متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

33- وبالسَّند إلى المصنِّف قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ) بن داودَ الزَّهرانيُّ العتكيُّ، المُتوفَّى بالبصرة سنة أربعٍ وثلاثين ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ)؛ هو ابن أبي [1] كثيرٍ الأنصاريُّ، الزَّرقيُّ مولاهم المدنيُّ، قارئ أهل المدينة، الثِّقة الثَّبت، وهو من الثَّامنة المُتوفَّى ببغداد سنة ثمانين ومئةٍ، (قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ) الأصبحيُّ التَّيميُّ المدنيُّ، من الرَّابعة، المُتوفَّى بعد الأربعين، (عَنْ أَبِيهِ) مالكٍ، جدُّ إمام الأئمَّة مالكٌ، المُتوفَّى سنة ثِنْتَيْ عَشْرَةَ ومئةٍ، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنَّه (قَالَ: آيَةُ الْمُنَافِقِ)؛ أي: علامته، و«اللَّام» للجنس، وكان القياس جمع المبتدأ الذي هو «آيةُ»؛ ليطابق الخبر الذي هو (ثَلَاثٌ)، وأُجِيب: بأنَّ «الثَّلاثَ» اسمُ جمعٍ، ولفظه مفردٌ، على أنَّ التَّقدير: آية المنافق معدودةٌ بالثَّلاث، وقال الحافظ ابن حجرٍ: الإفراد على إرادة الجنس، أو أنَّ العلامة إنَّما تحصل باجتماع الثَّلاث، قال: والأوَّل أليق بصنيع المؤلِّف؛ ولهذا ترجم بالجمع، انتهى. وتعقَّبه العلَّامة العينيُّ، فقال: كيف يُرَاد الجنس والتَّاء فيها تمنع ذلك؛ لأنَّ التاء فيها كالتَّاء في تمرة، فالآية والآي كالتَّمرة والتَّمر؟ قال: وقوله: «إنَّما تحصل باجتماع الثَّلاث» يشعر بأنَّه إذا وُجِدَ فيه واحدٌ من الثَّلاث؛ لا يُطلَق عليه منافقٌ، وليس كذلك، بل يُطلَق عليه اسم المنافق، غير أنَّه إذا وُجِدَ فيه الثَّلاث كلُّها؛ يكون منافقًا كاملًا، وأُجِيب: بأنَّه مفردٌ مضافٌ فيعمُّ، كأنَّه قال: آياتُه ثلاثٌ: (إِذَا حَدَّثَ) في كلِّ شيءٍ؛ (كَذَبَ)؛ أي: أَخْبَرَ عنه بخلاف ما هو به قاصدًا للكذب، (وَإِذَا وَعَدَ) بالخير في المُستقبَل؛ (أَخْلَفَ)، فلم يَفِ، وهو من عطف الخاصِّ على العامِّ؛ لأنَّ الوعد نوعٌ من التَّحديث، وكان داخلًا في قوله: «وإذا حدَّث»، ولكنَّه أفرده بالذِّكر معطوفًا؛ تنبيهًا على زيادة قبحه، فإن قلت: الخاصُّ إذا [/ج1ص118/] عُطِفَ على العامِّ؛ لا يخرج من تحت العامِّ، وحينئذٍ تكون الآية ثنتين لا ثلاثًا، أُجِيب: بأنَّ لازم الوعد الذي هو الإخلاف الذي قد يكون فعلًا، ولازم التَّحديث الذي هو الكذب الذي لا يكون فعلًا متغايران، فبهذا الاعتبار كان الملزومان متغايرين، وخُلْفُ الوعد لا يقدح إلَّا إذا كان العزم عليه مقارنًا للوعد، أمَّا لو كان عازمًا، ثمَّ عرض له مانعٌ أو بدا له رأيٌ؛ فهذا لم توجد منه صورة النِّفاق، وفي حديث الطَّبرانيِّ ما يشهد له حيث قال: «إذا وعد وهو يحدِّث نفسَه أنَّه يُخْلِفُ»، وكذا قال في باقي الخصال، وإسناده لا بأسَ به، وهو عند التِّرمذيِّ وأبي داودَ مُختصَرًا بلفظ: «إذا وعد الرَّجلُ أخاه ومن نيِّته أن يَفِي له فلم يَفِ؛ فلا إثمَ عليه»، وهذا في الوعد بالخير، أمَّا الشَّرُّ؛ فيُستحَبُّ إخلافه، وقد يجب، (وَ) الثَّالثة من الخصال [2] : (إِذَا ائتُمِنَ) على صيغة المجهول من الائتمان أمانةً؛ (خَانَ) بأن تصرَّف فيها على خلاف الشَّرع، ووجه الاقتصار على هذه الثَّلاث: أنَّها منبِّهةٌ على ما عداها؛ إذ أصل عمل الدِّيانة منحصرٌ في ثلاثٍ: القول والفعل والنِّيَّة، فنبَّه على فساد القول بالكذب، وعلى فساد الفعل بالخيانة، وعلى فساد النِّيَّة بالخُلْف، وحينئذٍ فلا يُعارَض هذا الحديث بما وقع في الآتي بلفظ: «أربعٌ مَنْ كنَّ فيه» [خ¦34] ، وفيه: «وإذا عاهد غدر»؛ إذ هو معنى قوله: «وإذا اؤتُمِن خان»؛ لأنَّ الغدرَ خيانةٌ، فإن قلت: إذا وُجِدت هذه الخصال في مسلمٍ؛ فهل يكون منافقًا؟ أُجِيب: بأنَّها خصالُ نِفَاقٍ لا نِفَاقٌ، فهو على سبيل المجاز، أو المُرَاد: نفاق العمل لا نفاق الكفر، أو مُرَاده: مَنِ اتَّصف بها وكانت له ديدنًا وعادةً، ويدلُّ عليه التَّعبير بـ: «إذا» المفيدة لتكرار الفعل، أو هو محمولٌ على من غلبت عليه هذه الخصال، وتهاون بها واستخفَّ بأمرها، فإنَّ من كان كذلك؛ كان فاسد الاعتقاد غالبًا، أو مُرَاده الإنذار والتَّحذير عن ارتكاب هذه الخصال، وأنَّ الظَّاهر غيرُ مرادٍ، أو الحديث واردٌ في رجلٍ معيَّنٍ وكان منافقًا، ولم يصرِّح عليه الصلاة والسلام به على عادته الشَّريفة في كونه لا يواجههم بصريح القول، بل يشير إشارةً؛ كقوله: «ما بالُ أقوامٍ»؟ ونحوه، أو المُرَاد: المنافقون الذين كانوا في الزَّمن النَّبويِّ.

