متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

20- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ)؛ هو [1] بالتَّخفيف والتَّشديد، كما في «فرع اليونينيَّة»، كهي عنِ الأَصيليِّ، وصحَّح الحافظ ابن حجرٍ التَّخفيف، قال العينيُّ: وبه قطع الجمهور كالخطيب وابن ماكولا، وقول صاحب «المطالع»: إنَّ التَّشديد عليه الأكثر؛ حمله النَّوويُّ على أكثر المشايخ، فقال: وإنَّما الذي عليه أكثر العلماء التَّخفيفُ، قال: وقد رُوِيَ عنه ذلك نفسه، وهو أخبَرُ بأبيه، وهو يشير إلى ما رواه سهل بن المتوكِّل عنه أنَّه قال: أنا محمَّد بن سَلَامٍ _بالتَّخفيف_ وقد صنَّف المنذريُّ جزءًا في ترجيح التَّشديد، ولكنَّ المُعتَمَدَ خلافُه، حتَّى قال بعض الحفَّاظ فيما نقله العينيُّ: إنَّ التَّشديد لحنٌ، انتهى. واسم أبيه الفرج السُّلميُّ البخاريُّ، زاد في رواية كريمة ممَّا ليس في «الفرع» و«أصله»: ((البِيْكَنْدِيُّ))؛ بمُوحَّدةٍ مكسورةٍ، ثمَّ مُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ ساكنةٍ، ثمَّ كافٍ مفتوحةٍ؛ ثمَّ نونٍ ساكنةٍ؛ نسبةً إلى بِيْكَنْد؛ بلدةٌ على مرحلةٍ من بُخَارى، وتُوفِّي محمَّد بن سلامٍ هذا سنة خمسٍ وعشرين ومئتين، وهو ممَّا انفرد به البخاريُّ عن الكتب السِّتَّة، (قَالَ: أَخْبَرَنَا)، وللأَصيليِّ: ((حدَّثنا)) (عَبْدَةُ)؛ بسكون المُوحَّدة، قِيلَ: هو لقبه، واسمه: عبد الرَّحمن بن سليمان بن حاجبٍ الكلابيُّ الكوفيُّ، المُتوفَّى بها في جمادى أو رجبٍ، سنة سبعٍ أو ثمانٍ وثمانين ومئةٍ، (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن عروة، (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام، (عَنْ عَائِشَةَ) أمِّ المؤمنين رضي الله عنها أنَّها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَمَرَهُمْ)؛ أي: أمر النَّاس بعملٍ؛ (أَمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِمَا)، وفي رواية أبي الوقت: ((ما)) (يُطِيقُونَ)؛ أي: يطيقون الدَّوامَ عليه، فخيرُ العمل ما دام عليه صاحبه وإنْ قَلَّ، ولا يخفى أنَّ الكثرة تؤدِّي إلى القطع، والقاطع في صورة ناقض العهد، فـ: «أمرهم» الثَّانية: جوابٌ أوَّلٌ للشَّرط، والثَّاني قوله: (قَالُوا: إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ)؛ بفتح الهاء، قال الكرمانيُّ: والهيئة: الحالة والصُّورة، وليس المُرَاد نفي تشبيه ذواتهم بحالته عليه الصلاة والسلام، فلا بدَّ من تأويلٍ في أحد الطَّرفين، فقِيلَ: المُرَاد من «هيئتك»: كمثلك؛ أي: كذاتك أو كنفسك، وزِيدَ لفظ «الهيئة»؛ للتَّأكيد؛ نحو: مثلُك لا يبخل، أو من «لسنا»؛ أي: ليس حالنا كحالك، فحُذِفَ الحال وأُقيم المُضَاف إليه مُقامُه، فاتَّصل الفعل بالضَّمير، فقِيلَ: لسنا كهيئتك (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الله) تعالى (قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ)؛ أي: منه [2] ، والمعنى _والله أعلمُ_ أي [3] : حالَ بينكَ وبين الذُّنوب فلا تأتيها؛ لأنَّ الغفرَ السَّترُ، وهو إمَّا بين العبد والذَّنب، وإمَّا بين الذَّنب وبين [4] عقوبته، فاللَّائقُ بالأنبياء: الأوَّلُ، وبأممهم: الثَّاني، قاله البِرماويُّ. وقال غيره: المُرَاد منه: ترك الأَوْلَى والأفضلِ بالعدول إلى الفاضل، وترك الأفضل كأنَّه ذنبٌ؛ لجلالة قدر الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام. (فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ)؛ بلفظ المضارع، والمُرَاد منه: الحال، وفي بعض النُّسخ: ((فَغَضِبَ حتَّى عُرِفَ)) (الْغَضَبُ) بالرَّفع (فِي وَجْهِهِ) الشَّريف، (ثُمَّ يَقُولُ) بالرَّفع عطفًا على «يغضب»: (إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللهِ) عزَّ وجلَّ (أَنَا) «أتقاكم»: اسم «إنَّ»، وتاليه: عطفٌ عليه، والأخير خبرُها، كأنَّهم قالوا: أنت مغفورٌ لك لا تحتاج إلى عملٍ، ومع ذلك تُواظِب على الأعمال، فكيف بنا مع كثرة ذنوبنا؟! فردَّ عليهم بقوله: أنا أَوْلَى بالعمل؛ لأنِّي أتقاكم وأَعْلَمُكُمْ، وأشار بالأوَّل إلى كماله عليه الصلاة والسلام بالقوَّة العمليَّة، وبالثَّاني: إلى القوَّة العلميَّة، وقال في «المصابيح»: فإن قلت: السِّياق يقتضي تفضيله على المُخاطَبِين فيما ذكر، وليس هو منهم قطعًا، فقد فُقِدَ شرط استعمال «أَفْعَل» التَّفضيل مُضَافًا، وأجاب: بأنَّه إنَّما قصد التَّفضيل على كلِّ من سواه مُطلَقًا، لا على المُضَاف إليه وحده، والإضافة لمجرَّد التَّوضيح، فما ذكر من الشَّرط هنا لاغٍ؛ إذ يجوز في هذا المعنى أن تضيفه إلى جماعةٍ هو أحدُهم؛ نحو: نبيُّنا عليه الصلاة والسلام أفضلُ قريشٍ، وأن تضيفه إلى جماعةٍ من جنسه ليس [/ج1ص103/] داخلًا فيهم؛ نحو: يوسفُ أحسنُ إخوتِهِ، وأن تضيفه إلى غير جماعةٍ؛ نحو: فلانٌ أعلمُ بغدادَ؛ أي: أعلم ممَّن سواه، وهو مُختَصٌّ ببغدادَ؛ لأنَّها مسكنُهُ أو منشؤُه ا ه، وهذا الحديث _كما قاله الحافظ ابن حجرٍ_: من أفراد المصنِّف، وهو من غرائب الصَّحيح، لا أعرفه إلَّا من هذا الوجه، فهو مشهورٌ عن هشامٍ فردٌ مطلقٌ من حديثه عن أبيه عن عائشة، ورواته كلُّهم أَجِلَّاءُ؛ ما بين بخاريٍّ، وكوفيٍّ، ومدنيٍّ.

