متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

27- وبسندي الذي قدَّمته أوَّلَ هذا التَّعليق إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافعٍ الحمصيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا)، وللأَصيليِّ: ((حدَّثنا)) (شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة الأمويُّ، (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ)؛ بتشديد القاف، و«سعْد»: بسكون العين، واسم أبي وقَّاص مالكٌ، القرشيُّ، المتوفَّى بالمدينة سنة ثلاثٍ أو أربعٍ ومئةٍ، (عَنْ) أبيه (سَعْدٍ) المذكورِ، أحد العشرة المبشَّرة بالجنَة، المُتوفَّى آخرهم بقصره بالعقيق؛ على عشرة أميالٍ من المدينة، سنة سبعٍ وخمسين، وحُمِل على رقاب الرِّجال إلى المدينة، ودُفِنَ بالبقيع، وله في البخاريِّ عشرون حديثًا (رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَعْطَى رَهْطًا) من المؤلَّفة شيئًا من الدُّنيا لمَّا سألوه _كما عند الإسماعيليِّ_ ليتألَّفهم لضعف إيمانهم، والرَّهط: العدد من الرِّجال لا امرأةَ فيهم، من ثلاثةٍ أو سبعةٍ إلى عشرةٍ، أو ما [1] دون العشرة، ولا واحدَ له من لفظه، وجمعه: أرهطٌ، وأراهطُ، وأرهاطٌ، وأراهيطُ، (وَسَعْدٌ جَالِسٌ): جملة ٌاسميَّةٌ وقعت حالًا، ولم يَقُلْ: وأنا جالسٌ _كما هو الأصل_ بل جرَّد من نفسه شخصًا، وأخبر عنه بالجلوس، أو هو من باب الالتفات من التكلُّم _الذي هو مُقتضَى المقام_ إلى الغَيبة، كما هو قول صاحب «المفتاح»، قال سعدٌ: (فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلًا) سأله أيضًا مع كونه أحبَّ إليه ممَّن أعطى، وهو جُعَيلُ بن سراقةَ الضَّمريُّ المهاجريُّ، (هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ)؛ أي: أفضلُهم وأصلحُهم في اعتقادي، والجملة نصب صفةٍ لـ: «رجلًا»، وكان السِّياق يقتضي أن يقول: أعجبهم إليه؛ لأنَّه قال: «وسعدٌ جالسٌ»، بل قال: «إليَّ» على طريق الالتفات من الغِيبة إلى التَّكلُّم، (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟)؛ أي: أيُّ سبب لِعُدُولِكَ عنه إلى غيره؟! ولفظ «فلانٍ» كنايةٌ عن اسمٍ أُبْهِمَ بعد أن ذُكِرَ، (فَوَاللهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا)؛ بفتح الهمزة؛ أي: أَعْلَمُهُ، وفي رواية أبي ذَرٍّ وغيره هنا كالزَّكاة [خ¦1478] : ((لأُراه))؛ بضمِّها؛ بمعنى: أظنُّه، وبه جزم القرطبيُّ في «المفهم»، وعبارته: الرِّواية: بضمِّ الهمزة، وكذا رواه الإسماعيليُّ وغيره، ولم يجوِّزه النَّوويُّ؛ محتجًّا بقوله الآتي: «ثمَّ غلبني ما أعلم منه»، ولأنَّه راجع النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم مرارًا، فلو لم يكن جازمًا باعتقاده؛ لَمَا كرَّر [/ج1ص111/] المُراجَعة، وتُعقِّب: بأنَّه لا دلالةَ فيه على تعيُّن الفتح؛ لجواز إطلاق العلم على الظَّنِّ الغالب؛ نحو قوله تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} [الممتحنة: 10] ؛ أي: العلم الذي يمكنكم تحصيله، وهو الظَّنُّ الغالب بالحلف وظهور الأمارات، وإنِّما سمَّاه علمًا؛ إيذانًا بأنَّه كالعلم في وجوب العمل به، كما قاله البيضاوي، وأُجِيب: بأنَّ قَسَمَ سعدٍ وتأكيد كلامه بـ: «إنَّ» و«اللَّام»، ومراجعته للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وتكرار نسبة العلم إليه؛ يدلُّ على أنَّه كان جازمًا باعتقاده، (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: ((قال)): (أَوْ مُسْلِمًا)؛ بسكون الواو فقط؛ بمعنى الإضراب على قول سعدٍ، وليس الإضراب هنا بمعنى إنكار كون الرَّجل مؤمنًا، بل معناه: النَّهي عن القطع بإيمان من لم يختبر حاله الخبرة الباطنة؛ لأنَّ الباطن لا يطَّلع عليه إلَّا الله، فالأَوْلى: التَّعبير بالإسلام الظَّاهر، بل في الحديث إشارةٌ إلى إيمان المذكور؛ وهي قوله: «لَأعطي الرجلَ وغيرُهُ أحبُّ إليَّ منه»، قال سعدٌ: (فَسَكَتُّ) سكوتًا (قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا)؛ أي: الذي (أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ)؛ أي: فرجعتُ (لِمَقَالَتِي)؛ مصدرٌ ميميٌّ بمعنى القول؛ أي: لِقولي، وثبت لأبي ذَرٍّ وابن عساكر: ((فعدتُ))، وسقط للأَصيليِّ وأبي الوقت لفظ: ((لمقالتي))، (فَقُلْتُ): يا رسول الله؛ (مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لأُرَاهُ) باللَّام وضمِّ الهمزة كذا رواه ابن عساكرَ، ورواه أبو ذَرٍّ: ((أَراه)) (مُؤْمِنًا، فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (أَوْ مُسْلِمًا، فسكتُّ) سكوتًا (قليلًا) وسقط للحَمُّويي قوله: ((فسكتُّ قليلًا))، (ثُمَّ غَلَبَنِي مَا)؛ أي: الذي (أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، وَعَادَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم)، وليس في رواية الكُشْمِيهَنيِّ إعادة السُّؤال ثانيًا، ولا الجواب عنه، وإنَّما لم يقبل عليه الصلاة والسلام قول سعد في جُعَيلٍ؛ لأنَّه لم يخرج مخرج الشَّهادة، وإنَّما هو مدحٌ له، وتوسُّلٌ في الطَّلب لأجله، ولهذا ناقشه في لفظه، نعم؛ في الحديث نفسِهِ ما يدلُّ على أنَّه عليه الصلاة والسلام قَبِلَ قوله فيه، وهو قوله: (ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم مرشدًا له إلى الحكمة في إعطاء أولئك وحرمان جُعَيْلٍ، مع كونه أحبَّ إليه ممَّن أعطاه: (يَا سَعْدُ؛ إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ) الضَّعيف الإيمانِ العطاءَ؛ أتألَّفُ قلبَه به، (وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ)؛ جملةٌ حاليَّةٌ، وفي رواية أبي ذَرٍّ [2] والحَمُّويي والمستملي: ((أعجبُ إليَّ منه))؛ (خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ الله)؛ بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة، وضمِّ الكاف، ونصب الموحَّدة بـ: «أن»؛ أي: لأجل خشية كبِّ الله إيَّاه؛ أي: إلقائه منكوسًا (فِي النَّارِ)؛ لكفره، إمَّا بارتداده إن لم يُعْطَ، أو لكونه ينسب الرَّسول عليه الصلاة والسلام إلى البخل، وأمَّا من قَوِيَ إيمانه؛ فهو أحبُّ إليَّ، فأَكِلُهُ إلى إيمانه، ولا أخشى عليه رجوعًا عن دينه، ولا سوءًا في اعتقاده، وفيه الكناية؛ لأنَّ الكبَّ في النَّار مِنَ لازِمِ الكفر، فأطلق اللَّازم وأراد الملزوم.

