متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

18- (بابٌ)؛ بغير تنوينٍ؛ لإضافته إلى قوله: (مَنْ قَالَ: إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى)، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: ((عزَّ وجلَّ)): ({وَتِلْكَ}) مبتدأٌ، خبره: ({التي أُورِثْتُمُوهَا})؛ أي: صُيِّرَتْ لكم إرثًا، فأُطْلِق الإرث مجازًا عن [1] الإعطاء؛ لتحقُّق الاستحقاق، أو المُورَّث الكافر، وكان له نصيبٌ منه، ولكن كفره منعه، فانتقل منه إلى المؤمن، وقال البيضاويُّ: شبَّه جزاء العمل بالميراث؛ لأنَّه يخلفه عليه العامل، والإشارة إلى الجنَّة المذكورة في قوله تعالى: {اُدْخُلُوا الجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرونَ} [الزخرف: 70] ، والجملة صفةٌ لـ: {الجَنَّةَ}، أو {الجَنَّةَ} صفةٌ للمبتدأ الذي هو {تِلك}، و{التي أُورِثْتُمُوهَا} صفةٌ أخرى، والخبر: ({بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}) [الزخرف: 72] ؛ أي: تؤمنون، و«ما»: مصدريَّةٌ؛ أي: بعملِكم، أو موصولةٌ؛ أي: بالذي كنتم تعملونه، والباء للمُلابَسة؛ أي: أُورِثتموها مُلابِسةً لأعمالكم؛ أي: لِثوابِ أعمالكم، أو للمقابلة؛ وهي التي تدخل على الأعواض؛ كـ: اشتريت بألفٍ، ولا تَنَافِيَ بين ما في [2] الآية وحديث: «لن يدخل أحدٌ الجنَّة [خ¦5673] بعمله»؛ لأنَّ المُثبَت في الآية الدُّخولُ بالعمل المقبول، والمنفيَّ في الحديث دخولُها بالعمل المُجرَّد عنه، والقبول إنَّما هو برحمة [3] الله تعالى، فآلَ ذلك إلى أنَّه لم يقع الدُّخول إلَّا برحمته، ويأتي مزيدٌ لذلك _إن شاء الله تعالى_ في محلِّه بعون الله وقوَّته، وقد أشبعتُ الكلام عليه في «المواهب»، فليُرَاجَع.

(وقَالَ عِدَّةٌ) _بكسر العين، وتشديد الدَّال_ أي: عددٌ (مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ)؛ كأنس بن مالكٍ فيما رواه التِّرمذيُّ مرفوعًا بإسنادٍ فيه ضعفٌ، وابن عمر فيما رواه الطَّبريُّ في «تفسيره»، والطَّبرانيُّ في «الدُّعاء له»، ومجاهدٌ فيما رواه عبد الرَّزَّاق في «تفسيره»، (فِي قَوْلِهِ تَعَالَى)، وفي رواية الأَصيليِّ وأبي الوقت: ((عزَّ وجلَّ)): ({فَوَرَبِّكَ}) يا محمَّد؛ ({لنسألنَّهم})؛ أي: المقتسمين؛ جواب القسم مُؤكَّدًا باللَّام، ({أَجْمَعِينَ}) تأكيدٌ للضَّمير في {لنسألنَّهم}، مع الشُّمول في أفراد المخصوصين، ({عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}؛ عَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله)، وفي روايةٍ: ((عن قول: لا إله إلَّا الله))، وسقط لأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ لفظ: ((قول))، ولفظ رواية ابن عساكرَ: ((قال: عن لا إله إلَّا الله))، لكن قال النَّوويُّ: المعنى: لَنَسْأَلَنَّهُمْ عن أعمالهم كلِّها التي يتعلَّق بها التَّكليف، فقول من خصَّ بلفظ التَّوحيد دعوى تخصيصٍ بلا دليلٍ، فلا تُقبَل، انتهى. ومُرَاده _كما قاله صاحب «عمدة القاري»_: أنَّ دعوى التَّخصيص بلا دليلٍ خارجيٍّ لا تُقبَل؛ لأنَّ الكلام عامٌّ في السُّؤال عن التَّوحيد وغيره، فدعوى التَّخصيص بالتَّوحيد تحتاج إلى دليلٍ خارجيٍّ، فإنِ استدلَّ بحديث التِّرمذيِّ؛ فقد ضَعُفَ من جهة ليثٍ، وليس التَّعميم في قوله: {أَجْمَعِينَ} حتَّى يدخل فيه المسلم والكافر؛ لكونه مخاطبًا بالتَّوحيد قطعًا، وبباقي الأعمال على الخلاف، فالمانع من الثَّاني يقول: إنَّما يُسأَلون عن التَّوحيد فقط؛ للاتِّفاق عليه، وإنَّما التَّعميم هنا في قوله: {عمَّا كَانُوا يَعْمَلُوَن}، فتخصيص ذلك بالتَّوحيد تحكُّمٌ، ولا تَنَافِيَ بين هذه الآية وبين قوله تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ} [الرحمن: 39] ؛ لأنَّ في القيامة مواقفُ مختلفة، وأزمنةٌ متطاولة، ففي موقفٍ أو زمانٍ يُسأَلون، وفي آخرَ لا يُسأَلُون، أو لا يُسأَلون سؤالَ استخبارٍ، بل سؤالَ توبيخٍ لمستحقِّه.