ورجال إسناد هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون إلَّا أبا [3] الربيع، وفيهم تابعيُّ عن تابعيٍّ، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الوصايا» [خ¦قبل2749] ، و«الشَّهادات» [خ¦2682] ، و«الأدب» [خ¦6095] ، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ.

[1] «أبي»: سقط من (ب).
[2] «من الخصال»: سقط من (م).
[3] «أبا»: سقط من (م).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

33-. حدَّثنا سُلَيْمانُ أَبُو الرَّبِيعِ، قالَ: حدَّثنا إِسْماعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ، قالَ: حدَّثنا نافِعُ بنُ مالِكِ بنِ أَبِي عامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ، عن أَبِيهِ:

عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «آيَةُ المُنافِقِ ثَلاثٌ: إِذا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذا ائْتُمِنَ خانَ».

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

33- قوله: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ): هو سليمانُ بنُ داودَ الزَّهرانيُّ العَتَكيُّ، البصريُّ، الحافظ، روى عنه: البخاريُّ، ومسلمٌ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ عن رجل عنه، تُوفِّي سنةَ (234 هـ ) ، وثَّقَه ابنُ مَعينٍ وغيرُه [1] .

قوله: (حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ): (نافعٌ) هذا: هو عمُّ مالكِ بنِ أنسٍ الإمامِ، وثَّقه أحمدُ وأبو حاتمٍ، أخرج له الجماعة، بقي إلى زمن السَّفَّاح، وقد بُويع له ليلة الجمعة لثلاث عشرة خلتْ من ربيع الآخر، سنة (132 هـ ) ، وتوفِّي السَّفَّاح ليلةَ الأحد لاثنتي عشرة خلت من ذِي الحجَّة، سنةَ سِتٍّ وثلاثين ومئة.

قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ): تقدَّم أنَّه عبدُ الرحمن بن صخر، على الأصحِّ مِن نحو ثلاثين قولًا، وتقدَّم ما فيه [2] .