وفي الحديث: دلالةٌ على جواز الحلف على الظَّنِّ عند من أجاز ضمَّ همزة «أراه»، وجواز الشَّفاعة إلى ولاة الأمور وغيرهم، ومُرَادَدة الشَّفيع إذا لم يؤدِّ إلى مفسدةٍ، وأنَّ المشفوع إليه لا عتبَ عليه إذا رَدَّ الشَّفاعة، إذا كانت خلاف المصلحة، وأنَّ الإمام يصرف الأموال في مصالح المسلمين الأهمَّ فالأهمِّ، وأنَّه لا يقطع لأحدٍ على التَّعيين بالجنَّة إلَّا العشرة المبشَّرة، وأنَّ الإقرار باللِّسان لا ينفع إلَّا إذا قُرِنَ [3] به الاعتقاد بالقلب، وعليه الإجماعُ _كما مرَّ_ واستدلَّ به عياضٌ لعدم ترادف الإيمان والإسلام، لكنَّه لا يكون مؤمنًا إلَّا مسلمًا، وقد يكون مسلمًا غير مؤمنٍ.

وفيه التَّحديث والإخبار والعنعنة، وفيه ثلاثة رواةٍ زهريُّون مدنيُّون، وثلاثةٌ تابعيُّون، يروي بعضهم عن بعضٍ، ورواية الأكابر عن الأصاغر، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الزَّكاة» [خ¦1478] ، ومسلمٌ في «الإيمان» و«الزَّكاة».

قال المؤلِّف: (وَرَوَاهُ)؛ بواو العطف، وللأربعة: بإسقاطها؛ أي: هذا الحديث أيضًا [4] عن (يُونُس) بن يزيد [5] الأيليّ (وَصَالِح)؛ يعني: ابن كيسان المدنيُّ، (وَمَعْمَر) بفتح الميمين؛ يعني: ابن راشدٍ البصريُّ (وَابْن أَخِي الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن عبد الله بن مسلمٍ، المُتوفَّى _فيما جزم به النَّوويُّ_ في سنة اثنتين وخمسين ومئةٍ، هؤلاء الأربعة: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ بإسناده، كما رواه شعيبٌ عنه، فحديث يونس موصولٌ في كتاب «الإيمان» لعبد الرَّحمن بن عمر، الملقَّب رستهْ، وهو قريبٌ من سياق الكُشْمِيهَنيِّ، ليس فيه إعادة السُّؤال ولا الجواب عنه، وحديث [/ج1ص112/] صالحٍ موصولٌ عند المؤلِّف في «الزَّكاة» [خ¦1478] ، وحديث معمر عند أحمد ابن حنبل والحميديِّ وغيرهما عن عبد الرَّزَّاق عنه، وقال فيه: إنَّه أعاد السُّؤال ثلاثًا، وحديث ابن أخي الزُّهريِّ عند مسلمٍ، وساق فيه السُّؤال والجواب ثلاثَ مرَّاتٍ، والله تعالى أعلم.

[1] في (ب) و(س): «مما».
[2] «أبي ذَرٍّ»: سقط من (م).
[3] في (م): «اقترن».
[4] زيد في (م): «عن».
[5] في (ب): «زيد»، وهو تحريفٌ.





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

27-. حدَّثنا أَبُو اليَمانِ، قالَ: أخبَرَنا [1] شُعَيْبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، قالَ: أخبَرَني عامِرُ بنُ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ:

عن سَعْدٍ رَضيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَىَ رَهْطًا وَسَعْدٌ جالِسٌ، فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا هو أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما لَكَ عن فُلانٍ؛ فَواللَّهِ إِنِّي [2] لأَراه [3] مُؤْمِنًا؟! فقالَ [4] : «أَوْ مُسْلِمًا». فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي ما أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ [5] لِمَقالَتِي [6] فَقُلْتُ: ما لَكَ عن فُلانٍ؛ فَواللَّهِ إِنِّي لأَراه [7] مُؤْمِنًا؟! فقالَ: «أَوْ مُسْلِمًا» [8] . ثُمَّ غَلَبَنِي [9] ما أَعْلَمُ مِنْهُ فَعُدْتُ لِمَقالَتِي، وَعادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قالَ: «يا سَعْدُ، إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ، وَغَيْرُهُ أَحَبُّ [10] إِلَيَّ مِنْهُ؛ خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ».

وَرَواهُ [11] يُونُسُ وَصالِحٌ وَمَعْمَرٌ وابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ عن الزُّهْرِيِّ. [/ج1ص14/]

[1] في رواية الأصيلي: «حدَّثنا».
[2] لفظة: «إني» ثابتة في رواية أبي ذر أيضًا (ب، ص).
[3] في رواية أبي ذر: «لأُراهُ» بالضمِّ، وعزا في (ص) المثبت في المتن إلى رواية ابن عساكر أيضًا.
[4] في رواية ابن عساكر والأصيلي: «قال».
[5] قوله: «فعدت» ثابت في رواية أبي ذر والأصيلي أيضًا.
[6] قوله: «لمقالتي» ليس في رواية ابن عساكر ولا في رواية السَّمعاني عن أبي الوقت.
[7] في رواية ابن عساكر: «لأُراه» بالضم.
[8] من قوله: «ما لك» إلىَ قوله: «أو مسلمًا» ثابت في رواية أبي ذر والمُستملي أيضًا.
[9] في رواية ابن عساكر ورواية أبي ذر عن المُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «فَسَكَتُّ قليلًا ثم غلبني».
[10] في رواية أبي ذر والحَمُّويِي والمُستملي: «أعجبُ».
[11] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «رواه».





27- ( الرَّهْط ): الجماعة من الرجال لا تكون فيهم امرأة، وقيل: ما دون العشرة.

( إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا ) هو بفتح الهمزة، قال النووي: ولا يجوز ضمُّها على أن يجعل بمعنى أظن؛ لأنَّه قال: ( ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ ).

وقال القرطبي: الرواية بالضم بمعنى أظنُّه، وهو منه حَلِفٌ على ظنِّه، ولم ينكر عليه.

( أَوْ مُسْلِمًا ) بإسكان الواو على الإضراب عن قوله والحكم بالظاهر، كأنه قال: بل مسلمًا ولا يُقطع بإيمانه؛ فإن الباطن لا يعلمه إلا الله.

( يَكُبَّهُ ) بفتح أوله [ب:8] وضم ثانيه، أي: يلقيه، أكبَّ الرجل وكبَّه غيره، والمعروف أن يكون الفعل اللازم بغير همزة ويتعدَّى بها، وهنا عكسه، وسيأتي فيه مزيد بيان.


27# (رَهْطًا) هم ما دون العشرة من الرجال لا يكون فيهم امرأة، كذا في «الصحاح».

(رَجُلًا هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ) يقال:

@%ج1ص51%

هو جُعيل بن سُراقة، وفي «مغاري الواقدي»: ما يدل على ذلك.

(لأَرَاهُ مُؤْمِنًا) قال النووي: بفتح [1] الهمزة، ولا يجوز ضمها، على أن تجعل بمعنى: أظن؛ لأنه قال: ((ثم غلبني ما أعلم منه)).

وقال القرطبي: الرواية بالضم بمعنى: أظنه، وهو منه حَلفٌ على ظنه، ولم يُنكِر عليه [2] .

قال ابن المنيِّر: لو خَرجَ قولُ [3] سعد مخرجَ الشهادة، ما أُنكِر عليه بتُّ القول بأنه مؤمن، بل على الشاهد أن يَبُتَّ [4] شهادته في التزكية، وهي أشد من الإيمان؛ لأنها إيمان وعدالة، وإنما خرج مخرج المدح لصاحبه، والتوسلِ له في طلب العطاء، فلذا نوقش في لفظه.

(أَوْ مُسْلِمًا) بإسكان الواو.

قال [5] الزركشي: على الإضراب عن قوله، والحكم بالظاهر؛ كأنه [6] قال: بل مسلمًا، ولا يقطع بإيمانه؛ فإنَّ الباطن لا يعلمُه إلا الله.

قلتُ: سيبويه يراها للإضراب [7] بشرطين: تقدُّم نفي أو نهي، وإعادةُ العامل؛ نحو: ما قام زيد، أو ما قام عمرٌو، ولا يقم زيدٌ، أو لا يقم عمرٌو، وكلاهما في الحديث منتفٍ.

نعم، الكوفيون وبعض البصريين يرونها للإضراب مطلقًا، وعليه يتأتى ما قاله الزركشي.

