيَّة» بغير رقم [2] ، (الدِّينَ)، وللأَصيليِّ: ((ولن يشادَّ الدِّين)) (أَحَدٌ)؛ بالشِّين المُعجَمة، وإدغامِ سابقِ المثلين في لاحِقِه؛ من المُشادَّة؛ وهي المغالبة؛ أي: لا يتعمَّقُ أحدٌ في الدِّين ويترك الرِّفق (إِلَّا غَلَبَهُ) الدِّين، وعجز وانقطع عن عمله، كلِّه أو بعضِه، و«يشادَّ» منصوبٌ بـ: «لن»، و«الدِّين» نُصِبَ بإضمار الفاعل؛ أي: لن يشادَّ الدِّينَ أحدٌ، ورواه كذلك ابن السَّكن، وكذا هو في بعض روايات الأَصيليِّ كما نبَّهوا عليه، ووجدته في «فرع اليونينيَّة»، وحكى صاحب «المطالع»: أنَّ أكثر الرِّوايات برفع «الدِّينُ»، على أنَّ «يُشَادَّ» مبنيُّ لِمَا لم يُسمَّ فاعله، وتعقَّبه النَّوويُّ: بأنَّ أكثر الرِّوايات بالنَّصب، وجمع بينهما الحافظ ابن حجرٍ بالنِّسبة إلى روايات المغاربة والمشارقة، ولابن عساكرَ: ((ولن يُشادَّ هذا الدِّين [3] إلَّا غلبه))، وله أيضًا: ((ولن يُشادَّ هذا الدينَ أحدٌ إلَّا غلبه))، (فَسَدِّدُوا) _بالمُهمَلة_ من السَّداد؛ وهو التَّوسُّط في العمل؛ أي: الزموا السَّداد من غير إفراطٍ ولا تفريطٍ، (وَقَارِبُوا) في العبادة، وهو بالمُوحَّدة؛ أي: إن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل؛ فاعملوا بما يقرب منه، (وَأَبْشِرُوا)؛ بقطع الهمزة، من الإبشار، وفي لغةٍ: بضمِّ الشِّين؛ من البشرى بمعنى الإبشار؛ أي: أبشروا بالثَّواب على العمل وإن قلَّ [4] ، وأبهم المبشَّر به؛ للتَّنبيه على تعظيمه وتفخيمه، وسقط لغير أبي ذَرٍّ لفظ: ((وأبشروا))، (وَاسْتَعِينُوا) من الإعانة (بِالْغَدْوَةِ)؛ سير أوَّل النَّهار إلى الزَّوال، أو ما بين صلاة الغداة وطلوع الشَّمس، كالغداة والغدية، (وَالرَّوْحَةِ): اسمٌ للوقت من زوال الشَّمس إلى اللَّيل، وضبطهما الحافظ ابن حجرٍ _كالزَّركشيِّ والكرمانيِّ_ بفتح أوَّلهما، وكذا البرماويُّ، وهو الذي في «فرع اليونينيَّة»، وضبطه العينيُّ بضمِّ أوَّل الغُدوة وفتح أوَّل الثَّاني، قلت: وكذا ضبطه ابن الأثير، وعبارته: و«الغُدوة»؛ بالضَّمِّ: ما بين صلاة الغداة وطلوع الشَّمس [5] ، ثمَّ عطف على السَّابق قوله: (وَشَيْءٍ)؛ أي: واستعينوا بشيءٍ (مِنَ الدُّلْجَةِ) _بضمِّ الدَّال المُهمَلة وإسكان اللَّام_ سير آخر اللَّيل أو اللَّيل كلِّه، ومن ثمَّ عبَّر بالتَّبعيض، ولأنَّ عمل اللَّيل أشقُّ [6] من عمل النَّهار، وفي هذا استعارة «الغدوة» و«الرَّوحة» و«شيءٍ من الدُّلجة» لأوقات النَّشاط وفراغ القلب للطَّاعة، فإنَّ هذه الأوقات أطيبُ أوقات المسافر، فكأنَّه صلى الله عليه وسلم خاطب مسافرًا إلى مقصده، فنبَّهه على أوقات نشاطه؛ لأنَّ المسافر إذا سافر اللَّيل والنَّهار جميعًا؛ عجز وانقطع، وإذا تحرَّى السَّير في هذه الأوقات المنشطة؛ أمكنته المُداوَمَة من غير مشقَّةٍ، وحسَّن هذه الاستعارة: أنَّ الدُّنيا في الحقيقة دار نقلةٍ إلى الآخرة، وأنَّ هذه الأوقات بخصوصها أروح ما يكون فيها البدن للعبادة.

ورواة هذا الحديث ما بين مدنيٍّ وبصريٍّ، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرج المؤلِّف طرفًا منه في «الرِّقاق» [خ¦6463] ، وأخرجه النَّسائيُّ.

ولمَّا كانت الصَّلوات الخمس أفضلُ طاعات البدن، وهي تُقَام في هذه الأوقات الثَّلاث، فالصُّبح في الغدوة، والظُّهر والعصر في الرَّوحة، والعشاءان في جزء الدُّلجة عند من [/ج1ص124/] يقول: إنَّها سير اللَّيل كلِّه؛ عقَّب المصنِّف هذا الباب بذكر «الصَّلاة من الإيمان»، فقال:

[1] في (ب) و(ص): «ردًّا».
[2] قوله: «كذا في «اليونينيَّة» بغير رقم»، سقط من (م).
[3] «هذا الدين»: سقط من (س).
[4] «وإن قلَّ»: سقط من (س).
[5] في (م): «التالي».
[6] في (ب) و(س): «أشرف».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

39-. حدَّثنا عَبْدُ السَّلامِ بنُ مُطَهَّرٍ، قالَ: حدَّثنا عُمَرُ بنُ عَلِيٍّ، عن مَعْنِ بنِ مُحَمَّدٍ الغِفارِيِّ، عن سَعِيدِ بنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ:

عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشادَّ [1] الدِّينَ [2] إِلَّا غَلَبَهُ [3] ، فَسَدِّدُوا وَقارِبُوا، وَأَبْشِرُوا [4] ، واسْتَعِينُوا بِالغَدْوَةِ والرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ».

