متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ)

90- (كتاب الِإكْرَاهِ) بكسر الهمزة وسكون الكاف، وهو إلزامُ الغير بما [1] لا يريدُه.

(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) في سورة النَّحل، و«قول» الجر عطفاً على سابقهِ، وسقطَتْ الواو لغير أبي ذرٍّ مع الرفع على الاستئناف: ({إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ}) استثناء ممَّن كفر بلسانهِ في قولهِ: {من كفر بالله من بعد إيمانهِ} ووافقَ المشركين بلفظه مكرهاً لما نالَه من الضَّرب والأذى ({وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ}) ساكنٌ ({بِالإِيمَانِ}) بالله ورسولهِ. وقال ابنُ جرير عن عبد الكريم [2] الجزريِّ [3] ، عن أبي عُبيدة محمَّد بن عمَّار بن ياسر قال: أخذَ المشركون عمَّار بن ياسرٍ فعذَّبوه حتَّى قاربهم في بعضِ ما أرادوا، فشكا ذلكَ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «كيف تجد قلبَك»؟ قال: مطمئناً بالإيمان، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إنْ عادوا فعدْ»، ورواه البيهقيُّ بأبسط من هذا، وفيه أنَّه سب النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخيرٍ، وأنَّه قال: يا رسولَ الله ما تُرِكت حتَّى سببتُكَ وذكرتُ آلهتَهم بخيرٍ [4] ، قال: «كيف تجدُ قلبَك»؟ قال: مُطمئناً بالإيمان، قال: «إن عادوا فعُدْ». وفي ذلك أنزلَ الله: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 106] ومن ثمَّ اتَّفق على أنَّه [/ج10ص89/] يجوزُ أن يوافق [5] المكرَه على الكفرِ إبقاءً لمُهجتهِ، والأفضلُ والأولى أن يثبتَ المسلمُ على دينهِ ولو أفضَى إلى قتلهِ.

وعند ابنِ عساكرَ في ترجمة عبد الله بنِ حذافة السَّهميِّ أحد الصَّحابة رضي الله عنهم أنَّه أسرته الرُّوم فجاؤوا به إلى ملكِهم، فقال له: تنصَّر وأنا أشركُك في مُلكي وأزوِّجك ابنتِي، فقال له: لو أَعْطيتني جميعَ ما تملك وجميعَ ما تملكه [6] العرب على أن أرجعَ عن دين محمَّد صلى الله عليه وسلم طرفةَ عين ما فعلتُ، فقال: إذاً أقتلك، قال: أنت وذاك، قال: فأمرَ به فصلبَ وأمر الرُّماة فرموهُ قريباً من يديهِ ورجليهِ وهو يعرضُ عليه دين النَّصرانيَّة فيأبى، ثمَّ أمر به فأنزل ثمَّ أمر بقدرٍ _وفي رواية: ببقرةٍ من نحاس_ فأحميتْ وجاء بأسيرٍ من المسلمين فألقاهُ، وهو ينظرُ فإذا هو عظام [7] تلوحُ وعرض عليه فأبى، فأمرَ به أن يلقى فيها، فرفع في البكرةِ ليُلقى فيها فبَكى فطمعَ فيه ودَعاه فقال: إنِّي إنَّما بكيتُ؛ لأنَّ نفسي إنَّما هي نفس واحدةٌ تُلقى في هذا القدر السَّاعة في الله، فأحببتُ أن يكون لي بعددِ كلِّ شعرةٍ في جسدِي نفس تعذَّب هذا العذاب في اللهِ، وروي أنَّه قبَّل رأسهُ وأطلقَه وأطلقَ معه جميع أسارى المسلمين عنده، فلمَّا رجع، قال عمرُ بن الخطَّاب رضي الله عنه: حقٌّ على كلِّ مسلمٍ أن يقبِّل رأس عبد الله بنِ حُذافة وأنا أبدأ، فقام فقبَّل رأسه.

({وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً}) أي: طاب نفساً واعتقدَه ({فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}) [النحل: 106] في الدَّار [8] الآخرة؛ لأنَّهم ارتدُّوا عن الإسلام للدُّنيا.

(وقال) جلَّ وعلا في سورة آل عمران: ({إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً}) [آل عمران: 28] قال البخاريُّ: أخذاً من كلام أبي عُبيدة (وَهْيَ تَقِيَّةٌ) أي: إلَّا أن تخافوا من جهةِ الكافرين أمراً تخافون؛ أي: إلَّا أن يكون للكافرِ عليك سُلطان فتخافه على نفسِك ومالكِ، فحينئذٍ يجوزُ لك إظهار الموالاةِ وإبطان المعاداتِ.