ويمكن جعلُها للشك عند الجميع، والمعنى [8] : قل لأراه [9] مؤمنًا أو مسلمًا، أرشده بذلك إلى التعبير بعبارة سالمة [10] عن الحرجِ؛ إذ لا بتَّ فيها بأمرٍ باطن لا يُطَّلع عليه.

(يَكُبَّهُ) بفتح الياء، مضارع كَبَّه: إذا ألقاه، وهو متعدٍّ بدون الهمزة، فإذا جاءت صار لازمًا، يقال: أكبَّ الرجلُ، على العكس ممَّا [11] هو

@%ج1ص52%

معروفٌ.

[1] في (ج) و(د): ((هو بفتح)).
[2] ((عليه)): ليست في (ق).
[3] في (ق): ((فعل)).
[4] في (ق): ((ثبت))، في (د): ((يثبت)).
[5] في (ق): ((وقال)).
[6] في (م) و(ج): ((فإنه)).
[7] في (ج) و(د) زيادة : ((بل مسلماً)).
[8] ((والمعنى)): ليست في (ق).
[9] في (د): ((لا أراه)).
[10] في (ق): ((سأله)).
[11] في (ق): ((ما)).





27- قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ): هو الحكمُ بن نافعٍ، تقدَّم.

قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ): تقدَّم أنَّه العلَم الفرد أبو بكر ابن شهاب، واسمُ الزُّهريِّ محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب.

قوله: (أَعْطَى رَهْطًا): هو ما دون العشرة من الناس، ويقال: بل إلى الأربعين، وقيل: من الثلاثة إلى العشرة، وفي «الِّصحاح»: (الرهط: ما دون العشرة من الرِّجال لا يكون فيهم امرأة، قال تعالى: {وَكَانَ فِي المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ} [النمل: 48] ، فجمع، وليس له واحد من لفظه، والجمع: أرهط وأرهاط وأراهط؛ كأنَّه جمع رهط وأراهيط) .

فائدة شاردة: التسعةُ رَهْطٍ المذكورون: قدار بن سالف عاقر الناقة، ومصدع، وأسلم، ورُهَم، ورَهيم، ودعميٌّ، ودُعيم، وقتال، وصداف.

قوله: (رَجُلًا هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ): قال ابن شيخنا البلقينيِّ: (إنَّه جعيل بن سراقة) ، قال: (وفي «مغازي الواقديِّ» ما يدلُّ على ذلك) انتهى، وكذا قال حافظ عصري، وجُعيل هذا يقال له أيضًا: جعال بن سراقة الغفاريُّ، وقيل: الضمريُّ، من أهل الصُّفَّة، شهد أُحُدًا.

فائدة شاردة: لما صرخ إبليس لعنه الله [1] يوم أُحُد: أَلَا إنَّ محمَّدًا قد قُتِل؛ قال أبو عُمر في «استيعابه» في ترجمة جُعيل: (وكان رجلًا صالحًا دميمًا قبيحًا، أسلم قديمًا، وشهد مع رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أُحُدًا، ويقال: إنَّه الذي تصوَّر إبليس في صورته يوم أُحُدٍ) انتهى.

قوله: (لَأَرَاهُ): هو بفتح الهمزة، قال النَّوويُّ: ولا يجوزُ ضمُّها على أن يُجعَلَ بمعنى: أظنُّه؛ لأنَّه قال: (ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ) ، ولأنَّه راجعَ مِرارًا، ولو لَمْ يكن جازمًا باعتقاده؛ لما كرَّرَ المراجعةَ، وعن أبي العبَّاس القُرطبيِّ أنَّه قال: (الرِّوايةُ بضمِّ الهمزة؛ بمعنى: أظنُّه، وهو منه حَلِفٌ على ما ظنَّه....) إلى آخر كلامه.

قوله: (أَوْ مُسْلِمًا): قال ابن قُرقُول: (هذه ساكنة الواو على معنى: الإضراب عن قوله والحكمِ بالظَّاهر، كأنَّه قال: بلْ مُسلمًا، فلا تَقطَعْ على مُغيَّبَةٍ؛ لأنَّ حقيقةَ الإيمان في القلب لا يعلَمُها إلَّا اللهُ عزَّ وجلَّ، وإنَّما تَعلَمُ الظاهرَ؛ وهو الإسلامُ، وقد تكون بمعنى: الشَّكِّ-وقد قرَّره وأنَّها إذا كانت له؛ كانت ساكنة الواو- أي: لا تقطع بأحدِهما دون الآخرِ، ولا يصحُّ فتحُ الواو هنا جملةً) [2] .

وقال شيخُنا الشَّارح: («أوْ» بإسكان الواو، وهي التي للتَّقسيم والتَّنويع، أو للشَّكِّ والتَّشريك، ومَنْ فتحَها؛ أخطأَ وأحالَ المعنى...) إلى آخر كلامه، ثمَّ قال: (وأغربَ بعضُهم، وادَّعى أنَّ قولَه: «أوْ مسلمًا»: أمرَه ألَّا يَقطعَ بإيمانِه، بل يقولُهُما؛ لأنَّه أحوطُ) [3] .

قوله: (خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللهُ): (يَكُبَّهُ): بفتح أوَّلِه، وضمِّ الكاف، ثلاثيٌّ، يُقال: أكبَّ الرجل وكَبَّه اللهُ، وهذا بناءٌ غريبٌ، فإنَّ المعروفَ أن يكون الفعلُ اللَّازم بغير همزٍ فيُعَدَّى بها، وهنا عكسُه، وقد أشار إلى ذلك البخاريُّ في موضع من «الصحيح» [4] .

فائدة: أحفظ من هذا الباب [5] قولهم: (أجفل الظَّلِيم وجفلته الرِّيح) ، و (أشنق البعير؛ إذا رفع رأسَه، وشنقتُه أنا) ، و (أنزفت البئر؛ إذا ذهب ماؤُها، ونزفتُها أنا) ، و (أقشع الغيم وقشعته الريح) ، و (انسلَّ ريشُ الطَّائر ونسلته) ، و (أمرتِ الناقة؛ إذا درَّ لبنُها ومريتها) ، و (ألوَت الناقةُ بذنبها ولوتْ ذنبها) ، و (صرَّ الفرس أذنه وأصرَّ بأذنه) ، و (علوت الوسادة وأعليت عليها) ، و (حجمته فأحجم) ؛ أي: كففته فانكفَّ [6] ، و (عرضتُ [/ج1ص24/] الشَّيء فأعرض) ؛ أي: أظهرته، فظهر، و (أمشطتِ المرأةُ ومشطتْها الماشطةُ) انتهى [7] ، قال القاضي: (الرِّوايةُ الصَّحيحةُ: «يَكُبَّه»؛ بفتح أوَّله) .

قوله: (رَوَاهُ يُونُسُ): هو يونس بن يزيد الأيليُّ، تقدَّم، وما رواه يونس ليس في شيء من الكتب السِّتَّة إلَّا ما هنا، ولم يخرِّجه شيخنا رحمه الله.

قوله: (وَصَالِحٌ): هو ابن كيسان، وهو أكبر من الزُّهريِّ؛ لأنَّه رأى ابن عمر، فهو من رواية الأكابر عنِ الأصاغر، وتعليقه هذا أخرجه البخاريُّ [8] في (الزَّكاة) .

قوله: (وَمَعْمَرٌ): هو بإسكان العين، وهو ابن راشد، تقدَّم، وتعليقُ معمر أخرجه مسلم في (الزَّكاة) عن إسحاق بن إبراهيم، وعبد بن حميد؛ كلاهما عن عبد الرَّزَّاق، عن مَعْمَر به، وأخرجه أبو داود في (السُّنَّة) عن أحمد ابن حنبل، عن عبد الرَّزَّاق به، وأخرجه فيه من طريق أخرى [9] ، وأخرجه النَّسائيُّ في (الإيمان) وفي (التفسير) مختصرًا [10] .

