متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

21- وبالسَّند إلى البخاريِّ قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ)؛ بفتح المُهملَة، وسكون الرَّاء، آخرُه مُوحَّدةٌ، ابن بَجِيْلٍ: بفتح المُوحَّدة، وكسر الجيم، وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، آخره لامٌ، الأزديُّ الواشِحِيُّ؛ بكسر الشِّين المُعجمَة، والحاء المُهملَة؛ نسبةً إلى بطنٍ من الأزد، البصريُّ قاضي مكَّةَ، المُتوفَّى بالبصرة سنة أربعٍ وعشرين ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامةَ، (عَنْ أَنَسٍ)، وللأَصيليِّ زيادة: ((ابن مالكٍ))؛ كما في «فرع اليونينيَّة» كهي (رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ): خصالٌ (ثَلَاثٌ)، أو ثلاثُ خصالٍ، فعلى الأوَّل: «ثلاثٌ» صفةٌ لمحذوفٍ، وعلى الثَّاني: مبتدأٌ، وسَوَّغَ الابتداءَ به إضافتُه إلى «الخصال»، والجملةُ اللَّاحقة: خبرُه؛ وهي: (مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ)؛ أي: أصاب (حَلَاوَةَ الإِيمَانِ) باستلذاذه الطَّاعات، فيتحمَّل [1] في أمر الدِّين المشقَّات، ويُؤثِر [2] ذلك على أعراض [3] الدُّنيا الفانية، وهل هذه الحلاوة محسوسةٌ أو معنويَّةٌ؟ قال بكلٍّ قومٌ، ويشهد للأوَّل قولُ بلالٍ: أَحَدٌ أَحَدٌ، حين عُذِّب في الله إكراهًا على الكفر، فمزج مرارة العذاب بحلاوة الإيمان، وعند موته أهلُه يقولون: واكرباه! وهو يقول: واطرباه! غدًا ألقى الأحبَّة؛ محمَّدًا وصحبه، فمزج مرارة الموت بحلاوة اللِّقاء، فهي حلاوة الإيمان، فالقلب السَّليم من أمراض الغفلة والهوى يذوق طعم الإيمان ويتنعَّم به؛ كما يذوق الفم طعم العسل وغيره من ملذوذات الأطعمة ويتنعَّم بها، ولا يذوق ذلك ويتنعَّم به إلَّا (مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا)؛ من نفسٍ وولدٍ، ووالدٍ، وأهلٍ، ومالٍ، وكلِّ شيءٍ، ومن ثمَّ قال: «ممَّا»، ولم يقل: ممَّن؛ ليعمَّ من يعقل وما [4] لا يعقل، (وَ) كذلك يجد هذه الحلاوة (مَنْ أَحَبَّ عَبْدًا)، وفي الرِّواية السَّابقة في باب «حلاوة الإيمان»: أن يحبَّ المرءَ [خ¦16] (لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ)، زاد في رواية أبي ذَرٍّ: ((عزَّ وجلَّ)) كما في «فرع اليونينيةَّ»، (وَ) كذا (مَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ الله)؛ أي: خلَّصه الله [5] ونجَّاه، زاد في رواية ابن عساكرَ: ((منه)) (كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ)، وفي الرِّواية السَّابقة: وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذَفَ في النَّار [خ¦16] ، ومن علامات هذه المحبَّة: نصر دين الإسلام بالقول والفعل، والذَّبِّ عن الشَّريعة المُقدَّسة، والتَّخلُّقِ بأخلاق الرَّسول عليه الصلاة والسلام في الجود، والإيثار، والحلم، والصَّبر، والتَّواضع، وغير ذلك ممَّا ذكرته في أخلاقه العظيمة في كتاب «المواهب اللَّدنيَّة بالمنح المحمَّديَّة»، فمن جاهد نفسه على ذلك؛ وجد حلاوة الإيمان، ومن وجدها استلذَّ الطَّاعات، وتحمَّل في الدِّين المشقَّات، بل ربَّما يلتذّ بكثيرٍ من المُؤلِمات، ولذلك تقريرٌ طويلٌ، فليُنظَر في كتاب «المواهب»، والله سبحانه يَهَبُ لمن يشاء ما يشاء.