(وَقَالَ) الله تعالى، وسقط لغير الأربعة لفظ: ((وقال)): ({لِمِثْلِ هَذَا})؛ أي: لِنَيْلِ مثل هذا الفوز العظيم ({فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ}) [الصافات: 61] ؛ أي: فليؤمن المؤمنون، لا للحظوظ الدُّنيويَّة المَشُوبة بالآلام السَّريعةِ الانصرام، وهذا يدلُّ على أنَّ الإيمان هو العمل، كما ذهب إليه المصنِّف، لكنَّ اللَّفظَ عامٌّ، ودعوى التَّخصيص بلا برهانٍ لا تُقبَل، نعم؛ إطلاق العمل على الإيمان صحيحٌ من حيث إنَّ الإيمان هو عملُ القلب، لكن لا يلزم من ذلك أن يكون العمل من نفس الإيمان، وغرضُ البخاريِّ رحمه الله من هذا الباب وغيره: إثباتُ أنَّ العمل [/ج1ص109/] من أجزاء الإيمان؛ ردًّا على من يقول: إنَّ العمل لا دَخْلَ له في ماهيَّة الإيمان، فحينئذٍ لا يتمُّ مقصوده على ما لا يخفى، وإن كان مُرَاده جواز إطلاق العمل على الإيمان؛ فلا نزاعَ فيه؛ لأنَّ الإيمان عملُ القلب؛ وهو التَّصديق، وقد سبق البحث في ذلك.

[1] في (م): «على».
[2] في (م): «باءي).
[3] في (ب) و(س): «من رحمة».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

(18) بابُ مَنْ قالَ: إِنَّ الإِيمانَ هو العَمَلُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تعالىَ [1] : { وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [الزخرف: 72]

وَقالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ فِي قَوْلِهِ تعالىَ [2] : { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ. عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [الحجر: 92 - 93] : عن قَوْلِ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [3] .

{ لِمِثْلِ [4] هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ } [الصافات: 61]

[1] في رواية أبي ذر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «عزَّ وَجَلَّ».
[2] في رواية الأصيلي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «عزَّ وَجَلَّ».
[3] في رواية أبي ذر والأصيلي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «عن لا إله إلا الله»، وفي رواية ابن عساكر: «قال: عن لا إله إلا الله».
[4] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت و [عط] : «وقال: { لِمِثْلِ }»، وزاد نسبتها في (ن) إلى [ح] .






(18) [باب: مَنْ قَالَ: إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ]

({وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الزخرف:72]) الباء للمقابلة، وهي الداخلةُ على الأعواض، والمعطي بعوض قد يعطي مجانًا، فلا يلزم من جَعلِها للعوض كونُ العملِ سببًا في دخول الجنَّة، وأما الباء في قوله عليه الصلاة والسلام: ((لَن [1] يَدخلَ أَحَدكمُ الجَنَّة بعَمَلهِ)) فللسببية، لا للمقابلةِ، فقد اختلف المحملان، واندفع ما كان يُظن من التَّعارض بين الآية [2] والحديث.

({عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}: عَنْ قَوْلِ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) المختار أن [3] معناه: لنسألنَّهم [4] عن جميع أعمالهم التي [5] يتعلق بها التَّكليف.

[1] في (ق): ((ليس)).
[2] في (د): ((الأدلة)).
[3] ((أن)): ليست في (ق).
[4] في (ق): ((لتسألنهم)).
[5] في (ق): ((أعمالهم أي)).





قوله: ({بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 43] ): اعلم أنَّ (ما) في الآية ونظائرها وجهان؛ أحدهما: أنَّها مصدريَّة؛ أي: بعملكم، وثانيهما: موصولة؛ أي: بالذي كنتم تعملون، والوجهان في (ما) في الآية التي تلاها بعدها، وعنِ النَّوويِّ: أنَّ الظاهر المختار أنَّ معنى {لَنَسْأَلَنَّهُمْ} [1] [الحجر: 92] : عن أعمالهم كلِّها؛ أي: الأعمال التي يتعلَّق بها التكليف.

سؤال: إن قيل: كيف يُجمَع بين الآية الأُولى وبين الحديث: «لنْ يدخُلَ أحدٌ الجنَّةَ بعملِه»؟

قيل: إنَّ دخول الجنَّة بسبب العمل، والعمل برحمة الله تعالى، وفي «مغني ابن هشام جمال الدِّين» في (معاني الباء): (الباء من المقابلة، وهي الداخلة على الأعواض؛ كاشتريته بألف، وكافأت إحسانه بضعف، وقولهم: هذا بذاك، ومنه: {ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 32] ، وإنَّما لم يقدِّرها باء السَّببية كما قالت المعتزلة، وكما قال الجميع في «لن يدخلَ أحدُكم الجنَّةَ بعملِه»؛ لأنَّ المعطي بعِوَض قد يُعطِي مجَّانًا، وأمَّا المسبَّب؛ فلا يُوجَدُ بدون السَّبب، وقد تبيَّنَ أنَّه لا تعارُضَ بين الحديث والآية؛ لاختلاف مَحْمَلي البابين جمعًا بين الأدلَّة) انتهى، ولغير ابنِ هشامٍ كلامٌ في ذلك تركتُه اختصارًا.

سؤال آخر: إن قيل: كيف يُجمع بين الآية وهي: {لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: 92] والآيةِ الأُخرى: {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنْبِهِ} [2] ؛ الآية [الرحمن: 39] ؟

قيل: إنَّ في القيامة مواطن أعاننا الله على أهوالها؛ ففي موطن يُسألون، وفي آخر لا، وهذا جوابُ ابن عبَّاس رضي الله عنهما، كما سيأتي في هذا «الصحيح» في (حم السَّجدة) .

وجوابٌ ثانٍ: وهو أنَّهم لا يُسألون سؤالَ استخبار.

قوله: (وَقَالَ عِدَّةٌ): أي: جماعةٌ، قال حافظُ عصري: (سمَّيتُ منهم في وصلِ التعليق أَنَسًا، وابنَ عُمرَ، ومُجاهدًا، وغيرَهم) انتهى، (وقد ذكر مستنده في مجاهدٍ، وأنسٍ، وابنِ عمرَ، والله أعلم) [3] .

[1] في (ب): (ليسألنهم) .
[2] زيد في (ب): {إنس قبلهم}.
[3] ما بين قوسين سقط من (ج) .





(بَابُ مَنْ قَالَ): لا يجوزُ في هذا الباب إلَّا الإضافةُ إلى ما بعدَه.

({بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}): (ما) في الآية ونظائرها إمَّا مصدريَّةٌ أو موصولةٌ، وكذا الوجهان في (ما) في الآية التي تلاها [1] بعدَها، والباء هنا: قال الكرمانيُّ: (للملابسةِ، ليستْ للسببيَّةِ أو للمقابلة؛ نحو: «أعطيت الشَّاة بالدِّرْهم»)، وقال ابنُ هشام: (الباء هنا للمقابلة).

