إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: يا أبا ذر أعيرته بأمه؟إنك امرؤ فيك جاهلية

30- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) بالمُوحَّدة الأزديُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ وَاصِلٍ) هو ابن حَيَّان _بالمُهمَلَة المفتوحة والمُثنَّاة التَّحتيَّة المُشدَّدة_ ولغير أبوي ذَرٍّ والوقت: ((عن واصلٍ الأحدب)) وللأَصيليِّ: ((هو الأحدب)) (عَنِ الْمَعْرُورِ) بعينٍ مُهملَةٍ وراءين مُهمَلَتين بينهما واوٌ، وفي رواية ابن عساكر زيادة: ((ابن سويد)) (قَالَ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: ((وقال)): (لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ) بالذَّال المُعجَمَة المفتوحة وتشديد الرَّاء، جُندبُ، بضمِّ الجيم والدَّال المُهملَة، وقد تُفتَح، ابن جُنادة _بضمِّ الجيم_ الغفاريُّ السَّابق في الإسلام، الزَّاهد القائل بحرمة ما زاد من المال على الحاجة، المُتوفَّى سنة اثنين وثلاثين، حال كونه [1] (بالرَّبَذَة) بفتح الرَّاء والمُوحَّدة والذَّال المُعجَمَة، منزلٌ للحاجِّ العراقيِّ على ثلاث مراحل من المدينة، وله في «البخاريِّ» أربعةَ عَشَرَ حديثًا (وَعَلَيْهِ) أي: لقيته حال كونه عليه (حُلَّةٌ) بضمِّ المُهمَلَة؛ ولا تكون إلَّا من ثوبين، سُمِّيا بذلك لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يحلُّ على الآخر (وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ) أي: وحال كون غلامه عليه حُلَّةٌ، ففيه ثلاثة أحوالٍ، قال في «فتح الباري»: ولم يُسمَّ غلام أبي ذَرٍّ، ويحتمل أن يكون أبا مراوحٍ [2] مولى أبي ذَرٍّ (فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ) أي: عن تساويهما في لبس الحُلَّة، وسبب السُّؤال: أنَّ العادةَ جاريةٌ بأنَّ ثياب الغلام دون ثياب سيِّده (فَقَالَ) أبو ذَرٍّ رضي الله عنه: (إِنِّي سَابَبْتُ) بمُوحَّدتَين، أي: شاتمتُ (رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ) بالعين المُهملَة، أي: نسبته إلى العار، وعند المؤلِّف في «الأدب المُفرَد»: وكانت أمُّه أعجميَّةً فَنِلْتُ منها، وفي روايةٍ: «فقلت له: يا بْن السَّوداء» (فَقَالَ لِيَ [3] النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم: يَا أَبَا ذَرٍّ؛ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟!) بالاستفهام على وجه الإنكار التَّوبيخيِّ (إِنَّكَ امْرُؤٌ) بالرَّفع خبر «إنَّ»، وعين كلمته تابعةٌ للامها في أحوالها الثَّلاث (فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ) بالرَّفع مبتدأٌ قُدِّم خبره، ولعلَّ هذا كان من أبي ذَرٍّ قبل أن يعرف تحريم ذلك، فكانت تلك الخصلة من خصال الجاهليَّة باقيةً عنده؛ ولذا قال له عليه الصلاة والسلام: «إنَّك امرؤٌ فيك جاهليَّةٌ» وإلَّا فأبو ذَرٍّ من الإيمان بمنزلةٍ عاليةٍ، وإنَّما وبَّخه بذلك _على عظيم منزلته_ تحذيرًا له عن معاودة مثل ذلك، وعند الوليد بن مسلمٍ منقطعًا _كما ذكره في «الفتح»_ أنَّ الرَّجل المذكور هو بلال المؤذِّن، وروى البرماويُّ: أنَّه لما شكاه بلالٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «شتمتَ بلالًا وعيَّرتَه بسواد أُمِّه؟» قال: نعم [4]، قال: «حسبتُ أنَّه بقي فيك شيءٌ من كِبر الجاهليَّة»، فألقى أبو ذَرٍّ خدَّه على التُّراب، ثمَّ قال: لا أرفع خدِّي حتَّى يَطَأَ بلالٌ خدّي بقدمه. زاد ابن الملقِّن: فَوَطِئَ خدَّه. انتهى.
