متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

18- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافعٍ الحمصيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة القرشيُّ، (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو إِدْرِيسَ عَائذُ اللهِ)؛ بالمُعجَمَة، وهو اسم عَلَم؛ أي: ذو عياذةٍ بالله، فهو عطف بيانٍ لقوله: أبو إدريس (ابْنُ عَبْدِ اللهِ) الصَّحابيِّ، ابن عمرٍ الخولانيُّ، الدِّمشقيُّ الصَّحابيُّ؛ لأنَّ مولده كان عام حُنينٍ، التَّابعيُّ الكبير من حيث الرِّواية، المُتوفَّى سنة ثمانين، (أَنَّ عُبَادَةَ) بضمِّ العين (ابْنَ الصَّامِتِ) ابن قيسٍ الأنصاريَّ الخزرجيَّ، المُتوفَّى بالرَّملة سنة أربعٍ وثلاثين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنةً، وقِيلَ [1] : في خلافة معاوية سنة خمسٍ وأربعين، وله في «البخاريِّ» تسعةُ أحاديثَ (رضي الله عنه، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا)؛ أي: وقعتها، فالنَّصب بقوله: شهد، وليس مفعولًا فيه، (وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ) جمع نقيبٍ؛ وهو النَّاظر على القوم وضمينهم وعريفهم، وكانوا اثني عشر رجلًا (لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ) بمنًى؛ أي: فيها، والواو في «وهو» كواو «وكان»؛ هي الدَّاخلة على الجملة الموصوف بها؛ لتأكيد لصوق الصِّفة بالموصوف، وإفادة أنَّ اتِّصافه بها أمرٌ ثابتٌ، ولا ريبَ أنَّ كون شهود عُبَادةَ بدرًا وكونه من النُّقباء صفتان من صفاته، ولا يجوز أن تكون الواوان للحال، ولا للعطف، قاله العينيُّ، وهذا ذكره ابن هشامٍ في «مُغْنيه» حاكيًا له عن الزَّمخشريِّ في «كشَّافه»، وعبارته في تفسير قوله تعالى في سورة الحجر: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ} [الحجر: 4] : جملةٌ واقعةٌ صفةً لـ: {قريةٍ}، والقياس أنَّه لا تتوسَّط الواو بينهما؛ كما في قوله تعالى: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ} [الشعراء: 208] ، وإنَّما توسَّطت الواو [2] لتأكيد لصوق الصِّفة بالموصوف؛ كما يُقال في الحال: جاءني زيدٌ عليه ثوبٌ، وجاءني وعليه ثوبٌ، انتهى. وتعقَّبه ابن مالكٍ في «شرح تسهيله»: بأنَّ ما ذَهَبَ إليه من توسُّط الواو بين الصِّفة والموصوف فاسدٌ؛ لأنَّ مذهبه في هذه المسألة لا يُعرَف من البصريِّين ولا من الكوفيِّين معوِّلٌ عليه، فوجب ألَّا يُلتفَت إليه، وأيضًا: فلأنَّه [3] مُعلَّلٌ بما لا يُناسب؛ [/ج1ص99/] وذلك لأنَّ الواو تدلُّ على الجمع بين ما قبلها وما بعدها، وذلك مُستلزِمٌ لتغايرهما، وهو ضدٌّ لِمَا يُرَاد من التَّأكيد، فلا يصحُّ أن يُقَال للعاطف: مُؤكِّدٌ، وأيضًا: لو صلحت الواو لتأكيد لصوق الموصوف بالصِّفة؛ لَكَان أَوْلَى المواضع بها موضعًا لا يصلح للحال؛ نحو: إنَّ رجلًا رأيُهُ سديدٌ لَسعيدٌ، فـ: «رأيُهُ سديدٌ» جملةٌ نُعِتَ بها، ولا يجوز اقترانها بالواو؛ لعدم صلاحيَّتها للحال؛ بخلاف: {وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ}؛ فإنَّها جملةٌ يصلح في موضعها الحال؛ لأنَّها بعد نفيٍ، وتعقَّبه نجم الدِّين سعيدٌ على [4] الوجه الأوَّل: بأنَّ الزَّمخشريَّ أَعْرَفُ باللُّغة، مع أنَّه لا يلزم من عدم العرفان بالمعوَّل عليه عدمُه، وعلى الثَّاني: أنَّ تغاير الشَّيئين لا ينافي تلاصقهما، والجملة التي هي صفةٌ لها التصاقٌ بالموصوف، والواو أكَّدت الالتصاق باعتبار أنَّها في أصلها للجمع المناسب للإلصاق، لا أنَّها عاطفةٌ، وعلى الثَّالث: أنَّ المراد من الالتصاق ليس الالتصاقُ اللَّفظيُّ كما فهمه ابن مالكٍ، بل المعنويُّ، والواو تؤكِّد الثَّاني دون الأوَّل، وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ: بأنَّ قوله: «أعرف باللُّغة» مجرَّدُ دعوى، مع أنَّها لو سلمت؛ لا تصلح لردِّ أنَّ هذا المذهب غير معروفٍ لبصريٍّ ولا كوفيٍّ، وإنَّما وجه الرَّدِّ أن يُقَال: بل هو معروفٌ، ويبيِّن من قاله منهم. انتهى. وقد تبع الزَّمخشريَّ في ذلك أبو البقاء، وقال في «الدُّرَّ»: إن في محفوظه أنَّ ابن جنِّيٍّ سبق الزَّمخشريَّ بذلك [5] ، وقوَّاه بآية: {إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ} [الشعراء: 208] ، وقراءة ابن أبي عبلة: ((إلَّا لها كتابٌ)) [الحجر: 4] ؛ بإسقاط الواو، ويحتمل أن يكون قائلَ: «وكان يشهد...» إلى آخره أبو إدريس [6] ، فيكون متَّصلًا؛ إنْ حُمِلَ على أنَّه سمع ذلك من عُبادةَ، أو الزُّهريُّ؛ فيكون منقطعًا، والجملة اعتراضٌ بين «إنَّ» وخبرها السَّاقط من أصل الرِّواية هنا، ولعلَّها سقطت من ناسخٍ بعده واستمرَّ؛ بدليل ثبوتها عند المصنِّف في باب «من شهد بدرًا» [خ¦3892] ، والتَّقدير هنا: أنَّ عبادة بن الصَّامت أخبر: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ، وَحَوْلَهُ) بالنَّصب على الظَّرفيَّة (عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ) _بكسر العين_: ما بين العشرة إلى الأربعين، والجملة اسميَّةٌ حاليَّةٌ، و«عصابةٌ»: مبتدأٌ، خبره: «حولَهُ» مقدَّمًا، و«من أصحابه»: صفةٌ لـ: «عصابةٌ»، وأشار الرَّاوي بذلك إلى المُبالَغة في ضبط الحديث، وأنَّه عن تحقيقٍ وإتقانٍ؛ ولذا ذكر أنَّ الرَّاوي شهد بدرًا، وأنَّه أحد النُّقباء، والمُرَاد به: التَّقوية، فإنَّ الرِّواية تترجَّح عند المُعارَضة بفضل الرَّاوي [7] وشرفه، ومقول قوله عليه الصلاة والسلام: (بَايِعُونِي)؛ أي: عاقدوني (عَلَى) التَّوحيد (أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا)؛ أي: على ترك الإشراك، وهو عامٌّ؛ لأنَّه نكرةٌ في سياق النَّهي كالنَّفي، وقدَّمه على ما بعده؛ لأنَّه الأصل، (وَ) على أن (لَا تَسْرِقُوا)؛ فيه حذف المفعول؛ ليدلَّ على العموم، (وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ) خصَّهم بالذِّكر؛ لأنَّهم كانوا في الغالب يقتلونهم خشيةَ الإملاق، أو لأنَّ قتلهم أكبرُ من قتل غيرهم، وهو الوأد؛ وهو أشنع القتل، أو أنَّه قتلٌ وقطيعةُ رَحِمٍ، فصرفُ العناية إليه أكثرُ، (وَلَا تَأْتُوا)؛ بحذف النُّون، ولغير الأربعة: ((ولا تأتون)) (بِبُهْتَانٍ)؛ أي: بكذبٍ يبهت سامعه؛ أي: يدهشه لفظاعته؛ كالرَّمي بالزِّنا والفضيحة والعار، وقوله: (تَفْتَرُونَهُ)؛ من الافتراء؛ أي: تختلقونه (بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ)؛ أي: من قِبَلِ أنفسكم، فكنَّى باليد والرِّجل عن الذَّات؛ لأنَّ مُعظَم الأفعال بهما، والمعنى: لا تأتوا ببهتانٍ من قِبَلِ أنفسكم، أو أنَّ البهتان ناشئٌ عمَّا يختلقه القلب الذي هو بين الأيدي والأرجل، ثمَّ يبرزه بلسانه، أو المعنى: لا تبهتوا النَّاس بالمعايب كفاحًا مواجهةً، (وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ)؛ وهو ما عُرِفَ من الشَّارع حُسنُه، نهيًا أو أمرًا [8] ، وقُيِّد به؛ تطييبًا لقلوبهم؛ لأنَّه عليه الصلاة والسلام لا يأمر إلَّا به، وقال البيضاويُّ في الآية: والتَّقييد بالمعروف مع أنَّ الرَّسول لا يأمر إلَّا به؛ للتَّنبيه على أنَّه لا تجوز طاعة مخلوقٍ في معصية الخالق، وخصَّ ما ذكر من المناهي بالذِّكر دون غيره؛ للاهتمام به.

(فَمَنْ وَفَى)؛ بالتَّخفيف، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((وفَّى))؛ بالتَّشديد؛ أي: ثبت على العهد (مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ) فضلًا ووعدًا؛ أي: بالجنَّة، كما وقع التَّصريح به في «الصَّحيحين» من حديث عُبادةَ في رواية الصُّنابحيِّ [خ¦3893] ، وعبَّر بلفظ: «على» وبـ: «الأجر»؛ للمُبالغَة في تحقُّق وقوعه، ويتعيَّن حمله على غير ظاهره؛ للأدلَّة [9] القاطعة على أنَّه لا يجب على الله شيءٌ، بل الأجر من فضله عليه، لمَّا ذكر المُبايَعَة المقتضية لوجود العوضين؛ أثبت [/ج1ص100/]