قوله: (وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ): هو محمَّد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله [11] بن شهابٍ الزُّهريِّ، ليَّنَهُ ابنُ معين، ووثَّقه أبو داود وغيرُه، [وقال أبو حاتم: (ليس بالقويِّ) ، وفي رواية الدَّارميِّ عنِ ابن معين: ضعيف] [12] ، وقد روى له الأئمَّةُ السِّتَّة، وله ترجمة في «الميزان»، ولكن جاز القنطرة كما تقدَّم، وما رواه هنا؛ لم أره في شيءٍ مِنَ الكتب السِّتَّة إلَّا ما هنا [13] .

قوله: (عن الزُّهْرِيِّ): تقدَّم أنَّه محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزُّهريُّ العالم.

[1] (اسم الجلالة): ليس في (ب) .
[2] «مطالع الأنوار» (*) .
[3] «التوضيح» (*) .
[4] في هامش (أ) بخطٍّ مغاير: (مسألة: الفعل إذا كان مجرَّدًا؛ يكون متعدِّيًا، فإذا نُقِل إلى باب «أفعل»؛ صار لازمًا، ذكر الشارح منه عدَّة كلمات؛ فقف عليها) .
[5] (الباب): ليست في (ج) .
[6] في (ب): (أي: لففته فانلف) .
[7] (انتهى): ليست في (ب) .
[8] (البخاري): ليس في (ب) .
[9] في (ب): (آخر) .
[10] (وفي «التفسير» مختصرًا): ليست في (ب) .
[11] (بن عبد الله): مثبت من (ب) .
[12] ما بين معقوفين سقط من (ب) .
[13] انظر «تهذيب الكمال» (25/554) .





27- (وَغَيْرُهُ): مبتدأٌ، و (أَحَبُّ): خبرُه، والجملةُ حاليَّةٌ.

و (خَشْيَةَ): منصوبٌ بأنَّه مفعولٌ له لـ (أُعْطِي) سواءٌ فيه روايةُ التَّنوينِ مع تنكيرِهِ [وتقديرِ لفظةِ (مِنْ) ؛ أي: خشيةً مِنْ أَنْ يكبَّه الله] ، وروايةُ الإضافةِ مع تعريفِه؛ لأنَّه مضافٌ إلى (أَنْ) مع الفعل، و (أَنْ) مع الفعل معرفةٌ، ويجوزُ في المفعولِ لأجلِه التَّعريفُ والتَّنكيرُ.

والمفعول الثَّاني من باب (أعطيتُ) محذوفٌ، والحذفُ إمَّا للتعميم؛ أي: أعطيه أيَّ شيءٍ كان، أو يُجْعَل المتعدِّي إلى اثنين كالمتعدِّي إلى واحد؛ أي: أُوجِدُ هذه الحقيقة؛ يعني: إعطاءَ الرَّجل، والفائدةُ فيهما المبالغة.

(يَكُبَّهُ): يقال: أكبَّ الرَّجلُ، وكَبَّهُ اللهُ، وهذا بناءٌ غريب، فإنَّ المعروفَ أنْ يكونَ الفعلُ اللَّازمُ بغير همزةٍ فيُعدَّى بها، وهنا عكسه، وقد أشار البخاريُّ إلى ذلك في موضع من «صحيحه».


27- وبسندي الذي قدَّمته أوَّلَ هذا التَّعليق إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافعٍ الحمصيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا)، وللأَصيليِّ: ((حدَّثنا)) (شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة الأمويُّ، (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ)؛ بتشديد القاف، و«سعْد»: بسكون العين، واسم أبي وقَّاص مالكٌ، القرشيُّ، المتوفَّى بالمدينة سنة ثلاثٍ أو أربعٍ ومئةٍ، (عَنْ) أبيه (سَعْدٍ) المذكورِ، أحد العشرة المبشَّرة بالجنَة، المُتوفَّى آخرهم بقصره بالعقيق؛ على عشرة أميالٍ من المدينة، سنة سبعٍ وخمسين، وحُمِل على رقاب الرِّجال إلى المدينة، ودُفِنَ بالبقيع، وله في البخاريِّ عشرون حديثًا (رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَعْطَى رَهْطًا) من المؤلَّفة شيئًا من الدُّنيا لمَّا سألوه _كما عند الإسماعيليِّ_ ليتألَّفهم لضعف إيمانهم، والرَّهط: العدد من الرِّجال لا امرأةَ فيهم، من ثلاثةٍ أو سبعةٍ إلى عشرةٍ، أو ما [1] دون العشرة، ولا واحدَ له من لفظه، وجمعه: أرهطٌ، وأراهطُ، وأرهاطٌ، وأراهيطُ، (وَسَعْدٌ جَالِسٌ): جملة ٌاسميَّةٌ وقعت حالًا، ولم يَقُلْ: وأنا جالسٌ _كما هو الأصل_ بل جرَّد من نفسه شخصًا، وأخبر عنه بالجلوس، أو هو من باب الالتفات من التكلُّم _الذي هو مُقتضَى المقام_ إلى الغَيبة، كما هو قول صاحب «المفتاح»، قال سعدٌ: (فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلًا) سأله أيضًا مع كونه أحبَّ إليه ممَّن أعطى، وهو جُعَيلُ بن سراقةَ الضَّمريُّ المهاجريُّ، (هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ)؛ أي: أفضلُهم وأصلحُهم في اعتقادي، والجملة نصب صفةٍ لـ: «رجلًا»، وكان السِّياق يقتضي أن يقول: أعجبهم إليه؛ لأنَّه قال: «وسعدٌ جالسٌ»، بل قال: «إليَّ» على طريق الالتفات من الغِيبة إلى التَّكلُّم، (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟)؛ أي: أيُّ سبب لِعُدُولِكَ عنه إلى غيره؟! ولفظ «فلانٍ» كنايةٌ عن اسمٍ أُبْهِمَ بعد أن ذُكِرَ، (فَوَاللهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا)؛ بفتح الهمزة؛ أي: أَعْلَمُهُ، وفي رواية أبي ذَرٍّ وغيره هنا كالزَّكاة [خ¦1478] : ((لأُراه))؛ بضمِّها؛ بمعنى: أظنُّه، وبه جزم القرطبيُّ في «المفهم»، وعبارته: الرِّواية: بضمِّ الهمزة، وكذا رواه الإسماعيليُّ وغيره، ولم يجوِّزه النَّوويُّ؛ محتجًّا بقوله الآتي: «ثمَّ غلبني ما أعلم منه»، ولأنَّه راجع النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم مرارًا، فلو لم يكن جازمًا باعتقاده؛ لَمَا كرَّر [/ج1ص111/] المُراجَعة، وتُعقِّب: بأنَّه لا دلالةَ فيه على تعيُّن الفتح؛ لجواز إطلاق العلم على الظَّنِّ الغالب؛ نحو قوله تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} [الممتحنة: 10] ؛ أي: العلم الذي يمكنكم تحصيله، وهو الظَّنُّ الغالب بالحلف وظهور الأمارات، وإنِّما سمَّاه علمًا؛ إيذانًا بأنَّه كالعلم في وجوب العمل به، كما قاله البيضاوي، وأُجِيب: بأنَّ قَسَمَ سعدٍ وتأكيد كلامه بـ: «إنَّ» و«اللَّام»، ومراجعته للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وتكرار نسبة العلم إليه؛ يدلُّ على أنَّه كان جازمًا باعتقاده، (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: ((قال)): (أَوْ مُسْلِمًا)؛ بسكون الواو فقط؛ بمعنى الإضراب على قول سعدٍ، وليس الإضراب هنا بمعنى إنكار كون الرَّجل مؤمنًا، بل معناه: النَّهي عن القطع بإيمان من لم يختبر حاله الخبرة الباطنة؛ لأنَّ الباطن لا يطَّلع عليه إلَّا الله، فالأَوْلى: التَّعبير بالإسلام الظَّاهر، بل في الحديث إشارةٌ إلى إيمان المذكور؛ وهي قوله: «لَأعطي الرجلَ وغيرُهُ أحبُّ إليَّ منه»، قال سعدٌ: (فَسَكَتُّ) سكوتًا (قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا)؛ أي: الذي (أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ)؛ أي: فرجعتُ (لِمَقَالَتِي)؛ مصدرٌ ميميٌّ بمعنى القول؛ أي: لِقولي، وثبت لأبي ذَرٍّ وابن عساكر: ((فعدتُ))، وسقط للأَصيليِّ وأبي الوقت لفظ: ((لمقالتي))، (فَقُلْتُ): يا رسول الله؛ (مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لأُرَاهُ) باللَّام وضمِّ الهمزة كذا رواه ابن عساكرَ، ورواه أبو ذَرٍّ: ((أَراه)) (مُؤْمِنًا، فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (أَوْ مُسْلِمًا، فسكتُّ) سكوتًا (قليلًا) وسقط للحَمُّويي قوله: ((فسكتُّ قليلًا))، (ثُمَّ غَلَبَنِي مَا)؛ أي: الذي (أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، وَعَادَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم)، وليس في رواية الكُشْمِيهَنيِّ إعادة السُّؤال ثانيًا، ولا الجواب عنه، وإنَّما لم يقبل عليه الصلاة والسلام قول سعد في جُعَيلٍ؛ لأنَّه لم يخرج مخرج الشَّهادة، وإنَّما هو مدحٌ له، وتوسُّلٌ في الطَّلب لأجله، ولهذا ناقشه في لفظه، نعم؛ في الحديث نفسِهِ ما يدلُّ على أنَّه عليه الصلاة والسلام قَبِلَ قوله فيه، وهو قوله: (ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم مرشدًا له إلى الحكمة في إعطاء أولئك وحرمان جُعَيْلٍ، مع كونه أحبَّ إليه ممَّن أعطاه: (يَا سَعْدُ؛ إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ) الضَّعيف الإيمانِ العطاءَ؛ أتألَّفُ قلبَه به، (وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ)؛ جملةٌ حاليَّةٌ، وفي رواية أبي ذَرٍّ [2] والحَمُّويي والمستملي: ((أعجبُ إليَّ منه))؛ (خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ الله)؛ بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة، وضمِّ الكاف، ونصب الموحَّدة بـ: «أن»؛ أي: لأجل خشية كبِّ الله إيَّاه؛ أي: إلقائه منكوسًا (فِي النَّارِ)؛ لكفره، إمَّا بارتداده إن لم يُعْطَ، أو لكونه ينسب الرَّسول عليه الصلاة والسلام إلى البخل، وأمَّا من قَوِيَ إيمانه؛ فهو أحبُّ إليَّ، فأَكِلُهُ إلى إيمانه، ولا أخشى عليه رجوعًا عن دينه، ولا سوءًا في اعتقاده، وفيه الكناية؛ لأنَّ الكبَّ في النَّار مِنَ لازِمِ الكفر، فأطلق اللَّازم وأراد الملزوم.

