متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

26- وبالسَّند السَّابق أوَّلَ هذا التَّعليق إلى المؤلِّف قال رحمه الله: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ)؛ نسبةً إلى جدِّه لشهرته به، وإنما اسمُ أبيه: عبدُ الله اليربوعيُّ التَّميميُّ الكوفيُّ، المُتوفَّى في ربيع الآخر سنة سبعٍ وعشرين ومئتين، (وَ) كذا حدَّثنا (مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المِنقريُّ _بكسر الميم_ السَّابق، (قَالَا) بالتثنية: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) _بسكون العين_، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ السَّابق، (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ، (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ)؛ بضمِّ الميم، وكسر المثنَّاة التَّحتيَّة، والفتح فيها أشهر، وكان يكرهه، ابن حَزْنٍ؛ بفتح المُهمَلَة وسكون الزَّاي، إمام التَّابعين في الشَّرع، وفقيه الفقهاء، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ أو أربعٍ أو خمسٍ وتسعين، وهو زوج بنت أبي هريرة، وأبوه وجدُّه صحابيَّان، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) عبد الرَّحمن [1] بن صخرٍ رضي الله عنه: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ) بالبناء للمفعول [2] في محلِّ رفعٍ خبرُ «أنَّ»، وأُبهِم السَّائل؛ وهو أبو ذَرٍّ، وحديثه في «العتق» [خ¦2518] : (أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟)؛ أي: أكثر ثوابًا عند الله تعالى، وهو مبتدأٌ وخبرٌ، (قَالَ)، ولغير الأربعة وكريمة: ((فقال)) صلى الله عليه وسلم: هو (إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ. قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟)؛ أي: أيُّ شيء أفضلُ بعد الإيمان بالله ورسوله؟ (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: هو (الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ)؛ لإعلاء كلمة الله أفضلُ؛ لبذله نفسَه، (قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا) أفضلُ؟ (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: هو (حَجٌّ مَبْرُورٌ)؛ أي: مقبولٌ؛ أي: لا يخالطه إثمٌ، أو لا رياءَ فيه، وعلامة القبول: أن يكون حاله بعد الرُّجوع خيرًا ممَّا قبله، وقد وقع هنا الجهاد بعد الإيمان، وفي حديث أبي ذّرِّ: لم يَذْكُرِ الحجَّ وذَكَرَ العتقَ [خ¦2581] ، وفي حديث ابن مسعودٍ بدأ بالصَّلاة ثمَّ البرِّ ثم الجهادِ [خ¦2782] ، وفي الحديث السَّابق [خ¦10] ذكر السَّلامة من اليد واللِّسان، وكلُّها في «الصَّحيح»، وقد أُجِيب: بأنَّ اختلاف الأجوبة في ذلك لاختلاف الأحوال والأشخاص، ومن ثمَّ لم يذكر الصَّلاة والزَّكاة والصِّيام في حديث هذا الباب، وقد يُقَال: خير الأشياء كذا، ولا يُرَاد أنَّه خيرٌ من جميع الوجوه في جميع الأحوال والأشخاص، بل في حالٍ دون حالٍ، وإنَّما قدَّم «الجهادَ» على «الحجِّ»؛ للاحتياج إليه أوَّل الإسلام، وتعريف «الجهاد» باللَّام دون «الإيمان» و«الحجِّ»: إمَّا لأنَّ المُعرَّف بلام الجنس كالنَّكرة في المعنى، على أنَّه وقع في «مُسنَد الحارث بن أبي [3] أسامة»: «ثمَّ جهادٌ» بالتَّنكير، هذا من جهة النَّحو، وأمَّا من جهة المعنى؛ فلأنَّ «الإيمان» و«الحجَّ» لا يتكرَّر وجوبُهما، فَنُوِّنا للإفراد، و«الجهاد» قد يتكرَّر، فَعُرِّفَ، والتَّعريف للكمال.

وفي إسناد هذا الحديث أربعةٌ كلُّهم مدنيُّون، وفيه شيخان للمؤلِّف، والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ في «الإيمان»، والنَّسائيُّ والتِّرمذيُّ باختلافٍ بينهم في ألفاظه.