[1] «يستقرُّ»: سقط من (م).
[2] «أي منه»: سقط من (م).
[3] في (م): «أنه».
[4] «بين»: سقط من (س).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

20-. حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلَامٍ [1] ، قالَ: أخبَرَنا [2] عَبْدَةُ، عن هِشامٍ، عن أَبِيهِ:

عن عائِشَةَ، قالَتْ: كان رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذا أَمَرَهُمْ أَمَرَهُمْ [3] مِنَ الأَعْمالِ بِما [4] يُطِيقُونَ، قالَوا: إِنَّا لَسْنا كَهَيْئَتِكَ يا رَسُولَ اللَّه؛ إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ. فَيَغْضَبُ حتَّىَ يُعْرَفَ [5] الغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ يقول: «إِنَّ أَتْقاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنا».

[1] وضع علامة التَّخفيف على لام «سَلَام» في اليونينيَّة، وكتب بهامشها: «قال الأصيلي: يثقَّل ويُخفَّف».اهـ.
[2] في رواية الأصيلي: «حدَّثنا».
[3] صحَّح عليها في اليونينيَّة.
[4] في رواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «ما».
[5] ضبط في (و) رواية الأصيلي بالرفع، وهو موافق لما في نسخة الزاهدي، وضبطت روايته في بقية النسخ كالمثبت، وفي روايةٍ أخرىَ عنه: «فغَضب حتىَ عُرِفَ».





20- ( مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ ) بتخفيف اللام على الصحيح.

( البَيكَندي ) بفتح الباء والكاف: بلدة قريبة من بخارى.


20# (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) بتخفيف اللام

@%ج1ص47%

على الصَّحيح، وبه قطع المحقِّقون.

(إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا) أخبرَ بالواقع، لِمَا دَعَا إليه من عتابِ أصحابه، لا لقصد الفخر.