[1] بهامش اليونينية بدون رقم زيادة: «هذا» كتبت بالحمرة. قارن بما في الإرشاد.
[2] في رواية الأصيلي زيادة: «أحدٌ».
[3] في رواية ابن عساكر: «ولن يُشادَّ إلَّا غَلَبه»، وكتب فوق «يُشادَّ»: (كذا)، وفي حاشيته ورواية كريمة: «ولن يُشادَّ هذا الدينَ أحدٌ إِلَّا غَلَبَهُ».
[4] صحَّح عليها في اليونينيَّة، ولفظة: «وأبشروا» ثابتة في رواية أبي ذر أيضًا (ب، ص).





39- ( عَبْدُ السَّلاَمِ بنُ مُطَهَّرٍ ) بفتح الهاء المشددة.

( الْغِفَارِيِّ ) بغين معجمة مكسورة نسبة لجدِّه غِفار بن مُلَيكة [1] .

( الْمَقْبُرِيِّ ) بميم مفتوحة وقاف ساكنة ثم باء موحدة مضمومة ومفتوحة؛ لأنَّه كان يسكن المقابر، ويقال: بل نزل بناحيتها.

( الدِّينَ يُسْرٌ ) بضم السين وإسكانها: نقيض العسر، أي: ذو يسر.

( أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ ) قلت: أسنده أبو بكر بن أبي شيبة [2] ، ووجهُ إيراده هنا أن السماحة تيسير الأمر على المسامح، ومقصوده من الترجمة أن الدين يقع على الأعمال؛ لأن الذي يتَّصف باليسر والعسر إنَّما هي الأعمال دون التصديق؛ ولذلك قال: «وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ»، وهي سير الليل كله؛ لأن العمل بالليل كلِّه يشقُّ على الإنسان. [/ج1ص38/]

( لَنْ يُشَادَّ الدِّينَ إِلَّا غَلَبَهُ ) كذا رواه الجمهور من غير لفظ ( أحد ) وأثبتها ابن السكن، و( الدين ) منصوب على هذا، وأما على الأول فضبطه كثير بالنصب على إضمار الفاعل في ( يشاد ) للعلم به، وبالرفع؛ قال صاحب «المطالع»: وهو الأكثر على البناء لما لم يُسَمَّ فاعله.

وقال النووي: الأكثر في ضبط بلادنا النصب، ومعناه: يغلب مَن شاده. والمشادة بالشين المعجمة والدال المهملة: المغالبة.

( الغدوة والروحة ): بفتح أولهما.

( الدُّلْجَةِ ) بضم الدال وإسكان اللام، كذا الرواية، ويجوز فتحها لغة، ويقال: بفتح اللام، وهي بالضم سير آخر الليل، وبالفتح سير أوله.

[1] قال ابن حجر رحمه الله: هو بلامين، يعني بلا هاء.
[2] قال ابن حجر رحمه الله: نسبتُه لمسندِ أحمد أقربُ وأسهلُ مأخذًا.





39# (مُطَهَّرٍ) بتشديد الهاء وفتحها.

(الْغِفَارِيِّ) بغين معجمة مكسورة [1] ، نسبة لجدِّه [2] غفار.

(الْمَقْبُرِيِّ) بفتح الباء الموحدة وضمها [3] ؛ لأنه كان يسكنُ المقابر، وقيل: بل نزل بناحيتها.

(أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ) لم يُسنده؛ لأنه ليس على شرطه، وساق معناه في الحديث الذي خرجه في الباب، وأسنده ابن أبي شيبة.

ومقصود البخاري من هذه الترجمة: أن الدين يقع على الأعمال؛ لأن الذي يتصف بالعُسْر واليُسْر [4] إنما هي الأعمال دون التَّصديق، ولذلك قال:

(وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ) وهي سيرُ الليل [5] كله؛ لأنَّ استغراقَ الليل كله بالعمل شاقٌّ على النُّفوس.

وحمل ابن المنيِّر الغدوةَ والروحةَ عليهما في سبيلِ الله وقتًا من الأوقات، قال: والظَّاهر أن الدُّلجة قيام السَّحر، والله أعلم.

وهذه كلُّها فضلات عن الأعمال الواجبة، ولهذا قال: ((استعينوا بها))؛ أي: بشيء من النوافل.

(وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ [6] إِلَّا غَلَبَهُ) كذا للجمهور، ولابن السكن إثبات لفظ [7] : <أحد> على أنه فاعل، و((الدينَ)) مفعول به.

وأما على الأول، فكثيرٌ [8] ضبطَ

@%ج1ص57%

((الدينَ)) بالنصب على أن الفعلَ مبنيٌّ للمعلوم، والفاعلُ مضمَرٌ يعود على ما يُفهم من السياق.

وبعضُهم ضبطه بالرَّفع على أن الفعل مبني للمجهول، والمرفوعُ [9] نائبٌ عن الفاعل، والضميرُ المنصوب مِن ((غلبه)) إما أن يعود إلى الفاعل الذي يدلُّ عليه السياق، أو إلى المصدر المفهوم من ((غلب))، مثل:

~هذا سُراقَةُ للقرآنِ يَدْرُسُهُ

والمشادة: بالشين المعجمة فالدال [10] المهملة: المغالبة [11] .