وأنت إذا تأمَّلت الاختلاف بين رواة حديث هذا الباب والسَّابق؛ ظهر لك بما نبَّهت عليه هنا، مع النَّظر في الإسنادين والمتن [6] أنَّه لا تكريرَ في سياقه له هنا، لا سيَّما والحديثُ مشتملٌ على ثلاثة أشياءَ: حلاوةِ الإيمان المُبوَّبِ لها فيما سبق، والمحبَّةِ لله، وكراهة الكفر كما يكره أن يُلقَى في النار، وعليه بُوِّبَ، فللَّه دَرُّ المؤلِّف من إمامٍ!

ولمَّا فرغ _رحمه الله تعالى_ من هذا الحديث المُتضمِّن للخصال الثَّلاث، [/ج1ص104/] والنَّاس يتفاوتون فيها، وبه يحصل التَّفاضل في العمل؛ شرع يذكر تفاضل الأعمال، فقال:

[1] في (م): «فيحتمل».
[2] في (م): «ويوفر»، وهو تحريفٌ.
[3] في (م): «أغراض».
[4] في غير (ب): «مَنْ».
[5] اسم الجلالة ليس في (م).
[6] «والمتن»: سقط من (م).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

21-. حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ، قالَ: حدَّثنا شُعْبَةُ، عن قَتادَةَ:

عن أَنَسٍ [1] رَضيَ اللهُ عَنْهُ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمانِ: مَنْ كان اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِواهُما، ومَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ [2] ، ومَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ، بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ [3] ، كَما يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَىَ فِي النَّارِ».

[1] في رواية الأصيلي زيادة: «بن مالك».
[2] في رواية أبي ذر زيادة: «عزَّ وَجَلَّ».
[3] في نسخة عند ابن عساكر زيادة: «منه».





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

21- قوله: (مِمَّا سِوَاهُمَا): تقدَّم الكلام عليه قريبًا.


21- (ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيْهِ): (ثَلَاثٌ): مبتدأٌ والشَّرطيَّةُ خبرُه، وجاز ذلك؛ لأنَّ التَّقدير: ثلاثُ خصالٍ، أو خصالٌ ثلاثٌ.

ويجوزُ أنْ تكونَ الجملةُ الشَّرطيَّةُ صفةً لـ (ثَلَاثٌ) ؛ كما أنَّه يجوزُ أنْ تكونَ خبرَ المبتدأِ في قولك: (زيدٌ إِنْ تُعْطِهِ يَشْكُرْكَ)، أو صلةً للموصول؛ كما في قوله تعالى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لو تركوا} [النساء: 9] ، أو حالًا لذي الحال؛ كما في قوله تعالى: { [فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ] إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ} [الأعراف: 176] ، والخبرُ (مَنْ كَانَ اللهُ) ونحوه.

وعلى التَّقديرين: لا بُدَّ مِن تقديرِ مضافٍ قبلَ لفظةِ (مَنْ كَانَ) ؛ لأنَّه على الأوَّلِ بَدَلٌ عن (ثَلَاثٌ) أو بيانٌ، وعلى الثَّاني خبرٌ، فيقدَّرُ قبلَ (مَنْ) الأُولى والثَّانية لفظُ: محبَّة، وقبلَ (مَنْ) الثَّالثة: كراهة [1] ؛ أي: محبَّةُ مَنْ كان...، ومحبَّةُ مَنْ أحبَّ...، وكراهةُ مَنْ كرِهَ...، ولشدَّةِ اتِّصالِ المضافِ بالمضافِ إليه، وغَلَبَةِ المحبَّةِ والكراهةِ عليهم؛ جازَ حذفُ المضافِ منها [2] .

وقال السَّخوميُّ: (فيكونُ المقدَّر بدلًا مِنْ «ثَلَاثٌ»، ويجوزُ أنْ يكونَ المقدَّرُ خبرَ مبتدأٍ محذوفٍ، وتقديرُ الكلامِ: إحداها: محبَّةُ مَنْ كان اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه [3] . . .، والثَّانيةُ: محبَّةُ مَنْ أحبَّ عبدًا...، والثَّالثةُ: كراهةُ مَنْ يَكْرَهُ أنْ يعودَ...).

(لَا يُحِبُّه إِلَّا للهِ): هذا استثناءٌ مفرَّغٌ؛ أي: لا يُحبُّهُ لشيءٍ إلَّا للهِ تعالى.