فإن قلت: السياقُ يقتضِي تفضيلَه على المخاطبين فيما ذكر، وليس هو منهم قطعًا، فَقَد [1] فُقِدَ شرط استعمال أفعل التَّفضيل مضافًا؟

قلت: إنما قصدَ التفضيلَ على كلِّ مَن سواه مطلقًا، لا على المضاف إليه وحدَهُ، والإضافةُ لمجرَّد [2] التوضيح، فما [3] ذكرتَه من الشرط هنا لاغٍ؛ إذ يجوز في هذا المعنى أن تضيفه إلى جماعة هو أحدُهم؛ نحو: نبينا صلى الله عليه وسلم هو [4] أفضلُ قريش، وأن تضيفَه إلى جماعة [5] من جنسهِ ليس داخلًا فيهم؛ نحو: ((يوسف أحسنُ إخوته)).

وأن تضيفَه إلى غيرِ جماعة؛ نحو: فلان أعلمُ بغدادَ؛ أي: أعلمُ ممَّن سواه، وهو مختصٌّ ببغداد؛ لأنها مسكنه أو منشؤهُ.

[1] ((فقد)): ليست في (ج) و(د).
[2] في (ق): ((بمجرد)).
[3] في (ق): ((فيما)).
[4] ((هو)): ليست في (د).
[5] من قوله: ((هو أحدُهم ... إلى قوله: ...تضيفه إلى جماعة)): ليس في (ج).





20- قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ [1] ): سلام هذا: ما ذكر الخطيب فيه ولا ابن ماكولا سوى التخفيف، وقال ابن الصَّلاح: إنَّه أثبت، قال ابن عبد الهادي في «طبقات الحفَّاظ»: (قال سهل بن المتوكِّل: سمعته يقول: أخبرنا محمَّد بن سَلَام؛ بالتخفيف، وسمعت شيخنا أبا الحجَّاج _ يعني: المزِّيَّ- يرجِّح فيه التثقيل) انتهى، وقال في «المطالع»: (نقله الأكثر كذا، قال: ولم يُتابَع عليه) ، وقد ذكره غنجار في «تاريخ بخارى» بالتَّخفيف، وقد روينا بالإسناد إليه أنَّه قال: أخبرنا محمَّد بن سَلَام؛ بالتخفيف، وهذا قاطعٌ للنزاع، بل المثقَّل محمَّد بن سلَّام بن السَّكَن البِيكَنْدي الصغير عنِ الحسن بن سوار البغويِّ، وعنه: عبيد الله بن واصل؛ وهو من أقرانه، و (البيكنديُّ) في نسبه [2] ؛ بكسر الموحدة، وسكون الياء المثنَّاة تحت، وفتح الكاف، وسكون النون، بعدها دالٌ مهملةٌ؛ كذا قيَّده بكسر أوَّله الغسَّانيُّ وقال: (بلدٌ ببخارى) ، ثمَّ ابن قُرقُول في (الكاف) .

قوله: (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ): هذا هو سليمان، وهو بإسكان الباء، واسمه عبد الرحمن، قال أحمد: ثقةٌ وزيادة مع صلاحه، وكان شديد الفقر، ووثَّقه غيرُه أيضًا، تُوفِّي بالكوفة لثلاث خلون من رجب سنة ثمان وثمانين ومئة، وقال أحمد: تُوفِّي سنة سبع وثمانين ومئة، أخرج له الجماعة، وكذا عَبْدة بن أبي لبابة، وغيرهما، وليس في «الموطَّأ» و«الصَّحيحَين» مَن هو بفتح الموحَّدة إلَّا اثنان:

عامر بن عَبَدة الكوفيُّ، روى له [3] الأربعة عنِ ابن مسعود، كذا ذكره ابن المدينيِّ، وابن معين، والجيَّانيِّ، وغيرهم، وبه صدَّر الدَّارقطنيُّ وابن ماكولا كلامَهما، وحكيا أنَّه [4] قيل فيه: عَبْدة؛ بإسكان الموحَّدة، قال صاحبُ «المشارق»: (وحكى لنا بعض شيوخنا: «عبد»؛ بغير هاء، قال: وهو وهم) ، وفي «المطالع»: (وقد رُوِي لنا عن بعض مشايخنا: عبد؛ بغير هاء، وهو وهم، ولم نسمعه عن أحد من شيوخنا) ، وقول الذهبيِّ في «المشتبه»: إنَّه يشتبه بعامر بن عبدة الباهليِّ؛ وَهَمٌ، إنَّما الباهليُّ عامرُ بن عبيدة؛ بزيادة ياءٍ [/ج1ص21/] بعد الموحَّدة، وقد ذكره على الصواب في (عَبيدة) .