[1] في (ق): ((بكسر الغين المعجمة)).
[2] في (م): ((جده)).
[3] في (ق): ((وبضمها)).
[4] في (ق): ((باليسر والعسر)).
[5] في (ق): ((سير الإبل الليل)).
[6] في (د): ((الدين أحد)).
[7] في (د): ((لفظ إثبات)).
[8] في (ق): ((فكثر)).
[9] في (د): ((والمفعول)).
[10] في (ق): ((والدال)).
[11] في (ق): ((الغالبة)).





39- قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ): هو بالطَّاء المهملة، ثُمَّ هاء مشدَّدة مفتوحتين، اسمُ مفعولٍ.

قوله: (الْغِفَارِيِّ): هو بكسر الغين المعجمة، [نسبة] إلى غِفار؛ قبيلةٌ معروفةٌ.

قوله: (الْمَقْبرِيِّ): هو بضمِّ الباء، وتُفتح أيضًا، وحَكى ابنُ مالكٍ في «المثلَّث» كسرَها، نسبة إلى المقابر، فأهلُ الكوفة يفتحون، وأهلُ المدينة يضمُّون، قيل: لأنَّه كان يأْلَفُ المقبرة، وقيل: بل نزل بساحتها، ويقال: إنَّ عمرَ بنَ الخطَّاب رضي الله عنه جعله على حفر القبور.

قوله: (يُسرٌ): هو بإسكان [1] السِّين وضمِّها، وهو نقيضُ العُسر، ومقصودُ الترجمة: أنَّ الدِّينَ يقعُ على الأعمال؛ لأنَّ الذي يتَّصفُ باليُسر والعُسر [2] إنَّما هي الأعمال دون التصديق، ولهذا [3] قال: «وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ»؛ وهي سيرُ اللَّيل كلِّه؛ لأنَّ العملَ باللَّيلِ كلِّه [4] يشقُّ على الإنسان.

قوله: (وَلَنْ يُشَادَّ الدِّين إِلَّا غَلَبَهُ): كذا في أصلِنا، وكذا وقعَ للجمهورِ مِن غيرِ لفظةِ (أَحَدٌ) ، وأثبتَها ابنُ السَّكَن، وهو ظاهرٌ، فعلى ما رواه ابنُ السَّكَن؛ يكون (الدِّينَ) منصوبًا، و (أَحَدٌ) فاعلٌ، وأمَّا على حذفِها؛ فرُوِيَ: بنصب (الدِّينَ) ، وهو ضبطُ أكثر أهلِ الشَّام على إضمارِ الفاعلِ في (يُشَادَّ) ؛ للعلم به، ورفعُه هو روايةُ الأكثر، وهو مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، وقال النَّوويُّ في «رياضه»: («الدِّينُ»: مرفوعٌ على ما لَمْ يُسَمَّ فاعلُه، ورُوِيَ: «لن يُشادَّ الدينَ أحدٌ») انتهى، والمشادَّةُ؛ بتشديد الدَّال المهملة: المغالبةُ.

قوله: (غَلَبَهُ): أي: إلَّا غلبَ الدِّينُ المشادَّ.

قوله: (وَأَبْشِرُوا): هو بفتح الهمزة رُباعيٌّ.

قوله: (بِالْغَدْوَةِ): هي بفتح الغين: السَّيرُ مِنْ أوَّلِ النَّهار، وهي المرَّة الواحدة مِنَ الغُدوِّ، وأمَّا بالضمِّ؛ فهي ما بين صلاة الغَداة وطلوعِ الشَّمس.

قوله: (وَالرَّوْحَةِ): هي بفتح الرَّاء؛ وهي سيرُ آخرِ النَّهار.

قوله: (الدُّلْجَةِ): هي بضمِّ الدَّال المهملة، وإسكان اللام، كذا الرِّوايةُ، ويجوزُ في اللُّغة كما قاله شيخُنا الشَّارح: (فتح الدَّال، ويجوُز فتح اللَّام أيضًا) انتهى، وفي «المطالع» في قوله: «عَلَيْكُمْ بِالدُّلْجَةِ» اللُّغات الثَّلاث، وفي «النِّهاية» في قوله: «عَلَيْكُمْ بِالدُّلْجَةِ»: (هو سيرُ الليل، يُقَال: أدلج _ بالتَّخفيف- إذا سار مِنْ أوَّلِ الليل، وادَّلَج _ بالتَّشديد-إذا سار مِن آخرِه، والاسمُ منه: الدُّلْجَةُ والدَّلْجَةُ؛ بالضمِّ والفتح) انتهى، وللُّغويِّين خلافٌ في ذلك ليس هذا موضعَه.

والمرادُ بالحديث: الحثُّ على ملازمة الرِّفقِ في الأعمال، والاقتصار على ما يُطيقه العامل ويُمكنه، وأنَّ مَن شادَّ وتعمَّق؛ انقطع.

[1] في (ج): (بضم) .
[2] في (ب): (بالعسر واليسر) .
[3] في (ب): (وبهذا) .
[4] (كله): ليست في (ب) .





39- (إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ): قال الطِّيبيُّ: («يُسْرٌ»: خبرُ «إِنَّ»، مصدرٌ وَضِعَ موضعَ اسمِ المفعولِ مبالغةً، والتَّنكيرُ فيهِ للتَّقليلِ؛ كما في: «وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ»).

(وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ): في رواية ابن السَّكن: (أَحَدٌ)، فعلى هذه الرِّواية يكونُ (الدِّينَ) منصوبًا، و (أَحَدٌ) فاعلًا.

وأمَّا على حذفِها؛ فرُويَ بنصْبِ (الدِّين) على إضمارِ الفاعلِ في (يُشَادَّ) للعلمِ به، ورفْعِه [1] ؛ هو مبنيٌّ [2] لما لم يسمَّ فاعلُه.

وقال صاحب «المطالع»: (وهو الأكثرُ بالرَّفع على بناء «يُشَادَّ» للمفعول).

قال النَّوويُّ: (الأكثرُ في بلادنا بالنَّصبِ) [3] .