قوله: (آيَةُ الْمُنَافِقِ): أَي: علامتُه، وكذا بوَّبَ عليها البخاريُّ هنا.

قوله: (ثَلاَثٌ): حصلَ مِن مجموع الحديثين الَّذَين في هذا الباب: أنَّ خِصالَ المنافقِ خمسٌ: إذا حدَّثَ؛ كَذَبَ، وإذا وعدَ؛ أَخلفَ، وإذا [/ج1ص26/] اؤتُمِنَ؛ خانَ، وإذا عاهَدَ؛ غَدَر، وإذا خاصَمَ؛ فَجَر، وإن كانت الرَّابعةُ داخلةً في الثالثة؛ لأنَّ الغدرَ خيانةٌ ممَّنِ اؤتمن عليه من عهده، ولا منافاة بين الرِّوايتين، فإنَّ الزائدَ أُعلم به ثانيًا، ولأنَّ الشَّيءَ الواحدَ قد يكون له علاماتٌ، كلُّ واحدةٍ منها يحصُلُ بها صفتُه، ثُمَّ قد تكون تلك العلامة شيئًا واحدًا وقد تكون أشياء.

وفي «صحيح مسلم» : «مِن علاماتِ المنافق ثلاث»، فهذا جوابٌ آخرُ، وعن أبي أمامةَ موقوفًا: «وإذا غَنِمَ؛ غَلَّ، وإذا أُمِرَ؛ عَصَى، وإذا لَقِيَ؛ جَبُن».

واعلم أنَّ جماعةً عدُّوا هذا الحديث والذي بعدَه مُشْكلًا؛ مِن حيثُ إنَّ هذه الخصال قد تُوجد في المسلم المصدِّق الذي ليس فيه شكٌّ، وإنَّما هذه خِصالُ نِفاقٍ، وصاحبُها شبيهٌ بالمنافقين في هذه الخِصال ومُلْحَقٌ بأخلاقِهِم، فإنَّه إظهارُ ما يُبطِنُ خِلافَه، وهذا المعنى موجودٌ في صاحب هذه الخِصال، وقوله: (كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا): معناه: شديدَ الشَّبَه بسببِ هذه الخِصال، والله أعلم.

[1] انظر «تهذيب الكمال» (11/423) .
[2] (وتقدم ما فيه): ليست في (ج) .





33- (إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ...): إنْ قلتَ: الجُمل [1] الشَّرطيَّةُ بيانٌ لـ (ثَلَاثٌ) أو بَدَلٌ، لكن لا يصحُّ أنْ يقالَ: الآية إذا [/ص17/] حدَّث كذب...، فما وجهُه؟ قلتُ: معناه: آيةُ المنافِقِ كَذِبُهُ عند تحديثِه...، وذلك مثلُ قولِه تعالى: {فِيْهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 97] على أحد التَّوجيهات [2] .

[1] في النسختين: (الجملة)، والمثبت الموافق لما في «الكواكب الدراري» أولى.
[2] في أنَّ معنى: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا}: وأمنُ من دخله، عطفًا على قوله: {مقامُ إبراهيم}، وانظر «الكواكب الدراري» (1/148)، «الدر المصون» (3/316-20).





