متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

23- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ)؛ بالتَّصغير، ابن محمَّد بن زيدٍ القرشيُّ الأمويُّ المدنيُّ، مولى عثمان بن عفَّان، (قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ)؛ بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف بن عبد الحارث بن زهرة التَّابعيُّ الجليل المدنيُّ [1] ، المُتوفَّى ببغداد سنة ثلاثٍ وثمانين ومئةٍ، (عَنْ صَالِحٍ) أبي محمَّد بن كيسان الغفاريِّ المدنيِّ التَّابعيِّ، المُتوفَّى بعد أن بلغ من العمر مئةٍ وستِّين سنةً، وابتدأ بالتَّعلُّم وهو ابن تسعين، (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ)؛ بضمِّ الهمزة، أسعد، المُختلَف في صحبته، ولم يصحَّ له سماعٌ، المذكور في الصَّحابة؛ لشرف الرُّؤية، (ابْنِ سَهْلٍ)، وللأَصيليِّ وأبي الوقت زيادة: ((ابن حُنيفٍ))؛ بضمِّ المُهمَلَة، المُتوفَّى سنة مئةٍ، (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ (الْخُدْرِيَّ) رضي الله عنه حال كونه (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: بَيْنَا) بغير ميمٍ (أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ)؛ مِنَ الرُّؤيا الحُلْميَّة على الأظهر، أو: مِنَ الرُّؤية البصريَّة، فتنصب [2] مفعولًا واحدًا؛ وهو «النَّاس»، وحينئذٍ فيكون قوله: (يُعْرَضُونَ عَلَيَّ) جملةٌ حاليَّةٌ، أو علميَّةٌ؛ مِنَ الرَّأي، وحينئذٍ فتطلب مفعولين؛ وهما: «النَّاس يعرضون عليَّ»؛ أي: يظهرون لي، (وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ) _بضمِّ الأَوَّلَين_ جمع قميصٍ، والواو للحال، (مِنْهَا)؛ أي: من القُمُص، (مَا)؛ أي: الذي (يَبْلُغُ الثُّدِيَّ)؛ بضمِّ المُثلَّثة، وكسر المُهملَة، وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، جمع ثديٍ، يُذكَّر ويُؤنَّث، للمرأة والرجَّل، والحديث يردُّ على من خصَّه بها، وهو هنا نُصِبَ مفعولُ «يبلغ»، والجارُّ والمجرور خبر المبتدأ الذي هو «الموصول»، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((الثَّدْي)) بفتح المُثلَّثة، وإسكان الدَّال، (وَمِنْهَا)؛ أي: من القُمُص (مَا دُونَ ذَلِكَ)؛ أي: لم يصل إلى الثَّدي لقصره، (وَعُرِضَ عَلَيَّ) بضمِّ العين، وكسر الرَّاء مَبنيًّا للمفعول (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ)؛ بالرَّفع نائبٌ عن الفاعل، رضي الله عنه، (وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ)؛ لطوله، (قَالُوا)؛ أي: الصَّحابة، ولابن عساكر في نسخةٍ ((قال))؛ أي: عمر بن الخطَّاب أو غيره، أو السَّائل أبو بكرٍ الصِّدِّيق، كما سيأتي _إن شاء الله تعالى_ في «التَّعبير» [خ¦7009] ، (فَمَا أَوَّلْتَ)؛ فما عبَّرتَ (ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم: أوَّلتُ (الدِّينَ) _بالنَّصب_ معمول «أوَّلتُ»، ولا يلزم منه أفضليَّة الفاروق على الصِّدِّيق؛ إذِ القسمة غير حاصرةٍ؛ إذ يجوز رابعٌ، وعلى تقدير الحصر فلم يخصَّ الفاروق بالثَّالث ولم يقصره عليه، ولئن سلمنا التَّخصيص به؛ فهو مُعارَضٌ بالأحاديث الكثيرة البالغة درجة التَّواتر المعنويِّ، الدَّالةِ على أفضليَّة الصِّدِّيق، فلا تُعارِضها الآحاد، ولئن [/ج1ص106/] سلَّمنا التَّساويَ بين الدَّليلين، لكن إجماع أهل السُّنَّة والجماعة على أفضليَّته، وهو قطعيٌّ، فلا يعارضه ظنِّيٌّ، وفي هذا الحديث التَّشبيه البليغ؛ وهو تشبيه الدِّين بالقميص؛ لأنَّه يستر عورة الإنسان، وكذلك الدِّين يستره من النَّار، وفيه الدَّلالةُ على التَّفاضل في الإيمان، كما هو مفهوم تأويل القميص بالدِّين، مع ما ذكره من أنَّ اللَّابسين يتفاضلون في لبسه.

