متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

31- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ) بن عبد الله العَيْشِيُّ؛ بفتح العين المُهمَلَة، وسكون المثنَّاة التَّحتيَّة، وبالشِّين المُعجَمَة، البصريُّ، المُتوفَّى سنة ثمانٍ أو تسعٍ وعشرين ومئتين قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ)؛ أي: ابن درهم، أبو إسماعيل الأزرق الأزديُّ البصريُّ، المُتوفَّى سنة تسعٍ وسبعين ومئةٍ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ، (وَيُونُسُ) بن عبيد بن دينارٍ البصريُّ، المُتوفَّى سنة تسعٍ وثلاثين ومئة، كلاهما (عَنِ الْحَسَنِ) أبي [1] سعيد بن أبي الحسن الأنصاريِّ البصريِّ، المُتوفَّى سنة ستَّ عَشْرَةَ ومئةٍ، (عَنِ الأَحْنَفِ) من الحَنَفِ؛ وهو الاعوجاج في الرِّجل [2] ، بالمُهمَلَة والنُّون، أبي بحرٍ الضَّحَّاك (بْنِ قَيْسٍ) أي: ابن معاوية المُخضرَم، المُتوفَّى بالكوفة سنة سبعٍ وستِّين في إمارة ابن الزُّبير أنَّه (قَالَ: ذَهَبْتُ لأَنْصُرَ)؛ أي: لأجل أن أنصرَ (هَذَا الرَّجُلَ)؛ هو عليُّ بن أبي طالبٍ، كما في «مسلمٍ» من هذا الوجه، وأشار إليه المؤلِّف في «الفتن» [خ¦7083] بلفظ: أريد نصرة ابن عمِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم.... الحديث [3] ، وكان ذلك يوم الجمل، (فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ) نُفَيعُ _بضمِّ النُّون وفتح الفاء_ ابن الحارث بن كلدة؛ بالكاف واللَّام المفتوحتين، المُتوفَّى بالبصرة سنة اثنتين وخمسين، وله في «البخاريِّ» أربعة عَشَرَ حديثًا، (فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ)، وللأَصيليِّ: ((فقلت)): أريد مكانًا لأنَّ السُّؤال عن المكان، والجواب بالفعل، فيُؤوَّل بذلك [4] ، (أَنْصُرُ)؛ أي: لكي أنصرَ (هَذَا الرَّجُلَ، قَالَ: ارْجِعْ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم) حال كونه (يَقُولُ: إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا)، فضرب كلُّ واحدٍ منهما الآخر [/ج1ص116/] (فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ) إذا كان القاتل منهما بغير تأويلٍ سائغٍ، أمَّا إذا كانا صحابيَّيَن؛ فأمرهما عن اجتهادٍ وظنٍّ لإصلاح الدِّين، فالمصيب منهما له أجران، والمخطئ أجرٌ، وإنَّما حمل أبو بكرة الحديث على عمومه في كلِّ مُسلِمَين التقيا بسيفيهما؛ حسمًا للمادَّة، وقد رجع الأحنف عن رأي أبي بكرة في ذلك، وشهد مع عليٍّ باقي حروبه، ولا يُقال: إنَّ قوله: «فالقاتل والمقتول في النَّار» يشعر [5] بمذهب المعتزلة القائلين بوجوب العقاب للعاصي؛ لأنَّ المعنى أنَّهما يستحقَّان، وقد يُعفَى عنهما أو واحدٍ منهما فلا يدخلان النَّار؛ كما قال تعالى: {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} [النساء: 93] ؛ أي: جزاؤه، وليس بلازمٍ أن يُجازَى، قال أبو بكرة: (فَقُلْتُ)، وللأربعة وكريمة: ((قلت)): (يَا رَسُولَ اللهِ؛ هَذَا الْقَاتِلُ) يستحقُّ النَّار؛ لكونه ظالمًا، (فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ) وهو مظلومٌ؟! (قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ)، مفهومه: أنَّ مَنْ عزم على المعصية بقلبه ووطَّن نفسَه عليها؛ أَثِمَ في اعتقاده وعزمه، ولا تَنَافِيَ بين هذا وبين قوله في الحديث الآخر: «إذا همَّ عبدي بسيِّئةٍ فلم يعملها؛ فلا تكتبوها عليه» [خ¦6491] ؛ لأنَّ المراد أنَّه لم يوطِّن نفسه عليها، بل مرَّت بفكره من غير استقرارٍ.

ورجال إسناد هذا الحديث كلُّهم بصريُّون، وفيه ثلاثةٌ من التَّابعين يروي بعضهم عن بعضٍ؛ وهم: أيُّوبُ والحسنُ والأحنفُ، واشتمل على التَّحديث والعنعنة والسَّماع، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الفتن» [خ¦7083] ، ومسلمٌ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ.

