متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)

1- (باب صَلَاةِ الْخَوْفِ)؛ أي: كيفيَّتها؛ من حيث أنَّه يحتمل في الصَّلاة عنده ما لا يحتمل فيها عند غيره، وقد جاءت في كيفيَّتها سبعة عشر نوعًا، لكن يمكن تداخلها، ومن ثمَّ قال في «زاد المعاد»: أصولها ستُّ صفاتٍ، وبلَّغها بعضهم أكثر، وهؤلاء كلَّما رأوا اختلاف الرُّواة في قصَّةٍ؛ جعلوا ذلك وجهًا من فعله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وإنَّما هو من اختلاف الرُّواة، قال في «فتح الباري»: وهذا هو المعتمد. انتهى. والإفراد في «باب» للأَصيليِّ وكريمة، وفي رواية أبي ذَرٍّ عن المُستملي وأبي الوقت: ((أبواب))؛ بالجمع، وسقط للباقين.(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ، عطفًا على سابقه، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: ((قال الله تعالى)) ({وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ}) سافرتم ({فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ}) إثمٌ ({أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ}) بتنصيف [1] ركعاتها، ونفي الحرج فيه يدلُّ على جوازه، لا على وجوبه، ويؤيِّده أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام أتمَّ في السَّفر، وأوجبه أبو حنيفة؛ لقول عمر المرويِّ في النَّسائيِّ وابن ماجه وابن حبَّان: صلاة السَّفر ركعتان، تامٌّ [2] غير قصرٍ، على لسان نبيِّكم، ولقول عائشة رضي الله عنها المرويِّ عند الشَّيخين [خ¦1090] : أوَّل ما فُرِضَ الصَّلاة فُرِضَت ركعتين، فأُقِرَّت في السَّفر وزِيدت في الحضر [3] ، وأُجيب: بأنَّ الأوَّل مُؤوَّلٌ بأنَّه كالتَّامِّ في الصِّحَّة والإجزاء، والثَّاني: لا ينفي جواز الزِّيادة، لكنَّ أكثر السَّلف على وجوبه، وقال كثيرٌ منهم: هذه الآية في صلاة الخوف، فالمراد: أن تقصروا من جميع الصَّلوات؛ بأن تجعلوها ركعةً واحدةً، أو من كيفيَّتها، لا من كمِّيَّتها، والآية الآتية فيها تبيينٌ وتفصيلٌ لها؛ كما سيجيء، وسُئِل ابن عمر رضي الله عنهما: إنَّا نجد في كتاب الله تعالى قصر صلاة الخوف، ولا نجد قصر صلاة المسافر، فقال ابن عمر: إنَّا وجدنا نبيَّنا يعمل، فعملنا به، وعلى هذا فقوله: ({إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا}) بالقتال والتَّعرُّض لما يُكرَه شرطٌ له [4] ؛ باعتبار الغالب في ذلك الوقت؛ ولذا [5] لم يُعتَبر مفهومه، فإنَّ الإجماع على جواز القصر في السَّفر من غير خوفٍ ({إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ}) أيُّها الرَّسول، علَّمه طريق صلاة الخوف لتقتدي [6] الأئمَّة [7] بعده به، عليه الصَّلاة والسَّلام ({فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ}) وتمسَّك بمفهومه من خصَّ صلاة الخوف بحضرته عليه الصَّلاة والسَّلام، وهو أبو يوسف، والحسن بن زيادٍ اللُّؤلؤيُّ [8] من أصحابه، وإبراهيم ابن عُلَيَّة، وقالوا: ليس هذا لغيره؛ لأنَّها إنَّما شُرِعت _بخلاف القياس_ لإحراز فضيلة الصَّلاة معه عليه الصَّلاة والسَّلام، وهذا المعنى انعدم بعده، وأُجيب: بأنَّ عامَّة الفقهاء على أنَّ الله تعالى علَّم الرَّسول كيفيَّتها؛ ليُؤتَمَّ به؛ كما مرَّ؛ أي: بيِّنْ لهم بفعلِكَ؛ لكونه أوضح من القول، وقد أجمع الصَّحابة رضي الله عنهم على فعله بعده عليه الصَّلاة والسَّلام، وبقوله عليه الصَّلاة [/ج2ص196/] والسَّلام [خ¦631] : «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي»، فعموم منطوقه مُقدَّمٌ على ذلك المفهوم، وادَّعى المزنيُّ نسخها [9] ؛ لتركه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لها يوم الخندق، وأُجيب: بتأخُّر نزولها عنه؛ لأنَّها نزلت سنة ستٍّ، والخندق كان سنة أربعٍ أو خمسٍ، ({فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ}) فاجعلهم طائفتين، فلتقم إحداهما معك يصلُّون، وتقوم الطَّائفة الأخرى في وجه العدوِّ ({وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ})؛ أي: المصلُّون، حزمًا، وقِيلَ: الضَّمير للطَّائفة الأخرى، وذكر الطَّائفة الأولى يدلُّ عليهم ({فَإِذَا سَجَدُوا})؛ يعني: المصلِّين ({فَلْيَكُونُوا})؛ أي: غير المصلِّين ({مِنْ وَرَائِكُمْ}) يحرسونكم؛ يعني: النَّبيَّ ومن يصلِّي معه، فغلَّب المخاطب على الغائب ({وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا}) لاشتغالهم بالحراسة ({فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ}) ظاهره أنَّ الإمام يصلِّي مرَّتين، بكلِّ طائفةٍ مرَّةً؛ كما فعله عليه الصَّلاة والسَّلام ببطن نخلٍ ({وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ}) جعل الحذر وهو التَّحرُّز والتَّيقُّظ آلةً يستعملها الغازي، فجمع بينه وبين الأسلحة في الأخذ ({وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً}) بالقتال، فلا تغفلوا ({وَلَا جُنَاحَ}) لا وزر ({عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ}) رخصةٌ لهم في وضعها إذا ثَقُلَ عليهم أخذُها بسبب مطرٍ أو مرضٍ، وهذا يؤيِّد أنَّ الأمر للوجوب دون الاستحباب ({وخُذُوا حِذْرَكُمْ}) أمرهم مع ذلك بأخذ الحذر؛ لئلَّا [10] يهجم عليهم العدوُّ ({إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا}) [النِّساء: 101، 102] وعدٌ للمؤمنين بالنَّصر، وإشارةٌ إلى أنَّ الأمر بالحزم ليس لضعفهم وغلبة عدوِّهم، بل لأنَّ الواجب في الأمور التَّيقُّظ.