ورجاله كلُّهم مدنيُّون كالسَّابق، ورواية ثلاثةٍ من التَّابعين، أو تابعيَّين وصحابيَّين، وأخرجه المصنِّف أيضًا في «التَّعبير» [خ¦7009] ، وفي «فضل عمر» [خ¦3691] ، ورواه مسلمٌ في «الفضائل»، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ.

[1] «المدنيُّ»: سقط من (م).
[2] في (ب) و(س): «فتطلب».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

23-. حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قالَ: حدَّثنا إِبْراهِيمُ بنُ سَعْدٍ، عن صالِحٍ، عن ابْنِ شِهاب، عن أَبِي أُمَامَةَ بنِ سَهْلٍ [1] :

أَنَّهُ سَمِعَ أَبا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ يقول: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَيْنا أَنا نائمٌ، رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وعليهم قُمُصٌ، منها ما يَبْلُغُ الثَّدْيَ [2] ، ومنها ما دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ [/ج1ص13/] عَلَيَّ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ وعليهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ». قالُوا [3] : فَما أَوَّلْتَ ذلك يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: «الدِّينَ [4] ».

[1] في رواية الأصيلي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت زيادة: «بن حُنَيف».
[2] ضبطت في متن اليونينية بضبطين: بفتح الثاء وسكون الدال وتخفيف الياء، كما هو مثبت، وهي روايةٌ لأبي ذر، والثاني: «الثُّدِيَّ» بضم الثاء وكسر الدال وتشديد الياء المفتوحة، وهي رواية الأصيلي والكُشْمِيْهَنِيِّ وأخرى لأبي ذر. كتبت بالحمرة.
[3] في روايةٍ للأصيلي: «قال»، وعزاها في (ب، ص) إلىَ نسخة عند ابن عساكر بدل الأصيلي.
[4] صحَّح عليها في اليونينيَّة.





23- ( القُمْص ) بضم القاف وسكون الميم: جمع قميص.

( الثُّدِيَّ ) بضم الثاء _ ويجوز كسرها _ وبكسر الدال وشد الياء، جمع ثَدِي بفتح الثاء.

( قَالَ: الدِّينَ ) بالنصب، ويجوز الرفع.


23# (قُمُصٌ) جمع قميص.

(الثُّدِيَّ) جمع ثَدْي، فثاؤه مضمومة، وقد تكسر إتباعًا لكسرة الدال [1] ، والياءُ مشددة.

(قَالُوا) من القائلين: أبو بكر رضي الله عنه، ذكره الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول».

(فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ؟) يحتمل أن يكون جملةً فعليةً أو اسميةً، وبحسب ذلك يختلفُ الضبط في قوله:

(قَالَ: الدِّينَ) فإن جعلنا السؤالَ جملةً فعليةً فالنصبُ، وإن جعلناه [2] اسميةً فالرفع؛ أي: الذي أولتُه [3] الدين؛ لتحصل المطابقة [4] .

قال ابن المنيِّر: وجه الآية [5] فيه: أنَّ الله تعالى فتح على يدي عمر رضي الله عنه الفتوح، ومَصَّر كثيرًا من الأمصار، ونشر الدين [6] في الأقطارِ، فكان ذلك مِصْداقًا لهذه الرؤيا.