(فَسَدِّدُوا): الفاءُ جوابُ شرطٍ محذوفٍ؛ يعني: إذا [4] بيَّنتُ لكم ما في المشادَّةِ مِنَ الوَهَنِ في العزيمةِ والفترةِ عنِ العملِ فسَدِّدُوا.

[1] أي: رفع (الدين).
[2] ولعل الأوضح بالعبارة: وبرفعه على البناء لما...
[3] «التلخيص شرح الجامع الصحيح» (ص133)، قال العيني في «العمدة» (1/238): (والتوفيق بين كلاميهما: بأن يُحملَ كلامُ «المطالع» على رواية المغاربة، وكلامُ النوويِّ على رواية المشارقة).
[4] في النسختين: (إذْ)، والمثبت من «الكاشف».





39- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ)؛ بالطَّاء المُهمَلَة، والهاء المُشدَّدة المفتوحتين، ابن حسامٍ الأزديُّ البصريُّ، المُتوفَّى سنة أربعٍ وعشرين ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ)؛ يعني: ابن عطاءٍ، وعين «عُمر» مضمومةٌ، المقدميُّ البصريُّ، وكان يدلِّس تدليسًا شديدًا؛ يقول: حدَّثنا وسمعت، ثمَّ يسكت، ثمَّ يقول: هشامُ بن عروة، الأعمشُ، وتُوفِّي سنة تسعين ومئةٍ، (عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ)؛ [/ج1ص123/] بفتح الميم، وسكون العين المُهمَلة، واسمُ جدِّه معنٌ أيضًا (الْغِفَارِيِّ)؛ بكسر الغين المُعجَمة؛ نسبةً إلى «غِفارٍ» الحجازيِّ، فإن قلت: ما حكم رواية عمر بن عليِّ المدلِّس بالعنعنة عن معنٍ؟ أُجِيب: بأنَّها محمولةٌ على ثبوت سماعه من جهةٍ أخرى؛ كجميع ما في «الصَّحيحين» عن المدلِّسين، انتهى. (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) واسمه: كيسان (الْمَقْبُرِيِّ)؛ بفتح الميم، وضمِّ المُوحَّدة؛ نسبةً إلى مَقبُرة بالمدينة كان مجاورًا بها، المدنيِّ، أبي سعْدٍ _بسكون العين_ المُتوفَّى بعد اختلاطه بأربع سنين، سنة خمسٍ وعشرين ومئةٍ، وكان سماع معنٍ عن سعيدٍ قبل اختلاطه، وإلَّا لمَا أخرجه المؤلِّف، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنَّه (قَالَ: إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ)؛ أي: ذو يسرٍ، قال العينيُّ: وذلك؛ لأنَّ الالتئام بين الموضوع والمحمول شرطٌ، وفي مثل هذا لا يكون إلَّا بالتَّأويل، أو هو اليسر نفسُه؛ كقول بعضهم في النبي صلى الله عليه وسلم: إنَّه عين الرَّحمة، مستدِلًّا بقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلَّا رَحْمَةً لِلعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] ، كأنَّه لكثرة الرَّحمة المُودَعة فيه صار نفسها، والتَّأكيد بـ: «إنَّ» فيه ردٌّ [1] على منكر يسر هذا الدِّين، فإمَّا أن يكون المُخاطَب مُنكِرًا، أو على تقدير تنزيله منزلته، أو على تقدير المُنكِرِين غير المُخاطَبين، أو لكون القصَّة ممَّا يُهتَمُّ بها، (وَلَنْ يُشَادَّ هَذا)، كذا في «اليونينيَّة» بغير رقم [2] ، (الدِّينَ)، وللأَصيليِّ: ((ولن يشادَّ الدِّين)) (أَحَدٌ)؛ بالشِّين المُعجَمة، وإدغامِ سابقِ المثلين في لاحِقِه؛ من المُشادَّة؛ وهي المغالبة؛ أي: لا يتعمَّقُ أحدٌ في الدِّين ويترك الرِّفق (إِلَّا غَلَبَهُ) الدِّين، وعجز وانقطع عن عمله، كلِّه أو بعضِه، و«يشادَّ» منصوبٌ بـ: «لن»، و«الدِّين» نُصِبَ بإضمار الفاعل؛ أي: لن يشادَّ الدِّينَ أحدٌ، ورواه كذلك ابن السَّكن، وكذا هو في بعض روايات الأَصيليِّ كما نبَّهوا عليه، ووجدته في «فرع اليونينيَّة»، وحكى صاحب «المطالع»: أنَّ أكثر الرِّوايات برفع «الدِّينُ»، على أنَّ «يُشَادَّ» مبنيُّ لِمَا لم يُسمَّ فاعله، وتعقَّبه النَّوويُّ: بأنَّ أكثر الرِّوايات بالنَّصب، وجمع بينهما الحافظ ابن حجرٍ بالنِّسبة إلى روايات المغاربة والمشارقة، ولابن عساكرَ: ((ولن يُشادَّ هذا الدِّين [3] إلَّا غلبه))، وله أيضًا: ((ولن يُشادَّ هذا الدينَ أحدٌ إلَّا غلبه))، (فَسَدِّدُوا) _بالمُهمَلة_ من السَّداد؛ وهو التَّوسُّط في العمل؛ أي: الزموا السَّداد من غير إفراطٍ ولا تفريطٍ، (وَقَارِبُوا) في العبادة، وهو بالمُوحَّدة؛ أي: إن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل؛ فاعملوا بما يقرب منه، (وَأَبْشِرُوا)؛ بقطع الهمزة، من الإبشار، وفي لغةٍ: بضمِّ الشِّين؛ من البشرى بمعنى الإبشار؛ أي: أبشروا بالثَّواب على العمل وإن قلَّ [4] ، وأبهم المبشَّر به؛ للتَّنبيه على تعظيمه وتفخيمه، وسقط لغير أبي ذَرٍّ لفظ: ((وأبشروا))، (وَاسْتَعِينُوا) من الإعانة (بِالْغَدْوَةِ)؛ سير أوَّل النَّهار إلى الزَّوال، أو ما بين صلاة الغداة وطلوع الشَّمس، كالغداة والغدية، (وَالرَّوْحَةِ): اسمٌ للوقت من زوال الشَّمس إلى اللَّيل، وضبطهما الحافظ ابن حجرٍ _كالزَّركشيِّ والكرمانيِّ_ بفتح أوَّلهما، وكذا البرماويُّ، وهو الذي في «فرع اليونينيَّة»، وضبطه العينيُّ بضمِّ أوَّل الغُدوة وفتح أوَّل الثَّاني، قلت: وكذا ضبطه ابن الأثير، وعبارته: و«الغُدوة»؛ بالضَّمِّ: ما بين صلاة الغداة وطلوع الشَّمس [5] ، ثمَّ عطف على السَّابق قوله: (وَشَيْءٍ)؛ أي: واستعينوا بشيءٍ (مِنَ الدُّلْجَةِ) _بضمِّ الدَّال المُهمَلة وإسكان اللَّام_ سير آخر اللَّيل أو اللَّيل كلِّه، ومن ثمَّ عبَّر بالتَّبعيض، ولأنَّ عمل اللَّيل أشقُّ [6] من عمل النَّهار، وفي هذا استعارة «الغدوة» و«الرَّوحة» و«شيءٍ من الدُّلجة» لأوقات النَّشاط وفراغ القلب للطَّاعة، فإنَّ هذه الأوقات أطيبُ أوقات المسافر، فكأنَّه صلى الله عليه وسلم خاطب مسافرًا إلى مقصده، فنبَّهه على أوقات نشاطه؛ لأنَّ المسافر إذا سافر اللَّيل والنَّهار جميعًا؛ عجز وانقطع، وإذا تحرَّى السَّير في هذه الأوقات المنشطة؛ أمكنته المُداوَمَة من غير مشقَّةٍ، وحسَّن هذه الاستعارة: أنَّ الدُّنيا في الحقيقة دار نقلةٍ إلى الآخرة، وأنَّ هذه الأوقات بخصوصها أروح ما يكون فيها البدن للعبادة.