[1] في (م): «عبد الله».
[2] في (م): «للمجهول».
[3] «أبي»: سقط من (م).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

26-. حدَّثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ وَمُوسَى بنُ إِسْماعِيلَ، قالَا: حدَّثنا إِبْراهِيمُ بنُ سَعْدٍ، قالَ: حدَّثنا ابْنُ شِهابٍ، عن سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ:

عن أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ: أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ فقالَ [1] : «إِيمانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ». قِيلَ: ثُمَّ ماذا؟ قالَ: «الجِهادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». قِيلَ: ثُمَّ ماذا؟ قالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ».

[1] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «قال».





26- ( سَعِيدِ بنِ الْمُسَيَّبِ ) بفتح الياء على المشهور. [/ج1ص34/]


26# (سُئِلَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟) في كتاب العتق من البخاري عن أبي ذرٍّ، قال: ((سألتُ النَّبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟)).

(حَجٌّ مَبْرُورٌ) أي: خالص لا يخالطُه إثمٌ، وقد جُمع بين اختلاف [1] ألفاظ الأحاديثِ الواردة في رتب العبادات في الفضلِ بأنه جرى على اختلاف الأحوال، فأعلم كُلًّا بما تدعو الحاجة إليه في حقِّه [2] ، أو ذكر [3] ما لم يعلمه السائل، وتركَ ما علمه.

[1] في (ج): ((اختلاط)).
[2] ((إليه في حقه)): ليست في (ج).
[3] في (ق): ((ذكره)).





26- قوله: (وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ): هو التَّبُوذَكِيُّ الحافظ، مشهورُ الترجمة، وسيأتي الكلام على نسبته [خ¦63] .

قوله: (حَدَّثَنَا [1] ابنُ شِهَابٍ): هو الزُّهريُّ -تقدَّم- محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب.

قوله: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيّب) [2] : اعلم أنَّ المسيَّب غيرَ والد سعيدٍ بفتح الياء في جميع الأسماء، إلَّا ما كانَ مِن [3] والد سعيدٍ، فإنَّ صاحبَ «المطالع» قال: (بفتح الياء على المشهور، وحَكى لنا القاضي الصَّدَفيُّ عنِ ابن المَدينيِّ، ووجدتُهُ بخطِّ مكِّيِّ بنِ عبدِ الرَّحمن كاتبِ أبي الحسن القابِسيِّ عنِ ابن المَدينيِّ: أنَّ أهلَ العراق يفتحونَ ياءَه وأهلَ المدينةِ يكسرونَها [4] ، قال لنا الصَّدَفيُّ: وذُكِر لنا أنَّ سعيدًا كان يَكرهُ أنْ تُفتَحَ الياءُ من اسم أبيه) انتهى [5]

قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ): تقدَّم أنَّه عبدُ الرَّحمن بن صخر على الأصحِّ، وأنَّ في اسمه نحوَ ثلاثين قولًا، وتقدَّم ما فيه [6] .

قوله: (سُئِلَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: «إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ»): السَّائلُ هو أبو ذَرٍّ، كما رواه «البخاريُّ» في (كتاب العتق) عن أبي ذَرٍّ قال: (سألتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أيُّ العملِ أفضلُ؟) ، ورواه مسلمٌ في (كتاب الإيمان) عقب حديث أبي هريرة هذا. [/ج1ص23/]

قوله: (قال: «إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ»): بدأ في هذا الحديث بالإيمان، ثُمَّ بالجهاد، ثُمَّ الحجِّ، وفي حديثِ ابنِ مسعودٍ بدأ بالصَّلاة؛ لميقاتِها، ثُمَّ بِرِّ الوالدين، ثُمَّ الحجِّ، وفي حديث أبي ذَرٍّ لم يَذكرِ الحجَّ، وفي حديث أبي موسى السَّالف: أيُّ الإسلام أفضلُ؟ قال: «مَن سَلِمَ المسلمونَ مِنْ لسانِهِ ويَدِهِ»، وفي حديث ابن عمرٍو السَّالفِ: أَيُّ الإسلامِ خيرٌ؟ قال: تُطْعِمُ الطعامَ، وتَقْرَأُ السَّلَامَ...»؛ الحديث [خ¦12] .