[1] في (ق): ((الذال)).
[2] في (ق): ((جعلها)).
[3] في (ق): ((أولت)).
[4] في (م): ((بالمطابقة)).
[5] في (ق) و(د) زيادة: ((التأويل)).
[6] في (ق): ((الدواوين)).





23- قوله: (عَنِ ابْنِ شِهَاب): تقدَّم أنَّه الزُّهريُّ العلمُ الفرد، محمَّد بن مسلم [1] بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب.

قوله: (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بنِ حُنَيف): قال الدِّمياطيُّ: (أبو أمامة اسمُه أسعد باسم جدِّه لأُمِّه أسعد بن زرارة، نقيب الأنصار) انتهى، وأسعد هذا وُلِدَ في حياته عليه الصَّلاة والسَّلام، وسُمِّيَ باسم جدِّه كما تقدَّم، وأُمُّه اسمُها حبيبة بنت أبي أمامة أسعد [2] ، صحابيَّةٌ، أرسل عنه عليه الصَّلاة والسَّلام، وروى عن أبيه، وعمر، وعائشة، وغيرهم، وعنه: سعد بن إبراهيم، وأبو الزِّناد، والزُّهريُّ، وغيرهم، قال جماعة: تُوفِّي سنة مئة، أخرج له الجماعة [3] .

قوله: (سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ): تقدَّم أنَّه سعد بن مالك بن سنان، وتقدَّم ضبط الخدريِّ. [/ج1ص22/]

قوله: (الثُّدِيَّ): هُوَ بضمِّ الثاء المثلَّثة ويجوزُ كسرها، وبكسر الدَّال المهملة وتشديد الياء، جمع ثَدْي؛ بفتح الثاء وإسكان الدَّال، وفيه لغتان: التَّذكير والتَّأنيث، والتَّذكير أفصح وأشهر، ولم يذكر جماعة من اللُّغويِّين غيرَه، ويُجمَع على: أثدٍ أيضًا، ويُطلَق على الرجل والمرأة، ومنهم مَنْ منع إطلاقه في الرَّجل، وليس بشيءٍ.

قوله: (قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ): قال ابن شيخنا البلقينيِّ: مِن القائلين أبو بكرٍ الصديقُ، وعزاه للحكيم الترمذيِّ في «نوادره»، وفي الدَّارقطنيِّ في «علله»؛ فذكر حديثًا، وفيه: («ومرَّ بي عمر يجرُّ قميصه»، فقال أبو بكرٍ: ما أوَّلْتَه يا رسول الله؟...) ؛ الحديث.

قوله: (الدِّينَ): هو بالنصب، وجُوِّزَ فيه الرفعُ.

[1] (بن مسلم): ليست في (ج) .
[2] أي: ابن زرارة.
[3] انظر «تهذيب الكمال» (2/525) .





23- (رَأَيْتُ): يَحتمل أنَّها حُلُميَّة من الرُّؤيا، وهو الأظهر، وأنَّها بصريَّةٌ من الرُّؤية، وأنَّها عِلْميَّةٌ من الرَّأْيِ، وكلامُ الكرمانيِّ يُشعرُ بأنَّ مصدرَه أيضًا (رؤيا)، ولا يُعْرَف، وإنَّما الخلافُ هل هو [1] [مصدرٌ] مقصورٌ [2] على الحُلُميَّةِ كما زعمه الحَريريُّ أو يكونُ في البصريَّةِ أيضًا كما هو قولُ الجمهورِ؛ لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ} [الإسراء: 60] ؟ فجَعْلُ الكرمانيِّ (الرُّؤية) للحُلُميَّة و (الرُّؤيا) للبصريَّة معكوسٌ، قاله البِرْماويُّ، وسيأتي في التَّفسير في سورة (بني إسرائيل) [خ¦4714] .

(يُعْرَضُونَ): في موضعِ نصبٍ حالٌ؛ إنْ جُعلت (رأى) بصريَّةً.