[1] في (م): «ابن»، وهو تحريفٌ.
[2] قوله: «من الحَنَفِ؛ وهو الاعوجاج في الرِّجل»، سقط من (م).
[3] «الحديث»: سقط من (س).
[4] قوله: «لأنَّ السُّؤال عن المكان، والجواب بالفعل، فيُؤوَّل بذلك»، سقط من (م).
[5] في غير (ب) و(س): «مشعر».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

31-. حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ المُبارَكِ: حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ: حدَّثنا أَيُّوبُ وَيُونُسُ، عن الحَسَنِ:

عَنِ الأَحْنَفِ بنِ قَيْسٍ، قالَ: ذَهَبْتُ لأَنْصُرَ هذا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فقالَ: أين تُرِيدُ؟ قُلْتُ [1] : أَنْصُرُ هذا الرَّجُلَ. قالَ: ارْجِعْ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «إِذا التَقَىَ المُسْلِمانِ بِسَيْفَيْهِما فالقاتِلُ والمَقْتُولُ فِي النَّارِ». فَقُلْتُ [2] : يا رَسُولَ اللَّهِ هذا القاتِلُ، فَما بالُ المَقْتُولِ؟ قالَ: «إِنَّهُ كان حَرِيصًا عَلَىَ قَتْلِ صاحِبِهِ».

[1] في رواية الأصيلي: «فقلتُ».
[2] في رواية أبي ذر والأصيلي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت وحاشية رواية ابن عساكر: «قلت».





31- ( أنصُر هذا الرجل ) يَعْنِيْ: عَلِيًّا.


لا تتوفر معاينة

31- قوله: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَيُونُسُ): أمَّا (أيُّوب) ؛ فهو ابن أبي تميمة كيسان أبو بكر، الإمام السّخْتِيانيُّ، تُوفِّي سنة (131 هـ ) ، أخرج له الجماعة، ثقة [1] .

وأمَّا (يونس) ؛ فقد تقدَّم أنَّ في اسمه ستَّ لغاتٍ؛ تثليث النُّون مع الهمز [2] وعدمه، وهذا هو يونس بن عُبيد، أحد أئمَّة البصرة، من العلماء العاملين الأثبات، تُوفِّي سنة (139 هـ ) ، أخرج له الجماعة [3] .

ولهم يونس بن عُبيد شخصٌ كوفيٌّ [4] ، حدَّثَ عنِ البراء بن عازب، لا يُدرى مَن هو، وقد ذكره ابنُ حِبَّان في «الثِّقات» [5] ، وحديثُه في ذكر رايةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أنَّها سوداء مُربَّعة من نمرة [6] ؛ أخرج له أبو داود، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ [7] .

قوله: (عَنِ الْحَسَنِ): هو الحسن بن أبي الحسن يسار [8] البصريُّ، العلم المشهور، أخرج له الجماعة، ثقة، تُوفِّي سنة (110 هـ ) [9] .

قوله: (الأَحْنَف بْن قَيْسٍ): هو بفتح الهمزة، ثُمَّ حاء مهملة ساكنة، أبو بحر التميميُّ، وكان سيِّدًا نبيلًا، تُوفِّي سنة (67 هـ ) ، وقيل: سنة (72 هـ ) ، أخرج له الجماعة، ثقة [10] .

قوله: (لِأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ): الرجل المبهم هو عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه، كما هو في «الصَّحيحين».

قوله [11] : (أَبُو بَكْرَةَ [12] ): اسمُه نُفَيع بن الحارث بن كَلَدَة، من ثقيف، ونُفَيع: بضمِّ النون، ثُمَّ فاء مفتوحة، وكَلَدَة: بفتح اللَّام، الثقفيُّ، صحابيٌّ جليلٌ، وقيل: اسمه مسروح، وبَكْرة بفتح الموحَّدة وإسكان الكاف، وهو ممَّن نزل إليه عليه الصَّلاة والسَّلام يوم الطَّائف [13] في بَكْرةٍ، فكني بأبي بَكْرة لذلك، تُوفِّي بالبصرة سنة (51 هـ ) ، وقيل: سنة (52 هـ ) [14] .

قوله: (فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ): استدلَّ به أبو بَكْرةَ على العموم، وفي أواخر «التذكرة» للقرطبيِّ ما لفظه: (قال علماؤنا: ليس هذا الحديث [15] في أصحاب محمَّد صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ بدليل قوله: {وَإِن طَائِفَتَانِ} [الحجرات: 9] ...) إلى آخر كلامه.

وفيه: (فحديث أبي بكرة -يعني: هذا- محمولٌ على ما إذا كان القتال على الدُّنيا، وقد جاء هكذا منصوصًا فيما سمعناه من بعض مشايخنا: «إذا اقتتلتم على الدُّنيا؛ فالقاتل والمقتول في النَّار»، خرَّجه البزَّارُ [16] ) [17] ، ثمَّ شَرَعَ يستدِلُّ لذلك، ولكن لا بدَّ من الجواب عن حمل أبي بكرة هذا الحديث على العموم، اللَّهُمَّ؛ إلَّا أن يُفهَم من قوله: (علماؤنا) الإجماع، فيكونُ حَدَثَ إجماعٌ بعدَ أبي بكرةَ، ويَحتمل أنَّه أراد بعلمائِهِم: المالكيَّة، وهذا الظاهرُ، فتفكَّر في الجواب عنه، والله أعلم.