وقد جمعَ العلماءُ بينها وبين ما أشبهها بوجوهٍ، ذكرَ الحَليميُّ منها وجهين عن شيخه القَفَّال الكبير [7] :

أحدُهما: أنَّه جرى على اختلاف الأحوال والأشخاص، كما رُوي أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام قال: «حجَّةٌ لمن لَمْ يَحُجَّ أفضلُ مِنْ أربعينَ غزوةً، وغزوةٌ لمَنْ حَجَّ أفضلُ مِنْ أربعينَ حجَّةً»، فأعلمَ كلَّ قومٍ بما بهم [8] الحاجة إليه دون ما لَمْ تَدْعُ حاجتُهم إليه، أو ذكر ما لَمْ يعلمه السَّائلُ وأهلُ المجلس مِن دعائِمِ الإسلام، ولا بَلَغَهُ عملُه، وتركَ ما علِمُوه، ولهذا أسقطَ الصَّلاةَ والزَّكاةَ والصِّيامَ في حديث الباب، وأثبتَ فيه الجهادَ والحجَّ، ولا شكَّ أنَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ والصَّومَ مقدَّماتٌ على الحجِّ والجهادِ، فقد يكونُ الجهادُ في حقِّ شخصٍ أَولى مِن غيرِه؛ وهو مَن تأهَّل له أو عندَ التعيُّنِ والعياذُ بالله، وكذا نقولُ في بِرِّ الوالدين، وقد قال عليه الصَّلاة والسَّلام: «ففيهِما، فَجَاهِدْ».

الثاني: أنَّ لفظةَ (مِنْ) مُرادة، والمراد: مِن أفضل الأعمال، كما يُقال: فلانٌ أعقلُ الناسِ، والمراد: مِن أعقلِهِم؛ ومنه الحديث: «خيرُكم خيرُكم لأهلِهِ»، ومعلومٌ أنَّه لا يصيرُ بذلك خيرَ الناسِ، وكقولهم: أزهدُ الناسِ في عالمٍ جيرانُه.

قوله: (مَبْرُورٌ): هو الذي لا يَرتكِبُ صاحبُه فيه معصيةً، قاله القاضي عياض عن شمر، ولفظه: (هو الذي لا يُخالِطُهُ شيءٌ مِنَ المآثم) [9] ، وقيل: المبرور: المُتَقَبَّل، ويجوزُ أنْ يكونَ المبرورُ: الصادقُ والخالصُ لله تعالى.

وقولُ مَن قال: (المتقبَّل) ، قد يُستشكَلُ مِن حيث إنَّه لا اطِّلاع على القبول.

وجوابه: أنَّه قد قيل: إنَّ مِن علاماتِ القبول أن يزداد بعدَه خيرًا.

وقد قال المحبُّ الطبريُّ في «مناسكه» في المبرور، فقال: (الذي لا يُخالِطُه إثمٌ، وصحَّحَه النوويُّ، وقيل: المتقبَّل، وقيل: الذي لا رِياءَ فيه، ولا سمعةَ، ولا رفثَ، ولا فُسوقَ، وقيل: علامةُ الحجِّ المبرور أن يَزدادَ بعدَه خيرًا، ولا يُعاود المعاصي بعدَ رجوعه) انتهى، وفي «مسند أحمد» من حديث جابر: قال رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «الحجُّ المبرورُ ليس له جزاءٌ إلَّا الجنَّة»، قالوا: يا نبيَّ الله؛ ما الحجُّ المبرور؟ قال: «إطعام الطعام، وإفشاء السلام»، فهذا تفسيرٌ منه عليه الصَّلاة والسَّلام للحجِّ المبرور، وهو مقدَّمٌ على غيره، وقد تقدَّم عنِ القاضي عياض ما نقلَه عن شمر، قال: (وقيل: المتقبَّل) ، ثُمَّ ذكر الحديث المشار إليه، ثُمَّ قال: (فعلى هذا: يكون مِنَ البِرِّ الذي هو فعل الجميل) ، ثُمَّ قال: (ويجوز أن يكون الصادق الخالص لله) انتهى، وقد تقدَّم هذا.

[1] في النسخ: (عن) ، والمثبت موافق لما في «اليونينيَّة» و (ق) .
[2] في هامش (أ): (مطلب: المسيِّب أبو سعيد تكسر ياؤه) .
[3] في (ب): (عن) .
[4] في (ب): (يكسرون ياءه) .
[5] «مطالع الأنوار» (*) .
[6] (وتقدم ما فيه): ليست في (ج) .
[7] في هامش (أ): (هذا بحث يجمع بين ما ورد في أفضل الأعمال) .
[8] في (ب): (يهم) .
[9] «إكمال المعلم» (1/239) .





26- (إِيمَانٌ) ـ وكذا أخواه [1] ـ: خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: هو إيمانٌ، أو مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ؛ أي: أفضلُ؛ لتخصيص المبتدأ بمُتَعَلَّقِه.