(وَقَالَ) تعالى في سورة النِّساء: ({إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ}) ملك الموت وأعوانه و{تَوَفَّاهُمُ} ماض أو مضارعٌ أصله تتوفَّاهم حذفت ثانية تاءيه ({ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ}) حال من ضمير المفعول في {تَوَفَّاهُمُ}؛ أي: في حال ظلمِهم أنفسهم بالكفرِ وترك الهجرةِ ({قَالُوا}) أي: الملائكةُ توبيخاً لهم: ({فِيمَ كُنْتُمْ}) في أيِّ شيءٍ كنتم من أمرِ [9] دينكم؟ ({قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ}) عاجزين عن الهجرةِ ({فِي الأَرْضِ}) [النساء: 97] أرض مكَّة أو عاجزين عن إظهارِ الدِّين وإعلاء كلمتهِ (إِلَى قولهِ: {وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً}) [النساء: 75] كذا في رواية كريمةَ والأصيليِّ والقابسيِّ، ولا يخفى ما فيه من التَّغيير؛ لأنَّ قوله: {وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً} من آيةٍ أُخرى متقدِّمة على الآيةِ المذكورة، والصَّواب ما وقع في رواية أبي ذرٍّ: ((إلى قولهِ: {عَفُوّاً غَفُوراً})) [النساء: 99] أي: لعبادِه قبل أن يخلقَهم. وقال تعالى: {والْمُسْتَضْعَفِينَ} مجرورٌ بالعطفِ على {فِي سَبِيلِ اللهِ}؛ أي: في سبيل الله وفي خلاصِ المستضعفين، أو منصوبٌ على الاختصاص؛ أي: واختَصَّ من سبيل الله خلاصَ المستضعفين؛ لأنَّ سبيلَ الله عامٌّ في كلِّ خيرٍ، وخلاصُ المستضعفين من المسلمين من أيدي الكفَّار من أعظمِ الخيرِ وأخصِّه، والمستضعفون هم الَّذين أسلموا بمكَّة وصدَّهم المشركون عن الهجرةِ، فبقوا بين أيدِيهم مُستضعفين يلقون منهم الأذَى الشَّديد {مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ} بيان للمُستضعفين، وإنَّما ذكر: {وَالْوِلْدَانِ} مبالغة في الحثِّ وتنبيهاً على تَناهي ظلم المشركين بحيثُ بلغ أذاهم الصِّبيان إرغاماً لآبائهم وأمَّهاتهم، وعن ابن عبَّاس: كنتُ أنا وأمِّي من المستضعفين من النِّساء والولدان الَّذين يقولون: ربَّنا أخرجنَا من هذه القريةِ _مكَّة [10] _ الظَّالم أهلها، الظَّالم وصف للقريةِ إلا أنَّه مُسْنَد إلى أهلِها، فأعطي إعرابَ القرية؛ لأنَّه صفتُها {وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً} يتولَّى أمرنَا ويستنقذْنَا من أعدائنَا {وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً} [النساء: 75] ينصرنا عليهم، فاستجابَ الله تعالى دُعاءهم بأن يسَّر لبعضِهم الخروج إلى المدينةِ، وجعلَ لمن بقيَ منهم وليًّا وناصراً، ففتح مكَّة على نبيِّه صلى الله عليه وسلم فتولَّاهم [11] ونصرهم، ثمَّ استعمل عليهم [12] عتَّاب بن أُسَيد فحمَاهم ونصرَهم حتَّى صاروا أعزَّ أهلها (فَعَذَرَ اللهُ الْمُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ لاَ يَمْتَنِعُونَ مِنْ تَرْكِ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ) إلَّا إن غلبوا (وَالْمُكْرَهُ) بفتح الراء (لاَ يَكُونُ إِلَّا مُسْتَضْعَفاً) بفتح العين (غَيْرَ مُمْتَنِعٍ مِنْ فِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ) بضم الهمزة. قال الكِرْمانيُّ: غرضه أنَّ المستضعف لا يقدرُ على الامتناعِ من التَّرك فهو تاركٌ لأمر الله [13] وهو معذورٌ، فكذلك المكرَه لا يقدرُ على [/ج10ص90/] الامتناعِ من الفعل، فهو فاعل لأمر المكرِه فهو معذورٌ؛ أي: كلاهما عاجزان.