[1] انظر «تهذيب الكمال» (*) .
[2] في (ب): (الهمزة) .
[3] انظر «تهذيب الكمال» (*) .
[4] (كوفي): ليست في (ب) .
[5] «الثقات» (*) .
[6] أخرجه «» (*) .
[7] انظر «» (*) .
[8] (يسار): ليست في (ب) .
[9] انظر «تهذيب الكمال» (*) .
[10] انظر «تهذيب الكمال» (*) .
[11] (قوله): ليست في (ب) .
[12] في هامش (ق): (نفيع بن مسروح أخي نافع وزياد) .
[13] (الطائف): ليست في (ب) .
[14] انظر «تهذيب الكمال» (30/5) .
[15] (الحديث): ليست في (ج) .
[16] أخرجه البزارفي «مسنده» (*) .
[17] «التذكرة» (*) .





31- (هَذَا الْقَاتِلُ): مبتدأٌ وخبرٌ؛ أي: هذا يَستحِقُّ النَّارَ لأنَّه قاتلٌ، فالمقتولُ كيف يَستحِقُّ ذلك وهو مظلومٌ؟


31- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ) بن عبد الله العَيْشِيُّ؛ بفتح العين المُهمَلَة، وسكون المثنَّاة التَّحتيَّة، وبالشِّين المُعجَمَة، البصريُّ، المُتوفَّى سنة ثمانٍ أو تسعٍ وعشرين ومئتين قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ)؛ أي: ابن درهم، أبو إسماعيل الأزرق الأزديُّ البصريُّ، المُتوفَّى سنة تسعٍ وسبعين ومئةٍ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ، (وَيُونُسُ) بن عبيد بن دينارٍ البصريُّ، المُتوفَّى سنة تسعٍ وثلاثين ومئة، كلاهما (عَنِ الْحَسَنِ) أبي [1] سعيد بن أبي الحسن الأنصاريِّ البصريِّ، المُتوفَّى سنة ستَّ عَشْرَةَ ومئةٍ، (عَنِ الأَحْنَفِ) من الحَنَفِ؛ وهو الاعوجاج في الرِّجل [2] ، بالمُهمَلَة والنُّون، أبي بحرٍ الضَّحَّاك (بْنِ قَيْسٍ) أي: ابن معاوية المُخضرَم، المُتوفَّى بالكوفة سنة سبعٍ وستِّين في إمارة ابن الزُّبير أنَّه (قَالَ: ذَهَبْتُ لأَنْصُرَ)؛ أي: لأجل أن أنصرَ (هَذَا الرَّجُلَ)؛ هو عليُّ بن أبي طالبٍ، كما في «مسلمٍ» من هذا الوجه، وأشار إليه المؤلِّف في «الفتن» [خ¦7083] بلفظ: أريد نصرة ابن عمِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم.... الحديث [3] ، وكان ذلك يوم الجمل، (فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ) نُفَيعُ _بضمِّ النُّون وفتح الفاء_ ابن الحارث بن كلدة؛ بالكاف واللَّام المفتوحتين، المُتوفَّى بالبصرة سنة اثنتين وخمسين، وله في «البخاريِّ» أربعة عَشَرَ حديثًا، (فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ)، وللأَصيليِّ: ((فقلت)): أريد مكانًا لأنَّ السُّؤال عن المكان، والجواب بالفعل، فيُؤوَّل بذلك [4] ، (أَنْصُرُ)؛ أي: لكي أنصرَ (هَذَا الرَّجُلَ، قَالَ: ارْجِعْ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم) حال كونه (يَقُولُ: إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا)، فضرب كلُّ واحدٍ منهما الآخر [/ج1ص116/] (فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ) إذا كان القاتل منهما بغير تأويلٍ سائغٍ، أمَّا إذا كانا صحابيَّيَن؛ فأمرهما عن اجتهادٍ وظنٍّ لإصلاح الدِّين، فالمصيب منهما له أجران، والمخطئ أجرٌ، وإنَّما حمل أبو بكرة الحديث على عمومه في كلِّ مُسلِمَين التقيا بسيفيهما؛ حسمًا للمادَّة، وقد رجع الأحنف عن رأي أبي بكرة في ذلك، وشهد مع عليٍّ باقي حروبه، ولا يُقال: إنَّ قوله: «فالقاتل والمقتول في النَّار» يشعر [5] بمذهب المعتزلة القائلين بوجوب العقاب للعاصي؛ لأنَّ المعنى أنَّهما يستحقَّان، وقد يُعفَى عنهما أو واحدٍ منهما فلا يدخلان النَّار؛ كما قال تعالى: {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} [النساء: 93] ؛ أي: جزاؤه، وليس بلازمٍ أن يُجازَى، قال أبو بكرة: (فَقُلْتُ)، وللأربعة وكريمة: ((قلت)): (يَا رَسُولَ اللهِ؛ هَذَا الْقَاتِلُ) يستحقُّ النَّار؛ لكونه ظالمًا، (فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ) وهو مظلومٌ؟! (قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ)، مفهومه: أنَّ مَنْ عزم على المعصية بقلبه ووطَّن نفسَه عليها؛ أَثِمَ في اعتقاده وعزمه، ولا تَنَافِيَ بين هذا وبين قوله في الحديث الآخر: «إذا همَّ عبدي بسيِّئةٍ فلم يعملها؛ فلا تكتبوها عليه» [خ¦6491] ؛ لأنَّ المراد أنَّه لم يوطِّن نفسه عليها، بل مرَّت بفكره من غير استقرارٍ.