[1] في (أ): (كراهية).
[2] الكلام بتمامه في «الكاشف» (2/444) (8).
[3] إليه: سقطت من (ب).





21- وبالسَّند إلى البخاريِّ قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ)؛ بفتح المُهملَة، وسكون الرَّاء، آخرُه مُوحَّدةٌ، ابن بَجِيْلٍ: بفتح المُوحَّدة، وكسر الجيم، وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، آخره لامٌ، الأزديُّ الواشِحِيُّ؛ بكسر الشِّين المُعجمَة، والحاء المُهملَة؛ نسبةً إلى بطنٍ من الأزد، البصريُّ قاضي مكَّةَ، المُتوفَّى بالبصرة سنة أربعٍ وعشرين ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامةَ، (عَنْ أَنَسٍ)، وللأَصيليِّ زيادة: ((ابن مالكٍ))؛ كما في «فرع اليونينيَّة» كهي (رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ): خصالٌ (ثَلَاثٌ)، أو ثلاثُ خصالٍ، فعلى الأوَّل: «ثلاثٌ» صفةٌ لمحذوفٍ، وعلى الثَّاني: مبتدأٌ، وسَوَّغَ الابتداءَ به إضافتُه إلى «الخصال»، والجملةُ اللَّاحقة: خبرُه؛ وهي: (مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ)؛ أي: أصاب (حَلَاوَةَ الإِيمَانِ) باستلذاذه الطَّاعات، فيتحمَّل [1] في أمر الدِّين المشقَّات، ويُؤثِر [2] ذلك على أعراض [3] الدُّنيا الفانية، وهل هذه الحلاوة محسوسةٌ أو معنويَّةٌ؟ قال بكلٍّ قومٌ، ويشهد للأوَّل قولُ بلالٍ: أَحَدٌ أَحَدٌ، حين عُذِّب في الله إكراهًا على الكفر، فمزج مرارة العذاب بحلاوة الإيمان، وعند موته أهلُه يقولون: واكرباه! وهو يقول: واطرباه! غدًا ألقى الأحبَّة؛ محمَّدًا وصحبه، فمزج مرارة الموت بحلاوة اللِّقاء، فهي حلاوة الإيمان، فالقلب السَّليم من أمراض الغفلة والهوى يذوق طعم الإيمان ويتنعَّم به؛ كما يذوق الفم طعم العسل وغيره من ملذوذات الأطعمة ويتنعَّم بها، ولا يذوق ذلك ويتنعَّم به إلَّا (مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا)؛ من نفسٍ وولدٍ، ووالدٍ، وأهلٍ، ومالٍ، وكلِّ شيءٍ، ومن ثمَّ قال: «ممَّا»، ولم يقل: ممَّن؛ ليعمَّ من يعقل وما [4] لا يعقل، (وَ) كذلك يجد هذه الحلاوة (مَنْ أَحَبَّ عَبْدًا)، وفي الرِّواية السَّابقة في باب «حلاوة الإيمان»: أن يحبَّ المرءَ [خ¦16] (لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ)، زاد في رواية أبي ذَرٍّ: ((عزَّ وجلَّ)) كما في «فرع اليونينيةَّ»، (وَ) كذا (مَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ الله)؛ أي: خلَّصه الله [5] ونجَّاه، زاد في رواية ابن عساكرَ: ((منه)) (كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ)، وفي الرِّواية السَّابقة: وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذَفَ في النَّار [خ¦16] ، ومن علامات هذه المحبَّة: نصر دين الإسلام بالقول والفعل، والذَّبِّ عن الشَّريعة المُقدَّسة، والتَّخلُّقِ بأخلاق الرَّسول عليه الصلاة والسلام في الجود، والإيثار، والحلم، والصَّبر، والتَّواضع، وغير ذلك ممَّا ذكرته في أخلاقه العظيمة في كتاب «المواهب اللَّدنيَّة بالمنح المحمَّديَّة»، فمن جاهد نفسه على ذلك؛ وجد حلاوة الإيمان، ومن وجدها استلذَّ الطَّاعات، وتحمَّل في الدِّين المشقَّات، بل ربَّما يلتذّ بكثيرٍ من المُؤلِمات، ولذلك تقريرٌ طويلٌ، فليُنظَر في كتاب «المواهب»، والله سبحانه يَهَبُ لمن يشاء ما يشاء.