وقد ثبت سياق الآيتين بلفظهما إلى آخر قوله: {مهينًا}؛ كما ترى في رواية كريمة [11] ، ولفظ رواية أبي ذَرٍّ (({فلتقم طائفةٌ منهم معك} إلى قوله: {عذابًا مهينًا}))، وله أيضًا ولابن عساكر وأبي الوقت: (({وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ}... إلى قوله: {عذابًا مهينًا}))، ولابن عساكر: (({إِنَّ الله أعدَّ للكافرين عذابًا مهينًا})) [12] ، وزاد الأَصيليُّ: (({أن تقصروا من الصَّلاة}... إلى قوله: {عذابًا مهينًا})).

[1] في (م): «بنصف».
[2] في (ص): «تمامٌ من»، وهو موافقٌ لما في كتب الحديث.
[3] في هامش (ص): «قوله: «أوَّل ما فُرِضَ...» الحديث، هكذا في النُّسخ؛ فليُحرَّر لفظ الشَّيخين، فإنِّي لم أجده كذلك، بل الَّذي فيهما رواياتٌ متعدِّدةٌ ليس فيها هذا اللَّفظ، نعم؛ في «تفسير البيضاويِّ» ما نصُّه: ولقول عائشة: أوَّل ما فُرِضَت الصَّلاة فُرِضَت ركعتين، فأُقِرَّت في السَّفر، وزِيدت في الحضر، لكنَّه لم يُعرَف ذلك للشَّيخين، ولا لغيرهما، انتهى. عجمي».
[4] «له»: ليس في (د)، وزيد في (م): «لا».
[5] «ولذا»: ليس في (م)، وفي (ب): «إنَّما»، وفي (د): «ولا يُعتبَر».
[6] في غير (ص) و(م): «ليقتدي».
[7] في (د): «الأمَّة».
[8] في هامش (ص): «قوله: «اللُّؤلؤيُّ»، قال في «اللُّباب»: بضمِّ اللَّامين، بينهما واوٌ ساكنةٌ، في آخرها واوٌ ثانيةٌ، هذه النِّسبة لجماعةٍ يبيعون اللُّؤلؤ؛ منهم الحسن بن زيادٍ أبو عليٍّ اللُّؤلؤيُّ، صاحب أبي حنيفة، مولى الأنصار، وُلِّيَ القضاء، ومات سنة أربع ومئتين، وهو غير راوي «سنن أبي داود». انتهى. عجمي».
[9] في (د): «فسخها»، وهو تحريفٌ.
[10] في غير (ص) و(م): «كيلا».
[11] «في رواية كريمة»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[12] قوله: «ولابن عساكر: «{إِنَّ الله أعدَّ للكافرين عذابًا مهينًا}»»، ليس في (ص).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [1]

