متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

16- وبالسَّند السَّابق إلى المؤلِّف رحمه الله قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى)؛ بالمُثلَّثة، ابن عبيدٍ العَنَزيُّ؛ بفتح المُهمَلة والنُّون، بعدها زايٌ؛ نسبةً إلى عَنَزَةَ بن أسدٍ، حيٌّ من ربيعة، البصريُّ، المُتوفَّى بها سنة اثنتين وخمسين ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ) ابن عبد المجيد بن الصَّلت (الثَّقَفِيُّ)؛ بالمُثلَّثة، بعدها قافٌ ثمَّ فاءٌ؛ نسبةً إلى ثقيفٍ، البصريُّ، المُتوفَّى سنة أربعٍ وتسعين ومئةٍ، (قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) ابن أبي تميمةَ، واسمه: كيسان السَّختيانيُّ _بفتح المهملَة_ على الصَّحيح؛ نسبةً إلى بيع السَّختيان؛ وهو الجلد، البصريُّ المُتوفَّى بها سنة إحدى وثلاثين ومئةٍ، (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) _بكسر القاف وبالمُوحَّدة_ عبد الله بن زيد بن عمرٍو _أو عامرٍ_ البصريِّ، المُتوفَّى بالشَّام سنة أربعٍ ومئةٍ، (عَنْ أَنَسٍ)، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر زيادة: ((ابن مالكٍ)) (رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنَّه (قَالَ: ثَلَاثٌ)؛ أي: ثلاثُ خصالٍ، مبتدأٌ، خبره جملة: (مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ)؛ أي: أصاب (حَلَاوَةَ الإِيمَانِ)؛ ولذا [1] اكتفى بمفعولٍ واحدٍ، وحلاوة الإيمان: استلذاذه بالطَّاعات عند قوَّة النَّفس بالإيمان، وانشراح الصَّدر له [/ج1ص97/] بحيث يخالط لحمَه ودمَه، وهل هذا الذَّوق محسوسٌ أو معنويٌّ؟ وعلى الثَّاني: فهو على سبيل المجاز والاستعارة الموضِّحة للمؤلِّف على استدلاله بزيادة الإيمان ونقصه؛ لأنَّ في ذلك تلميحًا إلى قضية [2] المريض والصَّحيح؛ لأنَّ المريض الصَّفراويَّ يجد طعم العسل مرًّا بخلاف الصَّحيح، فكلَّما نقصت الصِّحَّة؛ نقص ذوقه بقدر ذلك، وتُسمَّى هذه الاستعارة تخييليَّة؛ وذلك أنَّه شبَّه رغبة المؤمن في الإيمان بالعسل ونحوه، ثمَّ أثبت له لازِمَ ذلك؛ وهي الحلاوةُ، وأضافه إليه، فالمرء [3] لا يؤمن إلَّا (أَنْ يَكُونَ اللهُ) عزَّ وجلَّ (وَرَسُولُهُ) عليه الصلاة والسلام (أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا)؛ بإفراد الضَّمير في «أحبَّ»؛ لأنَّه أفعلُ تفضيلٍ، وهو إذا وُصِلَ بـ: «مِن» أُفرِدَ دائمًا، وعبَّر بالتَّثنية في سواهما؛ إشارةً إلى أنَّ المُعتَبر هو المجموع المُركَّب من المحبَّتين، لا كلُّ واحدةٍ منهما، فإنَّها وحدها لاغيةٌ إذا لم ترتبط بالأخرى، فمن يدَّعي حبَّ الله مثلًا ولا يحبُّ رسوله؛ لا ينفعه ذلك، ولا تُعارَض تثنية الضَّمير هنا بقصَّة الخطيب حيث قال: ومن يعصهما؛ فقد غوى. فقال له عليه الصلاة والسلام: «بئس الخطيبُ أنتَ»، فأمره بالإفراد إشعارًا بأنَّ كلَّ واحدٍ من العصيانين مستقلٌّ باستلزامه الغواية؛ إذ العطف في تقدير التَّكرير، والأصل: استقلال كلِّ واحدٍ من المعطوفين في الحكم، فهو في قوَّةِ قولنا: ومن عصى الله؛ فقد غوى: ومن عصى الرسول؛ فقد غوى، ويؤيِّد ذلك قوله تعالى: {أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] ، لم يُعِدْ «أطيعوا» في {أُولي الأمر منكم} كما أعاده في: {وأطيعوا الرَّسول}؛ ليؤذن بأنَّه لا استقلال لهم في الطَّاعة استقلالَ الرَّسول صلى الله عليه وسلم، وقِيل: إنَّه من الخصائص، فيمتنع من غيره عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّ غيره إذا جمع؛ أَوهَمَ التَّسوية، بخلافه هو عليه الصلاة والسلام، فإنَّ منصبه لا يتطرَّق إليه إيهامُ ذلك، وقال: «ممَّا»، ولم يقل: ممَّن؛ ليعمَّ العاقلَ وغيرَه، والمُرَاد بهذا الحبِّ _كما قاله البيضاويُّ_: العقليُّ؛ وهو إيثار ما يقتضي العقلُ رجحانَه ويستدعي اختيارَه، وإن كان على خلاف هواه، ألا ترى أنَّ المريض يَعافُ الدَّواء وينفر عنه طبعُه، ولكنَّه يميل إليه باختياره، ويهوى تناوله بمُقتضَى عقله؛ لِمَا يعلم أنَّ صلاحه فيه، (وَ) من محبَّة الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام (أَنْ يُحِبَّ) المتلبِّس بها (الْمَرْءَ) حال كونه (لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ) تعالى (وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ)؛ أي: العود (فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ)؛ بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه؛ أي: مثل كرهِهِ القذفَ (فِي النَّارِ)، وهذا نتيجة دخول نور الإيمان في القلب؛ بحيث يختلط باللَّحم والدَّم، واستكشافه عن محاسن الإسلام وقبح الكفر وشَيْنِه، فإن قلت: لمَ عدَّى «العَوْد» بـ: «في» ولم يعدِّه بـ: «إلى» كما هو المشهور؟ أجاب الحافظ ابن حجرٍ كالكرمانيِّ: بأنَّه ضُمِّن معنى الاستقرار، كأنَّه قال: أن يعود مستقرًّا فيه، وتعقَّبه العينيُّ، فقال: فيه تعسُّفٌ، وإنَّما «في» هنا بمعنى: «إلى»؛ كقوله تعالى: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [الأعراف: 88] ؛ أي: لَتصيرُنَّ إلى ملَّتنا، وفي هذا الحديث الإشارةُ إلى التَّحلِّي بالفضائل، والتَّخلِّي عن الرَّذائل، فالأوَّل من الأوَّل، والأخير من الثَّاني، وفي الثَّاني الحثُّ على التَّحابِّ في الله تعالى.