وأنت إذا تأمَّلت الاختلاف بين رواة حديث هذا الباب والسَّابق؛ ظهر لك بما نبَّهت عليه هنا، مع النَّظر في الإسنادين والمتن [6] أنَّه لا تكريرَ في سياقه له هنا، لا سيَّما والحديثُ مشتملٌ على ثلاثة أشياءَ: حلاوةِ الإيمان المُبوَّبِ لها فيما سبق، والمحبَّةِ لله، وكراهة الكفر كما يكره أن يُلقَى في النار، وعليه بُوِّبَ، فللَّه دَرُّ المؤلِّف من إمامٍ!

ولمَّا فرغ _رحمه الله تعالى_ من هذا الحديث المُتضمِّن للخصال الثَّلاث، [/ج1ص104/] والنَّاس يتفاوتون فيها، وبه يحصل التَّفاضل في العمل؛ شرع يذكر تفاضل الأعمال، فقال:

[1] في (م): «فيحتمل».
[2] في (م): «ويوفر»، وهو تحريفٌ.
[3] في (م): «أغراض».
[4] في غير (ب): «مَنْ».
[5] اسم الجلالة ليس في (م).
[6] «والمتن»: سقط من (م).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

21 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ رضي اللهُ عنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [1] قَالَ: ((ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ ... )) الحديث.

الشرح:

هذا الحديث تقدم شرحه في باب حلاوة الإيمان، وإسناده تقدم، إلا (سُلَيْمَانُ).

وهو [2] أبو أيوب سليمانُ بنُ حربِ بن بَجِيل- بموحدة

#%ص125%

مفتوحة ثم جيم مكسورة ثم مثناة تحت ساكنة ثم لام- الأزدي [3] الوَاشِحِي - بكسر الشين المعجمة وبالحاء المهملة - وواشِح بطن من الأزد، البصري، نزل مكة وكان قاضيها، سمع جرير بن حازم، وشعبة، والحمادين [4].

سمع منه خلائق من الأئمة منهم: يحيى القطان، وأحمد بن حنبل [5]، وإسحاق بن راهويه [6]، والذهلي، والحميدي، وعثمان بن أبي شيبة، وحجاج بن الشاعر [7]، وخلائق لا يحصون، وهؤلاء شيوخ البخاري، وقد شاركهم [8] في الرواية عن سليمان [9]، وهذا أحد ضروب علو روايته، رحمه الله تعالى ورضي عنه وأجمعوا على جلالة [10] سليمان بن حرب [11] وإمامته [12] وحفظه، وورعه وصيانته، وإتقانه وعرفانه وديانته.

قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: سليمان بن حرب إمام من الأئمة، كان لا يدلس، ويتكلم في الرجال والفقه، ولقد حضرت مجلسه ببغداد [13]، فَحَزَروا [14] من حضر مجلسه أربعين ألف رجل، وذكروا من أحواله جملًا [15]نفيسة معروفة.

قال البخاري رحمه الله تعالى: ولد [16]سنة أربعين ومائة، قالوا: وتوفي في شهر ربيع الآخر سنة أربع وعشرين ومائتين.

قال الخطيب: حدث عنه يحيى القطان، وأبو خليفة الجمحي، وبين وفاتيهما [17] مائة وسبع سنين.

قال أبو الشيخ الحافظ: توفي أبو خليفة سنة خمس وثلاثمائة، وتوفي القطان في صفر سنة ثمان [18] وتسعين ومائة.

[1]قوله: ((عن النيي صلى الله عليه وسلم)) ليس في الأصل(ز).
[2] في (ت): ((إلا)).
[3] في (ع): ((الأنصاري)).
[4] زاد في (ك): ((وخلائق)).
[5] قوله: ((بن حنبل)) ليس في (ك).
[6] قوله: ((بن راهويه)) ليس في (ك).
[7] في (ع): ((شاعر)).
[8] جاء في حاشية (ك) و(ص): ((ساواهم)).
[9] قوله: ((عن سليمان)) ليس في (ع).
[10] في (ك): ((جلالته)).
[11] قوله: ((سليمان بن حرب)) ليس في (ك).
[12] في (ص): ((وأمانته)).
[13] قوله: ((ببغداد)) ليس في (ع).
[14] في (ك): ((فحصروا)).
[15] في (ع): ((جملة)).
[16] زاد في (ك): ((سليمان)).
[17] في (ك): ((وفاتهما)).
[18] قوله: ((ثمان)) ليس في (ع).
#%ص126%