الأجر في موضع أحدهما، (وَمَنْ أَصَابَ) منكم أيُّها المؤمنون (مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا) غير الشِّرك؛ بنصب «شيئًا» مفعول «أصاب» الذي هو صلةٌ من الموصول المتضمِّن معنى الشَّرط، والجارُّ للتَّبعيض، (فَعُوقِبَ)؛ أي: به، كما رواه أحمدُ؛ أي: بسببه (فِي الدُّنْيَا)؛ أي: بأن أُقِيَم عليه الحدُّ؛ (فَهُوَ)؛ أي: العقاب (كَفَّارَةٌ لَهُ)، فلا يُعاقَب عليه في الآخرة، وفي رواية الأربعة: ((فهو كفَّارةٌ))؛ بحذف ((له))، وقد قِيلَ: إنَّ قتل القاتل حدٌّ وإرداعٌ لغيره، وأمَّا في الآخرة؛ فالطَّلب للمقتول قائمٌ، وتُعقِّب: بأنَّه لو كان كذلك؛ لم يَجُزِ العفوُ عن القاتل، والذي ذهب إليه أكثر الفقهاء: أنَّ الحدود كفَّاراتٌ؛ لظاهر الحديث، وفي «التِّرمذيِّ» وصحَّحه من حديث عليِّ بن أبي طالبٍ رضي الله تعالى عنه مرفوعًا نحو هذا الحديث، وفيه: «ومن أصاب ذنبًا فعُوقِبَ به في الدُّنيا؛ فالله أكرمُ من أن يثنِّي العقوبة على عبده في الآخرة» و«شيئًا»: نكرةٌ تفيد العموم؛ لأنَّها في سياق الشَّرط، وقد صرَّح ابن الحاجب بأنَّه كالنَّفي في إفادته، وحينئذٍ فيشمل إصابة الشِّرك وغيره، واستُشكِل: بأنَّ المرتدَّ إذا قُتِلَ على ارتداده؛ لا يكون قتله كفَّارةً، وأُجِيب: بأنَّ عموم الحديث مخصوصٌ بقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48] ، أو المُرَاد به: الشِّرك الأصغر؛ وهو الرِّياء، وتُعقِّب: بأنَّ عُرْفَ الشَّارع إذا أَطْلَقَ الشِّركَ؛ إنَّما يريد به ما يقابل التَّوحيد، وأُجِيب: بأنَّ طلب الجمع يقتضي ارتكاب المجاز، فهو محتملٌ وإن كان ضعيفًا، وتُعقِّب: بأنَّه عقَّب الإصابة بالعقوبة في الدُّنيا، والرِّياء لا عقوبةَ فيه، فوضح أنَّ المراد الشِّرك، وأنَّه مخصوصٌ، وقال قومٌ: بالوقف؛ لحديث أبي هريرة المرويِّ عند البزَّار والحاكم وصحَّحه: أنَّه صلى الله عليه وسلم قال: «لا أدري؛ الحدود كفَّارةٌ لأهلها أم لا؟»، وأُجِيب: بأنَّ حديث الباب أصحَّ إسنادًا، وبأنَّ حديث أبي هريرة ورد أوَّلًا قبل أن يعلم عليه الصلاة والسلام، ثمَّ أعلمه الله تعالى آخرًا، وعُورِضَ: بتأخُّر إسلام أبي هريرة، وتقدَّم حديث الباب؛ إذ كان ليلة العقبة الأولى، وأُجِيب: بأنَّ حديث أبي هريرة صحيحٌ سابقٌ على حديث الباب، وأنَّ المبايعةَ المذكورةَ لم تكن ليلة العقبة، وإنَّما هي بعد فتح مكَّة وآية «الممتحنة»، وذلك بعد إسلام أبي هريرة، وعُورِضَ: بأنَّ الحديث رواه الحاكمُ، ولا يخفى تساهله في التَّصحيح، على أنَّ الدَّارقطنيَّ قال: إنَّ عبد الرَّزَّاق تفرَّد بوصله، وإنَّ هشام بن يوسف رواه عن معمرٍ فأرسله، وحينئذٍ فلا تساويَ بينهما، وعلى ذلك فلا يحتاج إلى الجمع والتَّوفيق بين الحديثين، وبأنَّ عياضًا وغيره جزموا بأنَّ حديث عُبادةَ هذا كان بمكَّةَ ليلة العقبة عند البيعة الأولى بمِنًى، ويؤيِّده قوله: «عصابةٌ» المفسَّر بـ: «النُّقباء الاثني عشر»، بل صرَّح بذلك في رواية النَّسائيِّ، ولفظه: «بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة في رهطٍ»، والرَّهط: ما دون العشرة من الرِّجال فقط، وقال ابن دريدٍ: وربَّما جاوز ذلك قليلًا، وهو ضدُّ الكثير، وأقلُّه ثلاثةٌ، وأكثر القليل اثنان، فتُضَاف للتِّسعة، فالمجموع أحدَ عَشَرَ، فكان المُرَاد من الرَّهط هنا: أحدَ عَشَرَ نقيبًا، ومع عُبَادَةَ اثنا عَشَرَ نقيبًا، وإذا ثبت هذا فقد دلَّ قطعًا: أنَّ هذه المبايعةَ كانت ليلة العقبة الأولى؛ لأنَّ الواقعة بعد الفتح كان فيها الرِّجال والنِّساء معًا، مع العدد الكثير. انتهى.

(وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ) المذكور (شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ الله)، وفي رواية ابن عساكرَ _وعَزَاها الحافظ ابن حجرٍ لكريمةَ_ زيادة: ((عليه))؛ (فَهُوَ) مفوَّضٌ (إِلَى اللهِ) تعالى، (إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ) بفضله (وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ) بعدله. (فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ)، ومفهوم هذا يتناول مَنْ تاب ومَنْ لم يَتُبْ، وأنَّه لم يتحتَّم دخوله النَّار، بل هو إلى مشيئة الله تعالى، وقال الجمهور: إنَّ التَّوبة ترفع المُؤاخَذة. نعم؛ لا يأمن من مكر الله تعالى؛ لأنَّه لا اطِّلاع له على قبول توبته، وقال قومٌ: بالتَّفرقة بين ما يجب فيه الحدُّ وما لا يجب، فإن قلت: ما الحكمة في عطف الجملة المتضمِّنة للعقوبة على ما قبلها بالفاء، والمتضمِّنة للسَّتر بـ: «ثمَّ»؟ أُجِيب: باحتمال أنَّه للتَّنفير عن مُواقَعَة المعصية، فإنَّ السَّامع إذا علم أنَّ العقوبة مفاجئةٌ لإصابة المعصية غير متراخيةٍ عنها، وأنَّ السَّتر مُتَرَاخٍ؛ بعثه ذلك على اجتناب المعصية وتوقِّيها، قاله في «المصابيح».

ورجال إسناد هذا الحديث كلُّهم شاميُّون، وفيه التَّحديث والإخبار والعنعنة، وفيه رواية قاضٍ عن قاضٍ أبو إدريس وعبادةُ، ورواية من رآه عليه الصلاة والسلام عمَّن رآه؛ [/ج1ص101/] لأنَّ أبا إدريسَ له رؤيةٌ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في: «المغازي» [خ¦3999] ، و«الأحكام» [خ¦7213] ، وفي «وفود الأنصار» [خ¦3892] ، وفي «الحدود» [خ¦6784] ، ومسلمٌ في «الحدود» أيضًا، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ، وألفاظهم مختلفةٌ.

ولمَّا فرغ المصنِّف من تلويحه بمناقب الأنصار؛ مِنْ بذلهم أرواحَهم وأموالهَم في محبَّة الرَّسول عليه الصلاة والسلام؛ فرارًا بدينهم من فِتَنِ الكفر والضَّلال؛ شرع يذكر فضيلة العزلة والفرار من الفتن، فقال:

[1] في (ص): «وقتل»، وهو تصحيفٌ.
[2] في (ص): «جِيءَ بها».
[3] في (م): «فلأنه».
[4] هنا يبدأ السقط من (ص).
[5] في (م): «لذلك».
[6] في (ب) و(س): «يكون قائلُ ذلك أبا إدريس».
[7] في (م): «الرأي»، وهو تحريفٌ.
[8] في (ب) و(س): (وأمرًا).
[9] في (م): «للدلالة».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

18-. حدَّثنا أَبُو اليَمَانِ، قالَ: أخبَرَنا شُعَيْبٌ، عن الزُّهْرِيِّ قالَ: أخبَرَني أَبُو إِدْرِيسَ عايذُ اللَّهِ بنُ عَبْدِ اللَّهِ:

أَنَّ عُبَادَةَ بنَ الصَّامِتِ رَضيَ اللهُ عَنْهُ _وكان شَهِدَ بَدْرًا، وهو أَحَدُ النُّقَباءِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ_ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ وَحَوْلَهُ عِصابَةٌ مِنْ أَصْحابِهِ: «بايِعُونِي عَلَىَ أَنْ لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلا تَسْرِقُوا، وَلا تَزْنُوا، وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ، [/ج1ص12/] وَلا تَأْتُونَ [1] بِبُهْتانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَىَ [2] مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ [3] فِي الدُّنْيا فهو كَفَّارَةٌ لَهُ [4] ، وَمَنْ أَصابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ [5] فهو إِلى اللَّهِ، إِنْ شاءَ عَفا عَنْهُ، وَإِنْ شاءَ عاقَبَهُ». فَبايَعْناهُ عَلَىَ ذَلِكَ.

[1] في رواية كريمة وأبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «ولا تأتوا».
[2] صحَّح عليها في اليونينيَّة، وفي رواية أبي ذر: «وفَّىَ» بالتثقيل.
[3] صحَّح عليها في اليونينيَّة.
[4] لفظة: «له» ليست في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ولا في رواية السَّمعاني عن أبي الوقت.
[5] في رواية ابن عساكر زيادة: «عليه».





18- ( عَائِذُ اللَّهِ ) بذال معجمة، وهو اسم علَم معناه: ذو عياذة بالله.

( وَحَوْلَهُ ) بالنصب؛ لأنَّه ظرف، وهو خبر المبتدأ الذي بعده.

( عِصَابَةٌ ) بكسر العين، أي: جماعة وهم من العشرة إلى الأربعين، ولا واحد لها من [/ج1ص31/] لفظها وجمعها عصائب، وكانوا في هذه البيعة اثني عشر رجلًا، ذكره ابن إسحاق.

( وَلاَ تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ ) البهتان مصدر بهت، بمعنى: كذب عليه كذبةً أبهته من شدَّة نكرته، ومعناه هنا: قذف المحصنات، قال الخطابي: واغتيابهم.

قال: ومعنى ذكر الأيدي والأرجل وليس لها صنع في البَهت أن معظم الأفعال إنَّما تضاف إلى الأيدي والأرجل؛ لأن بها المباشرة والسعي؛ فأضيفت الجنايات إليها، وإن شاركها باقي الأعضاء.

ويحتمل أن المعنى: لا تبهتوا الناس كفاحًا وأنتم حضور يشاهد بعضكم بعضًا، وهذا البهت أشدُّ ما يكون، كما يقال: قلتُ هذا، أو فعلتُهُ بين يديه، أي: بحضرته.

( وَفَى ) بالتخفيف، ويجوز التشديد.

ووجه مطابقة حديث عبادة للترجمة التنبيه على المعنى الذي استحق الأنصارُ به هذه المنزلة، وهو ما لهم من السبق إلى الإسلام بالمبايعة، وهي أول بيعة عقدت على الإسلام.


18# (عَائِذُ اللَّهِ) عَلَمٌ، و((عائذٌ)): اسم فاعل من عاذ بالذال المعجمة.

(وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءَ لَيْلَةَ الْعَقَبةِ) هي العقبةُ التي بمنى، تُنسب إليها جمرة العقبة، وهما عقبتان، والمذكورة هنا هي الثَّانية، لقي النبيَّ صلى الله عليه وسلم فيها سبعون من الأنصارِ، فيهم [1] النُّقباء، وهم اثنا عشر: أُسيدُ بنُ حُضيرٍ، وأَسعدُ بنُ زُرارةَ، والبَراءُ بنُ مَعرورٍ [2] ، ورافعُ بنُ مالكِ الزُّرقيُّ، وسعدُ بنُ خَيثمةَ، وسعدُ بنُ الربيعِ، وسعدُ بنُ عُبادةَ، وعُبادةُ بنُ الصَّامتِ، وعبدُ الله بنُ رواحةَ، وعبدُ الله بنُ عمرِو بنِ حَرام، وأبو الهيثمِ مالكُ بنُ التَّيهان، والمنذرُ بنُ عمرِو، وكان عُبادة بنُ الصامت راوي هذا الحديث نقيبَ [3] بني عوفِ بنِ الخزرجِ، وهم القواقل [4] .

(وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ) جماعة من الناس، ولا واحد لها من لفظها، وهؤلاء هم أهل العقبة الأولى، وكانوا اثني [5] عشر رجلًا: أسعد بن زرارة، وعوفٌ ومعاذٌ ابنا الحارث، وهما ابنا عفراء، وذكوان بن

@%ج1ص44%

عبد قيس، ورافعُ بن مالك الزُّرَقيَّان، وعبادة بن الصامت، وعباس بنُ عبادةَ بنِ نضلَةَ، ويزيد بن ثعلبة، وعقبةُ بن عامر، وقُطبةُ بن عامر، فهؤلاء من الخزرج عشرة، ومن الأوس اثنان: أبو الهيثم بن التَّيهان، وعُويم [6] بنُ ساعدةَ.

(ببُهْتَانٍ) بكذب، وهو مصدر بهت صاحبه؛ بَهتًا وبُهتانًا.

قال الخطَّابي: ومعناه هنا: قَذفُ المحصنات، وقد يدخل فيه الاغتياب لهنَّ، وقد يقال: فما معنى: ((بين أيديكم وأرجلكم [7] ))، ولا صنع لها في البهت؟.

فيجاب: أن [8] المباشرة لمعظم الأفعال بالأيدي، والسَّعي بالأرجل، فأضيف الجناياتُ إليها، وإن شاركها غيرها، فكنَّى عن جملة الذَّات بذلك.

قال: ويحتمل أن المعنى: لا تبهتوا الناس كفاحًا يشاهدُ بعضُكم بعضًا، وهو أشد البهت؛ كما يقال: فعلت هذا بين يديه؛ أي: بحضرته، وفيه نظر.

(وَلاَ تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ) قال النووي: أي [9] : لا تعصوني، ولا أحدًا وَلِيَ [10] عليكم من تُبَّاعِي [11] إذا أُمرتم بمعروف.

فيكون المعروف عائدًا إلى التُّبَّاع [12] ، ولذا لم يقل: تعصوني، ويحتمل أنه أراد نفسه فقط، وقُيد بالمعروف، وإن كان لا يأمر إلا به، تطييبًا لنفوسهم.

(وَفَى) بالتخفيف، ويجوز التشديد.

(وَمَنْ أَصَابَ مِنْ [13] ذَلِكَ) أي: مما عدا الشرك؛ فإنَّه لا يسقطه [14] العقوبة عليه في الدنيا.

(فَعُوقِبَ عليه [15] فِي الدُّنْيَا، فَهُوَ كفَّارَةٌ لَهُ) فيه حجةٌ للأكثرين القائلين بأن الحدود كفاراتٌ لأهلها، وثمَّ [16] من وقَفَ لحديث [17] أبي هريرة: أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((لا أَدْرِي الحدودُ كَفَّاراتٌ)).

@%ج1ص45%

قال ابن الملَقِّن: ويمكن أن يكون حديثُ أبي هريرة أولًا قبل أن يعلمَ، ثم أُعلم.

قلت: كيف يتأتى ذلك، وحديثُ عبادةَ المتضمنُ لجزمه بأنَّ الحدود كفاراتٌ كان قبل الهجرة قطعًا، وأبو هريرة أسلمَ بعدَ الهجرة بسنين، فكان [18] إسلامه في سنة خيبر بالاتفاق.

فكيف يكون حديثه أول؟!

(ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ، فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ [19] ) فيه دلالة لمذهب أهل الحقِّ أن من ارتكب كبيرةً، ومات ولم يتب منها، لم يتحتَّم [20] دخوله النَّار، بل هو إلى مشيئةِ الله؛ كما ذُكِرَ في الحديث.

فإن قلت: ما الحكمةُ [21] في عطفِ الجملةِ المتضمِّنةِ للعقوبة على ما قبلها بالفاء، والمتضمنةِ للستر بـ ((ثم))؟.

قلت: لعلها التَّنفير من مواقعة [22] المعصيَّة؛ فإن السَّامع إذا علم أنَّ العقوبة مفاجئة لإصابة المعصية غير متراخية عنها، وأن الستر متراخٍ، بعثه ذلك على اجتنابِ المعصية وتَوَقِّيها، فتأمله.

[1] في (ق): ((منهم)).
[2] في (ق): ((المعرور)).
[3] في (ق): ((يعتب)).
[4] في (ج) و(د): ((القوافل)).
[5] في (ق): ((اثنا)).
[6] في (ق): ((وهويمر)).
[7] في (د): ((بين أرجلكم وأيديكم)).
[8] في (ج) و(د): ((بأن)).
[9] ((أي)): ليست في (ج) و(د).
[10] في (ق): ((ولا)).
[11] في (ق): ((أتباعي)).
[12] في (ق): ((أتباع)).
[13] في (ق): ((غير)).
[14] في (ق): ((تسقط)).
[15] ((عليه)) : ثبتت في الأصول وليست في المتن.
[16] في (د): ((ومن ثم)).
[17] في (ج): ((بحديث)).
[18] في (ق): ((وكان)).
[19] في (ق): ((عذبه)).
[20] في (ق): ((يحتم)).
[21] ((ما الحكمة)): ليست في (ق).
[22] في (ق): ((مواقع)).





18- قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ): تقدَّم أنَّه الحكم بن نافع.

قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ): تقدَّم أنَّه العَلَم الفرد أبو بكر محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب.

قوله: (أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ...) إلى قوله: (وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ): أمَّا العقبةُ؛ فهي معروفةٌ؛ وهي التي عند مِنًى التي تنسب إليها الجمرة، وجمرةُ العقبة ليست من مِنًى، بل هي حدُّ مِنًى من الجانب الغربيِّ من جهة مكَّة.

وقال المحبُّ الطبريُّ: (الظاهرُ أنَّها العقبةُ التي يضاف إليها الجمرة؛ إذ ليس ثَمَّ [1] عقبة أظهر منها، قال: وعن يسار الطريق لقاصد مِنًى من مكَّة شِعبٌ قريب منها فيه مسجدٌ، مشهورٌ عند أهل مكَّة أنَّه مسجد البيعة، وهي [2] على نشز من الأرض، ويجوز أن يكون المراد بـ«العقبة» ذلك، وعلى الأوَّل يكون قد نُسِب إليها؛ لقُربه منها) انتهى.

واعلم أنَّ النقباء كانوا اثني عشر؛ وهم: أسعد بن زُرارة، وسعد بن الرَّبيع، وعبد الله بن رواحة، ورافع بن مالك بن العجلان، والبراء بن مَعرور، وعبد الله بن عمرو بن حَرَام، وسعد بن عُبادة، والمنذر بن عمرو بن خُنيس، وعُبادة بن الصَّامتْ، فهؤلاءِ مِنَ الخزرج، وثلاثةٌ مِنَ الأوس؛ وهم: أُسَيْد بن الحُضير، وسعد بن خيثمة، ورِفاعة بن عبد المنذر، وقد ذكرهم ابن عبد البرِّ، فأسقط: رِفاعة بن عبد المنذر، وجعل عوضه: أبا الهيثم بن التَّيِّهان، وقال ابن هشام: وأهلُ العلم يعدُّون فيهم أبا الهيثم بن التَّيِّهان بدل رِفاعة.

فكان عُبادةُ نقيب بني عوف مِنَ الخزرج، وكان سعدُ بن عبادة والمنذرُ بن عمرو نقيبي بني ساعدة، وكان أبو الهيثم وأُسيد بن الحُضير نقيبي بني عبد الأشهل، وكان سعد بن الربيع وعبد الله بن رواحة نقيبي بني الحارث من الخزرج، وكان سعدُ بن خيثمة نقيب بني عمرو بن عوف، وكان البراءُ بنُ مَعرور وعبدُ الله بن عمرو نقيبي بني سلِمة، وكان رافع نقيببني زُريق، وكان أسعد بن زُرارة نقيب بني النجار، وقال ابن مَنْدَه وأبو نعيم: إنَّه كان نقيب بني ساعدة ، ذكر ذلك في «الأُسد» في ترجمة أسعد بن زُرارة [3] .

فائدة: روى أبو بكر البيهقيُّ بسنده إلى مالكٍ قال: (فحدَّثني شيخٌ من الأنصار أنَّ جبريل عليه السلام كان يشير له إلى مَن يجعلُه نقيبًا) انتهى.

تنبيه: وقع في «مستدرك الحاكم» في (معرفة الصَّحابة) ما لفظه: (سعد بن خيثمة الأنصاريُّ أحد النقباء) ، ثمَّ ساق سندًا إلى عمر بن زيد بن جارية عن أبيه قال: «استصغرنا رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنا وسعد بن خيثمة» صحيح) ، قال الذَّهبيُّ في «تلخيصه»: (قلت: منكر؛ كيف يستصغرُ مَن هو نقيب؟) انتهى.

وصواب هذا الاسم: سعد ابن حَبْتة، وهي أُمُّه، واسمُ أبيه: بحير [4] ، ومعذورٌ الذهبيُّ في استنكاره ذلك، والظاهرُ أنَّه تصحيفٌ إمَّا مِنَ الحاكم أو ممَّن [5] فوقَه، وسعدُ ابن حَبْتة استُصغر في أُحُد، وكذا زيد بن جارية، والله أعلم

وأهل العقبة الثانية كانوا اثني عشر، وفي «الإكليل» [6] ، وفي «المستدرك» في (هجرة الحبشة): أحد عشر، وأمَّا الأولى؛ فكانوا ستَّة؛ وهم أسعد بن زرارة، وعوف بن الحارث بن رفاعة، ورافع بن مالك، وقطبة بن عامر، وعقبة بن عامر بن نابي، وجابر بن عبد الله بن رِئاب، ومنهم مَن يجعل فيهم عُبادة بن الصامت، ويسقط جابرًا، وتقدَّم أنَّ الثانية كانوا اثني عشر-وقيل: أحد عشر- وهم خمسة من السِّتَّة الذين ذكرتهم، وهمُ الأُوَّل، وبقيَّتُهم: معاذُ بن الحارث بن رِفاعة، وذكوان بن عبد قيس بن خلدة-ذكروا أنَّه رحل إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى مكَّة فسكنها، فهو مهاجريٌّ أنصاريٌّ، وممَّن قيل: إنَّه مهاجريٌّ أنصاريٌّ جماعةٌ ذكرتهم في تعليقي على«سيرة ابن سيِّد الناس» مع ذكوان-وعبادة بن الصامت، والعباس بن عبادة بن نضلة، ويزيد بن ثعلبة بن خَزمة-بسكون الزاي وبعضهم يفتحها- وأبو الهيثم مالك بن التَّيِّهان -أهل الحجاز يخفِّفون الياء، وغيرُهم يشدِّدُها- وعويم بن ساعدة، وأمَّا أهل الثالثة: فهم ثلاثة وسبعون رجلًا، وامرأتان، وقال ابن سعد: (سبعون يزيدون رجلًا أو رجلين، وامرأتان) ، وقال الحاكم: (خمسة وسبعون نفسًا) ،ولعلَّه أراد [7] : وأمَّا أهل الثالثة؛ فهم ثلاثة وسبعون [8] عدا المرأتين معهم.