ورواته كلُّهم بصريُّون أئمَّةٌ أجلَّاءُ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا بعد ثلاثة أبوابٍ [خ¦21] ، وفي «الأدب» [خ¦6041] ، ومسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ، وألفاظهم مختلفةٌ.

[1] في (ب) و(س): «ولذلك».
[2] في (ص): «قصة».
[3] في (ص): «فالمراد».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

16-. حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّىَ قالَ: حدَّثنا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ قالَ: حدَّثنا أَيُّوبُ، عن أَبِي قِلَابَةَ:

عن أَنَسٍ [1] رَضيَ اللهُ عَنْهُ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه وجَدَ حَلاوَةَ الإِيمانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِواهُمَا، وأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ، وأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَما يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ».

[1] في رواية الأصيلي وابن عساكر زيادة: «بن مالك».





21- ( مِمَّا سِوَاهُمَا ) فيه الجمع بين اسم الله ورسوله في ضمير، وذلك غير ممتنع منه صلى الله عليه وسلم بخلاف غيره؛ ولهذا أنكر على الخطيب قوله: «ومن يعصهما».


16# (حَلاَوَةَ الإيمَانِ) تشبيه الإيمان بالعسل مثلًا في ميل النفوس السليمة إليه استعارةٌ بالكناية، وإثبات الحلاوة له استعارةٌ تخييلية، ويجوز أن تكون الاستعارة في الحلاوةِ فقط بأن شَبَّه استلذاذَ الإيمان بالحلاوة، والجامع كونُ كلٍّ منهما أمرًا تميلُ النفوسُ إليه [1] ، وحينئذٍ يكون استعارة مصرحة.

(أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا) فيه الجمعُ بين اسم الله، واسم رسوله في ضمير واحد، وذلك غير ممتنع منه صلى الله عليه وسلم بخلاف غيره، ولهذا أنكَرَ على الخطيب قوله: ((ومن يعصهما))، هذه طريقة.

وبعضهم يقول: المراد في [2] الخُطبة التصريح لا الكناية، فلذا أنكر عليه، وأما هنا، فالمراد: وَجازةُ اللفظ؛ لِيُحفظ.

وبعضهم يقول: الكلام هنا جملة واحدة، فلذا لم يقم المُظهَر مقام المضمَر، وكلام الخطيب جملتان، وقيل غير هذا.

@%ج1ص43%

(يَعُودَ فِي الْكُفْرِ) أي: يصير فيه؛ مثل: ((عادوا حُمَمًا))؛ ليكون اللفظ شاملًا للمسلم الأصلي [3] ، ومن أسلم بعد كفره.

[1] في (ج) و(د): ((إليها)).
[2] في (ق): ((من)).
[3] في (د): ((الأصيلي)).





16- قوله: (عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ): هو بقاف مكسورة، وبعد اللَّام ألف، فموحَّدة [1] ، وهذا ظاهرٌ إلَّا أنِّي سمعتُ عن بعض الأعاجم أنَّه قرأه [2] : (أبو فلانة) ؛ بالفاء في أوَّله، ونون بعد اللَّام ألف؛ فلهذا ضبطتُه، واسمُه عبد الله بن زيد بن عمرو، وقيل: عامر الجرميُّ، يُرسِلُ كثيرًا، لكن روايته عن مالك بن الحويرث وأَنَس وثابت بن الضَّحَّاك متَّصلةٌ، وهي في الكتب السِّتَّة.

قوله: (مِمَّا سِوَاهُمَا): عبَّر عليه السَّلام بقوله: (مَا) دون (مَن) ؛ لعموم (ما) ، و (ما سواهما): جميعُ المخلوقات؛ مِن ملك ونبيٍّ وغيرهما.