ورجال إسناد هذا الحديث كلُّهم بصريُّون، وفيه ثلاثةٌ من التَّابعين يروي بعضهم عن بعضٍ؛ وهم: أيُّوبُ والحسنُ والأحنفُ، واشتمل على التَّحديث والعنعنة والسَّماع، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الفتن» [خ¦7083] ، ومسلمٌ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ.

[1] في (م): «ابن»، وهو تحريفٌ.
[2] قوله: «من الحَنَفِ؛ وهو الاعوجاج في الرِّجل»، سقط من (م).
[3] «الحديث»: سقط من (س).
[4] قوله: «لأنَّ السُّؤال عن المكان، والجواب بالفعل، فيُؤوَّل بذلك»، سقط من (م).
[5] في غير (ب) و(س): «مشعر».





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

31 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ المُبَارَكِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، وَيُونُسُ، عَنِ الحَسَنِ، عَنِ [1]الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: ذَهَبْتُ لِأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ [2]فَقَالَ أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ، قَالَ: ارْجِعْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ))، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا القَاتِلُ فَمَا بَالُ المَقْتُولِ قَالَ: ((إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ)).

الشرح:

وقع في كثير من نسخ البخاري كما ذكرنا في هذين البابين, ووقع في أكثرها في الباب الأول بعد قول الله تعالى [3]: { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ }: { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } الآية, وبعده [4]حديث الأحنف عن أبي بكرة, ثم حديث أبي ذر السابق, والجميع حسن صحيح.

وأما رجال الإسناد: فأيوب سبق بيانه.

وأما (أَبُو بَكْرَةَ): فاسمه نُفَيْع بنُ الحارث بن كِلْدَة، الثقفي، كني أبا بكرة؛ لأنه تدلى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصن الطائف ببكرة.

روي له عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مائة [5] واثنان وثلاثون حديثًا، اتفقا على ثمانية، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بحديث.

روى عنه: ابناه عبد الرحمن ومسلم، وغيرهما من كبار التابعين، وكان ممن اعتزل يوم الجمل، ولم يقاتل مع واحد من الفريقين، توفي بالبصرة سنة إحدى وخمسين، وقال [6] خليفة بن خياط: سنة ثنتين وخمسين.

وأما (الأَحْنَفِ) فهو أبو بحر الأحنفُ بنُ قَيْس بنِ معاويةَ بنِ الْحُصَيْنِ, التميمي البصري.

قالوا: واسمه الضحاك، وقيل: صخر، والأحنف لقب، أدرك حياة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم ولم يره، وسمع عمر، وعليًا، والعباس بن عبد المطلب، وأبا ذر،

#%ص147%

وابن مسعود، وغيرهم رضي الله عنهم.

روى عنه: الحسن، وطَلْقُ بنُ حبيب، وعمرو بن جاوان - بالجيم - وغيرهم.

روينا عن الحسن [7] عن الأحنف قال: بينا أنا [8] أطوف في زمن عثمان رضي الله عنه أخذ بيدي رجل من بني سُلَيم - يعني صحابيًا - فقال: ألا أبشرك؟ فقلت: بلى، قال [9]: تذكر إذ بعثني رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى قومك بني سعد، فجعلت أعرض عليهم الإسلام وأدعوهم إليه، فقلت أنت: إنه ليدعو [10] إلى خير، وما أسمع إلا حَسَنًا؟ فإني ذكرتُ ذلك لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: ((اللهُمَّ اغْفِرْ لِلأَحْنَفْ)).

قال الأحنف: فما شيء عندي أرجى من ذلك.

توفي الأحنف سنة سبع وستين بالكوفة رحمه الله تعالى.

وأما (الحَسَنِ) فهو أبو سعيد الحسنُ بن أبي الحسن، واسم أبي الحسن يسار الأنصاري، مولاهم، البصري.

وأمه خيرة، مولاة أم سلمة زوج النبي صلَّى الله عليه وسلَّم رضيَ الله عنها.

ولد الحسن لسنتين بقيتا [11] من خلافة عمر رضي الله عنه.