والمرأتان من بني مازن بن النجار: نَسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف أمُّ عُمارة، والثانية من بني سلِمة: أمُّ منيع بنت عمرو بن عديِّ بن نابي، والله أعلم.

قوله: (عِصَابَةٌ): هي [9] بكسر العين؛ أي: جماعة، وهم من العشرة إلى الأربعين، لاواحد لها من لفظها، وجمعها: عصائب، وكانوا في هذه البيعة اثني عشر رجلًا، وقد تقدَّم الخلاف في عددهم.

قال ابن شيخنا البلقينيِّ: (إنَّ هذه العِصابة هم أهل العقبة [10] الأولى) انتهى، وهم الذين ذكرتُهم أنَّهم أهل العقبة الثانية، فانظرهم فيما تقدَّم، والبيعةُ وقعت [11] في العقبة الثانية حين كانوا اثني عشر رجلًا [12] ، وبعضُهم يجعل هذه العقبة الأولى، والله أعلم.

قوله: (وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ): (البُهتان): هو الباطلُ الذي يُتحيَّرُ منه، وهو مِنَ البهت: التحيُّر، يُقال: بهتَه يبهَتُه، ومعناه: لا يأتينَّ بولدٍ مِن غير أزواجهنَّ فينسبنه إليهم، والبهت: الكذب.

قوله: (وَفَى): هو بتخفيف الفاء وتشديدها.

قوله: (فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا...) إلى آخره: فيه دلالة لمذهب الأكثرين: أنَّ الحدود كفَّاراتٌ لأهلها، ومنهم مَن وقف بحديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام قال: «لا أدري الحدود كفَّارات»،لكنَّ حديث عبادة أصحُّ إسنادًا، وحديث أبي هريرة أخرجه الحاكم في «المستدرك» في نحو الثلث من (كتاب الإيمان) ، ثمَّ قال: على شرطهما، ولم يتعقَّبه الذَّهبيُّ، وهو سندٌ صحيح، وقد روى أحمد في «المسند» من حديث أبي هريرة عنه عليه الصلاة والسلام: «من أصاب ذنبًا أقيم عليه حدُّ ذلك الذنب؛ فهو كفَّارته»، ويمكن أن يكون حديث أبي هريرة الأوَّل أولًا [13] قبل أن يعلم ثم أُعلم، كذا قال القاضي عياض وغيره، وفيه وقفة؛ إذ حديث عبادة ليلة العقبة الثانية كما تقدَّم، حين كانوا اثني عشر رجلًا، وأبو هريرة أسلم عام خيبر، والجواب الأوَّل أحسنُ، أو يقال: إنَّ حديث أبي هريرة الأوَّل سمعه من صحابيٍّ آخرَ، وذاك الصحابيُّ متقدِّمُ الصُّحبة.

[1] في (ب): (ثمة) .
[2] في (ب): (وهو) .
[3] «أسد الغابة» (*) .
[4] في (ب): (بجير) ، وكلاهما قيل في اسمه.
[5] في (ب): (من) .
[6] (في «الإكليل»): مثبت في (ج) ، وسقط من (ب) .
[7] قوله: (نفسًا، ولعله أراد): مثبت من (ج) ، وسقطت من (ب) .
[8] قوله: (وأما أهل الثالثة فهم ثلاثة وسبعون): مثبت من (ب) ، وسقطت من (ج) .
[9] (هي): مثبتة في (ج) ، وسقطت من (ب) .
[10] (العقبة): مثبتة في (ج) ، وسقطت من (ب) .
[11] قوله: (والبيعة وقعت): مثبتة في (ج) .
[12] (رجلًا): مثبتة في (ج) ، وسقطت من (ب) .
[13] (أولًا): مثبتة في (ج) ، وسقطت من (ب) .





18- (وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ): (عِصَابَةٌ): مبتدأٌ، و (حَوْلَهُ): خبرُه، وهذه جملةٌ محلُّها نصبٌ على الحال.

(مَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا): (مِنْ) هي التَّبعيضيَّة، و (شَيْئًا) عَامٌّ؛ لأنَّه نكرةٌ في سياق الشَّرط، صرَّح ابنُ الحاجب بأنَّه كالنَّفي في إفادةِ العموم؛ كنكرةٍ وقعت في سياقه، و (مِنْ ذَلِكَ): حالٌ مِن (شَيْئًا).


18- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافعٍ الحمصيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة القرشيُّ، (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو إِدْرِيسَ عَائذُ اللهِ)؛ بالمُعجَمَة، وهو اسم عَلَم؛ أي: ذو عياذةٍ بالله، فهو عطف بيانٍ لقوله: أبو إدريس (ابْنُ عَبْدِ اللهِ) الصَّحابيِّ، ابن عمرٍ الخولانيُّ، الدِّمشقيُّ الصَّحابيُّ؛ لأنَّ مولده كان عام حُنينٍ، التَّابعيُّ الكبير من حيث الرِّواية، المُتوفَّى سنة ثمانين، (أَنَّ عُبَادَةَ) بضمِّ العين (ابْنَ الصَّامِتِ) ابن قيسٍ الأنصاريَّ الخزرجيَّ، المُتوفَّى بالرَّملة سنة أربعٍ وثلاثين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنةً، وقِيلَ [1] : في خلافة معاوية سنة خمسٍ وأربعين، وله في «البخاريِّ» تسعةُ أحاديثَ (رضي الله عنه، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا)؛ أي: وقعتها، فالنَّصب بقوله: شهد، وليس مفعولًا فيه، (وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ) جمع نقيبٍ؛ وهو النَّاظر على القوم وضمينهم وعريفهم، وكانوا اثني عشر رجلًا (لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ) بمنًى؛ أي: فيها، والواو في «وهو» كواو «وكان»؛ هي الدَّاخلة على الجملة الموصوف بها؛ لتأكيد لصوق الصِّفة بالموصوف، وإفادة أنَّ اتِّصافه بها أمرٌ ثابتٌ، ولا ريبَ أنَّ كون شهود عُبَادةَ بدرًا وكونه من النُّقباء صفتان من صفاته، ولا يجوز أن تكون الواوان للحال، ولا للعطف، قاله العينيُّ، وهذا ذكره ابن هشامٍ في «مُغْنيه» حاكيًا له عن الزَّمخشريِّ في «كشَّافه»، وعبارته في تفسير قوله تعالى في سورة الحجر: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ} [الحجر: 4] : جملةٌ واقعةٌ صفةً لـ: {قريةٍ}، والقياس أنَّه لا تتوسَّط الواو بينهما؛ كما في قوله تعالى: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ} [الشعراء: 208] ، وإنَّما توسَّطت الواو [2] لتأكيد لصوق الصِّفة بالموصوف؛ كما يُقال في الحال: جاءني زيدٌ عليه ثوبٌ، وجاءني وعليه ثوبٌ، انتهى. وتعقَّبه ابن مالكٍ في «شرح تسهيله»: بأنَّ ما ذَهَبَ إليه من توسُّط الواو بين الصِّفة والموصوف فاسدٌ؛ لأنَّ مذهبه في هذه المسألة لا يُعرَف من البصريِّين ولا من الكوفيِّين معوِّلٌ عليه، فوجب ألَّا يُلتفَت إليه، وأيضًا: فلأنَّه [3] مُعلَّلٌ بما لا يُناسب؛ [/ج1ص99/] وذلك لأنَّ الواو تدلُّ على الجمع بين ما قبلها وما بعدها، وذلك مُستلزِمٌ لتغايرهما، وهو ضدٌّ لِمَا يُرَاد من التَّأكيد، فلا يصحُّ أن يُقَال للعاطف: مُؤكِّدٌ، وأيضًا: لو صلحت الواو لتأكيد لصوق الموصوف بالصِّفة؛ لَكَان أَوْلَى المواضع بها موضعًا لا يصلح للحال؛ نحو: إنَّ رجلًا رأيُهُ سديدٌ لَسعيدٌ، فـ: «رأيُهُ سديدٌ» جملةٌ نُعِتَ بها، ولا يجوز اقترانها بالواو؛ لعدم صلاحيَّتها للحال؛ بخلاف: {وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ}؛ فإنَّها جملةٌ يصلح في موضعها الحال؛ لأنَّها بعد نفيٍ، وتعقَّبه نجم الدِّين سعيدٌ على [4] الوجه الأوَّل: بأنَّ الزَّمخشريَّ أَعْرَفُ باللُّغة، مع أنَّه لا يلزم من عدم العرفان بالمعوَّل عليه عدمُه، وعلى الثَّاني: أنَّ تغاير الشَّيئين لا ينافي تلاصقهما، والجملة التي هي صفةٌ لها التصاقٌ بالموصوف، والواو أكَّدت الالتصاق باعتبار أنَّها في أصلها للجمع المناسب للإلصاق، لا أنَّها عاطفةٌ، وعلى الثَّالث: أنَّ المراد من الالتصاق ليس الالتصاقُ اللَّفظيُّ كما فهمه ابن مالكٍ، بل المعنويُّ، والواو تؤكِّد الثَّاني دون الأوَّل، وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ: بأنَّ قوله: «أعرف باللُّغة» مجرَّدُ دعوى، مع أنَّها لو سلمت؛ لا تصلح لردِّ أنَّ هذا المذهب غير معروفٍ لبصريٍّ ولا كوفيٍّ، وإنَّما وجه الرَّدِّ أن يُقَال: بل هو معروفٌ، ويبيِّن من قاله منهم. انتهى. وقد تبع الزَّمخشريَّ في ذلك أبو البقاء، وقال في «الدُّرَّ»: إن في محفوظه أنَّ ابن جنِّيٍّ سبق الزَّمخشريَّ بذلك [5] ، وقوَّاه بآية: {إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ} [الشعراء: 208] ، وقراءة ابن أبي عبلة: ((إلَّا لها كتابٌ)) [الحجر: 4] ؛ بإسقاط الواو، ويحتمل أن يكون قائلَ: «وكان يشهد...» إلى آخره أبو إدريس [6] ، فيكون متَّصلًا؛ إنْ حُمِلَ على أنَّه سمع ذلك من عُبادةَ، أو الزُّهريُّ؛ فيكون منقطعًا، والجملة اعتراضٌ بين «إنَّ» وخبرها السَّاقط من أصل الرِّواية هنا، ولعلَّها سقطت من ناسخٍ بعده واستمرَّ؛ بدليل ثبوتها عند المصنِّف في باب «من شهد بدرًا» [خ¦3892] ، والتَّقدير هنا: أنَّ عبادة بن الصَّامت أخبر: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ، وَحَوْلَهُ) بالنَّصب على الظَّرفيَّة (عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ) _بكسر العين_: ما بين العشرة إلى الأربعين، والجملة اسميَّةٌ حاليَّةٌ، و«عصابةٌ»: مبتدأٌ، خبره: «حولَهُ» مقدَّمًا، و«من أصحابه»: صفةٌ لـ: «عصابةٌ»، وأشار الرَّاوي بذلك إلى المُبالَغة في ضبط الحديث، وأنَّه عن تحقيقٍ وإتقانٍ؛ ولذا ذكر أنَّ الرَّاوي شهد بدرًا، وأنَّه أحد النُّقباء، والمُرَاد به: التَّقوية، فإنَّ الرِّواية تترجَّح عند المُعارَضة بفضل الرَّاوي [7] وشرفه، ومقول قوله عليه الصلاة والسلام: (بَايِعُونِي)؛ أي: عاقدوني (عَلَى) التَّوحيد (أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا)؛ أي: على ترك الإشراك، وهو عامٌّ؛ لأنَّه نكرةٌ في سياق النَّهي كالنَّفي، وقدَّمه على ما بعده؛ لأنَّه الأصل، (وَ) على أن (لَا تَسْرِقُوا)؛ فيه حذف المفعول؛ ليدلَّ على العموم، (وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ) خصَّهم بالذِّكر؛ لأنَّهم كانوا في الغالب يقتلونهم خشيةَ الإملاق، أو لأنَّ قتلهم أكبرُ من قتل غيرهم، وهو الوأد؛ وهو أشنع القتل، أو أنَّه قتلٌ وقطيعةُ رَحِمٍ، فصرفُ العناية إليه أكثرُ، (وَلَا تَأْتُوا)؛ بحذف النُّون، ولغير الأربعة: ((ولا تأتون)) (بِبُهْتَانٍ)؛ أي: بكذبٍ يبهت سامعه؛ أي: يدهشه لفظاعته؛ كالرَّمي بالزِّنا والفضيحة والعار، وقوله: (تَفْتَرُونَهُ)؛ من الافتراء؛ أي: تختلقونه (بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ)؛ أي: من قِبَلِ أنفسكم، فكنَّى باليد والرِّجل عن الذَّات؛ لأنَّ مُعظَم الأفعال بهما، والمعنى: لا تأتوا ببهتانٍ من قِبَلِ أنفسكم، أو أنَّ البهتان ناشئٌ عمَّا يختلقه القلب الذي هو بين الأيدي والأرجل، ثمَّ يبرزه بلسانه، أو المعنى: لا تبهتوا النَّاس بالمعايب كفاحًا مواجهةً، (وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ)؛ وهو ما عُرِفَ من الشَّارع حُسنُه، نهيًا أو أمرًا [8] ، وقُيِّد به؛ تطييبًا لقلوبهم؛ لأنَّه عليه الصلاة والسلام لا يأمر إلَّا به، وقال البيضاويُّ في الآية: والتَّقييد بالمعروف مع أنَّ الرَّسول لا يأمر إلَّا به؛ للتَّنبيه على أنَّه لا تجوز طاعة مخلوقٍ في معصية الخالق، وخصَّ ما ذكر من المناهي بالذِّكر دون غيره؛ للاهتمام به.