قوله: (سِوَاهُمَا): فيه دلالةٌ على أنَّه لا بأس بمثل هذه التَّثْنِيَة، وأمَّا قوله عليه الصَّلاة والسَّلام في «صحيح مسلم»، و«أبي داود»، و«النَّسائيِّ» من حديث عَدِيِّ بنِ حاتم للذي [3] خطب فقال: ومَن يعصهما؛ فقد غوى: «بِئْسَ الخطيبُ أنت، قل: ومَن يعصِ الله ورسوله»، بعد أن تعرف أنَّ هذا الخطيب قال بعضُ العلماء عنِ «الصحابة» لأبي نعيم: إنَّه ثابت بن قيس بن شمَّاس؛ فجوابُه مِن أوجه:

أحسنُها: أنَّه ليس من هذا النوع؛ لأنَّ المراد في الخطب: الإيضاح، لا الرموز والإشارات، وأمَّا هنا؛ فالمراد: الإيجاز في اللفظ؛ ليُحفظ، وممَّا يدُلُّ لهذا: حديثُ ابن مسعود في خطبة الحاجة: (مَن يطع الله ورسوله؛ فقد رَشَد، ومَن يَعْصِهِما؛ فلا يضرُّ إلَّا نفسَه) .

ثانيها: إنَّما أَنكر الجمع تعظيمًا لله تعالى، وقد قال عليه الصَّلاة والسَّلام: /«لا يقولنَّ [4] أحدكم: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن: ثمَّ شاء فلان [5] »؛ لما في (ثمَّ) من التراخي، بخلاف الواو التي تقتضي التسوية.

ثالثها: إنَّما أنكر عليه وقوفَه على: (ومَن يعصهما) ، ولكن قوله: (قل: ومن يعص الله ورسوله) يرُدُّ ذلك.

رابعها: أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام له أنْ يجمع [6] ، بخلاف غيره.

خامسها: أنَّ كلامه عليه الصَّلاة والسَّلام جملة واحدة، فلا يُكره إقامةُ المضمَر مُقام الظاهر، بخلاف الخطب؛ فإنَّه جملتان، وبعضهم أجاب بأنَّ المتكلِّم لا يتوجَّه تحت خطاب نفسه إذا وجَّهه لغيره.

[1] في (أ): (موحدة) ، وفي (ب): (وباء موحدة) .
[2] في (ب): (قرأ) .
[3] في (ج): (الذي) .
[4] من هنا وقع سقط في (أ) بمقدار ورقة واحدة، وزيد فيها بدلها جملة أوراق من كتاب «نور النبراس في شرح سيرة ابن سيد الناس » للمصنف.
[5] قوله: (ولكن ثم شاء فلان) مثبت من (ج) .
[6] زيد في (ب): (ذلك) .





16- (ثَلَاثٌ): [قال الكرمانيُّ] : (هو مبتدأٌ، وليس نكرةً صِرفةً؛ لأنَّ التَّنوينَ عوضٌ عنِ المضاف إليه؛ أي: ثلاثُ خصالٍ، أو لأنَّه صفةُ موصوفٍ محذوفٍ وهو مبتدأٌ بالحقيقة؛ أي: خصالٌ ثلاثٌ، قال المالكيُّ في «شرح التَّسهيل»: مثالُ الابتداءِ بنكرةٍ هي وصفٌ: قولُهم: ضعيفٌ عاذَ بقَرْمَلَةٍ ؛ أي: إنسانٌ ضعيفٌ التجأ إلى قَرْمَلَةٍ؛ أي: شجرةٍ ضعيفة.

وأقولُ: لا تمسُّك فيه؛ لاحتمال أن يكون من باب: «شَرٌّ أهَرَّ ذَا نَابٍ» [1] ، أو لأنَّ الجملةَ الشَّرطيَّة [2] صفتُه، والخبر على هذا التَّقدير هو: «أَنْ يَكُونَ»؛ إذ على التَّقديرين الأوَّلين: الشَّرطيَّةُ خبرٌ، و«أَنْ يَكُونَ»: هو بدلٌ عن «ثَلَاثٌ» أو بيانُ «مَنْ»، أمَّا «مَنْ»؛ فهو مبتدأٌ، والشَّرطُ والجزاءُ معًا خبرُه، أو الشَّرطُ فقط على اختلافٍ فيه، و«مَنْ»: إمَّا شرطيَّةٌ وإمَّا موصولةٌ متضمِّنةٌ لمعنى الشَّرط.

«وَجَدَ»: بمعنى: «أصاب»، وهذا عُدِّيَ لمفعولٍ [3] واحدٍ.

«أَحَبَّ إِلَيْهِ»: إنْ قلتَ: لِمَ لا ثُنِّيَ «أَحَبَّ» حتَّى يُطابق خبرَ «كان»؟ قلتُ: «أَفْعَل» إذا استُعمل بـ«مِن»؛ فهو مفردٌ مذكَّرٌ لا غير، ولا تجوزُ المطابقة لمن هو له.

«مِمَّا سِوَاهُمَا»: عبَّر بقوله: «مِمَّا» دُونَ «مَنْ»؛ لعموم «مَا».

«وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ»: (الْمَرْءَ): مفعولٌ، وفاعلُه: الضَّميرُ الرَّاجعُ إلى «مَنْ».

«لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلهِ»: جملةٌ حاليَّةٌ تَحتمل بيانًا لهيئة الفاعل، أو المفعول، أو كليهما معًا ـ قال البِرْماويُّ: قولُه: «أو كليهما» فيه نظرٌ ـ.

«أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ»: إنْ قلتَ: المشهورُ: «عاد إليه» مُعَدًّى بكلمة الانتهاءِ لا بآلةِ الظَّرف؛ قلتُ: قد ضُمِّنَ فيه معنى الاستقرار، كأنَّه قال: يعود مستقِرًّا فيه [4] ) انتهى كلامُ الكرمانيِّ.

وقال غيرُه: معنى (يعود): يصير، والعَود والرُّجوع قد استُعملا في معنى الصَّيرورة، قال تعالى: {وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيْهَا} [الأعراف: 89] .

[1] أَهرَّه: حمله على الهرير، وذا الناب: السبع، وهو مثلٌ يُضرَبُ في ظهور أماراتِ الشَّرِّ ومَخايلِه، وانظر «مجمع الأمثال» (2/211-12)، «المستقصى» (2/130).
[2] أي: (مَن كُنَّ فيه وجد).
[3] في (ب): (بمفعول)، وتحتمل في (أ) المثبت.
[4] قال العيني في «عمدة القاري» (1/148): وهذا تعسفٌ، وإنَّما (في) هنا بمعنى: (إلى)؛ كما في قوله تعالى: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [الأعراف: 288] أي: لتصيرنَّ إلى مِلَّتنا.





16- وبالسَّند السَّابق إلى المؤلِّف رحمه الله قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى)؛ بالمُثلَّثة، ابن عبيدٍ العَنَزيُّ؛ بفتح المُهمَلة والنُّون، بعدها زايٌ؛ نسبةً إلى عَنَزَةَ بن أسدٍ، حيٌّ من ربيعة، البصريُّ، المُتوفَّى بها سنة اثنتين وخمسين ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ) ابن عبد المجيد بن الصَّلت (الثَّقَفِيُّ)؛ بالمُثلَّثة، بعدها قافٌ ثمَّ فاءٌ؛ نسبةً إلى ثقيفٍ، البصريُّ، المُتوفَّى سنة أربعٍ وتسعين ومئةٍ، (قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) ابن أبي تميمةَ، واسمه: كيسان السَّختيانيُّ _بفتح المهملَة_ على الصَّحيح؛ نسبةً إلى بيع السَّختيان؛ وهو الجلد، البصريُّ المُتوفَّى بها سنة إحدى وثلاثين ومئةٍ، (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) _بكسر القاف وبالمُوحَّدة_ عبد الله بن زيد بن عمرٍو _أو عامرٍ_ البصريِّ، المُتوفَّى بالشَّام سنة أربعٍ ومئةٍ، (عَنْ أَنَسٍ)، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر زيادة: ((ابن مالكٍ)) (رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنَّه (قَالَ: ثَلَاثٌ)؛ أي: ثلاثُ خصالٍ، مبتدأٌ، خبره جملة: (مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ)؛ أي: أصاب (حَلَاوَةَ الإِيمَانِ)؛ ولذا [1] اكتفى بمفعولٍ واحدٍ، وحلاوة الإيمان: استلذاذه بالطَّاعات عند قوَّة النَّفس بالإيمان، وانشراح الصَّدر له [/ج1ص97/] بحيث يخالط لحمَه ودمَه، وهل هذا الذَّوق محسوسٌ أو معنويٌّ؟ وعلى الثَّاني: فهو على سبيل المجاز والاستعارة الموضِّحة للمؤلِّف على استدلاله بزيادة الإيمان ونقصه؛ لأنَّ في ذلك تلميحًا إلى قضية [2] المريض والصَّحيح؛ لأنَّ المريض الصَّفراويَّ يجد طعم العسل مرًّا بخلاف الصَّحيح، فكلَّما نقصت الصِّحَّة؛ نقص ذوقه بقدر ذلك، وتُسمَّى هذه الاستعارة تخييليَّة؛ وذلك أنَّه شبَّه رغبة المؤمن في الإيمان بالعسل ونحوه، ثمَّ أثبت له لازِمَ ذلك؛ وهي الحلاوةُ، وأضافه إليه، فالمرء [3] لا يؤمن إلَّا (أَنْ يَكُونَ اللهُ) عزَّ وجلَّ (وَرَسُولُهُ) عليه الصلاة والسلام (أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا)؛ بإفراد الضَّمير في «أحبَّ»؛ لأنَّه أفعلُ تفضيلٍ، وهو إذا وُصِلَ بـ: «مِن» أُفرِدَ دائمًا، وعبَّر بالتَّثنية في سواهما؛ إشارةً إلى أنَّ المُعتَبر هو المجموع المُركَّب من المحبَّتين، لا كلُّ واحدةٍ منهما، فإنَّها وحدها لاغيةٌ إذا لم ترتبط بالأخرى، فمن يدَّعي حبَّ الله مثلًا ولا يحبُّ رسوله؛ لا ينفعه ذلك، ولا تُعارَض تثنية الضَّمير هنا بقصَّة الخطيب حيث قال: ومن يعصهما؛ فقد غوى. فقال له عليه الصلاة والسلام: «بئس الخطيبُ أنتَ»، فأمره بالإفراد إشعارًا بأنَّ كلَّ واحدٍ من العصيانين مستقلٌّ باستلزامه الغواية؛ إذ العطف في تقدير التَّكرير، والأصل: استقلال كلِّ واحدٍ من المعطوفين في الحكم، فهو في قوَّةِ قولنا: ومن عصى الله؛ فقد غوى: ومن عصى الرسول؛ فقد غوى، ويؤيِّد ذلك قوله تعالى: {أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] ، لم يُعِدْ «أطيعوا» في {أُولي الأمر منكم} كما أعاده في: {وأطيعوا الرَّسول}؛ ليؤذن بأنَّه لا استقلال لهم في الطَّاعة استقلالَ الرَّسول صلى الله عليه وسلم، وقِيل: إنَّه من الخصائص، فيمتنع من غيره عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّ غيره إذا جمع؛ أَوهَمَ التَّسوية، بخلافه هو عليه الصلاة والسلام، فإنَّ منصبه لا يتطرَّق إليه إيهامُ ذلك، وقال: «ممَّا»، ولم يقل: ممَّن؛ ليعمَّ العاقلَ وغيرَه، والمُرَاد بهذا الحبِّ _كما قاله البيضاويُّ_: العقليُّ؛ وهو إيثار ما يقتضي العقلُ رجحانَه ويستدعي اختيارَه، وإن كان على خلاف هواه، ألا ترى أنَّ المريض يَعافُ الدَّواء وينفر عنه طبعُه، ولكنَّه يميل إليه باختياره، ويهوى تناوله بمُقتضَى عقله؛ لِمَا يعلم أنَّ صلاحه فيه، (وَ) من محبَّة الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام (أَنْ يُحِبَّ) المتلبِّس بها (الْمَرْءَ) حال كونه (لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ) تعالى (وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ)؛ أي: العود (فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ)؛ بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه؛ أي: مثل كرهِهِ القذفَ (فِي النَّارِ)، وهذا نتيجة دخول نور الإيمان في القلب؛ بحيث يختلط باللَّحم والدَّم، واستكشافه عن محاسن الإسلام وقبح الكفر وشَيْنِه، فإن قلت: لمَ عدَّى «العَوْد» بـ: «في» ولم يعدِّه بـ: «إلى» كما هو المشهور؟ أجاب الحافظ ابن حجرٍ كالكرمانيِّ: بأنَّه ضُمِّن معنى الاستقرار، كأنَّه قال: أن يعود مستقرًّا فيه، وتعقَّبه العينيُّ، فقال: فيه تعسُّفٌ، وإنَّما «في» هنا بمعنى: «إلى»؛ كقوله تعالى: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [الأعراف: 88] ؛ أي: لَتصيرُنَّ إلى ملَّتنا، وفي هذا الحديث الإشارةُ إلى التَّحلِّي بالفضائل، والتَّخلِّي عن الرَّذائل، فالأوَّل من الأوَّل، والأخير من الثَّاني، وفي الثَّاني الحثُّ على التَّحابِّ في الله تعالى.