والثاني: بَجَالة بن عَبَدة التميميُّ، ثمَّ العنبريُّ، روى له البخاريُّ في (كتاب الجزية) قال: (كنت كاتبًا لِجَزْءِ بن معاوية) ، وقد قيَّده الدَّارقطنيُّ: بالفتح، وابن ماكولا، والجيَّانيُّ، وحكى صاحبا «المشارق» و«المطالع»: أنه ذكره كذلك البخاريُّ في «التاريخ»، وأصحابُ الضبط، قال: وقد قال فيه الباجيُّ: عبْدة؛ بإسكان الموحَّدة، قالا: وقال فيه البخاريُّ: عبْدة؛ بالإسكان، ويقال فيه أيضًا: عبْد.

قوله: (حتى يُعْرَفَ الْغَضَبُ): (يُعرَف): مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، و (الغَضَبُ): مرفوع قائم مَقام الفاعل، وهذا ظاهر جدًّا.

[1] في هامش (ق): (البيكندي، والأصح التخفيف) .
[2] في (ب): (نسبته) ، وكلاهما نسبته البيكندي.
[3] (روى له): سقطت من (ب) .
[4] في (ب) و (ج): (أن) .





20- (إِذَا أَمَرَهُمْ؛ أَمَرَهُمْ): أي: إذا أرادَ أَمْرَهُم أَمَرَهُم، وفي الكتاب العزيز: {وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} [الشعراء: 130] .

(حَتَّى يُعْرَفَ): النَّصبُ هو الرِّوايةُ، ويجوزُ فيه الرَّفعُ، و (يُعْرَفَ): مبنيٌّ للمفعول.

و (الْغَضَبُ): مرفوعٌ قائمٌ مَقامَ الفاعلِ.

(ثُمَّ يَقُولُ): جاز فيه الرَّفعُ والنَّصبُ، ولو عُطِفَ على (فَيَغْضَبُ) ؛ يتعيَّنُ فيه الرَّفعُ.


20- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ)؛ هو [1] بالتَّخفيف والتَّشديد، كما في «فرع اليونينيَّة»، كهي عنِ الأَصيليِّ، وصحَّح الحافظ ابن حجرٍ التَّخفيف، قال العينيُّ: وبه قطع الجمهور كالخطيب وابن ماكولا، وقول صاحب «المطالع»: إنَّ التَّشديد عليه الأكثر؛ حمله النَّوويُّ على أكثر المشايخ، فقال: وإنَّما الذي عليه أكثر العلماء التَّخفيفُ، قال: وقد رُوِيَ عنه ذلك نفسه، وهو أخبَرُ بأبيه، وهو يشير إلى ما رواه سهل بن المتوكِّل عنه أنَّه قال: أنا محمَّد بن سَلَامٍ _بالتَّخفيف_ وقد صنَّف المنذريُّ جزءًا في ترجيح التَّشديد، ولكنَّ المُعتَمَدَ خلافُه، حتَّى قال بعض الحفَّاظ فيما نقله العينيُّ: إنَّ التَّشديد لحنٌ، انتهى. واسم أبيه الفرج السُّلميُّ البخاريُّ، زاد في رواية كريمة ممَّا ليس في «الفرع» و«أصله»: ((البِيْكَنْدِيُّ))؛ بمُوحَّدةٍ مكسورةٍ، ثمَّ مُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ ساكنةٍ، ثمَّ كافٍ مفتوحةٍ؛ ثمَّ نونٍ ساكنةٍ؛ نسبةً إلى بِيْكَنْد؛ بلدةٌ على مرحلةٍ من بُخَارى، وتُوفِّي محمَّد بن سلامٍ هذا سنة خمسٍ وعشرين ومئتين، وهو ممَّا انفرد به البخاريُّ عن الكتب السِّتَّة، (قَالَ: أَخْبَرَنَا)، وللأَصيليِّ: ((حدَّثنا)) (عَبْدَةُ)؛ بسكون المُوحَّدة، قِيلَ: هو لقبه، واسمه: عبد الرَّحمن بن سليمان بن حاجبٍ الكلابيُّ الكوفيُّ، المُتوفَّى بها في جمادى أو رجبٍ، سنة سبعٍ أو ثمانٍ وثمانين ومئةٍ، (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن عروة، (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام، (عَنْ عَائِشَةَ) أمِّ المؤمنين رضي الله عنها أنَّها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَمَرَهُمْ)؛ أي: أمر النَّاس بعملٍ؛ (أَمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِمَا)، وفي رواية أبي الوقت: ((ما)) (يُطِيقُونَ)؛ أي: يطيقون الدَّوامَ عليه، فخيرُ العمل ما دام عليه صاحبه وإنْ قَلَّ، ولا يخفى أنَّ الكثرة تؤدِّي إلى القطع، والقاطع في صورة ناقض العهد، فـ: «أمرهم» الثَّانية: جوابٌ أوَّلٌ للشَّرط، والثَّاني قوله: (قَالُوا: إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ)؛ بفتح الهاء، قال الكرمانيُّ: والهيئة: الحالة والصُّورة، وليس المُرَاد نفي تشبيه ذواتهم بحالته عليه الصلاة والسلام، فلا بدَّ من تأويلٍ في أحد الطَّرفين، فقِيلَ: المُرَاد من «هيئتك»: كمثلك؛ أي: كذاتك أو كنفسك، وزِيدَ لفظ «الهيئة»؛ للتَّأكيد؛ نحو: مثلُك لا يبخل، أو من «لسنا»؛ أي: ليس حالنا كحالك، فحُذِفَ الحال وأُقيم المُضَاف إليه مُقامُه، فاتَّصل الفعل بالضَّمير، فقِيلَ: لسنا كهيئتك (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الله) تعالى (قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ)؛ أي: منه [2] ، والمعنى _والله أعلمُ_ أي [3] : حالَ بينكَ وبين الذُّنوب فلا تأتيها؛ لأنَّ الغفرَ السَّترُ، وهو إمَّا بين العبد والذَّنب، وإمَّا بين الذَّنب وبين [4] عقوبته، فاللَّائقُ بالأنبياء: الأوَّلُ، وبأممهم: الثَّاني، قاله البِرماويُّ. وقال غيره: المُرَاد منه: ترك الأَوْلَى والأفضلِ بالعدول إلى الفاضل، وترك الأفضل كأنَّه ذنبٌ؛ لجلالة قدر الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام. (فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ)؛ بلفظ المضارع، والمُرَاد منه: الحال، وفي بعض النُّسخ: ((فَغَضِبَ حتَّى عُرِفَ)) (الْغَضَبُ) بالرَّفع (فِي وَجْهِهِ) الشَّريف، (ثُمَّ يَقُولُ) بالرَّفع عطفًا على «يغضب»: (إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللهِ) عزَّ وجلَّ (أَنَا) «أتقاكم»: اسم «إنَّ»، وتاليه: عطفٌ عليه، والأخير خبرُها، كأنَّهم قالوا: أنت مغفورٌ لك لا تحتاج إلى عملٍ، ومع ذلك تُواظِب على الأعمال، فكيف بنا مع كثرة ذنوبنا؟! فردَّ عليهم بقوله: أنا أَوْلَى بالعمل؛ لأنِّي أتقاكم وأَعْلَمُكُمْ، وأشار بالأوَّل إلى كماله عليه الصلاة والسلام بالقوَّة العمليَّة، وبالثَّاني: إلى القوَّة العلميَّة، وقال في «المصابيح»: فإن قلت: السِّياق يقتضي تفضيله على المُخاطَبِين فيما ذكر، وليس هو منهم قطعًا، فقد فُقِدَ شرط استعمال «أَفْعَل» التَّفضيل مُضَافًا، وأجاب: بأنَّه إنَّما قصد التَّفضيل على كلِّ من سواه مُطلَقًا، لا على المُضَاف إليه وحده، والإضافة لمجرَّد التَّوضيح، فما ذكر من الشَّرط هنا لاغٍ؛ إذ يجوز في هذا المعنى أن تضيفه إلى جماعةٍ هو أحدُهم؛ نحو: نبيُّنا عليه الصلاة والسلام أفضلُ قريشٍ، وأن تضيفه إلى جماعةٍ من جنسه ليس [/ج1ص103/] داخلًا فيهم؛ نحو: يوسفُ أحسنُ إخوتِهِ، وأن تضيفه إلى غير جماعةٍ؛ نحو: فلانٌ أعلمُ بغدادَ؛ أي: أعلم ممَّن سواه، وهو مُختَصٌّ ببغدادَ؛ لأنَّها مسكنُهُ أو منشؤُه ا ه، وهذا الحديث _كما قاله الحافظ ابن حجرٍ_: من أفراد المصنِّف، وهو من غرائب الصَّحيح، لا أعرفه إلَّا من هذا الوجه، فهو مشهورٌ عن هشامٍ فردٌ مطلقٌ من حديثه عن أبيه عن عائشة، ورواته كلُّهم أَجِلَّاءُ؛ ما بين بخاريٍّ، وكوفيٍّ، ومدنيٍّ.