(فَمَنْ وَفَى)؛ بالتَّخفيف، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((وفَّى))؛ بالتَّشديد؛ أي: ثبت على العهد (مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ) فضلًا ووعدًا؛ أي: بالجنَّة، كما وقع التَّصريح به في «الصَّحيحين» من حديث عُبادةَ في رواية الصُّنابحيِّ [خ¦3893] ، وعبَّر بلفظ: «على» وبـ: «الأجر»؛ للمُبالغَة في تحقُّق وقوعه، ويتعيَّن حمله على غير ظاهره؛ للأدلَّة [9] القاطعة على أنَّه لا يجب على الله شيءٌ، بل الأجر من فضله عليه، لمَّا ذكر المُبايَعَة المقتضية لوجود العوضين؛ أثبت [/ج1ص100/]

الأجر في موضع أحدهما، (وَمَنْ أَصَابَ) منكم أيُّها المؤمنون (مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا) غير الشِّرك؛ بنصب «شيئًا» مفعول «أصاب» الذي هو صلةٌ من الموصول المتضمِّن معنى الشَّرط، والجارُّ للتَّبعيض، (فَعُوقِبَ)؛ أي: به، كما رواه أحمدُ؛ أي: بسببه (فِي الدُّنْيَا)؛ أي: بأن أُقِيَم عليه الحدُّ؛ (فَهُوَ)؛ أي: العقاب (كَفَّارَةٌ لَهُ)، فلا يُعاقَب عليه في الآخرة، وفي رواية الأربعة: ((فهو كفَّارةٌ))؛ بحذف ((له))، وقد قِيلَ: إنَّ قتل القاتل حدٌّ وإرداعٌ لغيره، وأمَّا في الآخرة؛ فالطَّلب للمقتول قائمٌ، وتُعقِّب: بأنَّه لو كان كذلك؛ لم يَجُزِ العفوُ عن القاتل، والذي ذهب إليه أكثر الفقهاء: أنَّ الحدود كفَّاراتٌ؛ لظاهر الحديث، وفي «التِّرمذيِّ» وصحَّحه من حديث عليِّ بن أبي طالبٍ رضي الله تعالى عنه مرفوعًا نحو هذا الحديث، وفيه: «ومن أصاب ذنبًا فعُوقِبَ به في الدُّنيا؛ فالله أكرمُ من أن يثنِّي العقوبة على عبده في الآخرة» و«شيئًا»: نكرةٌ تفيد العموم؛ لأنَّها في سياق الشَّرط، وقد صرَّح ابن الحاجب بأنَّه كالنَّفي في إفادته، وحينئذٍ فيشمل إصابة الشِّرك وغيره، واستُشكِل: بأنَّ المرتدَّ إذا قُتِلَ على ارتداده؛ لا يكون قتله كفَّارةً، وأُجِيب: بأنَّ عموم الحديث مخصوصٌ بقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48] ، أو المُرَاد به: الشِّرك الأصغر؛ وهو الرِّياء، وتُعقِّب: بأنَّ عُرْفَ الشَّارع إذا أَطْلَقَ الشِّركَ؛ إنَّما يريد به ما يقابل التَّوحيد، وأُجِيب: بأنَّ طلب الجمع يقتضي ارتكاب المجاز، فهو محتملٌ وإن كان ضعيفًا، وتُعقِّب: بأنَّه عقَّب الإصابة بالعقوبة في الدُّنيا، والرِّياء لا عقوبةَ فيه، فوضح أنَّ المراد الشِّرك، وأنَّه مخصوصٌ، وقال قومٌ: بالوقف؛ لحديث أبي هريرة المرويِّ عند البزَّار والحاكم وصحَّحه: أنَّه صلى الله عليه وسلم قال: «لا أدري؛ الحدود كفَّارةٌ لأهلها أم لا؟»، وأُجِيب: بأنَّ حديث الباب أصحَّ إسنادًا، وبأنَّ حديث أبي هريرة ورد أوَّلًا قبل أن يعلم عليه الصلاة والسلام، ثمَّ أعلمه الله تعالى آخرًا، وعُورِضَ: بتأخُّر إسلام أبي هريرة، وتقدَّم حديث الباب؛ إذ كان ليلة العقبة الأولى، وأُجِيب: بأنَّ حديث أبي هريرة صحيحٌ سابقٌ على حديث الباب، وأنَّ المبايعةَ المذكورةَ لم تكن ليلة العقبة، وإنَّما هي بعد فتح مكَّة وآية «الممتحنة»، وذلك بعد إسلام أبي هريرة، وعُورِضَ: بأنَّ الحديث رواه الحاكمُ، ولا يخفى تساهله في التَّصحيح، على أنَّ الدَّارقطنيَّ قال: إنَّ عبد الرَّزَّاق تفرَّد بوصله، وإنَّ هشام بن يوسف رواه عن معمرٍ فأرسله، وحينئذٍ فلا تساويَ بينهما، وعلى ذلك فلا يحتاج إلى الجمع والتَّوفيق بين الحديثين، وبأنَّ عياضًا وغيره جزموا بأنَّ حديث عُبادةَ هذا كان بمكَّةَ ليلة العقبة عند البيعة الأولى بمِنًى، ويؤيِّده قوله: «عصابةٌ» المفسَّر بـ: «النُّقباء الاثني عشر»، بل صرَّح بذلك في رواية النَّسائيِّ، ولفظه: «بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة في رهطٍ»، والرَّهط: ما دون العشرة من الرِّجال فقط، وقال ابن دريدٍ: وربَّما جاوز ذلك قليلًا، وهو ضدُّ الكثير، وأقلُّه ثلاثةٌ، وأكثر القليل اثنان، فتُضَاف للتِّسعة، فالمجموع أحدَ عَشَرَ، فكان المُرَاد من الرَّهط هنا: أحدَ عَشَرَ نقيبًا، ومع عُبَادَةَ اثنا عَشَرَ نقيبًا، وإذا ثبت هذا فقد دلَّ قطعًا: أنَّ هذه المبايعةَ كانت ليلة العقبة الأولى؛ لأنَّ الواقعة بعد الفتح كان فيها الرِّجال والنِّساء معًا، مع العدد الكثير. انتهى.

(وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ) المذكور (شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ الله)، وفي رواية ابن عساكرَ _وعَزَاها الحافظ ابن حجرٍ لكريمةَ_ زيادة: ((عليه))؛ (فَهُوَ) مفوَّضٌ (إِلَى اللهِ) تعالى، (إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ) بفضله (وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ) بعدله. (فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ)، ومفهوم هذا يتناول مَنْ تاب ومَنْ لم يَتُبْ، وأنَّه لم يتحتَّم دخوله النَّار، بل هو إلى مشيئة الله تعالى، وقال الجمهور: إنَّ التَّوبة ترفع المُؤاخَذة. نعم؛ لا يأمن من مكر الله تعالى؛ لأنَّه لا اطِّلاع له على قبول توبته، وقال قومٌ: بالتَّفرقة بين ما يجب فيه الحدُّ وما لا يجب، فإن قلت: ما الحكمة في عطف الجملة المتضمِّنة للعقوبة على ما قبلها بالفاء، والمتضمِّنة للسَّتر بـ: «ثمَّ»؟ أُجِيب: باحتمال أنَّه للتَّنفير عن مُواقَعَة المعصية، فإنَّ السَّامع إذا علم أنَّ العقوبة مفاجئةٌ لإصابة المعصية غير متراخيةٍ عنها، وأنَّ السَّتر مُتَرَاخٍ؛ بعثه ذلك على اجتناب المعصية وتوقِّيها، قاله في «المصابيح».

ورجال إسناد هذا الحديث كلُّهم شاميُّون، وفيه التَّحديث والإخبار والعنعنة، وفيه رواية قاضٍ عن قاضٍ أبو إدريس وعبادةُ، ورواية من رآه عليه الصلاة والسلام عمَّن رآه؛ [/ج1ص101/] لأنَّ أبا إدريسَ له رؤيةٌ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في: «المغازي» [خ¦3999] ، و«الأحكام» [خ¦7213] ، وفي «وفود الأنصار» [خ¦3892] ، وفي «الحدود» [خ¦6784] ، ومسلمٌ في «الحدود» أيضًا، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ، وألفاظهم مختلفةٌ.

ولمَّا فرغ المصنِّف من تلويحه بمناقب الأنصار؛ مِنْ بذلهم أرواحَهم وأموالهَم في محبَّة الرَّسول عليه الصلاة والسلام؛ فرارًا بدينهم من فِتَنِ الكفر والضَّلال؛ شرع يذكر فضيلة العزلة والفرار من الفتن، فقال:

[1] في (ص): «وقتل»، وهو تصحيفٌ.
[2] في (ص): «جِيءَ بها».
[3] في (م): «فلأنه».
[4] هنا يبدأ السقط من (ص).
[5] في (م): «لذلك».
[6] في (ب) و(س): «يكون قائلُ ذلك أبا إدريس».
[7] في (م): «الرأي»، وهو تحريفٌ.
[8] في (ب) و(س): (وأمرًا).
[9] في (م): «للدلالة».