(1) باب [1] صَلاةِ الخَوْفِ

وَقَوْلِ [2] اللَّهِ تَعالَىَ: { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا. وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا } [النساء: 101 - 102] [3]

[1] لم تَرِد البسملة في رواية أبي ذر.
[2] لفظة: «باب» ليست في رواية أبي ذر، وفي رواية السَّمعاني عن أبي الوقت ورواية أبي ذر عن المُستملي: «أبْوابُ».
[3] في رواية أبي ذر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «وقال»، وزاد في (ن) نسبتها إلىَ رواية الأصيلي أيضاً، وهو موافق لما في نسخة الزاهدي، والآيتين في اليونينية بالإبدال على قراءة أبي جعفر والسوسي وورش.
[4] في رواية أبي ذر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «{ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ } إلىَ قوله: { عَذَابًا مُّهِينًا }»، وفي رواية أخرىَ لأبي ذر: «{ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا. وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ } إلىَ قوله: { إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا }» كتبت بالحمرة، وفي رواية ابن عساكر: «{ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ } إلىَ قوله: { إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا }»، وفي رواية الأصيلي: «{ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ } إلىَ قوله: { عَذَابًا مُّهِينًا }».





( 12 ) كِتَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ


((12)) (أبواب [1] صَلَاةِ الْخَوْفِ).

[1] في (ق): ((باب))، ((أبواب)): ليست في (ج).





(بَابُ صَلاَةِ الْخَوْفِ) ... إلى (بَاب فِي الْعِيدَيْنِ وَالتَّجَمُّلِ فِيهِ)

فائدةٌ: أوَّل ما صلَّى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الخوف في السنة الرابعة، قاله غير واحد من الحُفَّاظ، وفي «مُسنَد أَحمد» من حديث جابر: (أنَّ صلاة الخوف كانت في السَّنة السَّابعة) انتهى، ويمكن تأويلُه، ويجتمع مع ما قالوه، والله أَعلم.

فائدةٌ ثانيةٌ: رُوِيت صلاة الخوف على وجوهٍ كثيرةٍ، قال التِّرمذيُّ: (قال الإمام أَحمد: قد رُوِي عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم صلاة الخوف على أَوجه، وما أَعلم في هذا الباب إِلَّا حديثًا صحيحًا) ، وعنه: (لا أَعلم أنَّه رُوِي عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في صلاة الخوف إلَّا حديثٌ ثابتٌ، هي كلُّها صِحاحٌ ثابتةٌ) ، وقيل: أيُّ [1] حديث صلَّى منها صلاة الخوف؛ أَجزأه، وقال ابن العربيِّ: (رُوِّيت عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في صلاة الخوف رواياتٍ كثيرةً؛ أَصحُّها: ستَّ عشرةَ روايةً مختلفةً) ، وقال في «القبس»: (صلَّاها أَربعًا وعشرين مرَّةً) ، وقال أبو عمر: (المرويُّ عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في ذلك ستَّةُ أَوجه) ، وقال غيره: صحَّ منها سبعةٌ، وذكر ابن القصَّار: (أنَّه صلَّاها في عشرةِ مواطنَ، وصحَّحها بعضهم في ثلاث فقط) ، وقال ابن حزم: (هو مخيَّر بين أَربعةَ عشرَ وجهًا؛ كلُّها صحَّ عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم) ، هذا مُلخَّصٌ من كلام شيخنا الشَّارح، وقال شيخنا المشار إِليه في «شرح المنهاج»: (وذكر ابن حِبَّان في «صحيحه» منها تسعةً) انتهى، ولغير شيخنا كلامٌ في صلاة الخوف، ولكن رأيت كلام شيخنا أَجمعَ؛ لأنَّه جمع بين أَقوالٍ.

[1] في (ج): (إن) .





(كِتَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ)


(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)

1- (باب صَلَاةِ الْخَوْفِ)؛ أي: كيفيَّتها؛ من حيث أنَّه يحتمل في الصَّلاة عنده ما لا يحتمل فيها عند غيره، وقد جاءت في كيفيَّتها سبعة عشر نوعًا، لكن يمكن تداخلها، ومن ثمَّ قال في «زاد المعاد»: أصولها ستُّ صفاتٍ، وبلَّغها بعضهم أكثر، وهؤلاء كلَّما رأوا اختلاف الرُّواة في قصَّةٍ؛ جعلوا ذلك وجهًا من فعله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وإنَّما هو من اختلاف الرُّواة، قال في «فتح الباري»: وهذا هو المعتمد. انتهى. والإفراد في «باب» للأَصيليِّ وكريمة، وفي رواية أبي ذَرٍّ عن المُستملي وأبي الوقت: ((أبواب))؛ بالجمع، وسقط للباقين.(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ، عطفًا على سابقه، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: ((قال الله تعالى)) ({وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ}) سافرتم ({فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ}) إثمٌ ({أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ}) بتنصيف [1] ركعاتها، ونفي الحرج فيه يدلُّ على جوازه، لا على وجوبه، ويؤيِّده أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام أتمَّ في السَّفر، وأوجبه أبو حنيفة؛ لقول عمر المرويِّ في النَّسائيِّ وابن ماجه وابن حبَّان: صلاة السَّفر ركعتان، تامٌّ [2] غير قصرٍ، على لسان نبيِّكم، ولقول عائشة رضي الله عنها المرويِّ عند الشَّيخين [خ¦1090] : أوَّل ما فُرِضَ الصَّلاة فُرِضَت ركعتين، فأُقِرَّت في السَّفر وزِيدت في الحضر [3] ، وأُجيب: بأنَّ الأوَّل مُؤوَّلٌ بأنَّه كالتَّامِّ في الصِّحَّة والإجزاء، والثَّاني: لا ينفي جواز الزِّيادة، لكنَّ أكثر السَّلف على وجوبه، وقال كثيرٌ منهم: هذه الآية في صلاة الخوف، فالمراد: أن تقصروا من جميع الصَّلوات؛ بأن تجعلوها ركعةً واحدةً، أو من كيفيَّتها، لا من كمِّيَّتها، والآية الآتية فيها تبيينٌ وتفصيلٌ لها؛ كما سيجيء، وسُئِل ابن عمر رضي الله عنهما: إنَّا نجد في كتاب الله تعالى قصر صلاة الخوف، ولا نجد قصر صلاة المسافر، فقال ابن عمر: إنَّا وجدنا نبيَّنا يعمل، فعملنا به، وعلى هذا فقوله: ({إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا}) بالقتال والتَّعرُّض لما يُكرَه شرطٌ له [4] ؛ باعتبار الغالب في ذلك الوقت؛ ولذا [5] لم يُعتَبر مفهومه، فإنَّ الإجماع على جواز القصر في السَّفر من غير خوفٍ ({إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ}) أيُّها الرَّسول، علَّمه طريق صلاة الخوف لتقتدي [6] الأئمَّة [7] بعده به، عليه الصَّلاة والسَّلام ({فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ}) وتمسَّك بمفهومه من خصَّ صلاة الخوف بحضرته عليه الصَّلاة والسَّلام، وهو أبو يوسف، والحسن بن زيادٍ اللُّؤلؤيُّ [8] من أصحابه، وإبراهيم ابن عُلَيَّة، وقالوا: ليس هذا لغيره؛ لأنَّها إنَّما شُرِعت _بخلاف القياس_ لإحراز فضيلة الصَّلاة معه عليه الصَّلاة والسَّلام، وهذا المعنى انعدم بعده، وأُجيب: بأنَّ عامَّة الفقهاء على أنَّ الله تعالى علَّم الرَّسول كيفيَّتها؛ ليُؤتَمَّ به؛ كما مرَّ؛ أي: بيِّنْ لهم بفعلِكَ؛ لكونه أوضح من القول، وقد أجمع الصَّحابة رضي الله عنهم على فعله بعده عليه الصَّلاة والسَّلام، وبقوله عليه الصَّلاة [/ج2ص196/] والسَّلام [خ¦631] : «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي»، فعموم منطوقه مُقدَّمٌ على ذلك المفهوم، وادَّعى المزنيُّ نسخها [9] ؛ لتركه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لها يوم الخندق، وأُجيب: بتأخُّر نزولها عنه؛ لأنَّها نزلت سنة ستٍّ، والخندق كان سنة أربعٍ أو خمسٍ، ({فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ}) فاجعلهم طائفتين، فلتقم إحداهما معك يصلُّون، وتقوم الطَّائفة الأخرى في وجه العدوِّ ({وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ})؛ أي: المصلُّون، حزمًا، وقِيلَ: الضَّمير للطَّائفة الأخرى، وذكر الطَّائفة الأولى يدلُّ عليهم ({فَإِذَا سَجَدُوا})؛ يعني: المصلِّين ({فَلْيَكُونُوا})؛ أي: غير المصلِّين ({مِنْ وَرَائِكُمْ}) يحرسونكم؛ يعني: النَّبيَّ ومن يصلِّي معه، فغلَّب المخاطب على الغائب ({وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا}) لاشتغالهم بالحراسة ({فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ}) ظاهره أنَّ الإمام يصلِّي مرَّتين، بكلِّ طائفةٍ مرَّةً؛ كما فعله عليه الصَّلاة والسَّلام ببطن نخلٍ ({وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ}) جعل الحذر وهو التَّحرُّز والتَّيقُّظ آلةً يستعملها الغازي، فجمع بينه وبين الأسلحة في الأخذ ({وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً}) بالقتال، فلا تغفلوا ({وَلَا جُنَاحَ}) لا وزر ({عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ}) رخصةٌ لهم في وضعها إذا ثَقُلَ عليهم أخذُها بسبب مطرٍ أو مرضٍ، وهذا يؤيِّد أنَّ الأمر للوجوب دون الاستحباب ({وخُذُوا حِذْرَكُمْ}) أمرهم مع ذلك بأخذ الحذر؛ لئلَّا [10] يهجم عليهم العدوُّ ({إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا}) [النِّساء: 101، 102] وعدٌ للمؤمنين بالنَّصر، وإشارةٌ إلى أنَّ الأمر بالحزم ليس لضعفهم وغلبة عدوِّهم، بل لأنَّ الواجب في الأمور التَّيقُّظ.