33- وبالسَّند إلى المصنِّف قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ) بن داودَ الزَّهرانيُّ العتكيُّ، المُتوفَّى بالبصرة سنة أربعٍ وثلاثين ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ)؛ هو ابن أبي [1] كثيرٍ الأنصاريُّ، الزَّرقيُّ مولاهم المدنيُّ، قارئ أهل المدينة، الثِّقة الثَّبت، وهو من الثَّامنة المُتوفَّى ببغداد سنة ثمانين ومئةٍ، (قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ) الأصبحيُّ التَّيميُّ المدنيُّ، من الرَّابعة، المُتوفَّى بعد الأربعين، (عَنْ أَبِيهِ) مالكٍ، جدُّ إمام الأئمَّة مالكٌ، المُتوفَّى سنة ثِنْتَيْ عَشْرَةَ ومئةٍ، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنَّه (قَالَ: آيَةُ الْمُنَافِقِ)؛ أي: علامته، و«اللَّام» للجنس، وكان القياس جمع المبتدأ الذي هو «آيةُ»؛ ليطابق الخبر الذي هو (ثَلَاثٌ)، وأُجِيب: بأنَّ «الثَّلاثَ» اسمُ جمعٍ، ولفظه مفردٌ، على أنَّ التَّقدير: آية المنافق معدودةٌ بالثَّلاث، وقال الحافظ ابن حجرٍ: الإفراد على إرادة الجنس، أو أنَّ العلامة إنَّما تحصل باجتماع الثَّلاث، قال: والأوَّل أليق بصنيع المؤلِّف؛ ولهذا ترجم بالجمع، انتهى. وتعقَّبه العلَّامة العينيُّ، فقال: كيف يُرَاد الجنس والتَّاء فيها تمنع ذلك؛ لأنَّ التاء فيها كالتَّاء في تمرة، فالآية والآي كالتَّمرة والتَّمر؟ قال: وقوله: «إنَّما تحصل باجتماع الثَّلاث» يشعر بأنَّه إذا وُجِدَ فيه واحدٌ من الثَّلاث؛ لا يُطلَق عليه منافقٌ، وليس كذلك، بل يُطلَق عليه اسم المنافق، غير أنَّه إذا وُجِدَ فيه الثَّلاث كلُّها؛ يكون منافقًا كاملًا، وأُجِيب: بأنَّه مفردٌ مضافٌ فيعمُّ، كأنَّه قال: آياتُه ثلاثٌ: (إِذَا حَدَّثَ) في كلِّ شيءٍ؛ (كَذَبَ)؛ أي: أَخْبَرَ عنه بخلاف ما هو به قاصدًا للكذب، (وَإِذَا وَعَدَ) بالخير في المُستقبَل؛ (أَخْلَفَ)، فلم يَفِ، وهو من عطف الخاصِّ على العامِّ؛ لأنَّ الوعد نوعٌ من التَّحديث، وكان داخلًا في قوله: «وإذا حدَّث»، ولكنَّه أفرده بالذِّكر معطوفًا؛ تنبيهًا على زيادة قبحه، فإن قلت: الخاصُّ إذا [/ج1ص118/] عُطِفَ على العامِّ؛ لا يخرج من تحت العامِّ، وحينئذٍ تكون الآية ثنتين لا ثلاثًا، أُجِيب: بأنَّ لازم الوعد الذي هو الإخلاف الذي قد يكون فعلًا، ولازم التَّحديث الذي هو الكذب الذي لا يكون فعلًا متغايران، فبهذا الاعتبار كان الملزومان متغايرين، وخُلْفُ الوعد لا يقدح إلَّا إذا كان العزم عليه مقارنًا للوعد، أمَّا لو كان عازمًا، ثمَّ عرض له مانعٌ أو بدا له رأيٌ؛ فهذا لم توجد منه صورة النِّفاق، وفي حديث الطَّبرانيِّ ما يشهد له حيث قال: «إذا وعد وهو يحدِّث نفسَه أنَّه يُخْلِفُ»، وكذا قال في باقي الخصال، وإسناده لا بأسَ به، وهو عند التِّرمذيِّ وأبي داودَ مُختصَرًا بلفظ: «إذا وعد الرَّجلُ أخاه ومن نيِّته أن يَفِي له فلم يَفِ؛ فلا إثمَ عليه»، وهذا في الوعد بالخير، أمَّا الشَّرُّ؛ فيُستحَبُّ إخلافه، وقد يجب، (وَ) الثَّالثة من الخصال [2] : (إِذَا ائتُمِنَ) على صيغة المجهول من الائتمان أمانةً؛ (خَانَ) بأن تصرَّف فيها على خلاف الشَّرع، ووجه الاقتصار على هذه الثَّلاث: أنَّها منبِّهةٌ على ما عداها؛ إذ أصل عمل الدِّيانة منحصرٌ في ثلاثٍ: القول والفعل والنِّيَّة، فنبَّه على فساد القول بالكذب، وعلى فساد الفعل بالخيانة، وعلى فساد النِّيَّة بالخُلْف، وحينئذٍ فلا يُعارَض هذا الحديث بما وقع في الآتي بلفظ: «أربعٌ مَنْ كنَّ فيه» [خ¦34] ، وفيه: «وإذا عاهد غدر»؛ إذ هو معنى قوله: «وإذا اؤتُمِن خان»؛ لأنَّ الغدرَ خيانةٌ، فإن قلت: إذا وُجِدت هذه الخصال في مسلمٍ؛ فهل يكون منافقًا؟ أُجِيب: بأنَّها خصالُ نِفَاقٍ لا نِفَاقٌ، فهو على سبيل المجاز، أو المُرَاد: نفاق العمل لا نفاق الكفر، أو مُرَاده: مَنِ اتَّصف بها وكانت له ديدنًا وعادةً، ويدلُّ عليه التَّعبير بـ: «إذا» المفيدة لتكرار الفعل، أو هو محمولٌ على من غلبت عليه هذه الخصال، وتهاون بها واستخفَّ بأمرها، فإنَّ من كان كذلك؛ كان فاسد الاعتقاد غالبًا، أو مُرَاده الإنذار والتَّحذير عن ارتكاب هذه الخصال، وأنَّ الظَّاهر غيرُ مرادٍ، أو الحديث واردٌ في رجلٍ معيَّنٍ وكان منافقًا، ولم يصرِّح عليه الصلاة والسلام به على عادته الشَّريفة في كونه لا يواجههم بصريح القول، بل يشير إشارةً؛ كقوله: «ما بالُ أقوامٍ»؟ ونحوه، أو المُرَاد: المنافقون الذين كانوا في الزَّمن النَّبويِّ.