18- ( عِصَابَةٌ ): بكسر العين: الجماعة من العشرة إلى الأربعين، ولا واحد لها من لفظها.

( وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ ) قيل: خصَّ [الأولاد] [1] لأنَّ فيه مع القتل قطيعة الرَّحم، ولأنَّه كان شائعًا فيهم وهو وأد البنات.

( بِبُهْتَانٍ ) هو الكذب الذي يَبهَتُ سامعَه.

( تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ ) خصَّها لأنَّ معظم الأفعال بها، قيل: ويحتمل أن يُراد بما بينهما القلب؛ لأنَّه المترجِم عنه اللِّسانِ، فلذلك نُسِبَ إليه الافتراء، فالمعنى: لا ترموا أحدًا بكذب تُزوِّرونه في أنفسكم ثمَّ تبهتون صاحبه بألسنتكم.

وقيل: أصل هذا كان في بيعة النِّساء، وكُنِّيَ به عن نسبة المرأة الولد الذي تزني به أو تلتقطه إلى زوجها، ثمَّ لما استُعْمِلَ في بيعة الرِّجال احتيج إلى حمله على غير ما ورد فيه.

( وَلاَ تَعْصُوا )، للإسماعيليِّ: «تعصوني».

( فِي مَعْرُوفٍ ) هو ما عُرِفَ من الشَّارع حسنه نهيًا وأمرًا.

( وَفَى ) أي: ثبت على العهد، مخفَّف ومشدَّد.

( فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ) أُطلِقَ على سبيل التَّفخيم، وعبر بـ ( على ) للمبالغة في تحقيق وقوعه.

( فَعُوقِبَ ) زاد أحمد: «به».

( فَهُوَ ) أي: العقاب.

( كفارة)، ظاهره التَّكفير وإن لم يتب وعليه الجمهور. قال النَّوويُّ: وهذا العموم مخصوص بقوله تعالى: { إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } [النساء:48] ، فالمرتدُّ إذا قتل على ارتداده لا يكون القتل كفَّارة له.

وقال غيره: يحتمل أنَّ قوله [من] [2] ذلك خاصٌّ بما بعد الشِّرك بقرينة أنَّ المخاطب به المسلمون، ويؤيِّده أنَّ في رواية مسلم: «ومن أتى منكم حدًّا» والقتل على الشِّرك لا يُسمَّى حدًا. [/ج1ص168/]

قال عياض وغيره: وهذا الحديث صريح في أنَّ الحدود كفَّاراتٌ، وأمَّا حديث أبي هريرة: «لا أدري الحدود كفَّارة لأهلها أم لا» أخرجه أحمد والبزَّار والحاكم في «المستدرك» على شرط الشَّيخين؛ فإنَّه ورد أوَّلًا قبل أن يُعلِمْه اللهُ ثمَّ أعلمه بعد ذلك، وتُعُقِّبَ بأنَّ حديث عبادة كان بمكَّة ليلة العقبة لمـَّا بايع الأنصارُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بِمنًى، وأبو هريرة إنَّما أسلم بعد ذلك بسبع سنين، فكيف يكون حديثه متقدِّمًا؟

وأجيب بأنَّه يمكن أنَّه لم يسمعه من النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ بل من صحابيٍّ آخر كان سمعه منه قديمًا، ورُدَّ بأنَّ أبا هريرة صرَّح بسماعه، وأنَّ الحدود لم تكن نزلت إذ ذاك.

قال ابن حجر: والحقُّ عندي أنَّ حديث أبي هريرة صحيح وهو سابق على حديث عبادة، والمبايعة المذكورة في حديث عبادة على الصِّفة المذكورة لم تقع ليلة العقبة، وإنَّما نصَّ في بيعة العقبة ما ذكر ابن إسحاق وغيره أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم قال لمن حضر من الأنصار: «أبايعكم على أن تمنعوني ممَّا تمنعون / منه نساءكم وأبناءكم» فبايعوه على ذلك وعلى أن يرحل إليهم هو وأصحابه، فهذه البيعة الأولى.

ثمَّ صدرت مبايعات أُخَرُ منها هذه، وإنَّما وقعت بعد فتح مكَّة بعد أن نزلت الآية التي في الممتحنة، بدليل أنَّ في الحدود من «الصَّحيح» أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم لمـَّا بايعهم قرأ الآية كلَّها. [خ: 6784]

وعند الطَّبرانيِّ في هذا الحديث التَّصريح بأنَّ هذه المبايعة وقعت يوم فتح مكَّة، وذلك بعد إسلام أبي هريرة بمدَّة، فزال الإشكال. [/ج1ص169/]

تنبيه: ظاهر الحديث أيضًا أنَّ القاتل إذا قُتل أُسقِطَ عنه المطالبة في الآخرة، وأباه جماعة بأنَّ الطَّلب للمقتول ولم يصل إليه حقٌّ.

( وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثمَّ سَتَرَهُ اللهُ ) زاد في رواية كريمة: «عليه».

( فَهُوَ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ ) فيه ردُّ على الخوارج والمعتزلة والمرجئة معًا.

[1] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (القتل بالأوَّلاد)
[2] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (في)





8/18# قال الإمام أبو عبد الله: حدَّثنا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أخبَرنا شُعَيْبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أخبَرني أَبُو إِدْرِيسَ عائذُ اللهِ [1] :

أَنَّ عُبَادَةَ بنَ الصَّامِتِ _وكان قد [2] شَهِدَ بَدْراً، وهو أَحَدُ النُّقَباءِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ_ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: «بايِعُونِي عَلَىَ أَنْ لا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئاً، وَلا تَسْرِقُوا، وَلا تَزْنُوا، وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ، وَلا تَأْتُوا بِبُهْتانٍ تَفْتَرُونَهُ [3] بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفىَ مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَصابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً فَعُوقِبَ [4] فِي الدُّنْيا فهو كَفَّارَةٌ [5] ، وَمَنْ أَصابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً [6] ثُمَّ سَتَرَهُ اللهُ عليه [7] فهو إِلى اللهِ عز وجل ، إِنْ شاءَ عَفا عَنْهُ، وَإِنْ شاءَ عاقَبَهُ». فَبايَعْناهُ عَلَىَ ذَلِكَ.

يشكل من هذا الحديث قوله: (ولا

@%ص24%

تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم) والبُهتان: مصدر، يقال: بَهَتَ الرجلُ صاحبَه بَهْتاً وبُهْتاناً. وهو أن يكذبَ عليه الكذبَ الذي يَبْهَتُ [8] من شِدَّة نُكره، ويَتَحيَّر فيه، فيبقى مبهوتاً منقطعاً.

ومعناه ها هنا: قذفُ المُحصَنات والمُحصَنين [9] ، وهو من جملة الكبائر التي قرنه [10] بذكرها، وقد يدخل في ذلك الكذب على الناس، والاغتيابُ لهم، ورميهم بالعضايه [11] والعظائم، وكلِّ ما يُلْحِقُ بهم العارَ والفضيحة.

ومَوضع الإشكال في ذلك ذِكرُ [12] الأيدي والأرجل، فيقال: ما معنى ذكرها وليس لها صُنعٌ فيما وقع عنه النَّهي من البُهتِ؟

وتأويل ذلك على وجهين: أحدهما: أنَّ معظمَ أفعال الناس إنَّما تُضاف [13] منهم إلى الأيدي والأرجل، إذ [14] كانت هي [15] العواملَ والحواملَ، فإذا كانت المباشرةُ لها باليد والسعيُ إليها بالرجل، أُضيفت [16] الجنايات إلى هذين العضوين، وإن كان يشاركها سائر الأعضاء فيها، أو كانت تختصُّ بها دونها، ولذلك يقول الرجل إذا أولاه صاحبُه معروفاً من قولٍ أو بلاغٍ في حاجة ونحوها: صنع فلانٌ عندي يداً، وله عندي يدٌ. ويُسمُّون الصَّنائع الأيادي، وليس لليد نفسها في شيءٍ منها صُنْع، وقد يُعاقَب الرجلُ بجناية يَجنيها قولاً بلسانه، فيقال له: هذا بما [17] كَسَبتْه يدك. واليدُ لا فعلَ لها ها هنا، ومن هذا قوله تعالى: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ } [الحج: 10]

ومعنى الحديث: لا تبهتوا الناسَ افتراءً واختلاقاً من قبل أنفسكم بما لم تعلموه منهم ولم تسمعوه فيهم، فتجنوا عليهم من قِبَل أيديكم وأرجلكم جنايةً تفضحونهم بها [18] ، وهم بُرَآءُ منها، فتأثموا وتستحقوا العقوبة عليها، واليد والرجل في هذا كناية عن الذات [19] ، على المعنى الذي بيَّنته لك [20] .

والوجه الآخر: أن يكون معناه: لا تبهتوا الناسَ بالعيوب كفاحاً [21] وأنتم [22] حضورٌ يُشاهد بعضكم بعضاً، كما يقول الرجلُ لصاحبه: قلتُ كذا، وفعلتُ كذا بين يديك. أي: بحضرتك ومَشْهدٍ منك، وهذا النوع أشدُّ

@%ص25%

ما يكون من البُهت، وأفظع [23] ما يكون من المكروه.

فأمَّا قول الله عز وجل في امتحان النساء المهاجرات: { وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ } [الممتحنة: 12] ، فإنَّه يحتمل إلى ما ذكرناه من هذين الوجهين وجهاً ثالثاً، لا مَساغَ له في نعوتِ [24] الرجال، وذلك حملهنَّ [25] ولداً على أزواجهنَّ ليس منهم، وينسبنه إليهم، فيقلن: هذا منكم. وذلك أنَّ موضعَ الولد وحضانته وتربيته في صغره إنَّما هو فيما [26] بين الأيدي والأرجل منهنَّ [27] ، فأخَذَ [28] عليهنَّ من الشَّرط أن لا يأتين بكذبٍ وبُهتان من الفعل مَحَلُّه من أنفسهنَّ بين الأيدي والأرجل، وعلى هذا المعنى قولُ عمر بن أبي ربيعة المخزوميِّ:

~قلتُ لي حاجةٌ إليكِ فقالت بين أُذني وعاتقي ما تريدُ [29]

تُريد: أنَّها أمانةٌ في رقبتي، وذلك أنَّ مكان الرَّقبة بين الأذن والعاتق.