وقد ثبت سياق الآيتين بلفظهما إلى آخر قوله: {مهينًا}؛ كما ترى في رواية كريمة [11] ، ولفظ رواية أبي ذَرٍّ (({فلتقم طائفةٌ منهم معك} إلى قوله: {عذابًا مهينًا}))، وله أيضًا ولابن عساكر وأبي الوقت: (({وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ}... إلى قوله: {عذابًا مهينًا}))، ولابن عساكر: (({إِنَّ الله أعدَّ للكافرين عذابًا مهينًا})) [12] ، وزاد الأَصيليُّ: (({أن تقصروا من الصَّلاة}... إلى قوله: {عذابًا مهينًا})).

[1] في (م): «بنصف».
[2] في (ص): «تمامٌ من»، وهو موافقٌ لما في كتب الحديث.
[3] في هامش (ص): «قوله: «أوَّل ما فُرِضَ...» الحديث، هكذا في النُّسخ؛ فليُحرَّر لفظ الشَّيخين، فإنِّي لم أجده كذلك، بل الَّذي فيهما رواياتٌ متعدِّدةٌ ليس فيها هذا اللَّفظ، نعم؛ في «تفسير البيضاويِّ» ما نصُّه: ولقول عائشة: أوَّل ما فُرِضَت الصَّلاة فُرِضَت ركعتين، فأُقِرَّت في السَّفر، وزِيدت في الحضر، لكنَّه لم يُعرَف ذلك للشَّيخين، ولا لغيرهما، انتهى. عجمي».
[4] «له»: ليس في (د)، وزيد في (م): «لا».
[5] «ولذا»: ليس في (م)، وفي (ب): «إنَّما»، وفي (د): «ولا يُعتبَر».
[6] في غير (ص) و(م): «ليقتدي».
[7] في (د): «الأمَّة».
[8] في هامش (ص): «قوله: «اللُّؤلؤيُّ»، قال في «اللُّباب»: بضمِّ اللَّامين، بينهما واوٌ ساكنةٌ، في آخرها واوٌ ثانيةٌ، هذه النِّسبة لجماعةٍ يبيعون اللُّؤلؤ؛ منهم الحسن بن زيادٍ أبو عليٍّ اللُّؤلؤيُّ، صاحب أبي حنيفة، مولى الأنصار، وُلِّيَ القضاء، ومات سنة أربع ومئتين، وهو غير راوي «سنن أبي داود». انتهى. عجمي».
[9] في (د): «فسخها»، وهو تحريفٌ.
[10] في غير (ص) و(م): «كيلا».
[11] «في رواية كريمة»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[12] قوله: «ولابن عساكر: «{إِنَّ الله أعدَّ للكافرين عذابًا مهينًا}»»، ليس في (ص).





( أَبْوَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ ): كذا للمُسْتملي، وأبي الوقت، وللأصيليِّ وكريمة: «باب».


((12)) (بابُ صلاة الخوف) [1]

[1] ما بين قوسين من هامش (ر).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

((12)) [أبواب صلاة الخوف]

(1) (بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ) إلى آخره.


لا تتوفر معاينة