إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب كفران العشير وكفر دون كفر

(21) هذا (بابُ) بغير تنوينٍ لإضافته لقوله: (كُفْرَانِ الْعَشِيرِ) وهو الزَّوج، كما يدلُّ [1] عليه السِّياق، قِيلَ له: عشيرٌ بمعنى مُعاشِرٍ، والمُعَاشَرَةُ المُخَالَطَةُ أو الإلْفُ، واللَّامُ للجنس، والكفران من الكَفْر _بالفتح_ وهو السَّتر، ومن ثمَّ سُمِّيَ ضدُّ الإيمان كفرًا؛ لأنَّه ستر على الحقِّ وهو التَّوحيد، وأُطْلِقَ أيضًا على جحد النِّعم، لكنِ الأكثرون على تسمية ما يقابل الإيمان كفرًا، وعلى جحد النِّعم كفرانًا، وكما أنَّ الطَّاعات تُسمَّى إيمانًا كذلك المعاصي تُسمَّى كفرًا، لكن حيث يُطلَق عليها الكفر لا يُرَاد به المخرِجُ عن [2] الملَّة، ثمَّ إن هذا الكفر يتفاوت في معناه، كما أشار إليه المؤلِّف بقوله: (وَكُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ) كذا للأربعة، أي: أقرب من كفرٍ، فأخذ أموال النَّاس بالباطل دون قتل النَّفس بغير حقٍّ، وفي بعض الأصول: ((وكفرٍ بعد كفرٍ)) ومعناه كالأوَّل، وهو الذي في فرع «اليونينيَّة» كهي، لكنَّه ضُبِّب عليه، وأثبت على الهامش الأوَّل راقمًا عليه علامة أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكرَ وأصل السِّميساطيِّ، والجمهور على جرِّ «وكفرٍ» عطفًا على «كفرانِ» المجرور، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: ((وكفرٌ)) بالرَّفع على القطع، وخصَّ المؤلِّف «كفران العشير» من بين أنواع الذُّنوب _كما قال ابن العربيِّ_ لدقيقةٍ بديعةٍ؛ وهي قوله عليه الصلاة والسلام: «لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحدٍ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» فقرن حقَّ الزَّوج على الزَّوجة بحقِّ الله تعالى، فإذا كَفَرَتِ المرأةُ حقَّ
ج1ص113
زوجها وقد بلغ من حقِّه عليها هذه الغاية كان ذلك دليلًا على تهاونها بحقِّ الله تعالى، وقال ابن بطَّالٍ: كفر نعمة الزَّوج هو كفر نعمة الله؛ لأنَّها من الله سبحانه أجراها على يده.
وقال المؤلِّف رحمه الله: (فِيهِ) أي: يدخل في الباب حديثٌ رواه (أَبو سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) كما أخرجه المؤلِّف في «الحيض» [خ¦304] وغيره [خ¦1462] من طريق عياض بن عبد الله عنه، ولكريمةَ وغير الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: ((فيه عن أبي سعيدٍ)) ولأبي الوقت زيادة: ((الخدريِّ)) أي: مرويٌّ عن أبي سعيدٍ، ونبَّه بذلك على أنَّ للحديث طريقًا غير هذه الطَّريق التي ساقها هنا، وزاد الأَصيليُّ بعد قوله: «وسلَّم»: ((كثيرًا)) [3].
ج1ص114


[1] في (ب) و(س): «دلَّ».
[2] في (م): «من».
[3] قوله: «وزاد الأصيليُّ بعد قوله: وسلَّم: كثيرًا» سقط من (م).