ورجال إسناد هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون إلَّا أبا [3] الربيع، وفيهم تابعيُّ عن تابعيٍّ، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الوصايا» [خ¦قبل2749] ، و«الشَّهادات» [خ¦2682] ، و«الأدب» [خ¦6095] ، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ.

[1] «أبي»: سقط من (ب).
[2] «من الخصال»: سقط من (م).
[3] «أبا»: سقط من (م).





33- ( أَبُو الرَّبِيعِ ): الزَّهرانيُّ.

( آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاَثٌ ) أفرد الآية لإرادة الجنس، وفي «صحيح أبي عوانة»: «علامات المنافق»، وفي مسلم: «من علامة المنافق ثلاث»، وهي أوضح للزِّيادة على الثَّلاث في الحديث الذي يليه وغيره، ووجه الاقتصار على الثَّلاث هنا أنَّها منبِّهة على ما عداها، إذ أصل الدِّيانات منحصر في القول والفعل والنِّيَّة، فنبَّه على فساد القول بالكذب، وعلى فساد الفعل بالخيانة، وعلى فساد النِّيَّة بالخُلْف، لأنَّ خُلْف الوعد لا يقدح إلَّا إذا كان العزم عليه مقارنًا للوعد، فإن وَعَدَ ثمَّ عرَضَ له بعده مانع أو بدا له رأي فليس بصورة النِّفاق، قاله الغزاليُّ.

وفي الحديث ما يشهد له، ففي الطَّبرانيِّ من حديث سلمان: «إذا وعد وهو يحدِّث نفسه أنَّه يخلف». وفي التِّرمذيِّ من حديث زيد بن أرقم: «إذا وعد الرَّجل أخاه ومن نيَّته أن يفي له فلم يف، فلا إثم عليه».

فإن قلت: قد توجد هذه الخصال في المسلم؟ أجيب بأنَّ المراد نفاق العمل لا نفاق الكفر، كما أنَّ الإيمان يُطلق على العمل كالاعتقاد.

وقيل: المراد من اعتاد ذلك وصار ديدنًا له. [/ج1ص188/]

وقيل: المراد: التَّحذير من هذه الخصال التي هي من صفات المنافقين، وأنَّها خصال نفاق وصاحبها شبيه بالمنافقين ومتخلِّق بأخلاقهم.

( وَإِذَا عاهدَ غَدَرَ )، في مسلم بدله: «وإذا وعد أخلف» فهو من تصرُّف الرُّواة.

تنبيه:

حصل من مجموع الحديثين أربع علامات، وقال القرطبيُّ والنَّوويُّ: خمسة بالمغايرة بين الغدر والإخلاف.