قال الكرمانيُّ: (أو حُلُميَّة) [3] ، وفيه نظرٌ؛ فإنَّها تَنصبُ الجُزْأَين؛ كما في قوله: [من الوافر]

~ أَرَاهُمْ رفْقَتِي حَتَّى إِذَا مَا تَجَافَى اللَّيْلُ وانْخَزَلَ انْخِزَالا

فيكون مفعولًا ثانيًا؛ كما لو جُعلت (رأى) علميَّةً.

قال الكرمانيُّ: ويَحتمل رفعُ «النَّاس»؛ كقوله: [من الوافر]

~ رَأَيْتُ [4] النَّاسُ يَنْتَجِعُونَ غَيْثًا ........................

وفيه نظرٌ؛ لأنَّ البيتَ ليسَ فيهِ (رأى) حتى يُستشهَدَ به على الرَّفعِ بعدَها، إنَّما هو (سمعتُ: الناسُ) ؛ كما رواه الحسنُ بنُ أَسَدٍ وغيرُه؛ أي: سمعتُ هذا الكلامَ؛ أي: قولَه، والقولُ يُحذَفُ كثيرًا؛ كما في قوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ} [آل عمران: 106] أي: فيُقالُ لهم: أكفرتُم؟ فإنْ أرادَ أنْ يكونَ ذلك من باب إلغاءِ فِعْلِ القَلْبِ مع تأخُّرِ المفعولَينِ؛ فممتنعٌ، أو يُؤَوَّلُ إمَّا على أنَّ المفعولَ الأوَّلَ ضميرُ الشَّأنِ، أو أنَّه مِنْ تقديرِ لامٍ معلِّقَةٍ عنِ العملِ.

(قَالَ: «الدِّينَ»): هو بالنَّصبِ مفعولُ (أَوَّلْتَ)، ويجوزُ فيه الرَّفعُ مشاكلةً للمبتدأِ، وعلى النَّصبِ اقتصرَ الكرمانيُّ.

[1] أي: (رؤيا).
[2] في (ب): (هل هي مقصورةٌ).
[3] كذا في النسختين، وليس في «الكواكب» (1/119) ما يفيده.
[4] في (أ): (سمعت)، وكتب فوقها: (رأيت).





23- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ)؛ بالتَّصغير، ابن محمَّد بن زيدٍ القرشيُّ الأمويُّ المدنيُّ، مولى عثمان بن عفَّان، (قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ)؛ بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف بن عبد الحارث بن زهرة التَّابعيُّ الجليل المدنيُّ [1] ، المُتوفَّى ببغداد سنة ثلاثٍ وثمانين ومئةٍ، (عَنْ صَالِحٍ) أبي محمَّد بن كيسان الغفاريِّ المدنيِّ التَّابعيِّ، المُتوفَّى بعد أن بلغ من العمر مئةٍ وستِّين سنةً، وابتدأ بالتَّعلُّم وهو ابن تسعين، (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ)؛ بضمِّ الهمزة، أسعد، المُختلَف في صحبته، ولم يصحَّ له سماعٌ، المذكور في الصَّحابة؛ لشرف الرُّؤية، (ابْنِ سَهْلٍ)، وللأَصيليِّ وأبي الوقت زيادة: ((ابن حُنيفٍ))؛ بضمِّ المُهمَلَة، المُتوفَّى سنة مئةٍ، (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ (الْخُدْرِيَّ) رضي الله عنه حال كونه (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: بَيْنَا) بغير ميمٍ (أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ)؛ مِنَ الرُّؤيا الحُلْميَّة على الأظهر، أو: مِنَ الرُّؤية البصريَّة، فتنصب [2] مفعولًا واحدًا؛ وهو «النَّاس»، وحينئذٍ فيكون قوله: (يُعْرَضُونَ عَلَيَّ) جملةٌ حاليَّةٌ، أو علميَّةٌ؛ مِنَ الرَّأي، وحينئذٍ فتطلب مفعولين؛ وهما: «النَّاس يعرضون عليَّ»؛ أي: يظهرون لي، (وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ) _بضمِّ الأَوَّلَين_ جمع قميصٍ، والواو للحال، (مِنْهَا)؛ أي: من القُمُص، (مَا)؛ أي: الذي (يَبْلُغُ الثُّدِيَّ)؛ بضمِّ المُثلَّثة، وكسر المُهملَة، وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، جمع ثديٍ، يُذكَّر ويُؤنَّث، للمرأة والرجَّل، والحديث يردُّ على من خصَّه بها، وهو هنا نُصِبَ مفعولُ «يبلغ»، والجارُّ والمجرور خبر المبتدأ الذي هو «الموصول»، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((الثَّدْي)) بفتح المُثلَّثة، وإسكان الدَّال، (وَمِنْهَا)؛ أي: من القُمُص (مَا دُونَ ذَلِكَ)؛ أي: لم يصل إلى الثَّدي لقصره، (وَعُرِضَ عَلَيَّ) بضمِّ العين، وكسر الرَّاء مَبنيًّا للمفعول (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ)؛ بالرَّفع نائبٌ عن الفاعل، رضي الله عنه، (وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ)؛ لطوله، (قَالُوا)؛ أي: الصَّحابة، ولابن عساكر في نسخةٍ ((قال))؛ أي: عمر بن الخطَّاب أو غيره، أو السَّائل أبو بكرٍ الصِّدِّيق، كما سيأتي _إن شاء الله تعالى_ في «التَّعبير» [خ¦7009] ، (فَمَا أَوَّلْتَ)؛ فما عبَّرتَ (ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم: أوَّلتُ (الدِّينَ) _بالنَّصب_ معمول «أوَّلتُ»، ولا يلزم منه أفضليَّة الفاروق على الصِّدِّيق؛ إذِ القسمة غير حاصرةٍ؛ إذ يجوز رابعٌ، وعلى تقدير الحصر فلم يخصَّ الفاروق بالثَّالث ولم يقصره عليه، ولئن سلمنا التَّخصيص به؛ فهو مُعارَضٌ بالأحاديث الكثيرة البالغة درجة التَّواتر المعنويِّ، الدَّالةِ على أفضليَّة الصِّدِّيق، فلا تُعارِضها الآحاد، ولئن [/ج1ص106/] سلَّمنا التَّساويَ بين الدَّليلين، لكن إجماع أهل السُّنَّة والجماعة على أفضليَّته، وهو قطعيٌّ، فلا يعارضه ظنِّيٌّ، وفي هذا الحديث التَّشبيه البليغ؛ وهو تشبيه الدِّين بالقميص؛ لأنَّه يستر عورة الإنسان، وكذلك الدِّين يستره من النَّار، وفيه الدَّلالةُ على التَّفاضل في الإيمان، كما هو مفهوم تأويل القميص بالدِّين، مع ما ذكره من أنَّ اللَّابسين يتفاضلون في لبسه.

ورجاله كلُّهم مدنيُّون كالسَّابق، ورواية ثلاثةٍ من التَّابعين، أو تابعيَّين وصحابيَّين، وأخرجه المصنِّف أيضًا في «التَّعبير» [خ¦7009] ، وفي «فضل عمر» [خ¦3691] ، ورواه مسلمٌ في «الفضائل»، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ.

[1] «المدنيُّ»: سقط من (م).
[2] في (ب) و(س): «فتطلب».





23- ( الثُّدِيّ ): بضمِّ المثلَّثة وكسر الدَّال المهملة وتشديد الياء: جمع ثدي، بوزن: فلس.


لا تتوفر معاينة

قال البخاري [1] رحمه الله تعالى:

23- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رضي الله عنه، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ [2] وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ)). قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((الدِّينَ)).

الشرح:

أما (أَبُو سَعِيْدٍ) و(ابْنُ شِهَابٍ) فسبقا.

وأما (أَبُو أُمَامَةَ) فهو أسعدُ بنُ سهلِ بن حُنَيف بن واهب، الأنصاري الأوسي المدني، الصحابي ابن الصحابي [3] رضيَ اللهُ عنهما، أمه بنت أسعد بن زُرَارة النقيب رضي الله عنه، سُمِّيَ باسمه، وكُنِّيَ بكنيته، سماه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.