ورواته كلُّهم بصريُّون أئمَّةٌ أجلَّاءُ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا بعد ثلاثة أبوابٍ [خ¦21] ، وفي «الأدب» [خ¦6041] ، ومسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ، وألفاظهم مختلفةٌ.

[1] في (ب) و(س): «ولذلك».
[2] في (ص): «قصة».
[3] في (ص): «فالمراد».





16- ( ثَلاَثٌ ): مبتدأ خبره ( مَنْ كُنَّ فِيهِ ) أي: حصلن، فكان تامَّة.

( وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ ) فيه استعارة تخيليَّة: شبَّه رغبة المؤمن في الإيمان بشيء حلو، [وألزم] [1] له لازم ذلك الشَّيء وأضافه إليه.

وقال النَّوويُّ: معنى حلاوة الإيمان استلذاذ الطَّاعات وتحمل المشاقِّ في الدِّين، وإيثار ذلك على أعراض الدُّنيا، ومحبَّة العبد لله بفعل طاعته وترك مخالفته، وكذلك الرَّسول.

( مِمَّا سِوَاهُمَا ) عبّر بـــ ( ما ) ليعمَّ العاقل وغيره.

( لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ ) قال يحيى بن معاذ: حقيقة الحبِّ في الله: أن لا يزيد بالبرِّ ولا ينقص بالجفاء.

( وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ ) زاد أبو نعيم في «المستخرج»: «بعد إذا أنقذه الله منه»، والإنقاذ أعم من أن يكون بالعصمة منه ابتداء بأن يولد على الإسلام ويستمرَّ، أو بالإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، فالعود في الأوَّل بمعنى الصَّيرورة كقول شعيب: { إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم } [الأعراف:89] وتعديته بـ ( في ) دون ( إلى ) لتضمُّنه معنى الاستقرار.

( كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ) أخرجه في الأدب بلفظ: «وحتى أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه»، [خ:6041] وهو أبلغ من المذكور هنا؛ لأنَّه سوَّى فيه بين الأمرين.