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

21- وبه قال: ((حدثنا سليمان بن حَرْب)) ؛ بفتح المهملة، وسكون الراء، آخره موحدة: ابن بَجِيْل؛ بفتح الموحدة، وكسر الجيم، وسكون المثناة التحتية، آخره لام: الأزدي الواشِحي؛ بكسر الشين المعجمة والحاء المهملة؛ نسبة إلى بطن من الأزد، البصري قاضي مكة، المتوفى سنة أربع وعشرين ومئتين ((قال: حدثنا شعبة)) هو ابن الحجاج ((عن قتادة)) بن دِعامة ((عن أنس)) وفي رواية: عن أنس بن مالك ((رضي الله عنه عن النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم قال)) : خصال ((ثلاث)) أو ثلاث خصال، فعلى الأول (ثلاث) صفة لمحذوف، وعلى الثاني مبتدأ، وسوَّغ الابتداء به إضافته إلى الخصال، والجملة خبره؛ وهي ((من كن فيه وجد)) ؛ أي: أصاب ((حلاوة الإيمان)) باستلذاذه الطاعات وتحمل المشقات في أمر الدين، وهل هذه الحلاوة محسوسة أو معنوية؟ فيه خلاف، والأرجح الأول، ويدل له قول بلال: (أحد أحد) حين عُذِّب في الله؛ إكراهًا على الكفر، فمزج مرارة العذاب بحلاوة الإيمان، وعند موته قالوا أهله: واكرباه، وهو يقول: (واطرباه غدًا ألقى الأحبة محمدًا وصحبه) ، فمزج مرارة الموت بحلاوة اللقاء، ((من كان الله)) يجوز في إعرابه وجهان: أحدهما: أن يكون بدلًا من (ثلاث) أو بيانًا، ويجوز أن [يكون] خبرًا لقوله: (ثلاث) على تقدير كون الجملة الشرطية صفة لـ (ثلاث) ، والثاني: أن يكون مبتدأ محذوف الخبر، والتقدير: الأول مِن الذين فيهم الخصال من كان الله ((ورسوله أحب إليه مما سواهما)) من نفسه، وولده، ووالده، وأهله، وماله، وكل شيء، ولهذا قال: (مما) ولم يقل: ممن؛ ليعم من يعقل ومن لا يعقل. [/ص16/] ((و)) الثاني منها: ((من أحب عبدًا)) وفي الرواية السابقة: (أن يحب المرءَ) ((لا يحبه إلا لله)) زاد في رواية: (عز وجل) ((و)) الثالث منها: ((من يكره أن يعود)) أي: العود ((في الكفر بعد إذ أنقذه الله)) ؛ أي: خلَّصه ونجَّاه، زاد في رواية: (منه) ((كما يكره أن يلقى في النار)) وفي الرواية السابقة: (وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذف فيالنار) ، ولا تكرير في سياق الحديث هنا؛ لأنَّ المبوّب له حلاوة الإيمان فيما سبق، وهنا المحبة لله وكراهة الكفر؛ فتأمل، وفيه دليل واضح لإمامنا الإمام الأعظم ومَن قال بقوله، على أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وإنَّما الذي يزيد وينقص ثمراته، مثال ذلك: أن المؤمن الفاسق بارتكابه المعاصي إيمانه كإيمان العالم، لكن الفاسق لا يجد حلاوته؛ بسبب ارتكابه المعاصي، وأما العالم؛ فيجد حلاوته؛ بسبب امتثاله أوامر الله تعالى، وذلك كالبيضة الفضة التي عليها الوسخ فإنَّها سوداء، فإذا جُليت مرة؛ تضيء شيئًا قليلًا، وفي المرة [الثانية] يظهر نورها أكثر من الأول...؛ وهكذا، فالإيمان كالفضة، وظهور نوره وحلاوته بأداء الطاعات، وعدم ذلك بارتكاب المعاصي، كما لا يخفى على من له أدنى حظٌّ في العلم؛ فليُحفظ.