وفي الحديث: دلالةٌ على جواز الحلف على الظَّنِّ عند من أجاز ضمَّ همزة «أراه»، وجواز الشَّفاعة إلى ولاة الأمور وغيرهم، ومُرَادَدة الشَّفيع إذا لم يؤدِّ إلى مفسدةٍ، وأنَّ المشفوع إليه لا عتبَ عليه إذا رَدَّ الشَّفاعة، إذا كانت خلاف المصلحة، وأنَّ الإمام يصرف الأموال في مصالح المسلمين الأهمَّ فالأهمِّ، وأنَّه لا يقطع لأحدٍ على التَّعيين بالجنَّة إلَّا العشرة المبشَّرة، وأنَّ الإقرار باللِّسان لا ينفع إلَّا إذا قُرِنَ [3] به الاعتقاد بالقلب، وعليه الإجماعُ _كما مرَّ_ واستدلَّ به عياضٌ لعدم ترادف الإيمان والإسلام، لكنَّه لا يكون مؤمنًا إلَّا مسلمًا، وقد يكون مسلمًا غير مؤمنٍ.

وفيه التَّحديث والإخبار والعنعنة، وفيه ثلاثة رواةٍ زهريُّون مدنيُّون، وثلاثةٌ تابعيُّون، يروي بعضهم عن بعضٍ، ورواية الأكابر عن الأصاغر، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الزَّكاة» [خ¦1478] ، ومسلمٌ في «الإيمان» و«الزَّكاة».

قال المؤلِّف: (وَرَوَاهُ)؛ بواو العطف، وللأربعة: بإسقاطها؛ أي: هذا الحديث أيضًا [4] عن (يُونُس) بن يزيد [5] الأيليّ (وَصَالِح)؛ يعني: ابن كيسان المدنيُّ، (وَمَعْمَر) بفتح الميمين؛ يعني: ابن راشدٍ البصريُّ (وَابْن أَخِي الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن عبد الله بن مسلمٍ، المُتوفَّى _فيما جزم به النَّوويُّ_ في سنة اثنتين وخمسين ومئةٍ، هؤلاء الأربعة: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ بإسناده، كما رواه شعيبٌ عنه، فحديث يونس موصولٌ في كتاب «الإيمان» لعبد الرَّحمن بن عمر، الملقَّب رستهْ، وهو قريبٌ من سياق الكُشْمِيهَنيِّ، ليس فيه إعادة السُّؤال ولا الجواب عنه، وحديث [/ج1ص112/] صالحٍ موصولٌ عند المؤلِّف في «الزَّكاة» [خ¦1478] ، وحديث معمر عند أحمد ابن حنبل والحميديِّ وغيرهما عن عبد الرَّزَّاق عنه، وقال فيه: إنَّه أعاد السُّؤال ثلاثًا، وحديث ابن أخي الزُّهريِّ عند مسلمٍ، وساق فيه السُّؤال والجواب ثلاثَ مرَّاتٍ، والله تعالى أعلم.

[1] في (ب) و(س): «مما».
[2] «أبي ذَرٍّ»: سقط من (م).
[3] في (م): «اقترن».
[4] زيد في (م): «عن».
[5] في (ب): «زيد»، وهو تحريفٌ.





27- ( عَنْ سَعْدٍ ): هو ابن أبي وقَّاص، صرَّح به الإسماعيليُّ، وعامر ابنه.

( رَهْطًا ): هو عدد من الرِّجال من ثلاثة إلى عشرة. قال القزَّاز: وربَّما جاوزوا ذلك قليلًا.

( وَسَعْدٌ جَالِسٌ )، في الزَّكاة: «وأنا جالس»، [خ: 1478] فما هنا من تصرُّف الرُّواة.

( فَتَرَكَ رَجُلًا ) اسمه: جُعيل بن سراقة الضَّمريُّ.

( مَالَكَ عَنْ فُلاَنٍ ) أي: أيُّ سبب لعُدُولِكَ عنه.

( لأُرَاهُ ) الرِّواية بضمِّ الهمزة، قال النَّوويُّ: والصَّواب الفتح، بمعنى العلم، لقوله بعد: «غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ»، والضَّمُّ بمعنى الظَّنِّ. [/ج1ص178/]

قال ابن حجر: ويجوز أن يكون العلم في كلامه بمعنى الظَّنِّ، فيوافق الضَّمَّ.

( أَوْ مُسْلِمًا ) بسكون الواو، قيل: للتَّنويع، وقيل: للتَّشريك، وأنَّه أَمَرَه أن يقولهما معًا؛ لأنَّه أحوط.

قال ابن حجر: ويردُّه روايةُ ابن الأعرابيِّ في «معجمه»، فقال: «لا تقل مؤمنًا، بل مسلم»، فإنَّها توضِّح لأنَّها للإضراب وليس معناه الإنكار؛ بل المعنى: أنَّ إطلاق المسلم على من لم يخبر حاله الخبرةَ الباطنة أولى من إطلاق المؤمن؛ لأنَّ الإسلام معلوم بحكم الظَّاهر، وإلَّا فجُعَيل من خواصِّ المؤمنين بدليل ما أخرجه الرُّويانيُّ في «مسنده» بسند صحيح عن أبي ذرٍّ: أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال له: «كيف ترى جُعَيلًا ؟» قلت: كشكله من المهاجرين، قال: «فكيف ترى فلانًا ؟» قلت: سيِّد من سادات النَّاس، قال: «فجُعيل خير من ملئ الأرض من فلان»، قلتُ: [ففلان] [1] هكذا وأنت تصنع به ما تصنع، قال: «إنَّه رأس قومه فأنا أتألَّفهم به».