قيل: إن [12] أمه [13] ربما كانت تغيب، فيبكي فتعطيه أم سلمة رضيَ اللهُ عنها ثديها تعلله إلى أن تجيء أمه، فيدر ثديها [14] فيشربه، فيرون تلك الفصاحة والحِكم [15] من ذلك، ونشأ الحسن رحمه الله تعالى بوادي القُرى، ورأى طلحة بن عبيد الله، وعائشة رضي الله عنهما، ولم يصح له سماع [16] منهما، وقيل: لقي علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولم يصح، وحضر الدار وله أربع عشرة سنة.

سمع ابن عمر، وأنسًا [17]، وأبا بكرة، وجُنْدُبَ بنَ عبد الله، ومَعْقِلَ بنَ يسار، وعبد الرحمن بن سمرة، وأبا برزة، وعمران بن حصين، وآخرين من الصحابة رضي الله عنهم، وخلائق من التابعين.

روى عنه خلائق من التابعين فمن بعدهم، وهم أشهر من أن نذكرهم [18].

روينا [19] عن السيد الجليل أبي علي الفضيل بن عياض رحمه الله قال: سألت هشام بن حسان: كم أدرك الحسن من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؟ فقال: مائة وثلاثين، قلت: فابن سيرين؟ قال: ثلاثين.

وروينا [20] عن الحسن قال: غزونا خراسان ومعنا ثلاثمائة من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.

روينا عن الربيع بن أنس قال:

#%ص148%

اختلفت [21] إلى الحسن عشر سنين، أو ما شاء الله، ما من يوم إلا أسمع [22] فيه ما لم أسمع [23] قبله.

وروينا عن محمد ابن سعد في «الطبقات» قال: كان الحسن جامعًا، عالمًا، رفيقًا، فقيهًا، ثقة، مأمونًا، عابدًا ناسكًا، كثير العلم، فصيحًا، جميلًا وسيمًا، قدم مكة فأجلسوه على سرير، واجتمع الناس إليه فحدثهم، وكان فيمن أتاه مجاهد وعطاء وطاوس وعمرو بن شعيب، فقالوا، أو قال بعضهم: ما رأينا مثل هذا قط.

قلت: وإجماع الأمة - سَلَفُها وخَلَفُها، خاصُّها وغيرُه - منعقد على جلالة الحسن رحمه الله وعِظَم [24] قَدْره، وارتفاع محله علمًا ودينًا وورعًا وزهدًا وصيانة، وفصاحة، ودعاءً إلى الخير، وغير ذلك.

توفي رحمه الله تعالى سنة عشر ومائة، وتوفي ابن سيرين بعده بمائة يوم.

وأما (يُونُسُ) الراوي عن الحسن فهو أبو عبد الله يونسُ بنُ عُبَيْدِ بن دينار، العَقَدي [25] - مولاهم - البصري التابعي، رأى أنس بن مالك رضي الله عنه، وسمع الحسن، وابن سيرين، وثابتًا البناني، وآخرين من كبار التابعين.

روى عنه الأئمة [26] الأعلام [27] منهم: الثوري، وشعبة، والحمادان، ومعتمر بن سليمان، ووهيب، وآخرون [28].

واتفقوا على جلالته وعظم محله ومنزلته.

قال سعيد بن عامر: ما رأيت رجلًا قط أفضل من يونس، وأهل البصرة على ذا [29].

وأقوال العلماء في وصفه بِحُسْن الحفظ وعظم الفضل مشهورة، توفي رحمه الله تعالى سنة تسع وثلاثين ومائة [30].

وأما (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) فهو الإمام الزاهر [31] والعَلَم الطاهر [32] أبو إسماعيل، [33] حماد بن زيد بن درهم، الأزدي البصري، مولى جرير بن حازم.

سمع خلائق من التابعين منهم: ثابت البناني، وابن سيرين، وعبد العزيز ابن صهيب، وعمرو بن دينار، وأبو جمرة [34] الضبعي، وأبو حازم سلمة، وأيوب، ويونس بن عبيد، وهشام بن عروة، ويحيى الأنصاري، وآخرون من التابعين، وخلائق من غيرهم.

روى عنه الأئمة والأعلام من الكبار وحفاظ الإسلام منهم: السفيانان، وابنُ المبارك، وابنُ مهدي، والقطان، ووكيع، ويزيد بن هارون، وعفان، وأبو نعيم، وسليمانُ بنُ حرب، وخلائق.

قال ابن مهدي [35]: أئمة الناس في زمانهم

#%ص149%

أربعة: الثوري بالكوفة، ومالك بالحجاز، والأوزاعي بالشام، وحماد بن زيد بالبصرة.

وقال عبيد الله بن الحسن: إنما هما الحمادان، فإذا طلبتم العلم فاطلبوه من الحمادَيْن.

وقال ابن معين: ليس أحد أثبتُ من حماد بن زيد.

وقال يحيى بن يحيى: ما رأيت أحدًا من الشيوخ أحفظ من حماد بن زيد، وإجماع الأئمة والحفاظ من أهل عصره فَمَنْ بَعْدَهم منعقدٌ على جلالته، وعظم [36] علمه وحفظه وإتقانه وإمامته.