[1] «يستقرُّ»: سقط من (م).
[2] «أي منه»: سقط من (م).
[3] في (م): «أنه».
[4] «بين»: سقط من (س).





20- ( إِذَا أَمَرَهُمْ أَمَرَهُمْ ) كذا في معظم الرِّوايات بالتَّكرير، وفي بعضها أمرهم مرَّة واحدة. [/ج1ص171/]


لا تتوفر معاينة

20 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَمَرَهُمْ [1]، أَمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ، قَالُوا: إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، إِنَّ اللَّهَ تعالى قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: ((إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا)).

الشرح:

أما (عَائِشَةَ) و(عُرْوةَ) و(هِشَامٍ) فتقدم ذكرهم في أول الكتاب.

وأما (عَبْدَةُ) فهو -بإسكان الباء- وهو أبو محمد، عبدة بن سليمان بن حاجب بن زُرَارة بن عبد الرحمن بن صُرَد بن سمير بن بُلَيل [2] بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب، الكلابي الكوفي، هكذا نسبه محمد بن سعد في «الطبقات».

وقيل: اسمه عبد الرحمن، وعبدة لقب.

سمع جماعات من التابعين منهم: هشام بن عروة، ويحيى الأنصاري، وإسماعيل بن أبي خالد، وعاصم الأحول، والأعمش، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم.

روى عنه جماعات من الأئمة والحفاظ منهم: الإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن نُمَيْر، وابنا [3] أبي شيبة، وآخرون.

قال أحمد بن حنبل: هو ثقة ثقة [4]، وزيادة مع صلاح [5]، وكان شديد الفقر.

وقال أحمد بن عبد الله: هو ثقة [6]، رجل صالح، صاحب قرآن مقرئ [7].

توفي بالكوفة في

#%ص123%

جمادى - وقيل: في رجب - سنة ثمان وثمانين ومائة، رحمه الله تعالى.

وأما (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) فهو: أبو عبد الله محمدُ بنُ سَلَام بن [8] الفَرَج، السُّلَمي - مولاهم - البخاري البيكَنْدي- بياء موحدة مكسورة ثم [9] مثناة تحت ساكنة ثم كاف مفتوحة ثم نون ساكنة [10]- منسوب إلى بيكَنْدِ، بلدة [11] من بلاد بخارى، سمع ابن عيينة، وابن المبارك، ووكيعًا، وغيرهم من الأعلام.

روى عنه من الأعلام حفاظ [12] الإسلام: البخاري وآخرون.

قال البخاري: توفي سنة خمس وعشرين ومائتين، وسَلَام والده- يُخَفَّفْ ويُشَدَّدْ- والتخفيف هو الصحيح [13] الذي عليه الاعتماد، ولم يذكر جمهور المحققين غيره، وبه قطع الخطيب أبو بكر [14] البغدادي و الأمير أبو نصر [15] بن ماكولا وآخرون من أهل هذا الشأن، وهو الذي ذكره غُنْجَارُ في «تاريخ بخارى»، وهو أعلم بأهل بلاده، وذكر بعض الحفاظ أن تشديده لحن، وادعى صاحب «المطالع» أن التشديد هو رواية الأكثرين، ولا يُوافَقُ على دعواه، فإنها مخالفة للمشهور، إلا أن يريد رواية أكثر شيوخه ونحو ذلك، والله أعلم.

فصل: قوله: (وَأَنَّ المَعْرِفَةَ فِعْلُ القَلْبِ) هو بفتح همزة (أن). وقول الله تعالى: { وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [16] } [البقرة: 225] معناه: بما قصدتموه وعزمَتْ عليه قلوبكم، فَكَسْبُ القلبِ عَزْمُهُ ونيتُه، وفي الآية: دليل للمذهب الصحيح المختار الذي عليه الجمهور أنَّ أفعالَ القلوب إذا استقرت يؤاخذ بها، وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا [17] حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا، أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ)) محمول على ما إذا لم يستقر، وذلك معفو عنه بلا شك؛ لأنه لا يمكن الانفكاك عنه، بخلاف الاستقرار، وستأتي المسألة مبسوطة في موضعها، إن شاء الله تعالى.