فعُلِمَ من هذا أنَّ قوله أوَّلًا: «أو مسلمًا» إرشاد له إلى التَّحرِّي في العبارة، لا إنكار كون المتروك مؤمنًا، ولا تعليل ترك إعطائه.

وقوله: ( إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ... ) إلى آخره: هو بيان سبب ترك الإعطاء.

( وَغَيْرُهُ أَعجبُّ إِلَيَّ ) للكُشْمِيهنيِّ: «أحبُّ».

( يَكُبَّهُ ) بفتح أوَّله وضمِّ الكاف، يقال: أكبَّ الرَّجل أطرق، وكبَّه غيره: قلبه، فهو لازم مع الهمزة متعدٍّ بدونها. [/ج1ص179/]

[1] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (قلتَ في فلان)





12/27# قال أبو عبد الله: حدَّثنا أَبُو اليَمانِ الحكم بن نافع، قَالَ: أخبَرنا شُعَيْبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أخبَرني عامِرُ بنُ سَعْدِ [1] بنِ أَبِي وَقَّاصٍ:

عن سَعْدٍ [2] : أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَعْطَىَ رَهْطاً وَسَعْدٌ جالِسٌ، وَتَرَكَ رَجُلاً هو أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، ما لَكَ عن فُلانٍ؟ فَواللهِ إِنِّي [3] لأَراه مُؤْمِناً فَقَالَ: «أَوْ مُسْلِماً». الحديث.

ظاهر هذا الكلام يوجب الفرق بين الإيمان [4] والإسلام، وهذه المسألة ممَّا قد أكثر الناسُ الكلامَ فيها [5] ، وصَنَّفوا لها [6] صُحفاً طويلة، والمقدار الذي لابُدَّ من ذكره هاهنا على وجه [7] الإيجاز والاختصار: أنَّ الإيمان والإسلام قد يجتمعان في مواضعَ، فيقال للمسلم: مؤمن. وللمؤمن: مسلم. ويفترقان في مواضعَ، فلا يقال لكلِّ مسلم: مؤمن. ويقال لكلِّ مؤمن: مسلم.

فالموضع الذي يتَّفقان فيه هو أن يستوي الظاهرُ والباطنُ، والموضع الذي لا يتَّفقان فيه أن لا يستويا [8] ،

@%ص28%

ويقال له عند ذلك: مسلم. يعني أنَّه مسلم [9] ، وهو معنى ما جاء في الحديث من قوله صلى الله عليه وسلم : «أو مسلماً» وكذلك معنى الآية في قوله تعالى: { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا } [الحجرات: 14] ، أي: استسلمنا.

وفي الإسلام بمعنى الاستسلام قول أميَّة بن أبي الصَّلَت:

~أسلمتُ وجهي لِمَنْ أسلَمتْ له الرِّيح تحمل مُزْناً ثِقَالاً [10]

[1] في (ط): (سعيد) تصحيفاً.
[2] في (ط): (سعيد) تصحيفاً.
[3] (إني) سقطت من (ط).
[4] (الإيمان): سقط من (ط).
[5] في (م): (فيهما).
[6] في (ط): (لها).
[7] في (ر) و (م): (على جهة)، وفي (ف) أثبت (جهة)، وكتب فوقها (وجه).
[8] في (ط): (أن لا يستوي الظاهر والباطن).
[9] في (أ) و (م) و (ف): (مستسلم).
[10] نسب البيت ليزيد بن نفيل في تفسير القرطبي (19/205)، والبحر المحيط (10/394)، والدر المصون (10/679-680)، واللسان والتاج: دحا.





27-حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، [1] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى رَهْطًا وَسَعْدٌ جَالِسٌ، فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا [2] هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَكَ عَنْ فُلاَنٍ، فَوَاللهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ: أَوْ مُسْلِمًا، فَسَكَتُّ قَلِيلًا [3]، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلانٍ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ: أَوْ مُسْلِمًا، [4]ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، وَعَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: ((يَا سَعْدُ إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ، وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ)) وَرَوَاهُ يُونُسُ، وَصَالِحٌ، وَمَعْمَرٌ، وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، [5].

الشرح:

هذا الإسناد سبق ذكر رجاله، إلا سعدًا وابنه.

فأما (سَعْدٍ) فهو أبو إسحاق سعد بن أبي وقاص، واسم أبي وقاص: مالك بن وُهَيْب، ويقال: أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي، القرشي الزهري، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة رضي الله عنهم.

أسلم قديمًا، وهاجر إلى المدينة قبل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وشهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وكان مجاب الدعوة لدعاء رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم له بذلك، وهو

#%ص136%

أول من رمى بسهم في سبيل الله تعالى، وكان يقال له فارس الإسلام.

روي له عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مائتا حديث وسبعون حديثًا، اتفقا منها على خمسة عشر، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بثمانية عشر [6].

روى عنه جماعة [7] من الصحابة رضي الله عنهم منهم: ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وآخرون رضيَ اللهُ عنهم، ومن التابعين أولاده الأربعة: محمد، وإبراهيم, وعائشة [8]، ومصعب، وخلائق غيرهم، ومناقبه مشهورة، توفي بقصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة، وحمل على رقاب الرجال إلى المدينة، ودفن بالبقيع سنة خمس وخمسين، وقيل: إحدى وخمسين، وقيل: ست, وقيل: سبع، وقيل: ثمان، والأول أصح، وله ثلاث وسبعون سنة، وقيل: أربع وسبعون، وقيل: ثنتان وثمانون، وقيل: ثلاث وثمانون رضي الله عنه.

وأما (عَامِرُ بْنُ سَعْدِ) فهو: مدني، سمع عثمان بن عفان، وجماعات من الصحابة رضيَ اللهُ عنهم، روى عنه جماعات من التابعين، توفي بالمدينة سنة ثلاث - وقيل: أربع - ومائة.

فصل: في هذا الإسناد لطيفة، وهو:[9]جمع ثلاثة زهريين مدنيين.

فصل: في [10] ألفاظ الحديث.

قوله: (أَعْطَى رَهْطًا) أي: جماعة، وأصله الجماعة دون العشرة.

وقوله: (هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ) أي: أفضلهم وأصلحهم في اعتقادي.

قوله: (مَا لَكَ عَنْ فُلاَنٍ) أَيْ: أَيُّ سبب عدولك [11] عن فلان؟ وأما لفظه (فلان) فقال الجوهري: قال ابن السراج: فلان كناية عن اسم سمي به المحدَث عنه.

قال: ويقال في غير الناس: الفلان والفلانة، بالألف واللام.

وقوله [12]: (فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا) هو -بفتح الهمزة- أي: أعلمه، ولا يجوز ضمها على أن تجعل بمعنى أظنه [13]؛ لأنه قال: (ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ [14])؛ ولأنه راجع النبي صلَّى الله عليه وسلَّم مرارًا، فلو [15] لم يكن جازمًا باعتقاده لما كرر المراجعة.

وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (أَوْ مُسْلِمًا) هو [16] -بإسكان الواو- ومعناه [17]: أن لفظة الإسلام أولى أن يقولها؛ لأنها معلومةً [18] بحكم الظاهر، وأما الإيمان فباطن لا يعلمه إلا الله سبحانه تعالى، وليس فيه إنكار كونه مؤمنًا، بل معناه النهيُّ عن القطع بالإيمان من غير [19] موجب

#%ص137%

القطع [20]، وقد غلط من توهم كونه [21] حكم بأنه غير مؤمن، بل في الحديث إشارة إلى إيمانه، وهو قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (لأُعْطِي [22] الرَّجُلَ، وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ) والله أعلم.

وقوله: (فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي) قال أهل اللغة: يقال [23] عاد لكذا [24]، أي: رجع إليه [25] بعد ما كان أعرض عنه، والمقال والمقالة [26] والقول والقولة [27] بمعنى.