(وَقَالَ الْحَسَنُ) البصريُّ، فيما وصله ابنُ أبي شيبة، عن وكيع، عن هشام، عنه: (التَّقِيَّةُ) ثابتةٌ (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) لا تختصُّ بعهدهِ صلى الله عليه وسلم [14] .

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، فيما وصله ابنُ أبي شيبة: (فِيمَنْ يُكْرِهُهُ اللُّصُوصُ) بضم التحتية وكسر الراء، على طلاق امرأتهِ (فَيُطَلِّقُـ)ـها: (لَيْسَ بِشَيْءٍ) فلا يقع طلاقُه (وَبِهِ) بعدم الطَّلاق في ذلك (قَالَ ابْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما (وَابْنُ الزُّبَيْرِ) عبد الله، وقد أخرجها الحميديُّ في ((جامعه))، والبيهقيُّ من طريقهِ (وَالشَّعْبِيُّ) عامرُ بن شراحيل، فيما وصله عبد الرَّزَّاق بسندٍ صحيحٍ عنه (وَالْحَسَنُ) البصريُّ، فيما وصلَه سعيدُ بن منصور: (وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فيما وصلَه [15] في «الأيمان» بفتح الهمزة [خ¦6689] : (الأَعْمَالُ) بدون «إنَّما» (بِالنِّيَّةِ) بالإفراد، فالمكرَه لا نيَّة له على ما أُكره عليه بل نيَّته عدمُ الفعل.

[1] في (د): «ما».
[2] في (د): «عبد الملك»، وفي الهامش: في نسخة: عبد الكريم.
[3] في (ص): «الجوزي».
[4] «وأنَّه قال: يا رسولَ الله ما تُرِكت حتَّى سببتُكَ وذكرتُ آلهتَهم بخير»: ليس في (د).
[5] في (س) و(ص): «يواتي».
[6] في (س): «تملك».
[7] في (ص): «عظم».
[8] في (د): «في الدنيا و».
[9] «أمر»: ليست في (ب).
[10] «مكة»: ليست في (س).
[11] في (د): «فوالاهم»، وفي (ع): «فولاهم».
[12] في (ص): «منهم».
[13] في (د): «أي: ترك نصر الله».
[14] «لا تختص بعهده صلى الله عليه وسلم»: ليست في (د).
[15] في (د) زيادة: «المؤلف».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

(89) كتابُ الإِكْرَاهِ

قَوْلُ [1] اللهِ تَعَالَىَ: { إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [النحل: 106]

وَقالَ: { إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً } [آل عمران: 28] : وَهيَ تَقِيَّةٌ.

وَقالَ: { إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ } [النساء: 97] إِلَىَ قَوْلِهِ [2] : { وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا } [3] [النساء: 75] فَعَذَرَ اللَّهُ الْمُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ لَا يَمْتَنِعُونَ مِنْ تَرْكِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَالْمُكْرَهُ لَا يَكُونُ إِلَّا مُسْتَضْعَفًا، غَيْرَ مُمْتَنِعٍ مِنْ فِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ.

وَقالَ الْحَسَنُ: التَّقِيَّةُ إِلَىَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

وَقالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَنْ يُكْرِهُهُ اللُّصُوصُ فَيُطَلِّقُ: لَيْسَ بِشَيْءٍ.

وَبِهِ قالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَسَنُ.

وَقالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ».

[1] في رواية أبي ذر: «وقَوْلِ». كتبت بالحمرة.
[2] في رواية أبي ذر زيادة: «{ عَفُوًّا غَفُورًا } [النساء: 99] . وَقالَ: { وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا }».
[3] كذا وقع في اليونينية، وكذا هو في رواية كريمة والأصيلي والقابسي، وفيه تغيير إذ الآية الأخيرة متقدمة على التي سبقتها، والصواب ما وقع في رواية أبي ذر من زيادةٍ كما في الحاشية السابقة، نبَّه عليه في الفتح والإرشاد.





( كِتَابُ الْإِكْرَاهِ )


((89)) (كتابُ الإِكْرَاهِ، وَقَوْلِ اللهِ عزَّ وجلَّ [1]: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل:106]) ذكر أهل التفسير: أن هذه الآية نزلت في عَمَّارٍ وأصحابِه.