[1] يعني قوله: ( الْجِهَادُ) و(حَجٌّ).





26- وبالسَّند السَّابق أوَّلَ هذا التَّعليق إلى المؤلِّف قال رحمه الله: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ)؛ نسبةً إلى جدِّه لشهرته به، وإنما اسمُ أبيه: عبدُ الله اليربوعيُّ التَّميميُّ الكوفيُّ، المُتوفَّى في ربيع الآخر سنة سبعٍ وعشرين ومئتين، (وَ) كذا حدَّثنا (مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المِنقريُّ _بكسر الميم_ السَّابق، (قَالَا) بالتثنية: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) _بسكون العين_، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ السَّابق، (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ، (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ)؛ بضمِّ الميم، وكسر المثنَّاة التَّحتيَّة، والفتح فيها أشهر، وكان يكرهه، ابن حَزْنٍ؛ بفتح المُهمَلَة وسكون الزَّاي، إمام التَّابعين في الشَّرع، وفقيه الفقهاء، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ أو أربعٍ أو خمسٍ وتسعين، وهو زوج بنت أبي هريرة، وأبوه وجدُّه صحابيَّان، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) عبد الرَّحمن [1] بن صخرٍ رضي الله عنه: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ) بالبناء للمفعول [2] في محلِّ رفعٍ خبرُ «أنَّ»، وأُبهِم السَّائل؛ وهو أبو ذَرٍّ، وحديثه في «العتق» [خ¦2518] : (أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟)؛ أي: أكثر ثوابًا عند الله تعالى، وهو مبتدأٌ وخبرٌ، (قَالَ)، ولغير الأربعة وكريمة: ((فقال)) صلى الله عليه وسلم: هو (إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ. قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟)؛ أي: أيُّ شيء أفضلُ بعد الإيمان بالله ورسوله؟ (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: هو (الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ)؛ لإعلاء كلمة الله أفضلُ؛ لبذله نفسَه، (قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا) أفضلُ؟ (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: هو (حَجٌّ مَبْرُورٌ)؛ أي: مقبولٌ؛ أي: لا يخالطه إثمٌ، أو لا رياءَ فيه، وعلامة القبول: أن يكون حاله بعد الرُّجوع خيرًا ممَّا قبله، وقد وقع هنا الجهاد بعد الإيمان، وفي حديث أبي ذّرِّ: لم يَذْكُرِ الحجَّ وذَكَرَ العتقَ [خ¦2581] ، وفي حديث ابن مسعودٍ بدأ بالصَّلاة ثمَّ البرِّ ثم الجهادِ [خ¦2782] ، وفي الحديث السَّابق [خ¦10] ذكر السَّلامة من اليد واللِّسان، وكلُّها في «الصَّحيح»، وقد أُجِيب: بأنَّ اختلاف الأجوبة في ذلك لاختلاف الأحوال والأشخاص، ومن ثمَّ لم يذكر الصَّلاة والزَّكاة والصِّيام في حديث هذا الباب، وقد يُقَال: خير الأشياء كذا، ولا يُرَاد أنَّه خيرٌ من جميع الوجوه في جميع الأحوال والأشخاص، بل في حالٍ دون حالٍ، وإنَّما قدَّم «الجهادَ» على «الحجِّ»؛ للاحتياج إليه أوَّل الإسلام، وتعريف «الجهاد» باللَّام دون «الإيمان» و«الحجِّ»: إمَّا لأنَّ المُعرَّف بلام الجنس كالنَّكرة في المعنى، على أنَّه وقع في «مُسنَد الحارث بن أبي [3] أسامة»: «ثمَّ جهادٌ» بالتَّنكير، هذا من جهة النَّحو، وأمَّا من جهة المعنى؛ فلأنَّ «الإيمان» و«الحجَّ» لا يتكرَّر وجوبُهما، فَنُوِّنا للإفراد، و«الجهاد» قد يتكرَّر، فَعُرِّفَ، والتَّعريف للكمال.

وفي إسناد هذا الحديث أربعةٌ كلُّهم مدنيُّون، وفيه شيخان للمؤلِّف، والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ في «الإيمان»، والنَّسائيُّ والتِّرمذيُّ باختلافٍ بينهم في ألفاظه.

[1] في (م): «عبد الله».
[2] في (م): «للمجهول».
[3] «أبي»: سقط من (م).