ج1ص115
ثمَّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِخْوَانُكُمْ) أي: في الإسلام، أو من جهة أولاد آدمَ، فهو على سبيل المجاز (خَوَلُكُمْ) بفتح أوَّله المُعجَم والواوِ، أي: خدمكم أو عبيدكم الذين يتخوَّلون الأمور، أي: يصلحونها، وقدَّم الخبرَ على المبتدأ في قوله: «إخوانُكم خَوَلُكم» للاهتمام بشأن الأخوَّة، ويجوز أن يكونا خبرين حُذِفَ من كلٍّ مبتدؤُه، أي: هم إخوانُكم هم خَوَلُكم، وأعربه الزَّركشيُّ بالنَّصب، أي: احفظوا، قال: وقال أبو البقاء: إنَّه أجود، لكنْ رواه البخاريُّ في «كتاب حسن الخلق» [خ¦6050]: «هم إخوانكم» وهو يرجِّح تقدير الرَّفع، هم (جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ) مجازٌ عن القدرة أو المُلْك، أي: وأنتم مالكون إيَّاهم (فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ) أي: من الذي يأكله ومن الذي يلبسه، والمُثنَّاة التَّحتيَّة في «فليُطعمه» و«ليُلبسه» مضمومةٌ، وفي «يَلبس» مفتوحةٌ، والفاء في «فمن» عاطفةٌ على مقدَّرٍ، أي: وأنتم مالكون...؛ إلى آخر ما مرَّ، ويجوز أن تكون سببيَّة؛ كما في: {فَتُصبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً} [الحج: 63] و«مِن»: للتَّبعيض، فإذا أطعم عبده ممَّا يقتاته كان قد أطعمه ممَّا يأكله، ولا يلزمه أن يطعمه من كلِّ مأكوله على العموم؛ من الأدم وطيِّبات العيش، لكنْ يُستَحبُّ له ذلك (وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا) أي: الذي (يَغْلِبُهُمْ) أي: تعجز قدرتهم عنه، والنَّهيُ فيه [5] للَّتحريم (فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ) ما يغلبهم (فَأَعِينُوهُمْ) ويلحق بالعبد: الأجير والخادم والضَّيف والدَّابَّة.
وفي الحديث: النَّهيُ عن سبِّ العبيد ومَنْ في معناهم، وتعييرِهم بآبائهم، والحثُّ على الإحسان إليهم والرِّفق بهم، وأنَّ التَّفاضل الحقيقيَّ بين المسلمين إنَّما هو في التَّقوى [6]، فلا يفيد الشَّريف النَّسيب نسبه إذا لم يكن من أهل التَّقوى، ويفيد الوضيع النَّسب بالتَّقوى، قال الله تعالى: {إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] وجواز إطلاق «الأخ» على الرَّقيق، والمُحافَظة على الأمر بالمعروف والنَّهي عن المُنكَر، وفي رجاله بصريٌّ وواسطيٌّ وكوفيَّان، والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «العتق» [خ¦2545] و«الأدب» [خ¦6050]، ومسلمٌ في «الأيمان والنُّذور»، وأبو داودَ، والتِّرمذيُّ باختلاف ألفاظٍ بينهم.
ج1ص116


[1] قوله: «سنة اثنين وثلاثين، حال كونه» سقط من (س).
[2] في (ل): «مُرَاح».
[3] «لي»: سقط من (م).
[4] «قال: نعم»: سقط من (م).
[5] في (م): «عنه».
[6] في (م): «بالتقوى».