إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أن رسول الله أعطى رهطًا وسعد جالس

27- وبسندي الذي قدَّمته أوَّلَ هذا التَّعليق إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافعٍ الحمصيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: ((حدَّثنا)) (شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة الأمويُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) بتشديد القاف، و«سعْد»: بسكون العين، واسم أبي وقَّاص مالكٌ، القرشيُّ، المتوفَّى بالمدينة سنة ثلاثٍ أو أربعٍ ومئةٍ (عَنْ) أبيه (سَعْدٍ) المذكورِ، أحد العشرة المبشَّرة بالجنَة، المُتوفَّى آخرهم بقصره بالعقيق؛ على عشرة أميالٍ من المدينة، سنة سبعٍ وخمسين، وحُمِل على رقاب الرِّجال إلى المدينة، ودُفِنَ بالبقيع، وله في البخاريِّ عشرون حديثًا (رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم أَعْطَى رَهْطًا) من المؤلَّفة شيئًا من الدُّنيا لمَّا سألوه _كما عند الإسماعيليِّ_ ليتألَّفهم [1] لضعف إيمانهم، والرَّهط: العدد من الرِّجال لا امرأةَ فيهم، من ثلاثةٍ أو سبعةٍ إلى عشرةٍ، أو ما [2] دون العشرة، ولا واحدَ له من لفظه، وجمعه: أرهُطٌ وأراهطُ وأرهاطٌ وأراهيطُ (وَسَعْدٌ جَالِسٌ) جملة ٌاسميَّةٌ وقعت حالًا، ولم يَقُلْ: وأنا جالسٌ _كما هو الأصل_ بل جرَّد من نفسه شخصًا، وأخبر عنه بالجلوس، أو هو من باب الالتفات من التكلُّم _الذي هو مُقتضَى المقام_ إلى الغَيبة، كما هو قول صاحب «المفتاح»، قال سعدٌ: (فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم رَجُلًا) سأله أيضًا مع كونه أحبَّ إليه ممَّن أعطى، وهو جُعَيلُ بن سراقةَ الضَّمريُّ المهاجريُّ (هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ) أي: أفضلُهم وأصلحُهم في اعتقادي، والجملة نصب صفةٍ لـ «رجلًا»، وكان السِّياق يقتضي أن يقول: أعجبهم إليه؛ لأنَّه قال: «وسعدٌ جالسٌ»، بل قال: «إليَّ» على طريق الالتفات من الغِيبة إلى التَّكلُّم (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟) أي: أيُّ سبب لِعُدُولِكَ عنه إلى غيره؟! ولفظ «فلانٍ» كنايةٌ عن اسمٍ أُبْهِمَ بعد أن ذُكِرَ (فَوَاللهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا) بفتح الهمزة، أي: أَعْلَمُهُ، وفي رواية أبي ذَرٍّ وغيره هنا كالزَّكاة [خ¦1478]: ((لأُراه)) بضمِّها؛ بمعنى: أظنُّه، وبه جزم القرطبيُّ في «المفهم»، وعبارته: الرِّواية بضمِّ الهمزة، وكذا رواه الإسماعيليُّ وغيره، ولم يجوِّزه النَّوويُّ محتجًّا بقوله الآتي: «ثمَّ غلبني ما أعلم منه»، ولأنَّه راجع النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم مرارًا، فلو لم يكن جازمًا باعتقاده لَمَا كرَّر
ج1ص111
المُراجَعة، وتُعقِّب: بأنَّه لا دلالةَ فيه على تعيُّن الفتح؛ لجواز إطلاق العلم على الظَّنِّ الغالب؛ نحو قوله تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} [الممتحنة: 10] أي: العلم الذي يمكنكم تحصيله، وهو الظَّنُّ الغالب بالحلف وظهور الأمارات، وإنِّما سمَّاه علمًا إيذانًا بأنَّه كالعلم في وجوب العمل به، كما قاله البيضاوي، وأُجِيب: بأنَّ قَسَمَ سعدٍ وتأكيد كلامه بـ «إنَّ» و«اللَّام»، ومراجعته للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وتكرار نسبة العلم إليه يدلُّ على أنَّه كان جازمًا باعتقاده (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: ((قال)): (أَوْ مُسْلِمًا) بسكون الواو فقط؛ بمعنى الإضراب على قول سعدٍ، وليس الإضراب هنا بمعنى إنكار كون الرَّجل مؤمنًا، بل معناه: النَّهي عن القطع بإيمان من لم يختبر حاله الخبرة الباطنة؛ لأنَّ الباطن لا يطَّلع عليه إلَّا الله، فالأَوْلى: التَّعبير بالإسلام الظَّاهر، بل في الحديث إشارةٌ إلى إيمان المذكور؛ وهي قوله: «لَأعطي الرجلَ وغيرُهُ أحبُّ إليَّ منه»، قال سعدٌ: (فَسَكَتُّ) سكوتًا (قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا) أي: الذي (أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ) أي: فرجعتُ (لِمَقَالَتِي) مصدرٌ ميميٌّ بمعنى القول، أي: لِقولي، وثبت لأبي ذَرٍّ وابن عساكر: ((فعدتُ)) وسقط للأَصيليِّ وأبي الوقت لفظ «لمقالتي» (فَقُلْتُ): يا