هذا من جهة النَّحْو، وأمَّا المعنى؛ فليُطلب مِنْ مُؤَلَّفي على «البخاري».

[1] أي: البخاري رحمه الله تعالى.





18- (بابٌ)؛ بغير تنوينٍ؛ لإضافته إلى قوله: (مَنْ قَالَ: إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى)، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: ((عزَّ وجلَّ)): ({وَتِلْكَ}) مبتدأٌ، خبره: ({التي أُورِثْتُمُوهَا})؛ أي: صُيِّرَتْ لكم إرثًا، فأُطْلِق الإرث مجازًا عن [1] الإعطاء؛ لتحقُّق الاستحقاق، أو المُورَّث الكافر، وكان له نصيبٌ منه، ولكن كفره منعه، فانتقل منه إلى المؤمن، وقال البيضاويُّ: شبَّه جزاء العمل بالميراث؛ لأنَّه يخلفه عليه العامل، والإشارة إلى الجنَّة المذكورة في قوله تعالى: {اُدْخُلُوا الجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرونَ} [الزخرف: 70] ، والجملة صفةٌ لـ: {الجَنَّةَ}، أو {الجَنَّةَ} صفةٌ للمبتدأ الذي هو {تِلك}، و{التي أُورِثْتُمُوهَا} صفةٌ أخرى، والخبر: ({بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}) [الزخرف: 72] ؛ أي: تؤمنون، و«ما»: مصدريَّةٌ؛ أي: بعملِكم، أو موصولةٌ؛ أي: بالذي كنتم تعملونه، والباء للمُلابَسة؛ أي: أُورِثتموها مُلابِسةً لأعمالكم؛ أي: لِثوابِ أعمالكم، أو للمقابلة؛ وهي التي تدخل على الأعواض؛ كـ: اشتريت بألفٍ، ولا تَنَافِيَ بين ما في [2] الآية وحديث: «لن يدخل أحدٌ الجنَّة [خ¦5673] بعمله»؛ لأنَّ المُثبَت في الآية الدُّخولُ بالعمل المقبول، والمنفيَّ في الحديث دخولُها بالعمل المُجرَّد عنه، والقبول إنَّما هو برحمة [3] الله تعالى، فآلَ ذلك إلى أنَّه لم يقع الدُّخول إلَّا برحمته، ويأتي مزيدٌ لذلك _إن شاء الله تعالى_ في محلِّه بعون الله وقوَّته، وقد أشبعتُ الكلام عليه في «المواهب»، فليُرَاجَع.