26- ( سُئِلَ ) السَّائل أبو ذرٍّ.

( قَالَ: الْجِهَادُ ) في «مسند ابن أبي أسامة» قال: «جهاد»، وهو موافق لقوله: «قال: [إيمان] [1] ، وقال: حجٌّ».

قال ابن حجر: فالتَّعريف في رواية «الصَّحيح» من تصرُّف الرُّواة.

قال النَّوويُّ: ذكر هنا بعد الإيمانِ: الجهاد والحجَّ، وفي حديث / أبي ذرٍّ بدل «الحجِّ»: «العتق»، وفي الحديث السَّابق: «السَّلامة من اليد واللِّسان»، وفي حديث ابن مسعود: «الصَّلاة، ثمَّ البرِّ، ثمَّ الجهاد».

وقال العلماء: واختلاف الأجوبة لاختلاف الأحوال واحتياج المخاطبين وذكر ما لا يعلمه السَّائل وترك ما علمه. [/ج1ص177/]

[1] ما بين معقوفتين في [ع] تصحيفًا: (عان) والمثبت من غيرها





لا تتوفر معاينة

26 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالاَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضيَ اللهُ عنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ: أَيُّ الأًعْمَالِ [1] أَفْضَلُ؟ فَقَالَ [2]: ((إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)). قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ((الجِهَادُ [3])) قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ((حَجٌّ مَبْرُور [4])).

الشرح:

أما (أَبوُ هُرَيْرَةَ) و(ابْنُ شِهَابٍ) و(إِبْرَاهِيمُ) و(مُوسَى) فسبق ذكرهم.

وأما (ابْنِ المُسَيِّبِ) فهو أبو محمد سعيد بن المسيب بن حَزْن [5] بن [6] وهب بن عمرو بن عائذ - بالذال المعجمة - ابن عمران بن مخزوم بن يَقَظَة - بفتح الياء المثناة تحت والقاف والظاء المعجمة - ابن مرّة، القرشي المخزومي، المدني، إمام التابعين، ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقيل: لأربع سنين, والمشهور الأول.

سمع عمر، وعثمان، وعليًا، وسعد بن أبي وقاص، وأبا هريرة، وهو زوج بنته [7] وأعلم الناس بحديثه، [8]وخلائق من الصحابة رضيَ اللهُ عنهم.

روى عنه خلائق من كبار التابعين وصغارهم مشهورون، وشهرتهم مغنية عن ذكرهم.

قال محمد بن يحيى بن حبان: كان رأس من بالمدينة في دهره المقدم عليهم سعيد بن المسيب، ويقال

#%ص133%

له [9]: فقيه الفقهاء.

وقال مكحول: طُفْتُ [10]الأرض كلها في طلب العلم، فما لقيت أحدًا أعلم من ابن المسيب.

وقال قتادة: ما لقيت من التابعين أعلم بالحلال والحرام من ابن المسيب.

وقال سليمان بن موسى [11]: كان [12] ابن المسيب أفقه التابعين.

روينا [13] عن يحيى الأنصاري عن ابن المسيب قال: إنْ كنتُ لَأَرْحَلُ الأيامَ والليالي في طلب الحديث الواحد.

وقال علي بن المديني: لا أعلم في التابعين أحدًا أوسع علمًا من ابن المسيب.

وقال أحمد بن حنبل: سعيد أفضل التابعين، قيل له: فسعيد عن عمر حجة؟ قال: هو عندنا حجة، قد سمع من [14] عمر، فإذا لم يقبل سعيد [15] عن عمر، فمن [16] يقبل؟.

وقال أبو حاتم: ليس في التابعين أنبل من ابن المسيب، وهو أثبتهم في أبي هريرة، توفي سنة أربع وتسعين، وكان يقال لهذه السنة سنة الفقهاء؛ لكثرة من مات منهم فيها، وقيل: سنة ثلاث وتسعين [17].

وأبوه وجده صحابيان رضي الله عنهم، ووالده المسيَّب، بفتح الياء على المشهور، وقيل: بكسرها [18]، وهو قول أهل المدينة، وقيل: إنه [19] كان [20] يكره فتحها، والله أعلم.

[21].

فصل: قوله تعالى [22]: { وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا } [الزخرف:72] معنى الإرث أنها صارت لكم، وقوله تعالى: { بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ }يجوز في (ما) وجهان جاريان في نظائرها في القرآن العزيز: أن تكون مصدرية، وأن تكون بمعنى الذي، فعلى الأول تقديره: بعملكم، وعلى الثاني: بالذي كنتم تعملونه [23].