14/33# قال أبو عبد الله: حدَّثنا سُلَيْمانُ _هو أَبُو الرَّبِيعِ [1] _ قَالَ: حدَّثنا إِسْماعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ [2] ، قَالَ: حدَّثني نافِعُ بنُ مالِكِ بنِ أَبِي عامِرٍ، أَبُو سُهَيْلٍ، عن أَبِيهِ:

عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «علامة المُنافِقِ ثَلاثٌ: إِذا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذا اؤْتُمِنَ خانَ».

ظاهر هذا الكلام يُوجب أنَّ مَنْ جمع هذه الخلال المذكورة كان منافقاً، وقد روِّينا [3] عن الحسن أنَّه ذكر هذا الحديث

@%ص29%

فقال: إنَّ بني يعقوب حدَّثوا فكذبوا، ووعدوا فأخلفوا، وائتمنوا فخانوا [4] .

وهذا القول من رسول الله صلى الله عليه وسلم إنَّما خرج [5] على سبيل الإنذار للمرء المسلم، والتحذير له أن يعتاد هذه الخصالَ [6] ؛ شفقاً أن تُفْضِيَ به إلى النفاق، وليس المعنى أنَّ مَنْ بَدَرَت منه هذه الخلال [7] ، وكان ما يفعل منها على غير وجه [8] الاختيار والاعتياد [9] له أنَّه منافقٌ، وقد جاء في الحديث: «أنَّ التاجرَ فاجرٌ». [10] وجاء أيضاً: «أنَّ أكثرَ منافقي أمَّتي قُراؤُها». [11] وإنَّما هو على معنى التحذير [12] من الكذب في البيع، وهو معنى [13] الفجور؛ إذ [14] كانت الباعة قد يكثر منهم التزيُّد [15] والكذب في مدح المتاع، ورُبَّما كذبوا في الشراء ونحوه، ولا يُوجب ذلك أن يكونَ التجَّارُ كلُّهم فُجَّاراً، وكذلك القُرَّاء، قد يكون من بعضهم قِلَّة الإخلاص في العمل [16] ، والتَّبرُّؤ من الرِّياء [17] والسُّمْعة، ولا يُوجب ذلك أن يكونَ مَنْ فعل شيئاً من ذلك من غير اعتياد له منافقاً [18] .

والنفاق ضربان:

أحدهما: أن يُظهرَ صاحبهُ الدِّين، وهو مُسِرٌّ يُبطن الكفرَ، وعلى هذا كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

والضرب الآخر منه: ترْكُ المحافظة على أمور الدين [19] سِرّاً، ومُراعاتُها علناً، وهذا يُسمَّى نفاقاً، كما جاء من قوله صلى الله عليه وسلم : «سِبابُ المؤمن [20] فِسقٌ، وقتالُه كفرٌ» [21] . وإنَّما هو كُفر دون كُفرٍ وفسقٌ دُون فِسقٍ، كذلك هو نفاق دون نفاق.

وقد قيل: إنَّ هذا القولَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم إنَّما جَاءَ في [22] رجل من المنافقين بعينه، كان في زمان النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُواجههم بصريح القول، ولا يُسَمِّيهم بأسمائهم، فيقول: فلان منافق. وإنَّما يُشير إليهم بالأمارة [23] المعلومة والعلامة [24] على سبيل التورية عن الصريح، وكان حذيفة بن اليمان يقول: إنَّ النفاق إنَّما كان [25] على عهد [26] رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما كان بعد زمانه كفرٌ. [27]

حدَّثنا أحمد بن إبراهيم بن مالك، قال: حدَّثنا عمر بن حَفْص السَّدوسيُّ، قال: حدَّثنا عاصم بن علي قال: حدَّثنا [28]

@%ص30%

المسعوديُّ قال: حدَّثنا حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الشَّعثاء قال: كنتُ مع ابن مسعود، فقال حذيفة: ذهب النفاق، وإنَّما كان النفاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكنَّه الكفر بعد الإيمان.

ومعنى هذا القول: أنَّ المنافقين في زمان [29] رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكونوا قد أسلموا، إنَّما كانوا يُظهرون الإسلامَ رياءً ونفاقاً، ويُسِرُّون الكفرَ عَقْداً وضميراً [30] ، فأمَّا اليوم وقد شَاع الإسلامُ واستفاضَ وتوالد الناسُ عليه فتوارثُوه [31] قرناً بعد قرن، فمن نافقَ منهم بأن يُظهرَ الإسلامَ ويُبطن [32] خلافه فهو مُرتدٌّ؛ لأنَّ نفاقه كفرٌ أحدثه بعد قَبول الدين والإيمان [33] ، وإنَّما كان المنافقُ في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم مقيماً على كفره الأوَّل، فلم يتشابها.