[1] في (ط): (عابد الله) مصحفاً.
[2] في (ط): (وهو)
[3] في (ط): (ولا تأتين ببهتان تفترينه)
[4] في (أ) و (ر): (فعوقب به).
[5] في (أ): (كفارة له).
[6] قوله (فعوقب.. شيئاً) سقط من (ط)
[7] قوله: (عليه) سقط من الأصل، والمثبت من (ط).
[8] في النسخ الفروع: (كذبة تبهت).
[9] في (ط): (المحصنين والمحصنات).
[10] في (ط): (قد فوبه) مصحفاً.
[11] هكذا في النسخ الستة، وجاء في هامش (ف): العضه: الافتراء والكذب والتهم.
[12] (ذكر): سقط من (ط).
[13] في (م): (تصاب) مصحفاً.
[14] في (م): (إذا) مصحفاً.
[15] (هي) سقط من (ط).
[16] في الأصل (فأضيف) زيادة الفاء، والمثبت من (ط).
[17] في (ط): (مما).
[18] قوله: (بها) زيادة من (ط).
[19] في النسخ الفروع زيادة: (جملة).
[20] (لك) سقطت من (ط).
[21] قوله (كفاحاً) أي مواجهة، يقال: كَفَحه كفحاً، وكافحه مكافحةً وكِفَاحاً: لقيه مُواجهة، وفي حديث جابر: «أنًّ الله كلَّم أباكَ كِفاحاً»، أي: مواجهة ليس بينهما حجابٌ ولا رسل. انظر (التاج: كفح).
[22] في الأصل: (وأنت) على الإفراد، والمثبت من (ط).
[23] في (ر) و (م): (وأفضع).
[24] في (م): (في بطون) مصحفاً.
[25] في (ط): (بحملهن).
[26] (فيما) سقطت من (ط)، وفي النسخ الفروع: (إنما هو الحجر وهو بين).
[27] في الأصل (منهم)، والمثبت من (ط)
[28] في (ط): (واحد) مصحفاً.
[29] لم أقف عليه في ديوانه، والبيت بلا نسبة في غريب الحديث لابن قتيبة (2/91).





18- حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: ((بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلاَ تَسْرِقُوا، وَلاَ تَزْنُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ، وَلاَ تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلاَ تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ [1]، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ تعَالَى فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ)) فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ

الشرح:

هكذا وقع هذا الباب في البخاري غير مضاف، وهو صحيح.

وأما أسماء الرجال: فــ (أَبُو اليَمَانِ)، و(شُعَيْبٌ)، و(الزُّهْرِيِّ) تقدم ذكرهم.

وأما (عُبَادَةَ) [2]فهو أبو الوليد، عبادةُ بنُ الصَّامتِ بنِ قيس بنِ أصرمَ بنِ فِهْر بنِ غانم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج، الأنصاري

#%ص117%

الخزرجي رضي الله عنه شهد [3]العقبة الأولى والثانية وبدرًا وأحدًا وبيعة الرضوان والمشاهد كلها مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.

روي له عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مائة وأحد وثمانون [4]حديثًا، اتفق البخاري ومسلم منها على ستة، وانفرد كل واحد منهما [5] بحديثين.

روى عنه جماعة من الصحابة رضي الله عنهُمْ أجمعين منهم: أنس، وجابر، وفضالة بن عبيد، وشرحبيل بن حسنة، وأبو أمامة، ورفاعة بن رافع، ومحمود بن الربيع، ومن غير الصحابة خلائق منهم: بنوه الوليد وعبيد [6] الله وداود بنو عبادة.

قال الأوزاعي: أول من ولي قضاء فلسطين عبادة رضيَ اللهُ عنه، توفي بالشام سنة أربع وثلاثين، وهو ابن ثنتين وسبعين سنة، وقبره ببيت المقدس، وقيل: توفي بالرملة [7] رضي الله عنه.

وأما (أَبُو إِدْرِيسَ) فاسمه عَائِذُ الله - بذال [8] معجمة قبلها همزة - بن عبد الله بن عمرو، هذا هو الصحيح المشهور، وقيل: غيره، سمعَ ابنَ مسعودٍ، وحُذيفةَ، وأبا ذر، وأبا الدرداء، وخلائق من الصحابة رضيَ اللهُ عنهم، روى عنه جماعاتٌ من التابعين منهم: الزهري، وربيعة بن يزيد، وبسر بن عبيد الله [9]، ومكحول، وخلائق.

قال مكحول: ما أدركت مثل أبي إدريس.

قال سعيد بن عبد العزيز: ولد أبو إدريس يومَ حُنَيْنٍ.

قال ابن منجويه [10]: ولَّاهُ عبدُ الملك القضاء بدمشق، وكان من عُبَّاد الشام وقرائهم.

توفي سنة ثمانين، رحمه الله تعالى.

فصل: قوله: (أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ) [11]هي العقبة التي هنا [12]، التي تُنْسَبُ إليها جمرة العقبة، وقد كان بهذه العقبة بيعتان لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، بايع الأنصار رضي الله عنهم فيهما بالإسلام [13]، ويقال فيهما: العقبة الأولى، والعقبة الثانية، وكانت العقبة الأولى أولُ بيعةٍ جرت على الإسلام، وكان المبايعون في الأولى اثني عشر رجلًا من الأنصار رضيَ اللهُ عنهم، ثم كانت العقبة الثانية في السنة التي تليها، وكانوا في الثانية سبعين رجلًا من الأنصار أيضًا رضيَ اللهُ عنهم.

وقوله: (أَحَدُ النُّقَبَاءِ)

#%ص118%

واحدهم نقيب، وهو الناظر على القوم، ونقباء الأنصار هم الذين تقدموا لأخذ [14] البيعة لنصرة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، والله أعلم [15].

قوله [16]: (قَالَ: وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ) يقال: حولَه وحَوَليْه وحَوَاليْه [17]، بفتح اللام في كلها، أي: محيطون به، والعصابة: الجماعة.

قوله [18] صلَّى الله عليه وسلَّم: ((وَلاَ تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ)) البهتان: الكذب، يقال: بَهْتُهُ بُهْتًا وبُهْتَانًا إذا كذب عليه؛ لأنه يُبْهَت من شدة نُكْرِه [19]، وإنما أضيف البهتان إلى الأيدي والأرجل لوجهين ذكرهما جماعة من العلماء أحدهما: أن معظم الأفعال تقع بهما، ولهذا أضيفت الأفعال والاكساب [20] إليهما، قال الله تعالى: { فَبِمَا [21] كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } [الشورى: 30]. والثاني معناه: لا تبهتوا الناس بالعيب [22] كفاحًا، كما يقال: فعلتَ هذا بين يدي فلان، أي: بحضرته، والله أعلم.

وقوله [23] صلَّى الله عليه وسلَّم: (وَلاَ تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ) هو نحو قول الله تعالى: {وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ } [الممتحنة: 12]. قيل: معناه: لا [24]يعصينك في طاعة الله تعالى، وقيل: في بر وتقوى.

قال الزَّجَّاجُ: والمعنى: لا يعصينك في جميع ما تأمرهن به، فإنك لا تأمر بغير المعروف.

قلت [25]: ويحتمل في معنى الحديث: ولا تعصوني ولا أحدًا ولي [26] عليكم من تباعي إذا أُمِرتم [27]بمعروف، فيكون التقييد بالمعروف عائدًا على التُّبَّاعِ [28]، ولهذا قال صلَّى الله عليه وسلَّم: (تَعْصَوا) ولم يقل تعصوني، ويحتمل أنه صلَّى الله عليه وسلَّم أراد نفسه فقط، وقَيَّدَ بالمعروف تطييبًا لنفوسهم؛ لأنه صلَّى الله عليه وبارك وسلَّم لا يأمر إلا بالمعروف.

وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ) أي: ثبت على ما بايع عليه، يقال: بتخفيف الفاء وتشديدها.

قوله [29] صلَّى الله عليه وسلَّم: (وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ [30]، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ تعالى [31] فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ) هذا في غير الشرك، أما الشرك فلا يسقط عنه [32] عذابه بعقوبته عليهِ في الدنيا بالقتل وغيره، ولا يُعْفَى عَمَّنْ مات منه [33] بلا شك، فعموم الحديث مخصوص، وفي هذا دلالة لمذهب أهل الحق أنَّ من ارتكبَ كبيرةً

#%ص119%

ومات ولم يتب فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه، وحاصل مذهب أهل الحق: أن من مات صغيرًا أو كبيرًا لا ذنب له - بأن مات [34] عقيب بلوغه أو توبته أو إسلامه قبل إحداث معصية - فهو محكوم له بالجنة، بفضل الله سبحانه وتعالى ورحمته، ولا يدخل النار، لكن يَرِدُها، كما قال الله تعالى: { وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا } [مريم: 71].

وفي الورود الخلاف المعروف، وسنوضحه في موضعه إن شاء الله تعالى، وإنْ ماتَ مُصِرًا إلى [35] كبيرة فهو إلى الله تعالى، إن شاء عفا عنه، ويدخله [36] الجنة في أول مرة، وإن شاء عاقبه في النار ثم أخرجه فأدخله الجنة، ولا يخلد في النار أحد مات على التوحيد.

وأما قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (فَهُوَ كَفَّارَةٌ) ففيه دلالة للأكثرين، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: ذهب أكثر العلماء إلى أنَّ الحدودَ كفارة لهذا [37] الحديث، ومنهم من [38]وقف، والله أعلم.

ولم يُرِد النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم فيما بايعهم عليه حصرَ المعاصي، بل ذكر أنواعًا يكثر ارتكاب أهل ذلك الوقت لها، والله أعلم.

[1] زاد في (ت): ((له)).
[2] زاد في (ص): ((بن الصامت)).
[3] زاد في (ك): ((بدرًا)).
[4] في (ص): ((وثمانين)).
[5] قوله: ((منهما)) ليس في (ك) و(ص) و(ع).
[6] في (ك): ((وعبد)).
[7] في (ص): ((هو في الرملة)).
[8] في (ت): ((فبذال)).
[9] في (ك) و(ص) و(ع): ((وبشر بن عبد الله)).
[10] في (ص): ((إسحاق)).
[11] زاد في (ك): ((هذه العقبة)).
[12] في (ت) و(ك): ((بمنى)).
[13] في (ك): ((على الإسلام)).
[14] في (ص): ((لأجل)).
[15] قوله: ((والله أعلم)) ليس في (ك).
[16] في (ت) و(ص) و(ع): ((وقوله)).
[17] في (ك): ((وحواليه وحوليه)).
[18] في (ت) و(ك): ((وقوله)).
[19] في (ك): ((مكره)).
[20] في (ت) و(ك) و(ع): ((والاكتساب)).
[21] في (ك) و(ص) و(ع): ((بما)).
[22] في (ص) و(ع): ((بالعنت)).
[23] في (ك): ((قوله)).
[24] في (ص): ((ولا)).
[25] قوله: ((قلت)) ليس في (ك).
[26] في (ك): ((أولى)).
[27] في (ك): ((أمرتكم))، وفي (ص): ((أمركم)).
[28] في (ك): ((الأتباع))، وفي (ع): ((أتباع)).
[29] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى: ((وقوله)).
[30] زاد في (ت): ((له)).
[31] زاد في (ص): ((عليه)).
[32] في (ع): ((منه)).
[33] في (ت) و(ع): ((عليه))، وفي (ك): ((عنه))، وفي (ص): ((فلا يعفى عنه إذا مالت عليه )).
[34] قوله: ((مات)) ليس في (ت).
[35] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى: ((على)).
[36] في (ت) و(ص) و(ع): ((ويدخل))، وفي (ك): ((وأدخله)).
[37] في (ك): ((بهذا)).
[38]قوله: ((من)) ليس في (ت).
#%ص120%





لا تتوفر معاينة

18# أمَّا (عُبَادَة بْن الصَّامِتِ): ابن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن سالم بن عوفٍ الخزرجيُّ، شهد العقبة وبدرًا وأُحدًا وبيعة الرُّضوان والمشاهد كلَّها، روى مئة حديث وأحد [1] وثمانين حديثًا، اتَّفقا على ستَّة أحاديث منها [2] .