فإن قيل: كيف يجمع بين هذه الآية وحديث [24]: (( لَنْ يَدْخُلَ أَحَدَكُمُ الجنَّةَ بِعَمَلِهِ)). فالجواب: أن دخول الجنة بسبب العمل، والعمل برحمة الله.

وقوله [25] تعالى [26]: { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [الحجر:93] في (ما) الوجهان السابقان، والظاهر المختار أن معناه: لنسألنهم عن أعمالهم كلها، أي: الأعمال التي يتعلق بها التكليف، وقول هؤلاء الذين نقل عنهم البخاري رحمه الله: أن المراد (عَنْ [27] لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) فهو [28] مجرد دعوى التخصيص [29] بلا دليل، فلا تقبل [30]، والإنكار في دعواهم انحصار المراد في قول: لا إله إلا الله، وإلا فهو داخل في عموم الأعمال.

وقد روينا في «مسند أبي يعلى الموصلي [31]» عنه [32]: عن أبي خيثمة، عن جرير، عن ليث بن أبي سليم، عن بشر، عن أنس رضيَ اللهُ عنه يرفعه إلى النبي

#%ص134%

صلَّى الله عليه وسلَّم في قوله تعالى: { فَوَرَبِّكَ [33] لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } قال: (عَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ). لكن ليث بن أبي [34] سليم ضعيف لا يحتج به.

فإن قيل: في هذه الآية إثبات سؤالهم، وفي الآية الأخرى: { فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ } [الرحمن: 39]. فالجمع بينهما: أن في القيامة مواطن، أعاننا الله الكريم على أهوالها، ففي مواطن [35] يسألون وفي آخر لا يسأل، أو لا يسألون سؤال استخبار [36].

وقوله: (وَقَالَ [37] عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ) يعني جماعة، قال أهل اللغة: العدة جماعة [38]، قلَّت أو كثرت.

فصل: قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (حَجٌّ مَبْرُورٌ [39]) الصحيح الذي قاله شمر وغيره من الأئمة: أن [40] المبرور هو الذي لا يخالطه إثم، وقيل: المقبول، وقيل: غير ذلك، والبر: الطاعة، يقال: بَرَّ حجك وبُرَّ -بفتح الباء وضمها - لغتان.

ثُمَّ في هذا الحديث بعد الإيمان الجهاد، وفي حديث ابن مسعود رضيَ اللهُ عنه بدأ بالصلاة لميقاتها، وفي حديث أبي ذر رضيَ اللهُ عنه لم يذكر الحج، وفي الحديث الآخر: أي الإسلام أفضل؟ قال: (مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ). وفي الآخر [41]: أي الإسلام خير؟ قال: ( [42]تُطْعِمَ الطَّعَامَ.. ) الحديث.

قال العلماء: اختلاف الأجوبة في هذه الأحاديث لاختلاف الأحوال، فَأْعَلَم كلَّ قومٍ بما يهم [43] الحاجة [44] إليه، دون ما لم تدع حاجتهم إليه، أو ذكر ما لم يَعْلَمْهُ السائل وأهل المجلس، وترك ما علموه، ولهذا أسقط [45] ذكر الصلاة والزكاة والصيام في حديث الباب، وأثبت فيه الجهاد والحج، ولا شك أن [46] الصلاة والزكاة والصوم مقدمات على الحج والجهاد.

فإن قيل: كيف قدم الجهاد في هذا الحديث [47] على الحج، مع أن الحج أحد أركان الإسلام، والجهاد ليس [48] بركن، إنما [49] هو فرض كفاية؟

فالجواب: أن الجهاد - وإن [50] كان فرض كفاية - فقد يتعين، كما في سائر فروض الكفاية [51]، وإذا لم يتعين لا [52] يقع إلا فرض كفاية، وأما الحج فالواجب منه حجة واحدة، وما زاد نفل، فإنْ قابلتَ واجبَ الحجِّ بِمُتَعَيِّنِ [53] الجهاد كان الجهاد أفضل لهذا الحديث؛ ولأنه شارك الحج في الفريضة [54]، وزاد بكونه نفعًا متعديًا إلى سائر الأمة؛ ولكونه ذَبًّا [55] عن بيضة الإسلام، ولكونه بذلًا

#%ص135%

للنفس والمال، وغير ذلك.