فصل: قولها: (أَمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ) معناه: بما يطيقون الدوام عليه، وقال لهم [18] صلَّى الله عليه وسلَّم هذا لئلا يتجاوزوا طاقتهم فيعجزون، وخير العمل ما دام وإن قلَّ، وإذا [19] تحملوا [20] ما لا يطيقون الدوام عليه تركوه أو بعضه

#%ص124%

بعد ذلك، وصاروا في صورة ناقض العهد، والراجع [21] عادة غير [22] جميلة، واللائق بطالب الآخرة الترقي، فإن لم يكن فالبقاء على حاله؛ ولأنه [23] إذا اعتاده [24] من الطاعة ما يمكنه الدوام عليه دخل فيها بانشراح واستلذاذ لها ونشاط، ولا يلحقه ملل ولا سآمة، والأحاديث بنحو هذا كثيرة في الصحيح مشهورة.

وقولهم [25]: (لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ) يعنون: لسنا مثلك، وأرادوا بهذا طلب الإذن في الزيادة [26] من العبادة والرغبة في الخير، يقولون: أنت مغفور لك [27]، لا تحتاج إلى عمل، ومع [28] هذا أنت دائب في الأعمال، فكيف [29] وذنوبنا كثيرة؟ فردَّ عليهم صلَّى الله عليه وسلَّم وقال كلامًا معناه: أنا أولى بالعمل؛ لأني أعلمكم بالله وأخشاكم له [30].

وفي هذا الحديث أنواع من الفوائد وجُمَل من القواعد:

منها ما ذكرناه من القصد في العبادة، وملازمة ما يمكن الدوام عليه.

ومنها أنَّ الرجل الصالح ينبغي أن لا يترك الاجتهاد في العمل اعتمادًا على صلاحه.

ومنها أنَّ له الإخبار بفضيلةٍ فيه إذا دعَتْ إلى ذلك حاجة، وينبغي أنْ يحرصَ على كتمانها، فإنَّه [31] يُخَافُ من إشاعتها زوالُها، نسأل الله الكريم دوام نعمه [32] علينا وعلى أحبابنا وسائر المسلمين، والمزيد من فضله.

وقد بسطتُ هذه المسألة بشواهدها من [33] الأحاديث الصحيحة في آخر كتاب «الأذكار» الذي لا يستغني متدين عن مثله.

ومنها الغضبُ عند ردَّ أمر الشرع، ونفوذ الحكم في حال الغضب [34].

ومنها ما كانت الصحابة رضي الله عنهم عليه من الرغبة التامة في [35] طاعة الله تعالى، والازدياد من أنواع الخير.

وفيه غير ذلك، والله أعلم.

[1] قوله: ((أمرهم)) ليس في (ص).
[2]هكذا في كل النسخ، والصواب: ((مُليل)).
[3] في (ص): ((وابن)).
[4] قوله: ((ثقة)) ليس في (ص).
[5] في (ع): ((الصلاح)).
[6] قوله: ((وزيادة مع صلاح، وكان شديد الفقر. وقال أحمد بن عبد الله: هو ثقة)) ليس في (ص).
[7] في (ك) و(ع): ((يُقْرِئ))، وغير واضحة في (ص).
[8] زاد في (ع): ((أبي)).
[9] زاد في (ع): ((ياء)).
[10] قوله: ((ساكنة)) ليس في (ص).
[11] قوله: ((بلدة)) ليس في (ع).
[12] في (ك): ((وحفاظ)).
[13] قوله: ((الصحيح)) ليس في (ك).
[14] قوله: ((أبو بكر)) ليس في (ك).
[15] قوله: ((الأمير أبو نصر)) ليس في (ك).
[16] قوله: ((قلوبكم)) ليس في الأصل (ز).
[17] في (ص): ((بما)).
[18] زاد في (ص): ((النبي)).
[19] في (ت): ((وإن)).
[20] في (ص): ((عملوا)).
[21] في (ك): ((والراجع عن))، وفي (ع): ((والراجع عادة عن)).
[22] قوله: ((غير)) ليس في (ك).
[23] في (ع): ((وأنه)).
[24] في (ت) و(ك) و(ص): ((اعتاد)).
[25] في (ص): ((وقوله)).
[26] في (ت): ((الزياد)).
[27] قوله: ((لك)) ليس في (ع).
[28] في (ع): ((وموضع)).
[29] زاد في (ك): ((بنا)).
[30] قوله: ((له)) ليس في (ت).
[31] في (ع): ((فإنما)).
[32] في (ص): ((نعمته)).
[33] قوله: ((من)) ليس في (ص) و(ع).
[34] قوله: ((ومنها: الغضب عند رد أمر الشرع، ونفوذ الحكم في حال الغضب )) ليس في (ص).
[35] قوله: ((في)) ليس في (ع).
#%ص125%