رسول الله (مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لأُرَاهُ) باللَّام وضمِّ الهمزة كذا رواه ابن عساكرَ، ورواه أبو ذَرٍّ: ((أَراه)) (مُؤْمِنًا، فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (أَوْ مُسْلِمًا، فسكتُّ) سكوتًا (قليلًا) وسقط للحَمُّويي قوله «فسكتُّ قليلًا» (ثُمَّ غَلَبَنِي مَا) أي: الذي (أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، وَعَادَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) وليس في رواية الكُشْمِيهَنيِّ إعادة السُّؤال ثانيًا، ولا الجواب عنه، وإنَّما لم يقبل عليه الصلاة والسلام قول سعد في جُعَيلٍ؛ لأنَّه لم يخرج مخرج الشَّهادة، وإنَّما هو مدحٌ له، وتوسُّلٌ في الطَّلب لأجله، ولهذا ناقشه في لفظه، نعم؛ في الحديث نفسِهِ ما يدلُّ على أنَّه عليه الصلاة والسلام قَبِلَ قوله فيه، وهو قوله: (ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم مرشدًا له إلى الحكمة في إعطاء أولئك وحرمان جُعَيْلٍ مع كونه أحبَّ إليه ممَّن أعطاه: (يَا سَعْدُ؛ إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ) الضَّعيف الإيمانِ العطاءَ أتألَّفُ قلبَه به (وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ) جملةٌ حاليَّةٌ، وفي رواية أبي ذَرٍّ [3] والحَمُّويي والمُستملي: ((أعجبُ إليَّ منه)) (خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ الله) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وضمِّ الكاف ونصب الموحَّدة بـ «أن» أي: لأجل خشية كبِّ الله إيَّاه، أي: إلقائه منكوسًا (فِي النَّارِ) لكفره، إمَّا بارتداده إن لم يُعْطَ، أو لكونه ينسب الرَّسول عليه الصلاة والسلام إلى البخل، وأمَّا من قَوِيَ إيمانه فهو أحبُّ إليَّ فأَكِلُهُ إلى إيمانه، ولا أخشى عليه رجوعًا عن دينه، ولا سوءًا في اعتقاده، وفيه الكناية؛ لأنَّ الكبَّ في النَّار مِنَ لازِمِ الكفر، فأطلق اللَّازم وأراد الملزوم.
وفي الحديث: دلالةٌ على جواز الحلف على الظَّنِّ عند من أجاز ضمَّ همزة «أُراه»، وجواز الشَّفاعة إلى ولاة الأمور وغيرهم، ومُرَادَدة الشَّفيع إذا لم يؤدِّ إلى مفسدةٍ، وأنَّ المشفوع إليه لا عتبَ عليه إذا رَدَّ الشَّفاعة إذا كانت خلاف المصلحة، وأنَّ الإمام يصرف الأموال في مصالح المسلمين الأهمَّ فالأهمِّ، وأنَّه لا يقطع لأحدٍ على التَّعيين بالجنَّة إلَّا العشرة المبشَّرة، وأنَّ الإقرار باللِّسان لا ينفع إلَّا إذا قُرِنَ [4] به الاعتقاد بالقلب، وعليه الإجماعُ _كما مرَّ_ واستدلَّ به عياضٌ لعدم ترادف الإيمان والإسلام، لكنَّه لا يكون مؤمنًا إلَّا مسلمًا، وقد يكون مسلمًا غير مؤمنٍ.
وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وفيه ثلاثة رواةٍ زهريُّون مدنيُّون، وثلاثةٌ تابعيُّون، يروي بعضهم عن بعضٍ، ورواية الأكابر عن الأصاغر، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الزَّكاة» [خ¦1478]، ومسلمٌ في «الإيمان» و«الزَّكاة».
قال المؤلِّف: (وَرَوَاهُ) بواو العطف، وللأربعة: بإسقاطها، أي: هذا الحديث أيضًا [5] عن (يُونُس) بن يزيد [6] الأيليّ (وَصَالِح) يعني: ابن كيسان المدنيُّ (وَمَعْمَر) بفتح الميمين؛ يعني: ابن راشدٍ البصريُّ (وَابْن أَخِي الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن عبد الله بن مسلمٍ، المُتوفَّى _فيما جزم به النَّوويُّ_ في سنة اثنتين وخمسين ومئةٍ، هؤلاء الأربعة: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ بإسناده، كما رواه شعيبٌ عنه، فحديث يونس موصولٌ في «كتاب الإيمان» لعبد الرَّحمن بن عمر، الملقَّب رُسْتهْ، وهو قريبٌ من سياق الكُشْمِيهَنيِّ، ليس فيه إعادة السُّؤال ولا الجواب عنه، وحديث
ج1ص112
صالحٍ موصولٌ عند المؤلِّف في «الزَّكاة» [خ¦1478] وحديث معمر عند أحمد ابن حنبل والحميديِّ وغيرهما عن عبد الرَّزَّاق عنه، وقال فيه: إنَّه أعاد السُّؤال ثلاثًا، وحديث ابن أخي الزُّهريِّ عند مسلمٍ، وساق فيه السُّؤال والجواب ثلاثَ مرَّاتٍ، والله تعالى أعلم.
ج1ص113


[1] في (ل): «يتألَّفهم».
[2] في (ب) و(س): «مما».
[3] «أبي ذَرٍّ»: سقط من (م).
[4] في (م): «اقترن».
[5] زيد في (م): «عن».
[6] في (ب): «زيد»، وهو تحريفٌ.