روى له [4] النسائي وابن ماجه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، والبخاري ومسلم وغيرهما عن الصحابة رضيَ اللهُ عنهم، والله أعلم.

وأما (صَالِحٍ) فهو أبو محمد - ويقال: أبو الحارث - صالح بن كيسان الغفاري - مولاهم - المدني، وهو مُؤَدِّبُ ولدِ عمر بن عبد العزيز، رأى ابن عمر وابن الزبير رضيَ اللهُ عنهما، وقال ابن معين: سمع منهما، وسمع عبد الله بن عبد الله بن عروة [5]وسالمًا، وسليمان بن يسار، والأعرج، والزهري.

روى عنه عمرو ابن دينار، وموسى بن عقبة، ومحمد بن عجلان، التابعيون، ومالك، ومعمر، وابن عيينة، وخلائق من الأئمة.

قال الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله [6] النيسابوري: لقي صالح جماعة من الصحابة

#%ص128%

رضي الله عنهم، ثم تلمذ بعد ذلك للزهري وتلقن منه العلم، وصالح حينئذ ابن تسعين سنة [7]، ابتدأ بالتعلم [8] ابن تسعين سنة [9].

وأما (إِبْرَاهِيمُ) فهو أبو إسحاق إبراهيمُ بنُ سعد [10] بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، القرشي الزهري المدني. سكن بغداد، سمع أباه، والزهري، وهشام بن عروة، وصالح بن كيسان، ويزيد بن أبي عبيد، ومحمد بن إسحاق، وهؤلاء تابعيون، وآخرين [11] غيرهم.

روى عنه خلائق من الأعلام منهم: شعبة، وابن مهدي، والليث، وابن موهب [12]، ويزيد بن هارون، وآخرون، قدم بغداد على هارون الرشيد فألزمه [13] الرشيد وأظهر بره، وولَّاه بيت المال.

وتوفي بها سنة أربع وثمانين ومائة، وقيل: سنة ثلاث وثمانين [14]، وهو ابن خمس وسبعين [15] سنة.

وأما (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ) شيخ البخاري فهو: أبو ثابت، محمد بن عبيد الله بن محمد بن زيد بن أبي زيد، القرشي الأموي، مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه المدني.

سمع جماعات من الكبار، وروى [16] عنه الأعلام منهم: البخاري، وإسماعيل بن إسحاق القاضي، وأبو زرعة، وأبو حاتم الرازيان.

فصل: هذا الإسناد والإسناد الذي قبله كلهم مدنيون، وهذا في نهاية [17] من الاستطراف [18]، أعني اقتران [19] إسنادين مدنيين.

فصل: في لغات الحديث:

قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (بَيْنَا [20] أَنَا نَائِمٌ) قال الجوهري: بينا فَعْلى [21]، أشبعت الفتحة فصارت ألفًا وأصله: بَيْنَ، قال: وبينما بمعناه، زيدت فيه ما، تقول: بينا نحن نرقبه أتانا، أي: أتانا بين أوقات رقبتنا إياه، والجمل مما [22] تضاف [23] إليها [24] أسماء الزمان، كقولك: أتيتك زمن الحاج [25] أمير [26]، ثم حذف المضاف الذي هو أوقات، وولي الظرف الذي هو (بين) الجملة التي أقيمت مقام المضاف إليه، وكان الأصمعي يخفض ما بعد بينا إذا صلح في موضعه بين، وغيره يرفع ما بعد بينا وبينما على الابتداء والخبر [27]، والله أعلم.

والقُمُص: [28] جمع قميص، ويجمع أيضًا على قمصان وأقمصة.