(وقَالَ عِدَّةٌ) _بكسر العين، وتشديد الدَّال_ أي: عددٌ (مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ)؛ كأنس بن مالكٍ فيما رواه التِّرمذيُّ مرفوعًا بإسنادٍ فيه ضعفٌ، وابن عمر فيما رواه الطَّبريُّ في «تفسيره»، والطَّبرانيُّ في «الدُّعاء له»، ومجاهدٌ فيما رواه عبد الرَّزَّاق في «تفسيره»، (فِي قَوْلِهِ تَعَالَى)، وفي رواية الأَصيليِّ وأبي الوقت: ((عزَّ وجلَّ)): ({فَوَرَبِّكَ}) يا محمَّد؛ ({لنسألنَّهم})؛ أي: المقتسمين؛ جواب القسم مُؤكَّدًا باللَّام، ({أَجْمَعِينَ}) تأكيدٌ للضَّمير في {لنسألنَّهم}، مع الشُّمول في أفراد المخصوصين، ({عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}؛ عَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله)، وفي روايةٍ: ((عن قول: لا إله إلَّا الله))، وسقط لأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ لفظ: ((قول))، ولفظ رواية ابن عساكرَ: ((قال: عن لا إله إلَّا الله))، لكن قال النَّوويُّ: المعنى: لَنَسْأَلَنَّهُمْ عن أعمالهم كلِّها التي يتعلَّق بها التَّكليف، فقول من خصَّ بلفظ التَّوحيد دعوى تخصيصٍ بلا دليلٍ، فلا تُقبَل، انتهى. ومُرَاده _كما قاله صاحب «عمدة القاري»_: أنَّ دعوى التَّخصيص بلا دليلٍ خارجيٍّ لا تُقبَل؛ لأنَّ الكلام عامٌّ في السُّؤال عن التَّوحيد وغيره، فدعوى التَّخصيص بالتَّوحيد تحتاج إلى دليلٍ خارجيٍّ، فإنِ استدلَّ بحديث التِّرمذيِّ؛ فقد ضَعُفَ من جهة ليثٍ، وليس التَّعميم في قوله: {أَجْمَعِينَ} حتَّى يدخل فيه المسلم والكافر؛ لكونه مخاطبًا بالتَّوحيد قطعًا، وبباقي الأعمال على الخلاف، فالمانع من الثَّاني يقول: إنَّما يُسأَلون عن التَّوحيد فقط؛ للاتِّفاق عليه، وإنَّما التَّعميم هنا في قوله: {عمَّا كَانُوا يَعْمَلُوَن}، فتخصيص ذلك بالتَّوحيد تحكُّمٌ، ولا تَنَافِيَ بين هذه الآية وبين قوله تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ} [الرحمن: 39] ؛ لأنَّ في القيامة مواقفُ مختلفة، وأزمنةٌ متطاولة، ففي موقفٍ أو زمانٍ يُسأَلون، وفي آخرَ لا يُسأَلُون، أو لا يُسأَلون سؤالَ استخبارٍ، بل سؤالَ توبيخٍ لمستحقِّه.

(وَقَالَ) الله تعالى، وسقط لغير الأربعة لفظ: ((وقال)): ({لِمِثْلِ هَذَا})؛ أي: لِنَيْلِ مثل هذا الفوز العظيم ({فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ}) [الصافات: 61] ؛ أي: فليؤمن المؤمنون، لا للحظوظ الدُّنيويَّة المَشُوبة بالآلام السَّريعةِ الانصرام، وهذا يدلُّ على أنَّ الإيمان هو العمل، كما ذهب إليه المصنِّف، لكنَّ اللَّفظَ عامٌّ، ودعوى التَّخصيص بلا برهانٍ لا تُقبَل، نعم؛ إطلاق العمل على الإيمان صحيحٌ من حيث إنَّ الإيمان هو عملُ القلب، لكن لا يلزم من ذلك أن يكون العمل من نفس الإيمان، وغرضُ البخاريِّ رحمه الله من هذا الباب وغيره: إثباتُ أنَّ العمل [/ج1ص109/] من أجزاء الإيمان؛ ردًّا على من يقول: إنَّ العمل لا دَخْلَ له في ماهيَّة الإيمان، فحينئذٍ لا يتمُّ مقصوده على ما لا يخفى، وإن كان مُرَاده جواز إطلاق العمل على الإيمان؛ فلا نزاعَ فيه؛ لأنَّ الإيمان عملُ القلب؛ وهو التَّصديق، وقد سبق البحث في ذلك.

[1] في (م): «على».
[2] في (م): «باءي).
[3] في (ب) و(س): «من رحمة».





( بَابُ ) بالإضافة حتمًا.

( وَقَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ) منهم أنس وحديثه في التِّرمذيِّ، وابن عمر في «تفسير ابن جرير».


لا تتوفر معاينة

قال البخاري [1] رحمه الله تعالى:

16 - بَابُ مَنْ قَالَ إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ العَمَلُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى [2]: {وَتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الزخرف: 72] وَقَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: 93] عَنْ قَوْلِ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَقَالَ تعالى: {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ العَامِلُونَ} [الصافات: 61]