فإن [56] قابلت نفل الحج بغير متعين الجهاد كان الجهاد أفضل لما ذكرناه [57]؛ ولأنه يقع [58] فرض كفاية، وهو أفضل من النفل بلا شك، بل قال الإمام أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن حَيَّوَيه [59]، إمام الحرمين، في كتابه «الغياثي»: فرض الكفاية عندي أفضل من فرض العين، من حيث إنه يقع فعله مُسْقِطًا للحرج عن الأمة بأسرها، وبتركه يعصي المتمكنون منه [60] كلهم، ولا شك في عظم وقع [61] ما هذه صفته، والله أعلم.

[1] في (ت): ((العمل)).
[2] في (ع): ((قال)).
[3] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى زيادة: ((في سبيل الله)).
[4] في (ص): ((حجة مبرورة)).
[5] في (ع): ((جرير)).
[6] زاد في (ص) و(ع): ((أبي)).
[7] في (ك) و(ع): ((ابنته)).
[8] قوله: ((وأبا هريرة، وهو زوج بنته وأعلم الناس بحديثه)) ليس في الأصل (ز).
[9] قوله: ((له)) ليس في (ص).
[10] في (ك) و(ع): ((طبقت)).
[11] قوله: ((موسى)) ليس في (ت).
[12] قوله: ((كان)) ليس في (ص).
[13] في (ت): ((وروينا)).
[14] في (ع): ((منه)).
[15] في (ص): ((سعيدًا)).
[16] في (ص): ((عن من)).
[17] قوله: ((في أبي هريرة، توفي سنة أربع وتسعين، وكان يقال لهذه السنة سنة الفقهاء؛ لكثرة من مات منهم فيها، وقيل: سنة ثلاث وتسعين)) ليس في الأصل(ز).
[18] في (ع): ((كسرها)).
[19] في (ع): ((إنما)).
[20]قوله: ((كان)) ليس في (ع).
[21] زاد في (ت) و(ص): ((وأما أحمد بن يونس كذا))، وفي (ص): بدون((كذا)).
وزاد في (ك): ((وأما أحمد بن يونس فهو أبو عبد الله، أحمد بن عبد الله بن يونس بن عبد الله بن قيس التميمي، اليربوعي، الكوفي، وقد ينسب إلى جده ويقال: إنه مولى الفضيل بن عياض، روى عنه جماعة من الأعلام منهم: مالك بن أنس، وسفيان، والثوري، والليث بن سعد، وعبد العزيز بن الماجشون، وابن عيينة، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، والفضيل بن عياض، وجماعة كثيرة سواهم.
روى عنه: البخاري، وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان، وعبد بن حميد بن نصر، وإسماعيل بن إسحاق القاضي.
قال الفضيل بن زياد القطان: سمعت أحمد بن حنبل فقال له رجل عمن ترى أن نكتب الحديث، قال: اخرج إلى أحمد بن يونس فإنه شيخ الإسلام.
وقال أبو حاتم: كان ثقة متقنًا، وقال الشيباني: ثقة.
توفي ليلة الجمعة لخمس بقين من شهر ربيع الآخر سنة سبع وعشرين ومائتين بالكوفة.
روى له الجماعة، وقال أبو حاتم: هو آخر من روى عن سفيان وفيه نظر، فإن علي بن الجعد روى عن سفيان ومات سنة ثلاثين ومائتين)).
[22] في (ك) و(ص) و(ع): ((قول الله تعالى)).
[23] في (ص): ((تعملون)).
[24] في (ص): ((وبين حديث)).
[25] في (ك): ((قوله)).
[26] قوله: ((تعالى)) ليس في (ك).
[27] قوله: ((عن)) ليس في (ك).
[28] قوله: ((فهو)) ليس في (ك) و(ص).
[29] في (ك) و(ص): ((للتخصيص)).
[30] في (ك) و(ص) و(ع): ((يقبل)).
[31] قوله: ((الموصلي)) ليس في (ص).
[32] في (ك): ((وقد روى أبو يعلى الموصلي)).
[33] قوله: ((فو ربك)) ليس في (ص).
[34] قوله: ((أبي)) ليس في (ص).
[35] في (ك) و(ص): ((موطن)).
[36] زاد في (ك): ((والله أعلم))، وفي (ع): ((سؤال استحباب)).
[37] في (ع): ((قال)).
[38] في (ص): ((الجماعة)).
[39] في (ص): ((حجة مبرورة)).
[40] قوله: ((أن)) ليس في (ع).
[41] في (ع): ((الأخرى)).
[42] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى زيادة: ((أن)).
[43] في (ص): ((تهم)).
[44] زاد في (ص): ((بما دعت حاجتهم)).
[45] في (ت) و(ك) و(ص): ((سقط)).
[46] قوله: ((الصلاة والزكاة والصيام في حديث الباب، وأثبت فيه الجهاد والحج، ولا شك أن )) ليس في (ك).
[47] في (ص): ((الباب)).
[48] في (ع): ((وليس)).
[49] في (ك): ((وإنما)).
[50] في (ك): ((إن)).
[51] في (ك) و(ص): ((الكفايات)).
[52] في (ع): ((لم)).
[53] في (ص): ((بتعين)).
[54] في (ع): ((الفرضية)).
[55] في (ص): ((دفاعًا)).
[56] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى: ((وإن)).
[57] في (ع): ((ذكرنا)).
[58] قوله: ((يقع)) ليس في (ع).
[59] في (ع): ((حيوة)).
[60] في (ص): ((المطلوب منهم)).
[61] في (ت) و(ك): ((موقع))، وفي (ص): ((ولا في عظم موضع)).
#%ص136%