[1] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (وأثبت)





لا تتوفر معاينة

16- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى [1] فِي النَّارِ)).

الشرح:

أما (أَنَسِ) فتقدم [2].

وأما (أَبُو قِلَابَةَ): -فبكسر القاف وبالموحدة- واسمه عبد الله بن زيد بن عمرو، الجِرْمِي البصري، التابعي الجليل المتفق على جلالته.

سمع جماعة من [3] الصحابة رضيَ اللهُ عنهم [4] منهم: ثابت بن [5] الضحاك، وأنس بن مالك [6]، ومالك [7] بن الحُوَيْرِث، والنعمان بن بشير، وآخرون

#%ص113%

رضي الله عنهم.

روى عنه جماعات من التابعين منهم: أيوب، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير، وخالد الحذاء، وحميد الطويل، وبُرَيْد بن أبي مريم -بالموحدة- وعاصم الأحول، وغيرهم.

قال ابن سيرين: قد علمنا أنَّ أبا قِلَابة ثقة، رجل صالح، وقال أيوب: كان أبو قلابة - والله - من الفقهاء ذوي الألباب.

قال ابن يونس: توفي بالشام سنة أربع ومائة.

وأما (أَيُّوبُ) فهو الإمام المجمع على جلالته وإمامته أبو بكر أيوبُ بنُ أبي تَمِيمَةَ- بفتح المثناة فوق- واسم أبي تميمة كَيْسَان، السَّختياني [8] - بفتح السين - البصري التابعي، مولى بني عنزة، ويقال: مولى جُهَيْنة، يقال له السختياني [9]؛ لأنه كان يبيع الجلود بالبصرة.

رأى أنس بن مالك، وسمع عمرو بن [10] سَلِمة - بكسر اللام - الجرمي، وسمع خلائق من كبار التابعين.

[11] ومن بعدهم من الأعلام فمن التابعين: ابن سيرين، وعمرو بن دينار، وقتادة، وهؤلاء الثلاثة من شيوخه، ويحيى بن أبي كثير، وحميد الطويل، والأعمش، وممن بعد التابعين: مالكٌ، والثوريُّ، وشعبةُ، وابنُ عيينة [12]، وسعيدُ بنُ أبي عَرُوبَةَ، والحمادان، وابنُ طُهْمَان، وابن عُلَيَّة، ومَعْمَر.

قال شعبة: حدثني أيوب وكان سيد الفقهاء.

روينا عن الحميدي [13] قال [14]: لقي ابن عيينة ستة [15]وثمانين من التابعين، وكان يقول: ما لقيت فيهم مثل أيوب.

وقال الحسن: أيوب سيد [16] شباب [17] البصرة، وفي رواية: أيوب سيد الفتيان.

وقال حماد بن زيد: كان أيوب عندي أفضل من جالسته وأشدهم اتباعًا للسنة، ومناقبه أكثر من أن تحصر، توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة رحمه الله تعالى.

وأما (عَبْدُ الوَهَّابِ) فهو أبو محمد عبدُ الوَهَّابِ بنُ عبدِ المجيد بنِ الصَّلْتِ بنِ عبدِ الله بنِ الحكم، الثقفي البصري، منسوب إلى ثقيف جد القبيلة، واسم ثقيف قَسِيّ - بقاف مفتوحة ثم مهملة مكسورة وتشديد الياء - ابن منبه بن بكر بن هوازن.

سمع جماعات من الأعلام منهم: يحيى الأنصاري، وأيوب، وخالد الحذاء، وداود بن أبي

#%ص114%

هند التابعيون.

روى عنه الأعلام منهم: الإمامان أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي وأحمد بن حنبل، وابن راهويه، وابن المديني، وابن معين، وعمرو بن علي [18]، وخلائق.

قال عمرو بن علي: كانت غَلَّةُ عبد الوهاب كل سنة [19] مائتين أربعين [20] ألفًا إلى خمسين ألفًا، ولا يحول الحول على شيء منها، كان ينفقها على أصحاب الحديث.

ولد سنة ثمان ومائة، وتوفي [21] سنة أربع وتسعين ومائة.

قال عقبة بن مكرم: اختلط عبد الوهاب قبل موته بثلاث سنين أو أربع.

وأما (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) فهو أبو موسى محمدُ بنُ المثنى بنِ عُبَيْدِ بنِ قيسِ بن دينار، العَنَزِي البصري [22]، المعروف بالزَّمِن، سمع ابن عيينة، وابن علية، ووكيعًا، وخلائق.

وروى [23] عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وخلائق.

ولد سنة سبع وستين ومائة، وتوفي بالبصرة سنة اثنتين [24] وخمسين ومائتين، رحمه الله تعالى.

فصل: في هذا الإسناد لطيفة، وهو أنه كله بصريون.

فصل: قوله صلَّى الله تعالى عليه وسلَّم: ((ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ)) إلى آخره.. هذا حديث عظيم، أصل من أصول الإسلام.

قال العلماء: معنى حلاوة الإيمان استلذاذ الطاعات، وتحمل المشاق في الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإيثار ذلك على أعراض [25] الدنيا، ومحبة العبد لله سبحانه وتعالى بفعل طاعته وترك مخالفته، وكذلك محبة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.

قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: لا تصح [26] محبة الله تعالى ورسوله صلَّى الله عليه وسلَّم حقيقة، وحب المرء في الله تعالى، وكراهة الرجوع إلى الكفر، إلا لمن قوي بالإيمان يقينه، واطمأنت به نفسه، وانشرح له صدره، وخالط لحمه ودمه، فهذا [27] الذي وجد حلاوة الإيمان، والحب في الله تعالى من ثمرات حب الله تعالى، قال بعض العلماء: المحبة مواطأة القلب على ما يرضي الله سبحانه وتعالى، فيحب ما أحب ويكره ما كره.

قال: وبالجملة أصل المحبة الميل إلى ما يوافق المحبّ، ثم الميل قد يكون لما يستلذه لحسن [28] صورة وصوت وطعام ونحوها، وقد

#%ص115%

يكون للمعاني الباطنة كمحبة الصالحين والعلماء، وقد يكون لإحسانه إليه ودفعه المضار عنه، وهذه المعاني كلها موجودة في رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لما جمع من جمال الظاهر والباطن، وكمال أوصاف الجلال وأنواع الفضائل، وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايته إياهم إلى صراط مستقيم ودوام النعيم [29]، هذا كلام القاضي.

وقوله [30] صلَّى الله عليه وسلَّم: (أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا) إنما قال [31] صلَّى الله عليه وسلَّم: (مِمَّا) ولم يقل: (ممن)؛ لأن (ما) أعم.

وفيه دليلٌ على أنَّه لا بأس بمثل هذه التثنية [32]، وأما قوله صلَّى الله عليه وسلَّم للذي خطب وقال: ومن يعصهما فقد غوى: ((بِئْسَ [33] الْخَطِيبُ أَنْتَ)) فليس من هذا النوع؛ لأن المراد في الخطب الإيضاح لا الرموز والإشارات، وأما هنا فالمراد [34] الإيجاز في اللفظ لِيُحْفَظ.

ومما يدلُّ على هذا الحديث الصحيح في سنن أبي داود وغيره: ((مَنْ يُطِع اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَلَا يَضُرُّ إَلَّا نَفْسَهُ)).

وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (يُحِبَّ المَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ) فيه الحث على المحبة في الله تعالى والإخلاص فيها، وقد قال مالك وغيره: المحبة في الله تعالى من واجبات الإسلام، وفيه أحاديث كثيرة، وهو دأب أولياء الله تعالى. وقد قال يحيى بن معاذ الرازي رضي الله عنه: حقيقة المحبة ألَّا تزيد بالبر ولا تنقص بالجفاء.

وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ) أي: يصير، والعود والرجوع [35] قد جاء استعمالهما بمعنى الصيرورة، ومعنى (يُقْذَفَ فِي النَّارِ) يلقى فيها، عافانا الله تعالى الكريم [36] منها [37].

[1] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى: ((يقذف)).
[2] في (ع): ((فقد تقدم)).
[3] في (ك): ((جماعات)).
[4] قوله: (( الصحابة رضي الله عنهم)) ليس في (ص).
[5] في (ص): ((أبو)).
[6] قوله: ((بن مالك)) ليس في (ك).
[7] قوله: ((ومالك)) ليس في (ع).
[8] في (ص): ((السجستاني)).
[9] في (ص): ((السجستاني)).
[10] زاد في (ك): ((أبي)).
[11] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى زيادة: ((روى عنه جماعات من التابعين)).
[12] زاد في (ك): ((وسعيد والسفيانان)).
[13] في (ص): ((عن ابن عيينة)).
[14] قوله: ((قال)) ليس في (ك).
[15] قوله: ((ستة)) بياض في الأصل (ز).
[16] قوله: ((سيد)) ليس في (ع).
[17] زاد في (ص): ((أهل)).
[18] في (ص): ((حلي)).
[19] قوله: ((كل سنة)) ليس في (ك).
[20] في (ك): ((وأربعين)).
[21] في (ك): ((توفي)).
[22] في (ت): ((المصري)).
[23] في (ك) و(ص): ((روى)).
[24] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى: ((ثنتين)).
[25] في (ت) و(ع): ((أغراض)).
[26] في (ك): ((لا يصح)).
[27] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى زيادة: ((هو)).
[28] في (ع): ((كحسن)).
[29] زاد في (ك): ((المقيم)).
[30] في (ك) و(ص): ((قوله)).
[31] زاد في (ص) و(ع): ((النبي)).
[32] في (ك): ((هذا التنبيه)).
[33] في (ع): ((وبئس)).
[34] زاد في (ك): ((به)).
[35] في (ص): ((والعود الرجوع)).
[36] في (ع): ((عافانا الله تعالى برحمته)).
[37] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى زيادة: ((والله أعلم)).
#%ص116%





لا تتوفر معاينة

16# قوله عليه الصَّلاة و [1] السَّلام: (ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ؛ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ) إلى آخره: معنى الحديث: المحبَّة في الله سبحانه من واجبات الإسلام ومحبَّة رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم.