قال المهلب: أجمعَ العلماء على أنه [2] من أُكره على الكفر حتى [3] خشيَ على نفسه القتلَ: أنه لا إثم عليه إذا كَفَر وقلبُه مطمئنٌّ بالإيمان، هذا [4] قولُ مالك والكوفيين والشافعي.

وعن محمدِ بنِ الحسنِ: أنه يصير مرتداً في الظَّاهر، وفيما بينه وبين الله مسلم، وتبينُ امرأتُه منه، ولا يصلَّى عليه، ولا يرثُ مسلماً، ولا يرثُه مسلم.

وقالت طائفةٌ: إنما جاءت الرُّخصة في القول، أما الفعلُ [5] فلا رخصَة

@%ج1ص1396%

فيه، مثل أن يُكره على السجود لغير الله، أو لغيرِ [6] القبلة، أو على قتلِ مسلم، أو شربِ خمرٍ، أو زنا، و [7] شبهه، وهو قول سحنون من أصحابنا.

قلت: نص ابنُ العربي على أنَّه لا حدَّ على المكرَه على الزنا، وقال بعض أصحابنا [8]: يُحَدُّ.

وقال ابن القَصَّار: إن انتشر قضيبهُ حينَ أولجَ حُدَّ، أكرهَه سلطانٌ أو غيرُه، وإن لم ينتشرْ فلا حَدَّ عليه.

قال اللخميُّ: والاحتجاجُ على حدِّه بأن الإكراه لا يصحُّ مع الاتعاظ غيرُ صحيح، قد يريد الرجل شربَ الخمرِ، ويكفُّ عنها خوفاً من الله تعالى.

[1] في (ق): ((تعالى)).
[2] في (ق): ((أن)).
[3] في (ق): ((حين))، ((حتى)): ليست في (ف).
[4] في (ق): ((وهذا)).
[5] في (ف): ((بالفعل)).
[6] في (ف): ((بغير)).
[7] في (ف): ((أو)).
[8] من قوله: ((قلت...إلى ... قوله: أصحابنا)): ليس في (ج) و(ف).





(كِتَابُ الإِكْرَاهِ)... إلى (كِتَاب الحِيْلِ)

قوله: (مِنْ تَرْكِ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ): كذا في أصلنا القاهريِّ، وفي الدِّمَشْقيِّ: (مِن فِعْلِ ما أُمِرَ بِهِ)، وكذا في غيرها، وهذه أوضح، وتلك تحتاج إلى تقدير؛ ليصحَّ الكلام؛ وتقديره: مِن تَرْك مَا أَمَرَ اللهُ بِتَرْكِهِ.

قوله: (وَالْمُكْرَهُ لَا يَكُونُ إِلاَّ مُسْتَضْعَفًا): (المُكْرَه): اسم مفعول؛ بفتح الرَّاء، وهذا ظاهِرٌ جدًّا.

قوله: (إِلاَّ مُسْتَضْعَفًا): هو بفتح العين، اسم مفعول، وهذا ظاهِرٌ.

قوله: (مِنْ فِعْلِ): هو مجرور غير مُنَوَّن مضافٌ إلى (ما) التي [1] هي بمعنى: الذي، وهذا ظاهِرٌ.

قوله: (مَا أُمِرَ بِهِ): (أُمِر): مَبْنيٌّ لِما لمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، والفاعل: هو المُكِره؛ بكسر الرَّاء [2] : الآمرُ.

قوله: (وَقَالَ الْحَسَنُ): هو ابن أبي الحسن البصريُّ، أحد الأعلام.

قوله: (وَالشَّعْبِيُّ): تَقَدَّمَ مِرارًا أنَّه عامر بن شَراحيل.

قوله: (وَالْحَسَنُ): تَقَدَّمَ أعلاه أنَّه ابن أبي الحسن البصريُّ، أحدُ الأعلام.

[1] في (أ): (الذي)، ولعلَّه سبق قلم.
[2] في (أ): (الكاف)، وليس بصحيح.





(كِتَابُ الْإِكْرَاهِ)


(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ)

90- (كتاب الِإكْرَاهِ) بكسر الهمزة وسكون الكاف، وهو إلزامُ الغير بما [1] لا يريدُه.