وقوله [29] صلَّى الله عليه وسلَّم: (مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ) هو -بضم الثاء، ويجوز كسرها، وبكسر الدال وتشديد الياء- جمع ثَدْي- بفتح الياء [30]- وفيه لغتان: التذكير والتأنيث، والتذكير [31] أفصح وأشهر،

#%ص129%

ولم يذكر جماعة من أهل اللغة غيره، ويطلق الثدي للمرأة وللرجل [32]، ومنهم من منع بإطلاقه في الرجل، وليس بشيء، وقد تظاهرت أحاديث بإطلاقه في الرجل، وقد أوضحت ذلك في كتاب «تهذيب الأسماء واللغات» والله أعلم.

قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ) أي: أقصر، فيكون فوق الثدي، لم تنزل إليه ولم تصل [33]، لقلته.

فصل: في الحديث فوائد منها أنَّ الأعمال من الإيمان، وأن [34] الإيمان والدين بمعنى.

وفيه تفاضل أهل الإيمان، وفيه بيانٌ عظيمٌ لفضلِ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفيه تعبير الرؤيا، وسؤال العالم بها عنها، وفيه إشاعة العالم الثناء على الفاضل من أصحابه إذا لم يخش فتنته بإعجاب [35] ونحوه، ويكون الغرض التنبيه على فضله، لتُعْلَم منزلته ويُعَامَل بمقتضاها، ويُرغب في الاقتداء به والتخلق بأخلاقه [36].

[1] قوله: ((البخاري)) ليس في (ك).
[2] قوله: ((عليَّ)) ليس في (ك).
[3] في (ص): ((صحابي بن صحابي)).
[4] في (ع): ((عنه)).
[5] في (ت): ((عبيد الله بن عبدالله عن عروة))، وفي (ك) و(ص) و(ع): ((عبيد الله بن عبد الله وعروة)).
[6] قوله: (( محمد بن عبد الله)) ليس في (ص).
[7] قوله: ((سنة)) ليس في (ت).
[8] في (ك): ((بالعلم)).
[9] قوله: ((ابتدأ بالتعليم ابن تسعين سنة)) ليس في (ص).
[10] في (ص): ((سعيد)).
[11] في (ت): ((وآخرون)).
[12] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى: ((وهب)).
[13] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى: ((فأكرمه)).
[14] في (ص): ((ومائتين)).
[15] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى: ((وتسعين)).
[16] في (ص): ((روى)).
[17]في (ع): ((غاية)).
[18] في (ع): ((الاستظراف)).
[19] في (ع): ((إقران)).
[20] قوله: ((بينا)) ليس في (ع).
[21] في (ك): ((فعلا)).
[22] في (ك): ((ما)).
[23] (ت) و(ك) و(ص) و(ع): ((يضاف)).
[24] في (ع): ((إليه)).
[25] في (ت) و(ك) و(ص): ((الحجاج)).
[26] في (ص): ((أسير)).
[27] في (ص): ((أو الخبر)).
[28] زاد في (ص): ((هو)).
[29] في(ت): ((قوله)).
[30] في (ت) و(ك) و(ص): (( الثاء)).
[31] في (ت) و(ك) و(ع): ((التذكير)).
[32] في (ك): ((والرجل)).
[33] في (ت) و(ك) و(ص): ((لم ينزل إليه ولم يصله))، وفي (ع): ((لم ينزل إليه ولم يصل)).
[34] في (ك) و(ص) و(ع): ((فإن)).
[35] في (ك): ((فتنة من إعجاب)).
[36] زاد في (ك): ((وفيه غير ذلك والله أعلم)).
#%ص130%