قوله [28] صلَّى الله عليه وسلَّم: (خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ) يكبه [29]- بفتح أوله وضم الكاف- يقال: أكب الرجل، وكبه غيره، وهذا بناء غريب، فإن المعروف أن يكون الفعل اللازم بغير همز متعدى [30] بها, وهنا عكسه. ومعنى [31] كبه ألقاه، ويقال: كبكبه، بمعنى كبه [32]، والضمير في بكبّه [33] عائد [34] إلى الْمُعْطَى، أي: أتألف قلبه بالإعطاء، مخافةً من كفره ونحوه إذا لم يُعْطَ، والتقدير: أُعْطي من في إيمانه ضعف؛ لأني أخشى عليه [35] لو لم أعطه أن يعرض له اعتقاد يكفر فيه [36]، فيكبه الله في النار، وأما من قوي إيمانه فهو أحب إلي، فَأَكِلُه إلى إيمانه، ولا أخشى عليه رجوعًا عن دينه، ولا سوء اعتقاد ولا ضرر عليه فيما لا يحصل له [37] من الدنيا، والله أعلم.

قوله: (رَوَاهُ يُونُسُ، وَصَالِحٌ، وَمَعْمَرٌ، وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ) معناه: أن هؤلاء الأربعة تابعوا شعيبًا في رواية هذا الحديث عن الزهري، فيزداد قوة.

وهؤلاء الأربعة تقدم بيان أحوالهم إلا (ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ) واسمه: محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد [38] الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، روى عن أبيه وعمه، روى عنه جماعات من الكبار.

قال ابن سعد: كان كثير الحديث، صالحًا، قتله غلمانه سنة اثنين وخمسين ومائة رحمه الله تعالى.

فصل: في فائدة لطيفة تدعو الحاجة إلى معرفتها، ويكثر الانتفاع بخبرتها [39]، وهي: أن قول البخاري والترمذي وغيرهما: رواه فلان وفلان، وفي [40] الباب عن فلان وفلان، وشبه هذا، له ثلاثُ فوائد:

إحداها: بيان كثرة طرقه؛ ليزيد الحديث قوة كما ذكرنا.

الثانية: أن يعلم رواته [41]؛ ليتتبع [42] رواياتهم ومسانيدهم [43] من رغب في شيء من جمع الطرق

#%ص138%

أو غيره؛ لمعرفة متابعة أو استشهاد وغيرهما.

الثالثة: أن يعرف أن هؤلاء المذكورين رووه، فقد يتوهم من لا خبرة له أنه لم يروه غير ذلك المذكور في الإسناد المذكور، فربما رآه في كتاب آخر عن غيره فتوهمه غلطًا، وزعم [44] أن الحديث إنما هو من جهة فلان، فإذا قيل: في الباب عن فلان وفلان ونحو ذلك، زال ذلك الوهم، والله أعلم.

فصل: في معاني الحديث وفقهه:

ففيه الشفاعة إلى ولاة الأمر وغيرهم مما [45] ليس بحرام، وفيه مراجعة المشفوع إليه في الأمر الواحد مرارًا، إذا لم يُؤدِّ إلى مفسدة.

وفيه الأمرُ بالتثبت وترك القطع بما لا يُعلم القطع.

وفيه أنَّ الإمام يصرف الأموال في مصالح المسلمين: الأهمُّ فالأهمُّ [46].

وفيه أنَّ المشفوع إليه لا عتب [47] عليه إذا ردّ الشفاعة إذا كانت خلاف المصلحة، فإن كان ولي أمر المسلمين أو ناظر يتيم ونحوه لم يجز له قبول شفاعةٍ تُخالف مصلحةَ ما هو وليُّ أمره، وهذا مما ينبغي أن يحفظ، فإنه مما تعم [48] به البلوى.

وفيه أنَّ المشفوع إليه إذا ردّ الشفاعة ينبغي أنْ يعتذر إلى الشافع، ويبين له عذره في ردها.

وفيه أنَّ المفضول ينبه الفاضل على ما يراه مصلحة؛ لينظر فيه الفاضل.

وفيه أنَّ المشار عليه يتأمل ما يشار به عليه، فإذا لم تظهر مصلحته لا [49] يعمل به.

وفيه أنَّه لا يقطع لأحد على التعيين بالجنة، إلا من ثبت فيه نص [50] كالعشرة من الصحابة وأشباههم رضي الله عنهم, بل يرجى للطائع [51] ويخاف على العاصي، ويقطع من حيث الجملة: أن من مات على التوحيد دخل الجنة، وهذا كله بإجماع أهل السنة.

واستدلَّ بهذا الحديث جماعة من العلماء على جواز قول المسلم: أنا مؤمن مطلقًا، من غير تقييد بقوله: إن شاء الله تعالى، وهذه مسألة فيها خلاف للصحابة فمن بعدهم، وقد سبق بيانها في أول كتاب الإيمان واضحة.

وفيه دلالة لمذهب أهل الحق في قولهم: إن الإقرار باللسان لا ينفع إلا إذا اقترن به الاعتقاد بالقلب، خلافًا للكرامية وغلاة المرجئة في قولهم: يكفي الإقرار،

#%ص139%

وهذا خطأ ظاهر يرده إجماع الأمة، والنصوص المتظاهرة في إكفار المنافقين، وهذه صفتهم.

قال الإمام أبو بكر بن الطيب المعروف بابن الباقلاني وغيره من الأئمة رحمهم الله تعالى: هذه الآية - وهي قوله تعالى: { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا } [الحجرات: 14] - الآية حجة لأهل الحق في الرد على الكرامية وغلاة المرجئة.

قالوا: وقد أبطل الله تعالى مذهبهم في مواضع من كتابه.

قالوا: ومن أقوى ما يبطل به قولهم إجماع الأمة على تكفير المنافقين، وكانوا يظهرون الشهادتين، والله أعلم.

وأما الفرق بين الإيمان والإسلام فسيأتي إن شاء الله تعالى قريبًا [52].

[1] قوله: ((عن سعد رضي الله عنه)) ليس في (ك).
[2] في (ت): ((رجل)).
[3] قوله: ((فسكت قليلًا)) ليس في (ك).
[4] قوله: ((فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلانٍ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ: أَوْ مُسْلِمًا)) ليس في (ت).
[5] زاد في (ت) و(ك) و(ع): ((عن الزهري)).
[6] قوله: ((عشر)) ليس في (ت).
[7] في (ك): ((جماعات)).
[8] في (ت) و(ك) و(ع): ((وعامر)).
[9] زاد في (ت) و(ك) و(ع): ((أنه)).
[10] قوله: ((في)) ليس في (ع).
[11] في (ت) و(ك) و(ع): ((لعدولك)).
[12] في (ع): ((قوله)).
[13] في (ك): ((على أنه يجعل بمعنى يظن)).
[14] قوله: ((منه)) ليس في (ك).
[15]في (ك) و(ع): ((ولو)).
[16] قوله: ((هو)) ليس في (ع).
[17] في (ع): ((معناه)).
[18] في (ك): ((المعلومة)).
[19] قوله: ((غير)) ليس في (ع).
[20] زاد في (ك): ((بالإيمان)).
[21] زاد في (ت): ((مسلم)).
[22] في (ت) و(ع): ((أعطي))، وفي (ك): ((إني أعطي)).
[23] قوله: ((يقال)) ليس في (ت).
[24] قوله: ((لكذا)) ليس في (ع).
[25] قوله: ((أي رجع إليه)) ليس في (ك).
[26] في (ت) و(ك) و(ع): ((والمقالة والمقال)).
[27]في (ع): ((والمقولة)).
[28] في (ت) و(ك) و(ع): ((وقوله)).
[29] في (ت): ((ويكبه)).
[30] في (ت): ((فيعدى))، وفي (ك): ((فيتعدى))، وفي (ع): ((فتعدي)).
[31] في (ك): ((ومعناه)).
[32] في (ع): ((كتم)).
[33] في (ك) و(ع): ((يكبه)).
[34] في (ك): ((يعود)).
[35] قوله: ((عليه)) ليس في (ك).
[36] في (ك): ((به)).
[37] قوله: ((له)) ليس في (ع).
[38] في (ك): ((عبد)).
[39] في (ع): ((بخبرها)).
[40] في (ك): ((أو في)).
[41] في (ك): ((راوِيْه)).
[42]في (ع): ((ليتبع)).
[43] في (ت) و(ك) و(ع): ((ومساندهم)).
[44] في (ع): ((فزعم)).
[45] في (ت) و(ك) و(ع): ((فيما)).
[46] قوله: ((وفيه: أن الإمام يصرف الأموال في مصالح المسلمين: الأهم فالأهم )) ليس في (ك).
[47] في (ك): ((عيب)).
[48] في (ت): ((يعم)).
[49] في (ك): ((لم)).
[50] قوله: ((نص)) ليس في الأصل(ز).
[51] في (ع): ((الطائع)).
[52]قوله: ((قريباً)) ليس في (ك)، وزاد في (ك): ((في باب سؤال جبريل عليه السلام وبالله التوفيق)).
#%ص140%





لا تتوفر معاينة

27# قوله: (أَعْطَى رَهْطًا وَسَعْدٌ جَالِسٌ...)؛ إلى آخره.