(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) في سورة النَّحل، و«قول» الجر عطفاً على سابقهِ، وسقطَتْ الواو لغير أبي ذرٍّ مع الرفع على الاستئناف: ({إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ}) استثناء ممَّن كفر بلسانهِ في قولهِ: {من كفر بالله من بعد إيمانهِ} ووافقَ المشركين بلفظه مكرهاً لما نالَه من الضَّرب والأذى ({وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ}) ساكنٌ ({بِالإِيمَانِ}) بالله ورسولهِ. وقال ابنُ جرير عن عبد الكريم [2] الجزريِّ [3] ، عن أبي عُبيدة محمَّد بن عمَّار بن ياسر قال: أخذَ المشركون عمَّار بن ياسرٍ فعذَّبوه حتَّى قاربهم في بعضِ ما أرادوا، فشكا ذلكَ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «كيف تجد قلبَك»؟ قال: مطمئناً بالإيمان، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إنْ عادوا فعدْ»، ورواه البيهقيُّ بأبسط من هذا، وفيه أنَّه سب النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخيرٍ، وأنَّه قال: يا رسولَ الله ما تُرِكت حتَّى سببتُكَ وذكرتُ آلهتَهم بخيرٍ [4] ، قال: «كيف تجدُ قلبَك»؟ قال: مُطمئناً بالإيمان، قال: «إن عادوا فعُدْ». وفي ذلك أنزلَ الله: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 106] ومن ثمَّ اتَّفق على أنَّه [/ج10ص89/] يجوزُ أن يوافق [5] المكرَه على الكفرِ إبقاءً لمُهجتهِ، والأفضلُ والأولى أن يثبتَ المسلمُ على دينهِ ولو أفضَى إلى قتلهِ.

وعند ابنِ عساكرَ في ترجمة عبد الله بنِ حذافة السَّهميِّ أحد الصَّحابة رضي الله عنهم أنَّه أسرته الرُّوم فجاؤوا به إلى ملكِهم، فقال له: تنصَّر وأنا أشركُك في مُلكي وأزوِّجك ابنتِي، فقال له: لو أَعْطيتني جميعَ ما تملك وجميعَ ما تملكه [6] العرب على أن أرجعَ عن دين محمَّد صلى الله عليه وسلم طرفةَ عين ما فعلتُ، فقال: إذاً أقتلك، قال: أنت وذاك، قال: فأمرَ به فصلبَ وأمر الرُّماة فرموهُ قريباً من يديهِ ورجليهِ وهو يعرضُ عليه دين النَّصرانيَّة فيأبى، ثمَّ أمر به فأنزل ثمَّ أمر بقدرٍ _وفي رواية: ببقرةٍ من نحاس_ فأحميتْ وجاء بأسيرٍ من المسلمين فألقاهُ، وهو ينظرُ فإذا هو عظام [7] تلوحُ وعرض عليه فأبى، فأمرَ به أن يلقى فيها، فرفع في البكرةِ ليُلقى فيها فبَكى فطمعَ فيه ودَعاه فقال: إنِّي إنَّما بكيتُ؛ لأنَّ نفسي إنَّما هي نفس واحدةٌ تُلقى في هذا القدر السَّاعة في الله، فأحببتُ أن يكون لي بعددِ كلِّ شعرةٍ في جسدِي نفس تعذَّب هذا العذاب في اللهِ، وروي أنَّه قبَّل رأسهُ وأطلقَه وأطلقَ معه جميع أسارى المسلمين عنده، فلمَّا رجع، قال عمرُ بن الخطَّاب رضي الله عنه: حقٌّ على كلِّ مسلمٍ أن يقبِّل رأس عبد الله بنِ حُذافة وأنا أبدأ، فقام فقبَّل رأسه.

({وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً}) أي: طاب نفساً واعتقدَه ({فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}) [النحل: 106] في الدَّار [8] الآخرة؛ لأنَّهم ارتدُّوا عن الإسلام للدُّنيا.

(وقال) جلَّ وعلا في سورة آل عمران: ({إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً}) [آل عمران: 28] قال البخاريُّ: أخذاً من كلام أبي عُبيدة (وَهْيَ تَقِيَّةٌ) أي: إلَّا أن تخافوا من جهةِ الكافرين أمراً تخافون؛ أي: إلَّا أن يكون للكافرِ عليك سُلطان فتخافه على نفسِك ومالكِ، فحينئذٍ يجوزُ لك إظهار الموالاةِ وإبطان المعاداتِ.

