متن الصحيح الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

17- وبسندي المذكور أوَّلًا إلى الإمام البخاريِّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ؛ نسبةً لبيع الطَّيالسة، البصريُّ، المُتوفَّى سنة [سبعٍ و] [1] عشرين ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج السَّابق، (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بفتح العين فيهما (ابْنِ جَبْرٍ) بفتح الجيم، وإسكان المُوحَّدة الأنصاريُّ المدنيُّ، (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا)، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكرَ: ((أنس بن مالكٍ)) (رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنَّه (قَالَ: آيَةُ [/ج1ص98/] الإِيمَانِ) بالهمزة الممدودة، والمُثنَّاة التَّحتيَّة المفتوحة؛ أي: علامة الإيمان الكامل (حُبُّ الأَنْصَارِ)؛ الأوس والخزرج، جمع قلَّةٍ على وزن «أَفْعالٍ»، واستُشكِل: بأنَّه لا يكون لِمَا فوق العشرة، وهم ألوفٌ، وأُجِيب: بأنَّ القلَّة والكثرة إنَّما يُعتَبران في نكرات الجموع، أمَّا في المعارف؛ فلا فرق بينهما، (وَآيَةُ النِّفَاقِ) الذي هو: إظهار الإيمان وإبطان الكفر (بُغْضُ الأَنْصَارِ)؛ إذا كان من حيث إنَّهم أنصاره عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّه لا يجتمع مع التَّصديق، وإنَّما خُصُّوا بهذه المنقبة العظيمة والمنحة الجسيمة؛ لِمَا فازوا به من نصره [2] عليه الصلاة والسلام، والسَّعي في إظهاره وإيوائه وأصحابه، ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم، وقيامهم بحقِّهم حقَّ القيام، مع مُعادَاتهم جميع من وُجِدَ من قبائل العرب والعجم، فمن ثمَّ كان حبُّهم علامة الإيمان، وبغضهم علامة النِّفاق؛ مجازاةً لهم على عملهم، والجزاء من جنس العمل، وقال في «شرح المشكاة»: وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّهم تبوؤوا الدَّار والإيمان وجعلوه مُستَقَرًّا وموطنًا؛ لتمكُّنهم منه واستقامتهم عليه، كما جعلوا المدينة كذلك، فَمَنْ أحبَّهم؛ فذلك من كمال إيمانه، ومَنْ أَبْغَضَهم؛ فذلك من علامة نفاقه، فإن قلت: لمَ عدل عن لفظ الكفر إلى لفظ النِّفاق؟ أُجِيب: بأنَّ الكلام فيمن ظاهره الإيمان وباطنه الكفر، فميَّزهم عن ذوي الإيمان الحقيقيِّ، فلم يقل: وآية الكفر كذا؛ إذ هو ليس بكافرٍ ظاهرًا.

وهذا الحديث وقع للمؤلِّف رباعيَّ الإسناد، ولـ: «مسلمٍ» خماسيَّه، وفيه راوٍ وافق اسمُه اسمَ أبيه، وفيه: التَّحديث، والإخبار بالجمع والإفراد، والسَّماع، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «فضائل الأنصار» [خ¦3784] ، ومسلمٌ، والنَّسائيُّ.

[1] زيادة لا بدَّ منها ليست في الأصول، انظر «التاريخ الكبير» (8/195)، و«تهذيب الكمال» (30/226)
[2] في (م): «نصرته».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

17-. حدَّثنا أَبُو الوَلِيدِ، قالَ: حدَّثنا شُعْبَةُ، قالَ: أخبَرَني عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ جَبْرٍ، قالَ:

سمعتُ أَنَسًا [1] ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «آيَةُ الإِيمانِ حُبُّ الأَنْصارِ، وآيَةُ النِّفاقِ بُغْضُ الأَنْصارِ».

[1] في رواية الأصيلي وابن عساكر وأبي ذر زيادة: «بن مالك رَضيَ اللهُ عَنْهُ».