[أمَّا] سعد؛ فهو أبو إسحاق بن أبي وقَّاص مالك بن وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرَّة بن كعب بن لؤيٍّ القرشيُّ الزُّهريُّ، أحد العشرة المشهود لهم بالجنَّة، أمُّه حمنة بنت أبي سفيان أخي حرب، وإخوته بنو أميَّة بن عبد شمس، أسلم قديمًا وهو ابن أربع عشرة سنة، وهو أوَّل من رمى بسهمٍ في سبيل الله، له مئتا حديث وسبعون حديثًا، اتَّفقا منها على خمسة عشر.

فائدة: في الصَّحابة من اسمه سعد فوق المئة.

و(الرَّهط): دون العشرة، من ثلاثة إلى العشرة.

[(الرَّجل): اسمه جعال، وقيل: جعيل] [1] .

قول: (وهُوَ [2] أَعْجَبُهُمْ): أي: أفضلهم وأصلحهم في اعتقادي.

قوله: (ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ): لأنَّه راجع النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم مرارًا؛ أي: يتألَّف قلوبهم بالإعطاء مخافة من كفره، والتَّقدير: أُعطي مَن إيمانه ضعيف؛ لأنِّي أخشى عليه لو لم أُعطه؛ أن يَعرض له اعتقادٌ يكفر به؛ فيكُبَّه الله في النَّار، وأمَّا من قَوِيَ إيمانه؛ فهو أحبُّ إليَّ فأكِلُه إلى إيمانه ولا أخشى عليه رجوعًا عن دينه، سواءٌ عليه أن حصل له شيء من الدُّنيا أو لم يحصل.

[1] ما بين معقوفين سقط من (ب).
[2] في «اليونينيَّة»: (هو).





27- وبه قال: ((حدثنا أبو اليمان)) الحكم بن نافع الحمصي ((قال: أخبرنا)) وللأصيلي: (حدثنا) ((شعيب) (؛ هو ابن أبي حمزة الأموي، ((عن الزهري)) محمد بن مسلم ((قال: أخبرني)) بالإفراد ((عامر بن سعد)) ؛ بسكون العين ((بن أبي وقَّاص)) ؛ بتشديد القاف مالك القرشي، المتوفى بالمدينة سنة ثلاث ومئة، ((عن)) أبيه ((سعد)) المذكور، أحد العشرة المبشرين بالجنة، المتوفى آخرهم بقصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة سنة سبع وخمسين، وحُمِل إلى المدينة، ودفن بالبقيع، ((رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى)) شيئًا من الدنيا ((رهطًا)) من المؤلَّفة لما سألوه؛ ليتألَّفهم لضعف إيمانهم، و (الرهط) : العدد من الرجال لا امرأة فيهم من ثلاثة إلى عشرة، لا واحد له من لفظه، وجمعه: أرهط، وأراهط، وأرهاط، وأراهيط، ((وسعد جالس)) جملة اسمية وقعت حالًا، ولم يقل: وأنا جالس؛ تواضعًا أو من باب الالتفات من التكلم إلى الغَيبة، قال سعد: ((فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا)) من الرهط؛ وهو جعيل بن سراقة الضمري المهاجري ((هو أعجبهم إليَّ)) ؛ أي: أفضلهم أو أحبهم إليّ، والجملة نصب صفة لـ (رجلًا) ، وإنما قال: (إليَّ) ؛ على طريق الالتفات، ((فقلت: يا رسول الله؛ مالك عن فلان؟)) ؛ أي: أيُّ سبب لعدولك عنه إلى غيره، و (فلان) ؛ كناية عن اسمٍ أُبْهِمَ بعد أن ذكر، ((فوالله؛ إنِّي لأَراه مؤمنًا)) بفتح الهمزة؛ أي: أعلمه، وفي رواية: بضمها؛ بمعنى أظنه، ((فقال)) وفي رواية: (قال) ؛ أي: عليه السلام: ((أوْ مسلمًا)) ؛ بسكون الواو، إضرابٌ عن قول سعد، ومعناه: النهي عن القطع بإيمانه، لا إنكاره مؤمنًا، قال سعد: ((فسكتُّ)) سكوتًا ((قليلًا ثم غلبني ما)) ؛ أي: الذي ((أعلم منه)) من المحبة ((فعدت)) ؛ أي: فرجعت ((لمقالتي)) مصدر ميمي بمعنى القول؛ أي: لقولي، وفي رواية: بسقوط (لمقالتي) ، ((فقلت)) : يا رسول الله؛ ((ما لك)) عدلت ((عن فلان؟ فوالله؛ إنِّي لَأراه)) ؛ أي: أعلمه وأظنه ((مؤمنًا، فقال)) عليه السلام: ((أو مسلمًا، فسكت)) سكوتًا ((قليلًا)) ، وفي رواية: سقط لفظ (فسكت قليلًا) ((ثم غلبني ما)) ؛ أي: الذي ((أعلم منه)) من الصحبة ((فعدت لمقالتي، وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم)) ؛ أي: لمقالته، وإنما لم يقبل قولَه؛ لأنَّه لم يخرج مخرج الشهادة؛ بل هو مدح له، وفي رواية: سقط السؤال والجواب الثاني.

((ثم قال)) عليه السلام: ((يا سعد؛ إنِّي لأعطي الرجل)) الضعيف الإيمان العطاء أتألَّف به قلبه ((وغيرُه أحب إليَّ منه)) جملة حالية، وفي رواية: (أعجب إلي منه) ، وفيه إشارة إلى إيمان جعيل، وقبول قول سعد فيه؛ ((خشية أن يَكُبَّه الله)) ؛ بفتح المثناة التحتية، وضم الكاف، ونصب الموحدة بـ (أنْ) ؛ أي: لأجل خشية كب الله إياه؛ أي: إلقائه منكوسًا ((في النار)) لكفره؛ إما بارتداده إن لم يُعْطَ أو لكونه ينسب النبي إلى البخل، وأما من قوي إيمانه؛ فهو أحب إلي، فأَكِلُه إلى الإيمان ولا أخشى عليه الكفر.

وفيه دلالة على جواز الحلف على الظن، وجواز الشفاعة إلى الولاة،[/ص19/] ومراجعة الشفيع، وأن المشفوع إليه لا عتب عليه إذا رد الشفاعة، وأن الإمام يصرف الأموال في مصالح المسلمين الأهم فالأهم، وأنه لا يقطع لأحد على التعيين بالجنة إلَّا ما نص عليه، وأن الإقرار باللسان لا ينفع إلا مع الاعتقاد بالقلب، وعليه الإجماع؛ كما قدمناه.

((ورواه)) ؛ أي: الحديث بالواو العاطفة، وفي رواية: بدونها ((يونس)) بن يزيد الأيلي ((وصالح)) هو ابن كيسان المدني ((ومَعْمَر)) ؛ بفتح الميمين؛ ابن راشد البصري ((وابن أخي الزهري)) محمد بن عبد الله بن مسلم، المتوفى سنة اثنين وخمسين ومئة، والأربعة ((عن الزهري)) محمد بن مسلم بإسناده هذا.