قال ابن سعد: ولد حماد بن زيد سنة ثمان وتسعين، وتوفي في شهر رمضان سنة تسع وسبعين ومائة، وهو [37] ابن إحدى وثمانين.

قال الخطيب: حدث عن حماد بن زيد إبراهيمُ [38]بنُ أبي عَبْلَةَ والهيثمُ بنُ سهل، وبين وفاتيهما مائة وثمان سنين وأكثر، وحدث عنه الثوري وبين وفاته ووفاة الهيثم مائة سنة أو أكثر، رحمه الله تعالى.

وأما شيخُ البخاري فهو: أبو بكر، ويقال: أبو محمد، عبد الرحمن بن المبارك بن عبد الله، البصري.

سمع جماعات منهم: الصَعِقُ بنُ حَزْنٍ، وفُضَيْلُ بنُ سليمانَ النُمَيْري، وخالد الواسطي، ووهيب، وحماد، وعبد الوارث، وآخرون.

روى عنه جماعة من [39] الأعلام وحفاظ الإسلام منهم: البخاري، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو داود السجستاني [40]، وغيرهم.

توفي سنة ثمان، وقيل: عشرين، [41]وقيل: تسع وعشرين ومائتين، رحمه الله تعالى.

فصل: في هذا الإسناد لطيفتان، إحداهما: أن رجاله كلهم بصريون، والثانية: أن فيه ثلاثة تابعيين يروي بعضهم عن بعض، وهم: الأحنف، والحسن، وأيوب مع يونس.

فصل: قول الله تعالى: { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا }إلى آخر الآية ... هذه الآيةُ الكريمةُ عمدة أصحابنا وغيرهم من العلماء في قتال أهل البغي، وسيأتي بسط الكلام فيها وأحكام البُغَاةِ واضحة في بابه، حيث ذكره البخاري رحمه الله تعالى، إن شاء الله تعالى.

قال أهل اللغة: الطائفة القطعة من الشيء، والمراد بالطائفتين هنا: الفرقتان من المسلمين، وقد تطلق [42] الطائفة على الواحد، هذا قول الجمهور من أهل اللغة [43] وغيرهم.

وقال الزَّجَّاجُ: الذي عندي أنَّ أقلَّ الطائفةِ اثنان، وقد حمل الشافعي وغيره من العلماء رحمهم الله تعالى الطائفة في مواضع من القرآن على أوجه مختلفة بحسب

#%ص150%

المواطن، فقالوا: الطائفة في قول الله تعالى: { فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ } [التوبة: 122] قال: الطائفة [44]: واحد فأكثر، واحتج به في قبول خبر الواحد، وقال في قوله تعالى: { وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [45] } [النور: 2] الطائفة: أربعة، وفي قوله تعالى: { وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ } [النساء: 102] إلى آخرها، الطائفة هنا: ثلاثة.

وإنما فرقوا بين هذه المواضع بحسب القرائن، أما في قوله تعالى: { فَلَوْلَا نَفَرَ }فحملوه على الواحد؛ لأن الإنذار يحصل به، وفي آية الزنا حُمِلَ على أربعة؛ لأنها البينة فيه، وفي صلاة الخوف حُمِلَ على ثلاثة؛ لقوله تعالى: { وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ}فذكرهم بضمير الجمع، وأقله ثلاثة [46] على المذهب المختار، وقول جمهور أهل اللغة والفقه والأصول، فإن قيل: فقد قال الله تعالى في آية الإنذار: { لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ [47]}وهذه ضمائر جموع؟ فالجواب: أن الجمع عائد إلى الطوائف التي تجتمع من الفرق، فهذا مختصر ما يتعلق بالطائفة، أشرت إليه لكثرة الحاجة الحاملة عليه، وقد أوضحته مبسوطًا بنقل أقوال اللغويين والفقهاء في كتاب «تهذيب الأسماء واللغات» والله أعلم.

فصل: قوله: (لِأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ) يعني علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

فصل: مقصود البخاري رحمه الله تعالى بهذا الباب، وذكر الآية والحديث: أن مرتكب [48] المعصية لا يكفر ولا يخرج بذلك عن اسم الإيمان والإسلام، وهذا مذهب أهل السنة كما سبق، فإن قيل: إنما سماهما الله تعالى في الآية مؤمنين، وسماهما النبي صلَّى الله عليه وسلَّم في الحديث مسلمين حال الالتقاء، لا في حال القتال وبعده.

فالجواب: أن الدلالة من الآية ظاهرة، فإن قوله تعالى: { فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ }سماهما أخوين بعد القتال، وأمر بالإصلاح بينهما؛ ولأنهما عاصيان قبل القتال، وهو من حين سَعَيا [49] إليه وقصداه، [50]والحديث محمول على معنى الآية، وحديث عبادة بن الصامت رضيَ اللهُ عنه السابق صريح في الدلالة، وهو قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ)). والأحاديث

#%ص151%

بنحو هذا كثيرة في الصحيح معروفة، مع آيات من القرآن العزيز.

وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ) معناه: يستحقان النار، وأمرهما إلى الله تعالى، كما صرح به في حديث عبادة رضي الله عنه: ((فإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ [51])).فإن شاء عاقبهما [52] ثم أخرجهما من النار فأدخلهما الجنة، كما ثبت في حديث أبي سعيد [53] رضيَ اللهُ عنه وغيره: في العصاة الذين يخرجون من النار فينبتون [54] كما تنبت الحبة في جانب السيل، ونظير هذا الحديث في المعنى قوله تعالى: { فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ } [النساء: 93] معناه: هذا جزاؤه، وليس بلازم أن يجازى، والله أعلم، وسنبسط الكلام في شرح هذا الحديث في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى، حيث ذكره البخاري رحمه الله تعالى، والله أعلم.

[1] في (ت): ((بن)).
[2] في (ع): ((بكر)).
[3] في (ك): ((قوله تعالى)).
[4] في (ع): ((وبعد)).
[5] زاد في (ك): ((حديث)).
[6] في (ع): ((قال)).
[7] في (ك): ((روى الحسن)).
[8] قوله: ((أنا)) ليس في (ك).
[9] في (ك): ((فقال)).
[10] في (ع): ((إنك لتدعو)).
[11] في (ك): ((ولد الحسن لبقيتا)).
[12]في (ع): ((إنه)).
[13] قوله: ((أمه)) ليس في (ع).
[14] قوله: ((تعلله إلى أن تجيء أمه فيدر ثديها)) ليس في (ك).
[15] في (ت) و(ك): ((والحكمة)).
[16] في (ك): ((سماعًا)).
[17] قوله: ((أنسًا)) ليس في (ك).
[18]في (ع): ((يذكرهم)).
[19] في (ت): ((وروينا)).
[20] في (ت): ((روينا)).
[21] في (ت): ((انتقلت)).
[22] في (ك): ((لا أسمع)).
[23] في (ت): ((يسمع))، وفي (ك): ((أسمعه)).
[24] في (ت): ((وعظيم)).
[25] في (ت) و(ك) و(ع): ((العبدي)).
[26] قوله: ((الأئمة)) ليس في (ع).
[27] في (ك): ((والأعلام)).
[28] زاد في (ع): ((من كبار التابعين)).
[29] في (ع): ((ذلك)).
[30] زاد في (ك): ((والله أعلم)).
[31]في (ت) و(ك): ((الزاهد)).
[32] في (ك): ((الظاهر)).
[33]قوله: ((حماد بن زيد فهو الإمام الزاهر والعلم الطاهر أبو إسماعيل)) ليس في (ع).
[34] في (ع): ((حمزة)).
[35] في (ت): (( المهدي)).
[36] في (ت): ((وعظيم)).
[37] قوله: ((ومائة وهو)) ليس في الأصل(ز) و(ت) و(ع)، وقوله: ((وهو)) ليس في (ك).
[38] قوله: ((إبراهيم)) ليس في (ك).
[39]زاد في (ك): ((الأئمة)).
[40] في (ت): ((السختياني)).
[41] في (ك): ((توفي سنة ثمان وعشرين))، وقوله: ((وقيل: عشرين)) ليس في (ع).
[42] في (ت): ((يطلق)).
[43] في (ك): ((أهل العلم)).
[44] في (ك): ((طائفة)).
[45]قوله: ((من المؤمنين)) ليس في (ع).
[46] جاء في حاشية (ع): ((والأولى أن يُستدل به بأنه إنما يحمل على الواحد والاثنين؛ لأن فرقة جمع وأقله ثلاثة، وخروج بعضها إما واحدًا أو اثنان)).
[47] قوله: ((إليهم)) ليس في (ك).
[48] في (ك): ((من ارتكب)).
[49] في (ع): ((سعى)).
[50] قوله: ((ولأنهما عاصيان قبل القتال، وهو من حين سَعَيا إليه وقصداه)) ليس في (ك).
[51] في (ت) و(ك) و(ع): ((فإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُما وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُما)).
[52] قوله: ((فإن شاء عاقبهما)) ليس في (ت) و(ك) و(ع).
[53] في (ع): ((حُرَيث)).
[54]في (ك): ((ينبتون)).
#%ص152%





لا تتوفر معاينة

31# قوله: (ذَهَبْتُ لأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ): يعني: عليًّا، أمَّا أبو بكرة؛ فهو نفيع بن الحارث بن كلدة بن عمرو بن علاج بن

@%ج1ص8%

سلمة، وأمُّه سميَّة أمة الحارث بن كَلدة.

قوله: (إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ): أي [1] : إذا تواجه [2] المسلمان.

معنى (القاتل [3] وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ): وليس [4] على الإطلاق.

[1] (أي): ليس في (ب).
[2] في (ب): (توجه).
[3] في «اليونينيَّة»: (فالقاتل).
[4] في (أ): (ليس).