17- وبسندي المذكور أوَّلًا إلى الإمام البخاريِّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ؛ نسبةً لبيع الطَّيالسة، البصريُّ، المُتوفَّى سنة [سبعٍ و] [1] عشرين ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج السَّابق، (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بفتح العين فيهما (ابْنِ جَبْرٍ) بفتح الجيم، وإسكان المُوحَّدة الأنصاريُّ المدنيُّ، (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا)، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكرَ: ((أنس بن مالكٍ)) (رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنَّه (قَالَ: آيَةُ [/ج1ص98/] الإِيمَانِ) بالهمزة الممدودة، والمُثنَّاة التَّحتيَّة المفتوحة؛ أي: علامة الإيمان الكامل (حُبُّ الأَنْصَارِ)؛ الأوس والخزرج، جمع قلَّةٍ على وزن «أَفْعالٍ»، واستُشكِل: بأنَّه لا يكون لِمَا فوق العشرة، وهم ألوفٌ، وأُجِيب: بأنَّ القلَّة والكثرة إنَّما يُعتَبران في نكرات الجموع، أمَّا في المعارف؛ فلا فرق بينهما، (وَآيَةُ النِّفَاقِ) الذي هو: إظهار الإيمان وإبطان الكفر (بُغْضُ الأَنْصَارِ)؛ إذا كان من حيث إنَّهم أنصاره عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّه لا يجتمع مع التَّصديق، وإنَّما خُصُّوا بهذه المنقبة العظيمة والمنحة الجسيمة؛ لِمَا فازوا به من نصره [2] عليه الصلاة والسلام، والسَّعي في إظهاره وإيوائه وأصحابه، ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم، وقيامهم بحقِّهم حقَّ القيام، مع مُعادَاتهم جميع من وُجِدَ من قبائل العرب والعجم، فمن ثمَّ كان حبُّهم علامة الإيمان، وبغضهم علامة النِّفاق؛ مجازاةً لهم على عملهم، والجزاء من جنس العمل، وقال في «شرح المشكاة»: وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّهم تبوؤوا الدَّار والإيمان وجعلوه مُستَقَرًّا وموطنًا؛ لتمكُّنهم منه واستقامتهم عليه، كما جعلوا المدينة كذلك، فَمَنْ أحبَّهم؛ فذلك من كمال إيمانه، ومَنْ أَبْغَضَهم؛ فذلك من علامة نفاقه، فإن قلت: لمَ عدل عن لفظ الكفر إلى لفظ النِّفاق؟ أُجِيب: بأنَّ الكلام فيمن ظاهره الإيمان وباطنه الكفر، فميَّزهم عن ذوي الإيمان الحقيقيِّ، فلم يقل: وآية الكفر كذا؛ إذ هو ليس بكافرٍ ظاهرًا.

وهذا الحديث وقع للمؤلِّف رباعيَّ الإسناد، ولـ: «مسلمٍ» خماسيَّه، وفيه راوٍ وافق اسمُه اسمَ أبيه، وفيه: التَّحديث، والإخبار بالجمع والإفراد، والسَّماع، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «فضائل الأنصار» [خ¦3784] ، ومسلمٌ، والنَّسائيُّ.

[1] زيادة لا بدَّ منها ليست في الأصول، انظر «التاريخ الكبير» (8/195)، و«تهذيب الكمال» (30/226)
[2] في (م): «نصرته».





لا تتوفر معاينة

17- قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ): هو هشام بن عبد الملك الطيالسيُّ، الحافظ، روى عنه: البخاريُّ، وأبو داود، وغيرهما، قال أحمد: هو اليوم شيخ الإسلام، تُوفِّي سنة (227 هـ ) ، وله (94) ، أخرج له الجماعة [1] .

قوله: (ابْن جَبْرٍ): هو بفتح الجيم، ثمَّ موحَّدة مكسورة، قال ابن منجويه: أهلُ العراق يقولون في جَدِّه: جَبْر، ولا يصحُّ؛ إنَّما هو جابر، عنِ: ابن عمر، وأنس، وغيرهما، وعنه: مالكٌ، ومسعرٌ، أخرج له الجماعة، ضعَّفه ابنُ مَعِين وغيرُه، وقد تقدَّم أنَّ هذا وأمثالَه جازوا القنطرةَ [2] .

قوله: (آيَةُ الْإِيمَانِ): أي: علامتُه ودلالتُه، ولهذا بوَّب عليه: (باب علامةُ الإيمانِ حُبُّ الأنصار) ، وحُبُّ الأنصار مِن حيث كانوا أنصارَ الدين، ومُظهريه، وباذلي نفوسهم وأموالهم، وقتالهم الناسَ [3] كافَّةً دونَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علامةٌ قاطعة على الإيمان، فمَن عَرَفَ حقَّهم، ومبادرتَهم، ونُصرتَهم [4] ، ومحبَّتَهم له عليه الصَّلاة والسَّلام، أحبَّهم ضرورةً؛ يُحكم بصِحَّة إيمانه، ومَن كان منافقًا؛ لم يسرَّه ما جاء منهم، فيبغضهم، وهذا جارٍ في أعيان الصحابة؛ كالخلفاء الأربعة، وبقيَّة العشرة والمهاجرين، بل في كلِّ الصحابة، إذْ كلُّ واحدٍ منهم له أسبقيَّة وأثرٌ حسن، فحبُّهم لذلك [5] محضُ الإيمان، وبغضُهم محضُ النفاق، ويدُلُّ لذلك الحديث: «مَن أحبَّهم؛ فبحُبِّي أحبَّهم، ومَن أبغضَهم؛ فببُغضي أبغضَهم»، وأمَّا مَن بغض [6] أحدًا منهم مِن غير تلك الجهة لأمرٍ طارئ مِن حَدَثٍ وقع لمخالفة غرضٍ أو لضررٍ ونحوه؛ لم يصِرْ بذلك منافقًا ولا كافرًا، وقد وقع منهم حروب ومخالفات، ومع ذلك لم يَحكم بعضُهم على بعضٍ بالنِّفاق، وإنَّما كان حالُهم في ذلك حالَ [7] المجتهدين في الأحكام، وقد قال عليٌّ رضي الله عنه: أرجو أن أكون أنا وطلحة بن الزبير ممَّن قال الله تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ...}؛ الآية [الأعراف: 43] ، فمَن وقع له بغضٌ في أحدٍ منهم -والعياذُ بالله- بشيءٍ من ذلك؛ فهو عاصٍ يجبُ عليه التوبةُ ومجاهدةُ نفسِه بذِكر سوابقِهم وفضائِلِهم، وما لهم على كلِّ مَن بعدَهم مِنَ الحقوق؛ إذ [8] لم يصل أحدٌ مِن بعدِهم بشيءٍ من الدين والدنيا [9] إلَّا بهم وبسببهم.

