إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة

(19) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا لَمْ يَكُنِ) أي: إن لم يكن (الإِسْلَامُ عَلَى الْحَقِيقَةِ) الشَّرعيَّة (وكان على الاستسلام) أي: الانقياد الظَّاهر فقط، والدُّخول في السِّلْم (أو) كان على (الخوف من القتل) لا يُنتفَع به في الآخرة، فـ «إذا» متضمِّنةٌ معنى الشَّرط، والجزاء محذوفٌ، وتقديره نحو ما قدَّرته (لِقَوْلِهِ تَعَالَى) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ ((عزَّ وجلَّ)): ({قَالَتِ الأَعْرَابُ}) أهل البدو، ولا واحدَ له من لفظه، ومَقُول قولهم: ({آمَنَّا}) نزلت في نفرٍ من بني أَسْلَمَ، قَدِمُوا المدينة في سنةٍ جدبةٍ، وأظهروا الشَّهادتين، وكانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتيناك بالأثقال والعيال، ولم نقاتلْك كما قاتلك بنو فلانٍ، يريدون الصَّدقة ويمنُّون، فقال الله تعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام: ({قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا}) إذِ الإيمانُ تصديقٌ مع ثقةٍ وطمأنينةِ قلبٍ ({وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا}) فإنَّ الإسلام انقيادٌ، ودخولٌ في السِّلْم، وإظهارٌ للشَّهادة لا بالحقيقة، ومن ثمَّ قال تعالى: {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا} لأنَّ كلَّ ما يكون من الإقرار باللِّسان من غير مُواطَأة القلب فهو إسلامٌ، وما واطأ فيه القلب اللِّسان فهو إيمانٌ، وكان نظم الكلام أن يقول: لا تقولوا: آمنَّا، ولكن قولوا: أسلمنا؛ إذ لم تؤمنوا ولكنْ أسلمتم، فَعَدَلَ عنه إلى هذا النَّظم ليفيدَ تكذيبَ دعواهم،
ج1ص110
وفي هذه الآية _كما قال الإمام أبو بكر بن الطَّيِّب_ حجَّةٌ على الكرَّاميَّة ومن وافقهم من المرجئة في قولهم: إنَّ الإيمان إقرارٌ باللِّسان فقط، ومثلُ هذه الآية في الدَّلالة لذلك قولُه تعالى: {أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ} [المجادلة: 22] ولم يقل: كتب في ألسنتهم، ومن أقوى ما يُرَدُّ به عليهم الإجماع على كفر المنافقين مع كونهم أظهروا الشَّهادتين.
(فَإِذَا كَانَ) أي: الإسلامُ (عَلَى الْحَقِيقَةِ) الشَّرعية، وهو الذي يرادف الإيمان وينفع عند الله تعالى (فَهُوَ عَلَى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلَامُ} [آل عمران: 19]) أي: لا دينَ مرضيَّ عنده تعالى سواه، وفتح الكسائيُّ همزة {إِنَّ} على أنَّه بدلٌ من {أَنَّهُ} [آل عمران: 18] بدل الكلِّ من الكلِّ [1] إن فُسِّر الإسلامُ بالإيمان، وبدل الاشتمال إن فُسِّر بالشَّريعة، وقد استدلَّ المؤلِّف بهذه الآية على أنَّ الإسلام الحقيقيَّ هو الدِّينُ، وعلى أنَّ الإسلام والإيمان مترادفان، وهو قول جماعةٍ من المحدِّثين، وجمهور المعتزلة والمتكلِّمين، واستدلُّوا أيضًا بقوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَاَن فِيهَا مِنَ المُؤْمِنِيَن * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ} [الذاريات: 35-36] فاستثنى {المُسْلِمينَ} من {المُؤْمِنِينَ} والأصل في الاستثناء كون المُستثنَى من جنس المُستثنَى منه، فيكون الإسلام هو الإيمان، وَرُدَّ بقوله تعالى: {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14] فلو كانا شيئًا واحدًا لزم إثباتُ شيءٍ ونفيُه في حالةٍ واحدةٍ، وهو مُحَالٌ، وأُجِيب: بأنَّ الإسلام المُعتَبر في الشَّرع لا يوجد بدون الإيمان، وهو في الآية بمعنى: انقياد الظَّاهر من غير انقياد الباطن، كما تقدَّم قريبًا.
ثمَّ استدلَّ المؤلِّف أيضًا على مذهبه بقوله تعالى: ({وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ}) أي: غير التَّوحيد والانقياد لحكم الله تعالى ({دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85]): جواب الشَّرط، ووجه الدَّلالة على ترادفهما: أنَّ الإيمان لو كان غير الإسلام لمَا كان مقبولًا، فتعيَّن [2] أن يكون عينه لأنَّ الإيمانَ هو الدِّينُ، والدِّينُ هو الإسلامُ؛ لقوله تعالى: {إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلَامُ} [آل عمران: 19] فينتج أنَّ الإيمانَ هو الإسلامُ، وسقط للكُشْمِيْهَنِيِّ والحَمُّويي من قوله «{وَمَن يَبْتَغِ}... إلى آخره».
ج1ص111


[1] «من الكلِّ»: (م).
[2] في (م): «فيتعين».