وأمَّا قول الحسن فيما كان من أولاد يعقوب عليه السلام فإنَّ ذلك الصنيع منهم كان أمراً نادراً غيرَ معتاد، وكلمة «إذا» تقتضي تكرار الفعل، والقومُ لم يُصرُّوا على ما كان منهم من الخطيئة [34] ، وقد تابوا وتَنَصَّلُوا من فعلهم إلى أبيهم وسألوه أن يستغفر لهم، وتحلَّلُوا من المجنيِّ عليه، فحلَّلهم [35] واستغفر لهم، فلم تتمكَّن منهم [36] صفة النفاق، والحمد لله [37] .

[1] في النسخ الفروع: (سليمان بن الربيع) محرفاً إلَّا في (ف): (سليمان أبو الربيع).
[2] في (أ): (إسماعيل بن حفص) وهو تحريف.
[3] في النسخ الفروع: (وروي).
[4] نسبت هذه المقولة لعطاء بن أبي رباح، انظر شرح صحيح البخاري للكرماني (1/149).
[5] في (ط): (إنما خرج من رسول الله).
[6] قال ابن حجر في الفتح ( 1/91): والأولى ما قال الكرماني: إن حذف المفعول من حدَّث يدل على العموم: أي إذا حدث في كل شيءٍ كذب فيه، أو يصير قاصراً أي: إذا وجد ماهية التحديث كذب.
[7] في النسخ الفروع: (الخصال).
[8] (على غير وجه): سقط من (ط).
[9] في (ط): (الاختيار والاعتبار).
[10] انظر: سنن الترمذي (1210) عن رفاعة.
[11] رواه الإمام أحمد في مسنده (2/175).
[12] في هامش الأصل: (هذه الأمة)، وفوقها (خ) يعني في نسخة.
[13] في النسخ الفروع: (إذ هو في معنى).
[14] في (ط): (إذا).
[15] في (ط): (البريد)
[16] في (ط): (العلم)
[17] في هامش الأصل: (والشوب من الرياء)، وفوقها (خ) يعني في نسخة، وفي النسخ الفروع: (وبعض الرياء).
[18] في النسخ الفروع: (ولا يوجب أن يكونوا كلهم منافقين).
[19] في النسخ الفروع إلَّا (م): (حدود أمور الدين).
[20] في النسخ الفروع: (المسلم)، وفي هامش (ف) دلالة على أن في نسخة (المؤمن).
[21] انظر: البخاري (48)، عن عبد الله بن مسعود.
[22] (في) سقطت من (ط).
[23] في (م): (بالإيحاء) مصحفاً.
[24] قوله: (والعلامة) زيادة من النسخ الفروع.
[25] في النسخ الفروع: (ذهب النفاق وإنما كان النفاق)
[26] في (ط): (عبد) تصحيفاً.
[27] انظر: البخاري (7114).
[28] (قال حدثنا عمرو... حدثنا) سقط من (ط).
[29] في النسخ الفروع: (في زمن).
[30] في (ط): (وجهراً) وهو تصحيف.
[31] (فتوارثوه) سقطت من (ط).
[32] في (ر): (ويبطل) مصحفاً.
[33] (والإيمان) سقط من (ط).
[34] في (ط): (الخطبة) تصحيفاً.
[35] في (م): (فحلل لهم).
[36] في (م): (بينهم).
[37] (والحمد لله) سقط من (ط).





33 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ [1] خَانَ)).

[1] قوله: ((اؤتمن)) ليس في (ع).
#%ص156%





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

3 - وبه قال: ((حدثنا سليمان أبو الربيع)) بن داود الزهراني العتكي، المتوفى بالبصرة سنة أربع وثلاثين ومئتين ((قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر)) بن أبي كثير الأنصاري الزرقي مولاهم، المدني، المتوفى ببغداد سنة ثمانين ومئة ((قال: حدثنا نافع بن مالك بن أبي عامر أبو سهيل)) الأصبحي التميمي المدني، المتوفى بعد الأربعين، ((عن أبيه)) مالك جد مالك الإمام، المتوفى سنة ثنتي عشرة ومئة.