(وَقَالَ) تعالى في سورة النِّساء: ({إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ}) ملك الموت وأعوانه و{تَوَفَّاهُمُ} ماض أو مضارعٌ أصله تتوفَّاهم حذفت ثانية تاءيه ({ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ}) حال من ضمير المفعول في {تَوَفَّاهُمُ}؛ أي: في حال ظلمِهم أنفسهم بالكفرِ وترك الهجرةِ ({قَالُوا}) أي: الملائكةُ توبيخاً لهم: ({فِيمَ كُنْتُمْ}) في أيِّ شيءٍ كنتم من أمرِ [9] دينكم؟ ({قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ}) عاجزين عن الهجرةِ ({فِي الأَرْضِ}) [النساء: 97] أرض مكَّة أو عاجزين عن إظهارِ الدِّين وإعلاء كلمتهِ (إِلَى قولهِ: {وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً}) [النساء: 75] كذا في رواية كريمةَ والأصيليِّ والقابسيِّ، ولا يخفى ما فيه من التَّغيير؛ لأنَّ قوله: {وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً} من آيةٍ أُخرى متقدِّمة على الآيةِ المذكورة، والصَّواب ما وقع في رواية أبي ذرٍّ: ((إلى قولهِ: {عَفُوّاً غَفُوراً})) [النساء: 99] أي: لعبادِه قبل أن يخلقَهم. وقال تعالى: {والْمُسْتَضْعَفِينَ} مجرورٌ بالعطفِ على {فِي سَبِيلِ اللهِ}؛ أي: في سبيل الله وفي خلاصِ المستضعفين، أو منصوبٌ على الاختصاص؛ أي: واختَصَّ من سبيل الله خلاصَ المستضعفين؛ لأنَّ سبيلَ الله عامٌّ في كلِّ خيرٍ، وخلاصُ المستضعفين من المسلمين من أيدي الكفَّار من أعظمِ الخيرِ وأخصِّه، والمستضعفون هم الَّذين أسلموا بمكَّة وصدَّهم المشركون عن الهجرةِ، فبقوا بين أيدِيهم مُستضعفين يلقون منهم الأذَى الشَّديد {مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ} بيان للمُستضعفين، وإنَّما ذكر: {وَالْوِلْدَانِ} مبالغة في الحثِّ وتنبيهاً على تَناهي ظلم المشركين بحيثُ بلغ أذاهم الصِّبيان إرغاماً لآبائهم وأمَّهاتهم، وعن ابن عبَّاس: كنتُ أنا وأمِّي من المستضعفين من النِّساء والولدان الَّذين يقولون: ربَّنا أخرجنَا من هذه القريةِ _مكَّة [10] _ الظَّالم أهلها، الظَّالم وصف للقريةِ إلا أنَّه مُسْنَد إلى أهلِها، فأعطي إعرابَ القرية؛ لأنَّه صفتُها {وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً} يتولَّى أمرنَا ويستنقذْنَا من أعدائنَا {وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً} [النساء: 75] ينصرنا عليهم، فاستجابَ الله تعالى دُعاءهم بأن يسَّر لبعضِهم الخروج إلى المدينةِ، وجعلَ لمن بقيَ منهم وليًّا وناصراً، ففتح مكَّة على نبيِّه صلى الله عليه وسلم فتولَّاهم [11] ونصرهم، ثمَّ استعمل عليهم [12] عتَّاب بن أُسَيد فحمَاهم ونصرَهم حتَّى صاروا أعزَّ أهلها (فَعَذَرَ اللهُ الْمُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ لاَ يَمْتَنِعُونَ مِنْ تَرْكِ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ) إلَّا إن غلبوا (وَالْمُكْرَهُ) بفتح الراء (لاَ يَكُونُ إِلَّا مُسْتَضْعَفاً) بفتح العين (غَيْرَ مُمْتَنِعٍ مِنْ فِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ) بضم الهمزة. قال الكِرْمانيُّ: غرضه أنَّ المستضعف لا يقدرُ على الامتناعِ من التَّرك فهو تاركٌ لأمر الله [13] وهو معذورٌ، فكذلك المكرَه لا يقدرُ على [/ج10ص90/] الامتناعِ من الفعل، فهو فاعل لأمر المكرِه فهو معذورٌ؛ أي: كلاهما عاجزان.