فائدة: العقبة: هي التي بمنًى، التي يُنسَب إليها جمرة العقبة، وكان بها بيعتان [لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم] بايع الأنصار فيها على الإسلام، وهي [3] أوَّل بيعة عُقِدت على الإسلام، وكان المبايعون [4] في الأولى اثني عشر رجلًا من الأنصار، ثمَّ كانت العقبة الثَّانية في

@%ج1ص7%

السَّنة التي تليها، وكانوا في الثَّانية سبعين [5] رجلًا من الأنصار أيضًا.

قوله: (فبايعناه [6] على ألَّا نشرك بالله شيئًا، ولا يسرقن، ولا يزنين، ولا يأتين ببهتان [7] ): أضاف البهتان إلى الأيدي والأرجل، و(البهتان): الكذب [8] ، وإضافته: أنَّ معظم الأفعال يقع بهما.

قوله: (فَمَنْ وَفَى): أي: ثبت على ما بايع به.

قوله: (وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ به [9] ): المراد: غير الشِّرك ومات ولم يتب؛ فهو إلى الله، إن شاء؛ عفا عنه، وإن شاء؛ عذَّبه.

[1] في (ب): (إحدى).
[2] (منها): ليس في (أ).
[3] في (أ) و(ب): (وهو).
[4] في (أ): (البائعون)، و(ب): (النائعون).
[5] في (أ) و(ب): (سبعون).
[6] في (ب): (فبايعنا بيعة).
[7] في «اليونينيَّة»: (بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ).
[8] في (ب): (والكذب).
[9] (به): ليس في «اليونينيَّة».





18- وبه قال: ((حدثنا أبو اليمان)) الحكم بن نافع الحمصي ((قال: أخبرنا شعيب)) بن أبي حمزة القرشي ((عن الزهري)) محمد بن مسلم أنه ((قال: أخبرني)) بالإفراد ((أبو إدريس عائذ الله)) بالمعجمة؛ اسم علم؛ أي: ذو عياذة بالله، فهو عطف بيان لقوله: (أبو إدريس) ((بن عبد الله)) الصحابي، ابن عمر الخولاني، الدمشقي، الصحابي؛ لأنَّ مولده كان عام حنين، التابعي من حيث الرواية، المتوفى بالشام بقرية داريا الكبرى سنة ثمانين: ((أن عُبادة)) بضم العين ((بن الصامت)) بن قيس الأنصاري الخزرجي، المتوفى بالرملة سنة أربع وثلاثين عن اثنتين وسبعين سنة، وقيل: في خلافة معاوية سنة خمس وأربعين، ((رضي الله عنه وكان شهد بدرًا)) ؛ أي: وقعتها، فالنصب بقوله: (شهد) وليس مفعولًا فيه؛ كذا قيل؛ وهي بئرٌ سميت باسم بانيها؛ بدر من بني النضر، ((وهو أحد النقباء)) جمع نقيب؛ وهو الناظر على القوم، وكانوا اثني عشر رجلًا (ليلة العقبة) ؛ بمنى؛ أي: فيها، و (الواو) في (وهو) كواو (وكان) هي الداخلة على الجملة الموصوف بها؛ لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف، وإفادة أن اتصافه بها أمر ثابت ولا ريب أنَّ كون شهودِ عُبادةَ بدرًا وكونه من النقباء صفتان من صفاته، ولا يجوز أن تكون الواو للحال ولا للعطف؛ كذا قاله شيخ الإسلام بدر الدين العيني.

قيل: إن هذا ذكره ابن هشام في «المغني» معزيًا للفاضل الزمخشري، واعترضه ابن مالك في «شرح التسهيل»، وأجاب عنه نجم الدين سعيد، واعترضه الدماميني، وأجاب عنه الإمام العلامة الشُّمُنِّي الحنفي، وقد تبع جار الله الزمخشري في ذلك أبو البقاء الحنفي العكبري وقوَّاه؛ فليحفظ.

قيل: ويَحتمل أن يكون قائل ذلك أبا إدريس؛ فيكون متصلًا، وإن حُمل على أنه سمع ذلك من عُبادة أو الزهري؛ فيكون منقطعًا، والجملة اعتراض بين (أن) وخبرها الساقط من أصل الرواية، ولعلها سقطت من ناسخ بعدَه؛ بدليل ثبوتها عند المؤلف في (باب من شهد بدرًا) ، والتقدير هنا: أنَّ عُبادة أخبر: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وحولَه)) بالنصب على الظرفية ((عِصابة)) ؛ بكسر العين؛ ما بين العشرة إلى الأربعين، وقوله: ((من أصحابه)) صفة لـ (عصابة) ، والجملة اسمية، و (عصابة) مبتدأ، خبرُه (حولَه) مقدمًا، وإنما قال: (وهو أحد النقباء وإنه شهد بدرًا) ؛ للتقوية والترجيح: ((بايعوني)) ؛ أي: عاقدوني ((على)) التوحيد ((ألَّا تشركوا بالله شيئًا)) ؛ أي: على ترك الإشراك، وهو عام؛ لأنَّه نكرة وهي سياق النهي كالنفي تعم، وقدَّمه؛ لأنَّه الأصل ((و)) على أن ((لا تسرقوا)) فيه حذف المفعول؛ ليدل على العموم ((ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم)) خصهم بالذكر؛ لأنَّهم كانوا في الغالب يقتلونهم خشية الإملاق، أو لأنَّ قتلهم؛ أكبر من قتل غيرهم؛ وهو الوأد؛ وهو أشنع القتل، أو إنه قتل وقطيعة رحم، فصرف العناية إليه أكثر، ((ولا تأتوا)) بحذف النون، وفي رواية: بإثباتها، ((ببهتان)) ؛ أي: بكذب يبهت سامعه؛ أي: يدهشه؛ لفظاعته كالرمي بالزنا، وقوله: ((تفترونه)) من الافتراء؛ أي: تختلقونه ((بين أيديكم وأرجلكم)) ؛ أي: من قِبل أنفسكم، فكنى باليد والرجل عن الذات؛ لأنَّ معظم الأفعال بهما ((ولا تعصوا في معروف)) قيَّد به مع أنه عليه السلام لا (يأمر) به؛ للتنبيه على أنه لا تجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق، وخص ما ذكر من المناهي بالذكر دون غيره؛ للاهتمام به، ((فمن وفى)) ؛ أي: ثبت على العهد، و (وفى) بالتخفيف، وفي رواية: بالتشديد ((منكم؛ فأجره على الله)) فضلًا ووعدًا بالجنة؛ كما وقع التصريح به في «الصحيحين»، وفي رواية الصنابحي عن عبادة، وعبر بلفظ (على) وبـ (الأجر) ؛ للمبالغة في تحقق وقوعه؛ لأنَّه لا يجب على الله شيء عندنا، ((ومن أصاب)) منكم أيها المؤمنون ((من ذلك شيئًا)) غير الشرك بنصب (شيئًا) مفعول (أصاب) الذي هو صلة من الموصول المتضمن معنى الشرط، والجار للتبعيض، ((فعوقب)) ؛ أي: به كما رواه أحمد؛ أي: بسببه ((في الدنيا)) ؛ أي: بأن أقيم عليه الحد؛ ((فهو)) ؛ أي: العقاب مع التوبة النصوحة ((كفارة له)) فلا يعاقب عليه في الآخرة، أما إذا لم يتب؛ فإنَّه يعاقب في الآخرة؛ لأنَّ الحدود شرعت لنفع الكافة من صيانة الأنساب، والأعراض، والأموال، وإقامة الحدود مع عدم التوبة؛ لا يفيد المقصود، فلا يكون الحد مطهرًا من الذنب؛ بل المطهر إنَّما هو التوبة عملًا بآية قُطاع الطريق؛ حيث قال الله تعالى بعد ذكر أحكامهم: {ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} [المائدة: 33،34] .

فأخبر تعالى أن آخر فعلهم؛ عقوبة دنيوية وأخروية، إلَّا من تاب؛ فإنَّها تسقط عنه الأخروية بالإجماع؛ للإجماع على أن التوبة لا تُسقط الحد في الدنيا، ويدل لهذا حديث أبي هريرة المروي عند البزار والحاكم وصححه أنه عليه السلام قال: «لا أدري الحدود كفارة لأهلها أم لا».

وأما حديث علي وفيه: «ومن أصاب ذنبًا فعوقب فيه في الدنيا؛ فالله أكرم من أن يثني العقوبة على عبده في الآخرة»؛ محمول على أنه عند العقوبة قد تاب عن الذنب، على أن قوله: (أن يثني... إلى آخره) ؛ دليل على أنه إذا لم يتب يعاقب في الآخرة؛ فافهم.

و (شيئًا) : نكرةٌ؛ وهي تفيد العموم، فيشمل إصابة الشرك وغيره، وأجيب بأن المراد بالشرك؛ الإشراك بالله؛ لقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48] ، وما قيل: إنه الشرك الأصغر وهو الرياء؛ فممنوع؛ لأنَّ الشارع إذا أطلق الشرك إنَّما يريد به ما يقابل التوحيد؛ فليحفظ.

((ومن أصاب من ذلك)) المذكور ((شيئًا)) غير الشرك؛ كما مر، ((ثم ستره الله)) وفي رواية: (عليه) ؛ ((فهو)) مفوض ((إلى الله)) عز وجل ((إن شاء عفا عنه)) بفضله ((وإن شاء عاقبه)) بعدله ((فبايعناه)) ؛ أي: عاقدناه ((على ذلك)) المذكور.

قيل: مفهومه يتناول من تاب ومن لم يتب، وإنه لم يتحتم دخوله النار؛ بل هو في مشيئة الله تعالى، قلت: يُعارض هذا المفهوم قولُه تعالى في آية قطاع الطريق: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} [المائدة: 34] ، فالاستثناء راجع إلى عذاب الدنيا والآخرة؛ حتى لو تاب قبل القدرة عليه بعد ما خاف الطريق، ولم يقتل، ولم يأخذ شيئًا، سقط عنه حق[/ص15/] الدنيا والعقاب في الآخرة، وهذا هو التحقيق؛ كذا في «النهر الفائق شرح كنز الدقائق»، قلت: لكن لا يأمن من مكر الله؛ لأنَّه لم يطلع على قبول توبته، ومن كرمه قبولها.

ونقل العلامة البيرمي في «شرحه على الأشباه» عن «الجواهر»: رجل شرب الخمر وزنى ثم تاب ولم يحد في الدنيا، هل يحد له في الآخرة؟ قال: الحدود حقوق الله تعالى إلَّا أنه تعلق بها حق الناس؛ وهو الانزجار، فإذا تاب توبة نصوحة؛ أرجو ألَّا يحد في الآخرة، فإنَّه لا يكون أكثر من الكفر والردة، وإنَّه يزول بالإسلام والتوبة، انتهى؛ أي: فإن المرتد إذا تاب، فإنه لا يعاقب في الدنيا والآخرة، أما إذا قتل على ارتداده؛ فلا يكون قتله كفارة له؛ لعدم توبته ولبقائه على الشرك، وأخبر سبحانه: بأنَّه لا يغفر أن يشرك به، كما قدمناه، والله تعالى أعلم.