31- وبه قال: ((حدثنا عبد الرحمن بن المبارك)) بن عبد الله العَيْشي؛ بفتح العين المهملة، وسكون المثناة التحتية، وبالشين المعجمة، البصري، المتوفى سنة تسع وعشرين ومئتين ((قال: حدثنا حماد بن زيد)) بن درهم أبو إسماعيل، الأزرقي، الأزدي، البصري، المتوفى سنة تسع وسبعين ومئة ((قال: حدثنا أيوب)) ؛ هو السختياني، ((ويونس)) بن عبيد بن دينار، البصري، المتوفى سنة تسع وثلاثين ومئة؛ كلاهما ((عن الحسن)) أبي سعيد بن أبي الحسن الأنصاري، المتوفى سنة ست عشرة ومئة، ((عن الأحنف)) ، من الحنف-وهو الاعوجاج في الرجل- بالمهملة والنون: أبي بحر الضحاك، ((بن قيس)) بن معاوية المخضرم، المتوفى بالكوفة سنة سبع وستين في إمارة ابن الزبير، ((قال: ذهبت لأنصُر)) أي: لأجل أن أنصر ((هذا الرجل)) : هو علي بن أبي طالب؛ كما في «مسلم»، وللمؤلف في (الفتن) : أريد نصرة ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك يوم وقعة الجمل، ((فلقيني أبو بَكْرة)) نُفَيع-بضم النون وفتح الفاء- ابن الحارث بن كَلَدة؛ بالكاف واللام المفتوحتين، المتوفى بالبصرة سنة اثنتين وخمسين، ((فقال)) لي: ((أين تريد؟ قلت)) ، وفي رواية: (فقلت) : أريد مكانًا؛ لأنَّ السؤال عن المكان والجواب بالفعل؛ فيؤوَّل بذلك، ((أنصر)) أي: لكي أنصر ((هذا الرجل، قال: ارج) ع) وكان منعه اجتهادًا منه، فهو مثاب عليه، ((فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم)) حال كونه ((يقول: إذا التقى المسلمان بسيفيهما)) ، وفي رواية: (إذا توجه المسلمان بسيفيهما) فضرب كل واحد منهما الآخر؛ ((فالقاتل والمقتول في النار)) ؛ أي: يستحقَّانها، وأمرهما مفوض إليه تعالى؛ كما في حديث عبادة: «فإن شاء؛ عفا عنهما، وإن شاء؛ عاقبهما، ثم أخرجهما من النار، فأدخلهما الجنة»؛ كما ثبت في حديث أبي سعيد، وفيه إشارة إلى مذهب المعتزلة القائلين بوجوب العقاب، وأجيب بالمنع؛ لما علمت.

وهذا الحديث ليس عامًا، فإن القاتل والمقتول من الصحابة في الجنة؛ لأنَّ قتالهم عن اجتهاد وظنِّ صلاح، فهما مأجوران، من أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر واحد [1] ، والحق الذي عليه أهل السنة والجماعة: الإمساك عما صدر بين الصحابة وحسن الظن بهم، فإنَّهم مجتهدون، وقد رفع الله الحرج عن المجتهد المخطئ في الفروع، وتوقف الطبري وغيره في تعيين المحق منهم، والجمهور على أن عليًّا رضي الله عنه وأشياعه كانوا مصيبين؛ لأنَّه كان أحقَّ الناس بها وأفضل من على وجه الأرض حينئذٍ؛ فتأمل، وقد رجع الأحنف عن رأي أبي بَكْرة في ذلك، وشهد مع عليٍّ باقي حروبه، والله أعلم.

قال أبو بكرة: ((فقلت)) وفي رواية: (قلت) : ((يا رسول الله؛ هذا القاتل)) يستحق النار؛ لكونه ظالمًا ((فما بال المقتول)) ؛ وهو مظلوم؟ ((قال)) عليه السلام: ((إنه كان حريصًا)) ؛ أي: شجيعًا ((على قتل صاحبه)) ، وإنما أدخل الحرص على القتل وهو صغيرة، في سلك القتل وهو كبيرة؛ لمجرد كونهما في النار فقط، وإن تفاوتا صغرًا وكبرًا، وفيه دلالة على أن من عزم على المعصية بقلبه ووطَّن في نفسه عليها؛ أَثِمَ في اعتقاده وعزمه، ولهذا جاء بلفظ (الحرص) .

ويُحمل قوله عليه السلام: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلموا أو تعملوا به»، والحديث الآخر: «إذا هم عبدي بسيئة؛ فلا تكتبوها عليه» على أن ذلك فيما لم يوطِّن نفسه عليها، وإنما مرَّ ذلك من غير استقرار، ويُسمَّى هذا: همًّا، وبه يفرَّق بين الهمِّ والعزم، وإن عزم؛ تكتب سيئة، فإذا عملها؛ كتبت معصية ثانية؛ كذا حققه الشيخ الإمام بدر الدين العيني رضي الله عنه.

[1] في الأصل: (من أصاب له أجران ومن أخطأ له أجر واحد) والوجه اقتران الجواب بالفاء.