(وَقَالَ الْحَسَنُ) البصريُّ، فيما وصله ابنُ أبي شيبة، عن وكيع، عن هشام، عنه: (التَّقِيَّةُ) ثابتةٌ (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) لا تختصُّ بعهدهِ صلى الله عليه وسلم [14] .

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، فيما وصله ابنُ أبي شيبة: (فِيمَنْ يُكْرِهُهُ اللُّصُوصُ) بضم التحتية وكسر الراء، على طلاق امرأتهِ (فَيُطَلِّقُـ)ـها: (لَيْسَ بِشَيْءٍ) فلا يقع طلاقُه (وَبِهِ) بعدم الطَّلاق في ذلك (قَالَ ابْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما (وَابْنُ الزُّبَيْرِ) عبد الله، وقد أخرجها الحميديُّ في ((جامعه))، والبيهقيُّ من طريقهِ (وَالشَّعْبِيُّ) عامرُ بن شراحيل، فيما وصله عبد الرَّزَّاق بسندٍ صحيحٍ عنه (وَالْحَسَنُ) البصريُّ، فيما وصلَه سعيدُ بن منصور: (وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فيما وصلَه [15] في «الأيمان» بفتح الهمزة [خ¦6689] : (الأَعْمَالُ) بدون «إنَّما» (بِالنِّيَّةِ) بالإفراد، فالمكرَه لا نيَّة له على ما أُكره عليه بل نيَّته عدمُ الفعل.

[1] في (د): «ما».
[2] في (د): «عبد الملك»، وفي الهامش: في نسخة: عبد الكريم.
[3] في (ص): «الجوزي».
[4] «وأنَّه قال: يا رسولَ الله ما تُرِكت حتَّى سببتُكَ وذكرتُ آلهتَهم بخير»: ليس في (د).
[5] في (س) و(ص): «يواتي».
[6] في (س): «تملك».
[7] في (ص): «عظم».
[8] في (د): «في الدنيا و».
[9] «أمر»: ليست في (ب).
[10] «مكة»: ليست في (س).
[11] في (د): «فوالاهم»، وفي (ع): «فولاهم».
[12] في (ص): «منهم».
[13] في (د): «أي: ترك نصر الله».
[14] «لا تختص بعهده صلى الله عليه وسلم»: ليست في (د).
[15] في (د) زيادة: «المؤلف».






((89)) (كتاب الإكراه) [1]

[1] ما بين القوسين زيادة من هامش (ر).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

((89)) (كِتابُ الإِكْرَاهِ)؛ الحديث.

نزلت الآية في حقِّ عمَّار بن ياسر، خرج وأصحابه يريدون المدينة، فأدركتهم قريش في الطَّريق ففتنوهم [1] على الكفر، فكفروا مكرهين، فنزلت، واختلفوا في طلاق المكره، فذهب عمر بن الخطَّاب، وعليُّ بن أبي طالب، وابن عبَّاس [إلى] أنَّهم كانوا لا يرون طلاقه شيئًا، وهو مذهب الشَّافعيِّ وأحمد، وأجازت طائفة طلاقه، وهو قول الكوفيِّين، وإن أكرهه [2] اللُّصوص؛ فليس بطلاق عند كلِّهم، وإن أكرهه السُّلطان؛ فهو طلاق، والإكراه قسمان: إكراه على كلام، وعلى فعل، فالأوَّل: لا يجب به شيء؛ كالكفر، والقذف والإقرار بالنِّكاح، والرَّجعة والطَّلاق، والبيع والابتياع، والنَّذر والأيمان، والعتق والهبة، وغير ذلك، والثَّاني قسمان: كلُّ [3] ما يباح له من الضَّرورة؛ كأكل الميتة وغير [ذلك] ؛ فلا شيء عليه، فإنَّه أتى مباحًا له، والثَّاني: ما لا يبيحه؛ كالقتل، والخروج والضَّرب، والسَّرقة، فمن أكره بشيء من ذلك؛ لزمه العود والضَّمان؛ لأنَّه أتى محرمًا عليه، ومَن أُكرِه أن يسجُدَ لصنم أو صليب [4] ؛ فليسجد لله مُبادِرًا إلى ذلك؛ لأنَّه علَّام الغيوب، ولايبالي في أيِّ جهة كان الصَّنم، قال سبحانه: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ} [البقرة:115] .

[1] في (أ): (ففتوهم).
[2] في (أ): (أكرهوه).
[3] في (أ): (أكدا).
[4] في (أ): (صليت).





لا تتوفر معاينة