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

20- وبه قال: ((حدثنا محمد بن سلَام)) ؛ بالتخفيف والتشديد، وقيل: إن التشديد لحن، وتمامه في «شرح الشيخ الإمام بدر الدين العيني»، واسم أبيه: الفرج السلمي، زاد في رواية: ((البِيْكَندِي)) ؛ بموحدة مكسورة، ثم مثناة تحتية ساكنة، ثم كاف مفتوحة، ثم نون ساكنة؛ نسبة إلى بيكند؛ بلدة على مرحلة من بخارى، توفي سنة خمس وعشرين ومئتين ((قال: أخبرنا)) وفي رواية: (حدثنا) ((عَبْدة)) ؛ بسكون الموحدة، قيل: هو لقبه، واسمه عبد الرحمن بن سليمان بن حاجب الكلابي الكوفي، المتوفى بها في رجب سنة ثمان وثمانين ومئة، ((عن هشام)) هو ابن عروة، ((عن أبيه)) عروة بن الزبير بن العوام، ((عن عائشة)) أم المؤمنين رضي الله عنها أنها ((قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم)) ؛ أي: أمر الناس بالعمل ((أمرهم من الأعمال بما)) وفي رواية: (ما) ((يطيقون)) ؛ أي: يطيقون الدوام عليه، فخير العمل ما دام عليه صاحبه وإن قلَّ، والكثرة تؤدي إلى القطع؛ وهو نقض العهد صورة، و (أمرهم) الثانية جواب أول للشرط، والثاني قوله: ((قالوا: إنا لسنا كهَيئتك)) ؛ بفتح الهاء؛ وهي الصورة والحالة، وليس المراد نفي تشبيه ذواتهم بحالته عليه السلام، فلا بد من التأويل، فالمراد من (هيئتك) : كمثلك؛ أي: كذاتك أو كنفسك، وزيد لفظ الهيئة؛ للتأكيد؛ نحو: مثلك لا يبخل، أو [حال] من (لسنا) ؛ أي: ليس حالنا كحالك، فحذف الحال وأقيم المضاف إليه مقامه، فاتصل الفعل بالضمير، فقيل: لسنا كهيئتك، قاله الشيخ الإمام ركن الدين الكرماني، ((يا رسول الله؛ إن الله قد غفر لك)) ؛ أي: عفا عنك ((ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر)) ؛ أي: منه، والمراد: ترك الأَولى والأفضل بالعدول إلى الفاضل وترك الأفضل، كأنَّه ذنب؛ لجلالة قدر الأنبياء عليهم السلام، قاله الشيخ الإمام بدر الدين العيني؛ وهو أولى مما قال القسطلاني نقلًا عن البرماوي؛ فليحفظ.

((فيغضب)) ؛ على صورة المضارع، والمراد منه: حكاية الحال الماضية ((حتى يُعرف)) ؛ بصيغة المجهول، وفي أكثر الروايات؛ كما قاله الشيخ الإمام بدر الدين العيني: (فغضب حتى عُرف) ((الغضبُ)) بالرفع ((في وجهه)) عليه السلام، وفيه دليل على جواز الغضب عند رد أمر الشرع، ونفوذ الحكم في حال الغضب والتغير، ((ثم يقولُ)) ؛ بالرفع عطفًا على (يغضب) : ((إن أتقاكم)) ؛ أي: أكثركم تقوًى ((أعلمكم بالله)) عز وجل ((أنا)) فـ (أتقاكم) اسم (إن) ، و (أعلمكم) عطف عليه، و (أنا) خبرها، والمعنى: كأنَّهم قالوا: أنت مغفور لك لا تحتاج إلى عمل ومع هذا تواظب على الأعمال، فكيف بنا مع كثرة ذنوبنا؟! فرد عليهم بقوله: أنا أولى بالعمل؛ لأنِّي أتقاكم وأعلمكم، وأشار بالأول إلى القوة العملية، وبالثاني إلى القوة العلمية، واستدل بهذا على أن أول فرض على المكلف معرفة الله سبحانه وتعالى، وفيه دليل على أن الرجل يجوز له الإخبار بفضيلة نفسه إذا دعت إلى ذلك حاجة؛ فليحفظ.