[1] قوله: ((البخاري)) ليس في (ك).
[2] في (ك) و(ص) و(ع): ((لقوله تعالى)).
#%ص133%





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

((باب)) مضاف إلى ما بعده، ولا يجوز غيره، وارتفاعه؛ على أنه خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هذا باب ((من قال: إنَّ الإيمان هو العمل)) ردًّا على المرجئة القائلين: بأن الإيمان قول بلا عمل ((لقوله تعالى)) وفي رواية: (عز وجل) : (({وَتِلْكَ})) مبتدأ، خبره قوله: (({الجَنَّةُ الَتِي أُورِثْتُمُوهَا})) ؛ أي: صُيِّرت لكم ميراثًا، فأطلق الإرث مجازًا عن الإعطاء؛ لتحقق الاستحقاق، أو المورِّث الكافر وكان له نصيب منه؛ ولكن كفره منعه فانتقل منه إلى المؤمن، (({بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ})) [الزخرف: 72] ؛ أي: تؤمنون، و (ما) مصدرية؛ أي: بعملكم، أو موصولة؛ أي: بالذي كنتم تعملونه، و (الباء) للملابسة؛ أي: أورثتموها ملابسة لأعمالكم؛ أي: لثوابها، أو للمقابلة؛ نحو: أُعطيت الشاة بالدرهم، ولا تنافي بين ما في الآية وبين حديث: «لن يدخل أحد الجنة بعمله»؛ لأنَّ المثبَت في الآية: الدخول بالعمل المقبول، والمنفي في الحديث دخولها بالعمل المجرد عنه، والقبول من رحمة الله، فرجع الأمر إلى أن الدخول برحمته تعالى.

((وقال عِدَّة)) ؛ بكسر العين وتشديد الدال؛ أي: عدد ((من أهل العلم)) كأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، ومجاهد، ((في قوله تعالى)) وفي رواية: (عز وجل) : (({فَوَرَبِّكَ})) يا محمد (({لَنَسْأَلَنَّهُمْ})) ؛ أي: المقتسمين، وجواب القسم مؤكدًا باللام (({أَجْمَعِينَ})) [الحجر: 92] تأكيد للضمير في {لَنَسْأَلنَّهُمْ} مع الشمول في إفراد المخصوصين (({عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الحجر: 93] ؛ عن لا إله إلا الله)) وفي رواية: (عن قول: لا إله إلا الله) .

قال النووي: المعنى: لنسألنَّهم عن أعمالهم كلها التي يتعلق بها التكليف، فقول من خص بلفظ التوحيد دعوى تخصيص بلا دليل فلا تقبل، اهـ.

قلت: وردَّ عليه ابن حجر في «فتحه»، واعترضه الشيخ الإمام بدر الدين العيني، وحاصله: أن دعوى التخصيص بلا دليل خارجي لا تُقبل؛ لأنَّ الكلام عام في السؤال عن التوحيد وغيره، فإن استدل بحديث الترمذي؛ فقد ضعف من جهة ليث، وليس التعميم في قوله: (أجمعين) حتى يدخل فيه المسلم[/ص18/] والكافر؛ لكونه مخاطبًا بالتوحيد قطعًا، وبباقي الأعمال على الخلاف.

فالمانع من الثاني يقول: إنَّما يُسألون عن التوحيد فقط للاتفاق عليه، وإنَّما التعميم هنا في قوله: {عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، فتخصيص ذلك بالتوحيد تحكُّمٌ، ولا تنافي بين هذه الآية وبين قوله تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ} [الرحمن: 39] ؛ لأنَّ في القيامة مواقف مختلفة وأزمنة متطاولة، ففي موقف أو زمان يُسألون، وفي آخرَ لا يُسألون، أو لا يُسألون سؤال استخبار، بل سؤال توبيخ وتقريع، اهـ؛ فليحفظ.

((وقال)) وفي رواية بدونها (({لمثل هذا})) ؛ أي: لنيل مثل هذا الفوز (({فليعمل العاملون})) [الصافات: 61] ؛ أي: فليؤمن المؤمنون، وهذا يشير إلى أنَّ الإيمان هو العمل، لكن اللفظ عام، ودعوى التخصيص بلا دليل لا تُقبل، إلَّا أنَّ إطلاق العمل على الإيمان صحيح؛ من حيث إنَّ الإيمان هو عمل القلب، ولا يلزم أن يكون العمل من نفس الإيمان، وغرض المصنف جواز إطلاق العمل على الإيمان الذي هو عمل القلب؛ وهو التصديق؛ فليحفظ.