[1] انظر «تهذيب الكمال» (30/226) .
[2] انظر «تهذيب الكمال» (15/171) .
[3] في (ب): (للناس) .
[4] في (ب): (ونصرهم) .
[5] في (ب): (كذلك) .
[6] في (ب): (أبغض) .
[7] في (ب): (كحال) .
[8] في (ب): (وإذ) .
[9] في (ب): (بعدهم من الدين والدنيا بشيء).





17- ( ابْنِ جَبْرٍ ) بجيم مفتوحة ثم باء موحدة ساكنة.

( آيَةُ الإِيمَانِ ) بالياء المثناة؛ وَلِهَذَا تَرْجَمَهَا البُخَارِيُّ بالعلامة، وروي في «مسند أحمد»: «أنه» بالنون. قال أبو البقاء: الهاء ضمير الشأن. و(حُبُّ الأَنْصَارِ ) مبتدأ وخبر، وهو خبر ( إنَّ )، كأنه قال: إن الأمر والشأن الإيمان حبُّ الأنصار.


17- ( آيَةُ الإِيمَانِ ) بهمزة ممدودة وتحتيَّة مفتوحة وهاء تأنيث، و ( الإيمان ) مجرور بالإضافة، أي: علامته. [/ج1ص166/]

قال ابن حجر: هذا هو المعتمد في ضبط هذه اللَّفظة في جميع الرِّوايات في «الصَّحيح» وغيره، ووقع في إعراب الحديث لأبي البقاء: «إنَّه الإيمان» بكسر الهمزة ونون مشدَّدة وهاء، و«الإيمان» مرفوع، وأعربه فقال: «إنَّ» للتَّأكيد، والهاء ضمير الشَّأن، والإيمان مبتدأ ما بعده خبره.

قال ابن حجر: وهذا تصحيف منه.

( حُبُّ الأَنْصَارِ ) جمع ناصر؛ كصاحب وأصحاب، أو نصير؛ كشريف وأشراف.

( وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ ) قال ابن [التِّين] [1] : المراد حبِّ جميعِهم وبغضُ جميعِهم؛ لأنَّ ذلك إنَّما يكون للدِّين، ومن أبغض بعضَهم لمعنى يُسوِّغ البغض له فليس داخلًا في ذلك.

قال ابن حجر: وهو [تقرير] [2] حسن. [/ج1ص167/]

[1] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (السكن)
[2] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (تفسير)





17 - وبه قال: ((حدثنا أبو الوليد)) هشام بن عبد الملك الطيالسي؛ نسبة لبيع الطيالسة، البصري، المتوفى سنة عشرين ومئتين، ((قال: حدثنا شعبة)) ؛ هو ابن الحجاج ((قال: أخبرني)) بالإفراد ((عبد الله بن عبد الله)) بفتح العين فيهما ((بن جَبْر)) بفتح الجيم وسكون الموحدة، الأنصاري المدني ((قال: سمعت أنسًا)) وفي رواية: (أنس بن مالك) ((رضي الله عنه عن النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) أنه ((قال: آية)) ؛ أي: علامة حلاوة ((الإيمان)) ؛ بالهمزة الممدودة والمثناة التحتية المفتوحة ((حب الأنصار)) ؛ الأوس والخزرج، جمع قلة على وزن (أفعال) ؛ لأنَّه معرفة، فلا فرق بين القلة والكثرة؛ فليحفظ.

وإنما قدَّرنا مضافًا؛ لظهور المراد على أنَّ العلامة في الشيء غير داخلة في حقيقته، فلا دلالة فيه على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان؛ بل فيه دلالة واضحة على أن الأعمال خارجة عن الإيمان؛ وهي من ثمراته، وأما جواب بعضهم عن هذا؛ فلا ينهض دليلًا لمدّعاه، على أنَّه قد أجيب عنه بما يطول؛ فتأمل.

((وآية)) بالمد؛ أي: علامة ((النفاق)) ؛ وهو إظهار الإيمان وإبطان الكفر ((بغض الأنصار)) ؛ من حيث إنهم أنصاره عليه السلام، وهذا من أعلام النبوة؛ حيث أنبأنا أنه سيوجد بعدَه منافقون يُبغضون أنصاره، وإنما خُصُّوا بهذه المنقبة العظيمة؛ لما فازوا به من نصره عليه السلام، والسعي في إظهاره، مع معاداتهم جميع من وجد من قبائل العرب والعجم، وإنما عبر بالنفاق ولم يعبر بالكفر؛ لأنَّه ليس بكافر في الظاهر.