ورواة هذا الحديث ما بين مدنيٍّ وبصريٍّ، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرج المؤلِّف طرفًا منه في «الرِّقاق» [خ¦6463] ، وأخرجه النَّسائيُّ.

ولمَّا كانت الصَّلوات الخمس أفضلُ طاعات البدن، وهي تُقَام في هذه الأوقات الثَّلاث، فالصُّبح في الغدوة، والظُّهر والعصر في الرَّوحة، والعشاءان في جزء الدُّلجة عند من [/ج1ص124/] يقول: إنَّها سير اللَّيل كلِّه؛ عقَّب المصنِّف هذا الباب بذكر «الصَّلاة من الإيمان»، فقال:

[1] في (ب) و(ص): «ردًّا».
[2] قوله: «كذا في «اليونينيَّة» بغير رقم»، سقط من (م).
[3] «هذا الدين»: سقط من (س).
[4] «وإن قلَّ»: سقط من (س).
[5] في (م): «التالي».
[6] في (ب) و(س): «أشرف».





39- ( عُمَرُ بن عَلِيٍّ ): وهو المُقَدَّمي، شديد التَّدليس، وقد صرَّح بالسَّماع من طريقٍ عند ابن حبَّان.

( وَلَنْ يُشَادَّ / الدِّينَ ) بالنَّصب وإضمار الفاعل للعلم به، وصرَّح به في رواية ابن السَّكن وبعض الرِّوايات عن الأَصِيلي فقال: «أحدٌ»، وروي على حذفه برفع «الدِّين» أيضًا على البناء للمفعول.

والمشادَّة: المغالبة، والمعنى: لا يتعمَّقُ أحدٌ في الأعمال الدِّينيَّة ويترك الرِّفق إلَّا عَجَزَ وانقطعَ، فيُغلَب. [/ج1ص192/]

( فَسَدِّدُوا ) أي: ألزموا السَّدَاد، وهو الصَّواب من غير إفراط ولا تفريط.

قال أهل اللُّغة: السَّداد التَّوسُّط في العمل.

( وَقَارِبُوا ) أي: إن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل فاعملوا بما يقرُب منه.

( وَأَبْشِرُوا ) أي: بالثَّواب على العمل الدَّائم وإن قلَّ.

( وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ ) هي بالفتح: سير أوَّل النَّهار.

( وَالرَّوْحَةِ ) بالفتح: السَّير بعد الزَّوال.

( وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ ) بالضَّمِّ: سير آخر اللَّيل، استعارة حسنة، أي: استعينوا على مداومة العبادات بإيقاعها في أوقات النَّشاط.

وهذه الأوقات أطيب أوقات المسافر وأنشطها للسَّير، فكأنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم خاطب مسافرًا إلى مقصده فنبَّهه على أوقات نشاطه؛ لأنَّ المسافر إذا سار اللَّيل والنَّهار جميعًا عجز وانقطع، فإذا تحرَّى السَّيرَ في هذه الأوقاتِ النَّشيطةِ أمكنته المداومة من غير مشقَّة.

وحسَّنَ هذه الاستعارة أنَّ الدُّنيا في الحقيقة دارُ نقلة إلى الآخرة، وأنَّ هذه الأوقات بخصوصها أروح ما يكون البدن فيها للعبادة. [/ج1ص193/]


16/39# قال أبو عبد الله: حدَّثني عَبْدُ السَّلامِ بنُ مُطَهَّرٍ [1] ، قَالَ: حدَّثنا عُمَرُ بنُ عَلِيٍّ، عن مَعْنِ بنِ مُحَمَّدٍ الغِفارِيِّ، عن سَعِيدِ بنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ [2] :

عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ هذا [3] الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشادَّ هذا [4] الدِّينَ أحدٌ [5] إلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقارِبُوا، وَأَبْشِرُوا [6] ،

@%ص31%

واسْتَعِينُوا [7] بِالغَدْوَةِ والرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ».