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

23- وبه قال: ((حدثنا محمد بن عبيد الله)) مصغرًا: ابن محمد بن زيد القرشي الأموي المدني، مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه ((قال: حدثنا إبراهيم بن سعد)) ؛ بسكون العين: ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف بن عبد الحارث بن زهرة، التابعي، المدني، المتوفى ببغداد سنة ثلاث وثمانين ومئة، ((عن صالح)) أبي محمد بن كيسان الغفاري المدني التابعي، المتوفى بعد أن بلغ من [العمر] مئة وستين سنة، وابتدأ بالتعلم وهو ابن تسعين، ((عن ابن شهاب)) : هو الزهري ((عن أبي أُمامة)) ؛ بضم الهمزة: أسعد المختلَف في صحبته، ولم يصح له سماع، وإنما ذُكر في الصحابة لشرف الرؤية ((بن سهل)) وفي رواية: زيادة: (ابن حُنيف) ؛ بضم المهملة، المتوفى سنة مئة عن نيف وتسعين سنة: ((أنه سمع أبا سعيد)) سعد بن مالك ((الخدري)) رضي الله عنه حال كونه ((يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بينا)) ؛ بغير ميم، أصله: (بين) ؛ أشبعت الفتحة فصارت ألفًا، ((أنا نائم؛ رأيت الناس)) من الرؤيا الحلمية على الأظهر، أو من الرؤيا البصرية فتطلب مفعولًا واحدًا؛ وهو (الناس) ، وحينئذٍ فيكون قوله: ((يعرضون علي)) جملة حالية، أو علميَّة من الرأي، وحينئذٍ فتطلب مفعولين؛ وهما: (الناس يعرضون علي) ؛ أي: يظهرون لي، ((وعليهم قُمُص)) ؛ بضم الأَوَّلَين جمع (قميص) والواو للحال، ((منها)) ؛ أي: من القمص ((ما)) ؛ أي: الذي ((يبلغ الثُّدِيَّ)) ؛ بضم المثلثة، وكسر المهملة، وتشديد المثناة التحتية: جمع (ثدي) ، يذكر ويؤنث للمرأة والرجل، والحديث يردُّ على خَصِّه بالمرأة، وهو منصوب مفعول (يبلغ) ، والجار والمجرور خبر المبتدأ الذي هو الموصول، وفي رواية: (الثَّدْي) بفتح المثلثة وإسكان الدال، ((ومنها)) ؛ أي: من القمص ((ما دون ذلك)) ؛ أي: لم يصل للثدي لقصره.

((وعُرِض علي)) ؛ بضم العين وكسر الراء: مبنيًّا للمفعول ((عمر بن الخطاب)) بالرفع نائب عن الفاعل، رضي الله تعالى عنه ((وعليه قميص يجرُّه)) ؛ لطوله ((قالوا)) ؛ أي: الصحابة، وفي رواية: قال؛ أي : عمر بن الخطاب أو غيره ((فما أوَّلتَ)) ؛ أي: فما عبَّرت[/ص17/] ((ذلك يا رسول الله؟ قال)) عليه السلام: أولت ((الدينَ)) ؛ بالنصب: معمول (أولت) .

قال الشيخ الإمام بدر الدين العيني: (يلزم من الحديث أن يكون عمر أفضل من الصدِّيق؛ لأنَّ المراد بالأفضل الأكثر ثوابًا، والأعمال علامات الثواب، فمن كان دينه أكثر؛ فثوابه أكثر، وهو خلاف الإجماع، قال: قلت: لا يلزم ذلك؛ لأنَّ القسمة غير حاصرة لجواز قسم رابع، وعلى تقدير الحصر؛ فلم يخص الفاروق بالثالث ولم يقصره عليه، ولئن سلمنا التخصيص؛ فهو معارَض بالأحاديث الكثيرة البالغة درجة التواتر المعنوي الدالة على أفضلية الصدِّيق، فلا تعارضها الآحاد، ولئن سلمنا التساوي بين الدليلين؛ لكن إجماع أهل السنة والجماعة على أفضليته، وهو قطع، فلا يعارضه الظني، وقد أنكر ذلك الشيعة والخوارج، قلنا: لا اعتبار بمخالفة أهل الضلال، والأصل إجماع أهل السنة والجماعة) انتهى.

وفي الحديث: التشبيه البليغ؛ وهو تشبيه الدين بالقميص؛ لأنَّه يستر العورة، وكذلك الدين يستره من النار، وفيه التفاضل في أهل الإيمان بالأعمال، والله أعلم.