ومعنى قولهم في مالك: (إمام الأئمة) ؛ أي: أئمة مذهبه والآخذين عنه كالشافعي، وأما إمام الأئمة على الإطلاق الذي إذا قيل: الإمام الأعظم؛ انصرف إليه؛ رئيس المجتهدين بلا نزاع الإمام المقدم التابعي الجليل أبو حنيفة النعمان رضي الله تعالى عنه، وأسكنه في أعلى الجنان، فإنَّ الإمام مالك أخذ عنه الفقه، والإمام الشافعي أخذ عن الإمام محمد بن الحسن الشيباني تلميذ الإمام الأعظم، والإمام أحمد أخذ عن الشافعي، فهو البحر، وكلهم اغترفوا منه، قدس الله روحه ونوَّر ضريحه.

((عن أبي هريرة)) رضي الله عنه، ((عن النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) أنه ((قال: آية المنافق)) ؛ أي: علامته، واللام للجنس، و (آية) مبتدأ، وقوله: ((ثلاث)) خبره؛ لأنَّه اسم جمع، ولفظه مفرد، والتقدير: آية المنافق معدودة بالثلاث.

قال ابن حجر العسقلاني: (وإنما أفرد إما على إرادة الجنس أو أن العلامة إنَّما تحصل باجتماع الثلاث، والأول أليق) انتهى، واعترضه الشيخ الإمام بدر الدين العيني فقال: (كيف يراد الجنس والتاء فيها تمنع ذلك؟ لأنَّ التاء فيها كالتاء في «تمرة»، والآية والآي؛ كالتمرة والتمر، قال: وقوله: «إنما تحصل...» إلى آخره؛ يُشعر بأنه إذا وجد واحد فيه من الثلاث لا يطلق عليه منافق، وليس كذلك؛ بل يطلق عليه اسم المنافق، غير أنه إذا وجد فيه الثلاث كلها؛ يكون منافقًا كاملًا) انتهى.

أحدها: ((إذا حدَّث)) غيرَه في كلِّ شيء؛ ((كذب) -بتخفيف الذال الممعجمة- عليه وأخبره بخلاف الواقع.

الثانية منها: ((وإذا أوعد)) غيرَه بشيء في المستقبل؛ ((أخلف)) في وعده فلم يف به، وهو من عطف الخاص على العام؛ لأنَّ الوعد نوع من التحديث؛ لكنه أفرده؛ لزيادة قبحه، وخلف الوعد لا يقدح إلا إذا كان العزم عليه مقارنًا للوعد، أما لو كان عازمًا ثم عَرَض له مانع أو بدا له رأي؛ فهذا لم يوجد منه صورة النفاق، ويدل لذلك ما في «أبي داود»: «إذا أوعد الرجل أخاه ومِن نيَّته أن يفي له، فلم يف؛ فلا إثم عليه»، ولا يخفى أنَّ هذا في الوعد بالخير، أما في الشر أو الإيذاء؛ فيجب؛ أي: يفترض إخلافه؛ فليحفظ.

((و)) الثالثة منها: ((إذا اؤتمن)) -بصيغة المجهول، من الائتمان- أمانة؛ ((خان)) بأن تصرف فيها من غير إذنه.

وإنما اقتصر على هذه الثلاث؛ أنَّ الديانة ثلاثة: قول، وفعل، ونية، ففساد القول بالكذب، وفساد الفعل بالخيانة، وعلى فساد النية بالخلف، وحينئذ لا تعارض بين ما يأتي بلفظ: «أربع من كن فيه...»، والرابعة: إذا عاهد غدر؛ لأنَّ معنى الغدر: الخيانة، فإذا وجدت هذه الخصال في مسلم؛ فهل يكون منافقًا؟ أجيب: بأنها خصالُ نفاقٍ لا نفاقٌ، إما على المجاز، أو أنَّ المراد: نفاق العمل لا نفاق الكفر، أو المراد: مَن اتصف بها وصارت عادة له، يدل له التعبير بـ (إذا) المفيدة لتكرار الفعل، أو المراد: الإنذار والتحذير عن ارتكابها، أو أنه ورد في رجل معين وكان منافقًا، أو المراد: المنافقون في زمنه عليه السلام.