معنى هذا الكلام: الأمر بالاقتصاد في العبادة، وتركُ الحمل منها على النفس ما يَؤُودُها [8] ويُثقلُها.

يقول: إنَّ اللهَ عز وجل لم يتعبَّد خلقَه بأن يَنصَبُوا [9] آناءَ الليل والنهار، ولا يفتروا ولا يستريحوا أبداً، إنَّما أوجب عليهم وظائف الطاعات في وقت دون وقت، تيسيراً منه ورحمةً، فعليكم بالسَّداد، ولا تكلِّفوا أنفسكم مالا تُطيقونه، واخْلطوا طرف الليل بطرف بالنهار، وأجمُّوا [10] أنفسكم فيما بينهما؛ لئلَّا يتَقَطَّعَ بكم.

و (الدُّلْجة) والدَّلج [11] : سَير الليل؛ إلَّا أنَّهم قالوا: أدلجَ الليل؛ إذا سار أوَّلَ الليلِ. وادَّلجَ: إذا سار آخره [12] .

[1] في (أ): (حدثنا أبو عبد الله عبد السلام بن مطهر).
[2] في (ر) و (م): (المقري) مصحفاً.
[3] قوله: (هذا) زيادة من النسخ الفروع.
[4] (هذا) سقطت من (ط).
[5] قوله: (أحد) زيادة من (ط)، وفي (أ) و (ف): (ولن يشاد أحد الدين).
[6] في (ط): (واسترو) .
[7] في (ط): (واستعتبوا).
[8] في (ط): (ما يردها).
[9] في (ط): (ينصتوا).
[10] في (ط): (واحهوا).
[11] قوله: (والدلج) زيادة من (ط).
[12] في (أ): (في آخره)، وفي (ر): (من آخره).





39 - حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلاَمِ بْنُ مُطَهَّرٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الغِفَارِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ [1]: (( الدِّينُ [2] يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا [3]، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ)).

الشرح:

أما (أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه) فسبق بيانه.

وأما (سَعِيدِ) فهو أبو سعد - بإسكان العين - سعيد [4] بن أبي سعيد المقبري المدني، واسم أبي سعيد كَيْسان [5]، ويقال- بضم الباء وفتحها- منسوب إلى مَقْبُرة بمدينة [6] رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كان مجاورًا لها، وقيل: كان منزله عند المقابر وهو بمعنى الأول، وقيل: جعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه على حفر القبور، فلذلك [7] قيل له: المقبري، حكاه إبراهيم الحربي وغيره، ويحتمل أنه اجتمع فيه الأمران: كان على حفرها، ونازلًا عندها.

والمقبري صفة لأبي سعيد، وكان مكاتبًا لامرأة من بني ليث بن بكر.

سمع سعيدٌ [8] جماعةً

#%ص164%

من الصحابة منهم: ابن عمر، وأبو هريرة، وأبو سعيد، وأبو شريح، وخلائق من التابعين، منهم: أبوه.

روى عنه: أبو حازم سلمة، ومحمد بن عجلان، وعبيد [9] الله العمري [10]، ويحيى الأنصاري، وهم من التابعين، وخلائق من الأعلام منهم: مالك بن أنس، والليث، وابن أبي ذئب، وشعبة، وآخرون.

وأما (مَعْنِ) فهو معنُ بنُ محمدِ بنِ معنِ بن فَضَلَةَ، الغفاري الحجازي.

سمع جماعة، وسمع منه جماعة منهم: ابن جريج.

وأما (عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ) فهو أبو حفصٍ عمرُ بنُ عليِّ بن عطاء بن مقدم، المقدمي البصري.

سمع جماعات من التابعين منهم: هشام بن عروة، وإسماعيل بن أبي خالد، وأبو حازم سلمة، وموسى بن عقبة.

روى عنه: خلائق من الأعلام منهم: ابنه عاصم، وعمرو بن علي، ويحيى بن يحيى، وعفان، وسليمان بن حرب، وآخرون، وكان مدلسًا, قال ابن سعد: كان ثقة، ويدلس تدليسًا شديدًا.

وقال عفان: كان رجلًا صالحًا، ولم يكونوا ينقمون منه إلا التدليس.

توفي سنة تسعين ومائة، وقيل: سنة ثنتين وتسعين.

وأما (عَبْدُ السَّلامِ) فهو أبو ظَفَر [11] - بفتح الظاء [12] المعجمة والفاء - عبدُ السَّلَامِ بنُ مُطَهَّرٍ - بضم الميم وفتح الطاء المهملة وفتح الهاء المشددة - ابن حسام بن مِصَكّ - بكسر الميم وفتح الصاد المهملة وتشديد الكاف - ابن ظالم بن شيطان، الأزدي البصري.

روى عن جماعة [13] من الأعلام منهم: شعبة، وسليمان بن المغيرة، وجرير بن حازم.

روى عنه الأعلام منهم: البخاري، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو داود، وابن أبي خيثمة.

توفي في رجب [14] سنة أربع وعشرين [15] ومائتين، رحمه الله تعالى.

[16]قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (الدِّينُ يُسْرٌ) أي: ذو يسر، كما قال الله تعالى: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } [الحج: 78] وقال تعالى: { وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ } [الأعراف: 157].

قال أهل اللغة: اليُسْر واليُسُر - بإسكان السين وضمها - وهو نقيض العسر، ومعناه التخفيف.

وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ إِلَّا غَلَبَهُ) هكذا وقع لجمهور الرواة في جمهور النسخ: ( وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ إِلَّا غَلَبَهُ) من غير لفظة (أحد).

قال صاحب «المطالع»: ورواه ابن

#%ص165%

السكن: (وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ) بإثبات (أحد) وهذا ظاهر المعنى، والدينَ على هذا منصوب، وأما على رواية الجمهور: فروي بنصب الدين ورفعه، فنصبه هو الأكثر في ضبط أهل بلادنا، والرفع حكاه صاحب «المطالع» عن رواية الأكثرين، وعلى هذا هو مبني لما لم يُسَمَّ فاعله، وعلى رواية النصب أُضْمِرَ الفاعلُ في يشادَّ للعلم به.

قال أهل اللغة: المشادة المغالبة، يقال: شادَّه يشادَّه مشادَّة إذا غالبه وقاواه، ومعناه: لا يتعمق أحد في الدين ويترك [17] الرفق إلا غلبه الدين، وعجز ذلك المتعمق وانقطع عن عمله كله أو بعضه.

ومعنى هذا الحديث، كالأبواب قبله: أن [18] الدين اسم يقع على الأعمال، والدين والإيمان والإسلام [19]بمعنى.

والمراد بالحديث: الحث على ملازمة الرفق [20] في الأعمال، والرفق [21] والاقتصار على ما يطيقه العامل ويمكنه الدوام [22] عليه، وأن من شاد الدين وتعمق انقطع وغلبه الدين وقهره، ثم أكد صلَّى الله عليه وسلَّم هذا المعنى فقال: (سَدِّدُوا وَقَارِبُوا ) أي: الزموا السداد، وهو الصواب، وقاربوا في العبادة. (وأَبْشِرُوا) أي: بالثواب على العمل وإن قل.

(وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ) وهي -بضم الدال- هكذا الرواية، ويجوز في اللغة فتحها أيضًا. ومعنى هذا الكلام: اغتنموا أوقات نشاطكم، وانبعاث نفوسكم للعبادة [23]، فإن الدوام لا تطيقونه، فاحرصوا على أوقات النشاط، واستعينوا بها على تحصيل السداد والوصول إلى المراد، كما أن المسافر إذا سار الليل والنهار عَجَزَ وانقطع عن مقصده، وإذا سار غدوة - وهي [24] أول النهار - وروحة - وهي آخر النهار - ودُلْجَةً - وهي آخر الليل - حصل له مقصوده بغير مشقة ظاهرة، وأمكنه الدوام على ذلك، وهذه الأوقات الثلاثة هي أفضل أوقات المسافر للسير، فاسْتُعِيْرَتْ هذه الأوقات لأوقات النشاط وفراغ القلب للطاعة، والله أعلم.

[1] قوله: ((قال)) ليس في (ك).
[2] في (ت): ((إن الدينَ)).
[3] قوله: ((وأبشروا)) ليس في (ك).
[4] في (ك): ((سعد)).
[5] في الأصل(ز) تصحيفًا: ((سيان)).
[6] في (ك): ((مدينة)).
[7] في (ع): ((ولذلك)).
[8] قوله: ((سعيد)) ليس في (ك).
[9] في (ك): ((وعبد)).
[10] في (ع): ((المعمري)).
[11] في (ت): (طفر)).
[12] في (ت): ((الطاء)).
[13] في (ع): ((جماعات)).
[14] قوله: ((في رجب)) ليس في (ع).
[15] في (ع): ((سنة أربعين)).
[16] زاد في (ك) و(ع): ((فصل)).
[17] في (ع): ((وترك)).
[18] في (ع): ((ثم)).
[19] في (ع): ((والإسلام والإيمان والدين)).
[20] في (ك): ((ملازمته بالرفق)).
[21] قوله: ((والرفق)) ليس في (ك).
[22] قوله: ((الدوام)) ليس في (ع).
[23] في (ك): ((إلى العبادة)).
[24] في (ك): ((وهو)).
#%ص166%





لا تتوفر معاينة

39# و(الغُدوة [1] ): السَّير أوَّل النَّهار إلى الزَّوال.

و(الرَّوْحَةِ): آخر النَّهار.

و(الدُّلْجَةِ): سير آخر اللَّيل [2] ، وبالفتح [سير الليل] [3] كلِّه [4] .

ومعنى الحديث: ملازمة [5] الرِّفق في الأعمال، والاقتصار على ما يطيقه [6] العامل ويمكنه المداومة عليه، [وأنَّ من شادَّ الدِّين وتعمَّق؛ انقطع] [7] وغلبه الدِّين وقهره.

قوله: (سَدِّدُوا): أي: اغتنموا أوقات نشاطكم وانبعاث نفوسكم للعبادة، فإنَّ الدَّوام لا تطيقونه، فاحرصوا على أوقات النَّشاط واستعينوا بها [8] على تحصيل السَّداد والوصول إلى المراد؛ كما أنَّ المسافر إذا سار اللَّيل والنَّهار؛ [عجز وانقطع عن مقصده، وإذا سار غدوة أوَّل النَّهار، وروحة آخر النَّهار] [9] ، ودلجة آخر اللَّيل؛ حصل له مقصوده [10] بغير مشقَّة، وأمكنه الدَّوام على ذلك، وهذه الأوقات الثَّلاثة هي أفضل الأوقات للمسافر، فاستعيرت هذه الأوقات [11] لأوقات [12] النَّشاط وفراغ القلب للطَّاعة.

[1] في (أ): (الغدو).
[2] في (ب): (آخر النهار الليل).
[3] ما بين معقوفين مستفاد من «التوضيح»: (3/85).
[4] (كلِّه): ليس في (ب).
[5] في (أ) و(ب): (يلازمه).
[6] في (أ) و(ب): (ما لا يطيقه).
[7] ما بين معقوفين مستفاد من «التوضيح»: (3/87).
[8] في (أ): (بما).
[9] ما بين معقوفين سقط من (ب).
[10] في (أ): (مقصود).
[11] تكرر في (ب): (للمسافر فاستعيرت هذه الأوقات).
[12] في (أ): (لأوقاته).