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

26- وبه ((حدثنا أحمد ابن يونس)) نسبة إلى جده؛ لشهرته به، واسم أبيه: عبد الله اليربوعي، التميمي، الكوفي، المتوفى في ربيع الآخر سنة سبع وعشرين ومئتين.

((و)) كذا حدثنا ((موسى بن إسماعيل)) المِنْقَري؛ بكسر الميم المتقدم ((قالا)) بالتثنية: ((حدثنا إبراهيم بن سعد)) ؛ بسكون العين: ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المتقدم، ((قال: حدثنا ابن شهاب)) محمد بن مسلم الزُّهري، ((عن سعيد بن المُسيِّب)) ؛ بضم الميم، وكسر المثناة التحتية، والفتح فيها أشهر، وكان يكرهه، ابن حَزْن؛ بفتح المهملة وسكون الزاي، التابعي، المتوفى سنة ثلاث وتسعين، وهو زوج بنت أبي هريرة، وأبوه وجده صحابيان، ((عن أبي هريرة)) عبد الرحمن بن صخر رضي الله تعالى عنه: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل)) بالبناء للمفعول في محل رفع خبر (أن) ، وأبهم السائل؛ وهو أبو ذر، وحديثه في العتق: ((أي العمل أفضل؟)) ؛ أي: أكثر ثوابًا عند الله تعالى؛ وهو مبتدأ وخبر، ((قال)) وفي رواية: (فقال) عليه السلام: هو ((إيمان بالله ورسوله، قيل)) مجهول (قال) ، أصله: (قَوِل) نقلت كسرة الواو إلى القاف بعد سلب حركتها، فصار (قِوْل) ؛ بكسر القاف وسكون الواو، قلبت الواو ياء؛ لسكونها وانكسار ما قبلها، فصار (قِيل) ، والقائل هو السائل الأول: ((ثم ماذا؟)) ؛ أي: أي شيء أفضل بعد الإيمان بالله ورسوله؟ ((قال)) عليه السلام: هو ((الجهاد في سبيل الله)) ؛ لإعلاء كلمة الله ((قيل: ثم ماذا)) أفضل؟ ((قال)) عليه السلام: هو ((حج مبرور)) ؛ أي: مقبول؛ أي: لا يخالطه إثم ولا رياء، وعلامة قبوله: أن يكون حاله بعد الرجوع خيرًا مما كان قبله، وفي حديث أبي ذر ذكر العتق ولم يذكر الحج، وفي حديث ابن مسعود بدأ بالصلاة ثم بالبر ثم الجهاد، وفي الحديث السابق السلامة من اليد واللسان.

وقد أجيب: بأن اختلاف الأجوبة في ذلك؛ لاختلاف أحوال الأشخاص، وإنَّما قدم الجهاد على الحج؛ للاحتياج إليه أول الإسلام، وإنَّما عرَّفه دون أخويه؛ لأنَّ المعرَّف بلام الجنس كالنكرة في المعنى، أو لأنَّ الإيمان والحج لا يتكرر وجوبهما فنُوِّنا للإفراد، والجهاد قد يتكرر فعُرِّف، والتعريف للكمال هنا.