وقوله: (أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ): و(العود): الرُّجوع، {وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا} [الأعراف:89] ، فكيف يعود وقد دخل قلبه من نور الإيمان وكُشِفَ له عن المحاسن والطُّغيان؟! ومَن وجد حلاوة الإيمان؛ علم أنَّ الكافر في النَّار يكره الكفر؛ لكراهتِهِ لدخول [2] النَّار.

ومعنى (يُقْذَفَ فِي النَّارِ): يصير فيها، عافانا الله منها.

[1] (الصلاة و): ليس في (أ) وكذا في جميع المواضع اللاحقة.
[2] في (ب): (لكراهية الدخول).





16- وبه قال: ((حدثنا محمد بن المثنى)) بالمثلثة ابن عبيد العنَزي؛ بفتح النون بعدها زاي؛ نسبة إلى عنَزة بن أسد؛ حي من ربيعة، البصري، المتوفى بها سنة اثنتين وخمسين ومئتين، ((قال: حدثنا عبد الوهاب)) بن عبد المجيد بن الصلت ((الثقفي)) بالمثلثة، بعدها قاف، ثم فاء؛ نسبة إلى ثقيف، البصري، المتوفى سنة أربع وتسعين ومئة.

((قال: حدثنا أيوب)) بن أبي تميم، واسمه: كيسان السختياني؛ بفتح المهملة؛ نسبة لبيع السختيان؛ وهو الجلد، البصري، المتوفى بها سنة إحدى وثلاثين ومئة.

((عن أبي قِلابة)) ؛ بكسر القاف وبالموحدة: عبد الله بن زيد بن عمرو أو عامر، البصري المتوفى بالشام سنة أربع ومئة، ((عن أنس)) وفي رواية: (ابن مالك) ((رضي الله عنه عن النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) أنه ((قال: ثلاث)) ؛ أي: ثلاث خصال، مبتدأ خبره جملة ((من كن فيه؛ وجد)) ؛ أي: أصاب ((حلاوة الإيمان)) ؛ ولذلك اكتفى بمفعول واحد، والمراد بـ (حلاوة الإيمان) : استلذاذه بالطاعات وانشراح الصدر لها؛ بحيث يخالط لحمه ودمه، فيتنور وجهه، ويحصل له التوفيق الإلهي، فيترك المنهيات ويفعل المأمورات؛ ((أن يكون الله)) تعالى ((ورسوله)) عليه السلام ((أحب)) أفرد الضمير فيه؛ لأنَّه أفعل تفضيل، وهو إذا وُصل بـ (من) أفرد دائمًا ((إليه مما)) إنَّما قال: (مما) ولم يقل: (ممن) ؛ ليعم العاقل وغيره، ((سواهما)) عبر بالتثنية؛ إشارة إلى أن المعتبر: هو المجموع المركب من المحبتين، لا كل واحدة منهما؛ فإنَّها وحدها لاغية إذا لم تربط بالأخرى، ولا يعارض تثنية الضمير هنا بقصة[/ص14/] الخطيب؛ حيث قال:

ومن يعصهما؛ فقد غوى، فقال له عليه السلام: «بئس الخطيب أنت»، فأمره بالإفراد؛ إشعارًا بأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزامه الغواية، وقيل: إنه من الخصائص فيمتنع من غيره عليه السلام، والمراد بـ (الحب) هنا العقلي؛ وهو إيثار ما يقتضي العقل رجحانه، ويستدعي اختياره، وإن كان على خلاف هواه؛ فتأمل.

((وأن يحب)) المتلبس بها ((المَرء)) بفتح الميم حال كونه ((لا يحبه إلا لله)) عز وجل، ((وأن يكره)) المكروه ضد المحبوب ((أن يعود)) ؛ أي: العود ((في الكفر كما يكره أن يُقذَف)) ؛ بضم أوله وفتح ثالثه؛ أي: مثل كرهه القذف ((في النار)) ؛ وهذا نتيجة حلاوة الإيمان بظهور نوره، وضياء محاسنه، وقبح الكفر وشينه، وإنما عَدَّى (العَوْد) بـ (في) ولم يُعَدِّه بـ (إلى) .

أجاب الإمام شهاب الدين الكرماني: بأنه ضمِّن معنى الاستقرار؛ كأنَّه قال: أن يعود مستقرًا فيه، وارتضاه ابن حجر العسقلاني وأجاب به، واعترضه الإمام بدر الدين العيني: بأنَّ هذا تعسف، وإنما (في) هنا؛ بمعنى (إلى) كقوله تعالى: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [إبراهيم: 13] ؛ أي: لتصيرنَّ إلى ملتنا، قلت: وهو وجيه، كما لا يخفى على من له أدنى حظ في العلم، فرحم الله هذا الإمام ما أعلمه في المنطوق، والمفهوم، والحجة، والبرهان، وما ذاك إلا من الحنان المنان، اللهم إنِّي أسألك بسيدنا النبي الأعظم عليه السلام وبقدوتنا الإمام الأعظم رضي الله عنه؛ أن يطيل عمري في طاعتك، ويرزقني العلم النافع، والرزق الواسع، ويقهر أعدائي قهرًا يمنع عنهم الراحة والقرار، ويضيِّق عليهم فسيح الأرض، وواسع الأقطار، وأن يدخلني الجنة، وأن يكثر أولادي ويجعلهم من الصالحين، آمين.