39- وبه قال: ((حدثنا عبد السلام بن مُطَهَّر)) ؛ بضم الميم وفتح الطاء المهملة، والهاء المشددة: ابن حسام الأزدي البصري، المتوفى سنة أربع وعشرين ومئتين ((قال: حدثنا عمر بن علي)) بن عطاء المقدمي البصري المتوفى سنة تسعين ومئة، ((عن مَعْن بن محمد)) ؛ بفتح الميم وسكون العين المهملة: ابن معن ((الغِفاري)) ؛ بكسر الغين المعجمة؛ نسبة إلى غِفار الحجاز، فإن قيل: ما حكم حديث رواية عمر بن علي المدلِّس بالعنعنة عن معن؟ أجيب: بأنها محمولة على ثبوت سماعه من جهة أخرى كجميع ما في «الصحيحين» عن المدلسين؛ كما أوضحه الشيخ الإمام بدر الدين العيني، ((عن سعيد بن أبي سعيد)) واسمه كيسان ((المَقْبُري)) ؛ بفتح الميم، وسكون القاف، وضم الموحدة؛ نسبة إلى مقبرة بالمدينة، المدني، أبي سعْد؛ بسكون العين، المتوفى بعد اختلاطه بأربع سنينسنة خمس وعشرين ومئة، وكان سماع معن عن سعيد قبل اختلاطه، ((عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) أنه ((قال: إن الدين يسر)) .

قال الشيخ الإمام بدر الدين العيني: أي: ذو يسر، وذلك لأنَّ الالتئام بين الموضوع والمحمول شرط، وفي مثل هذا لا يكون إلَّا بالتأويل، أو الدين يسر؛ أي: عينه، على المبالغة، فكأنَّه لشدة اليسر وكثرته نفس اليسر؛ كما يقال الإمام الأعظم فقه [1] ؛ لأنَّه صار عين الفقه، ومنه رجل عَدْل، و (اليسر) ؛ بالضم والفتح؛ نقيض العسر، ومعناه: التخفيف، إما بالنسبة إلى ذاته، أو بالنسبة إلى سائر الأديان؛ وهو الظاهر؛ لأنَّ الله تعالى رفع عن هذه الأمة الأضر الذي كان على من قبلهم، كعدم جواز الصلاة إلَّا في المسجد، وعدم الطهارة بالتراب، وقطع الثوب الذي يصيبه النجاسة، وقبول التوبة بقتل أنفسهم، {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] ، انتهى؛ فليحفظ.

والتأكيد بـ (إنَّ) ؛ ردًّا على منكرِ يُسرِ هذا الدين على تقدير كون المخاطب منكِرًا، وإلَّا؛ فعلى تقديره تنزيله منزلة المنكِر، وإلَّا؛ فعلى تقدير: المنكرين غير المخاطب، وإلَّا؛ فلكون القضية ممَّا يهتم بها، انتهى.

((ولن يشادَّ هذا الدينَ أحد)) وفي رواية: بإسقاط لفظ (هذا) ؛ بالشين المعجمة وإدغام سابق المثلين في لاحقه؛ من المشاددة؛ وهي المغالبة؛ أي: لا يتعمق أحد في الدين ويترك الرفق ((إلا غلبه)) الدينُ، وعجز وانقطع عن عمله كله أو بعضه، و (يشاد) منصوب بـ (لن) ، و (الدين) نُصب بإضمار الفاعل؛ أي: لن يشادَّ الدينَ أحدٌ، وفي رواية: برفع (الدين) على أنَّ (يُشادَّ) مبني لما لم يسم فاعله، واعترض بأن أكثر الروايات بالنصب، وجمع بينهما بالنسبة إلى روايات المشارقة والمغاربة.

((فسددوا)) بالمهملة من السَّداد؛ وهو التوسط بالعمل؛ أي: الزموا السداد من غير إفراط ولا تفريط، ((وقاربوا)) بالموحدة؛ أي: في العبادة، إن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل؛ فاعملوا بما يقرب منه، ((وأبشروا)) ؛ بقطع الهمزة من الإبشار، وفي لغة: بضم الشين من البشرى؛ بمعنى الإبشار؛ أي: أبشروا بالثواب على العمل، وأبهم المبشَّر به؛ للتنبيه على تعظيمه، وسقط (وأبشروا) في رواية، ((واستعينوا)) ؛ أي: اطلبوا الإعانة ((بالغدوة)) : سير أول النهار إلى الزوال أو ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، كالغداة والغدية ((والروحة)) : اسم للوقت من زوال الشمس إلى الليل، وضبطهما الشيخ الإمام بدر الدين العيني؛ بفتح الراء في (الرَّوحة) وضم الغين المعجمة في (الغُدوة) ، قال: وهو الصحيح، وتبعه على ذلك ابن الأثير في «النهاية»، وضبطهما الشيخ ركن الدين الكرماني وتبعه ابن حجر؛ بفتح أولهما، قلت: والمشهور الأول، كما لا يخفى؛ فافهم، ((وشيءٍ)) ؛ أي: واستعينوا بشيء ((من الدُّلْجة)) ؛ بضم الدال المهملة وإسكان اللام: سير آخر الليل أو الليل كله، ومن ثَم عبر بـ (مِن) التبعيضية، وقد أوضحه في «عمدة القاري»؛ ولأن عمل الليل أشرف من عمل النهار، وفي هذا استعارة الغدوة، والروحة، وشيء من الدلجة لأوقات النشاط وفراغ القلب للطاعة؛ فافهم.

[1] في الأصل: (فقيه)، ولعل المثبت هو الصواب.