متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

9- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ)؛ أي: ابن جعفرٍ المُسْنَدِيُّ؛ بضمِّ الميم وسكون المُهملَة وفتح النُّون، سُمِّي به؛ لأنَّه كان يطلب المُسنَدات، ويرغب عنِ المُرسَل والمنقطع، أو كان يتحرَّى المسانيد، أو لأنَّه أوَّلُ من جمع «مُسند الصَّحابة على التَّراجم بما وراء النَّهر»، وفي رواية ابن عساكرَ: ((الجعفيُّ))؛ كما في «فرع اليونينيَّة» كهي، المُتوفَّى سنة تسعٍ وعشرين ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ) عبد الملك بن عمرو بن قيسٍ (الْعَقَدِيُّ)؛ بفتح العين المُهملَة والقاف؛ نسبةً إلى العقَد، قومٌ من قيسٍ؛ وهم بطنٌ من الأزد أو بطن من بجيلة، أو قبيلةٌ من اليمن، البصريُّ، المُتوفَّى سنة خمسٍ أو أربعٍ ومئتين [1] ، (قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) القرشيُّ المدنيُّ، المُتوفَّى بها سنة اثنتين وسبعين ومئةٍ، (عن عبد الله بن دينارٍ) القرشيِّ العدويِّ المدنيِّ، مولى ابن عمرَ، المُتوفَّى سنة سبعٍ وعشرين ومئةٍ، (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان الزَّيات المدنيِّ، المُتوفَّى بها سنة إحدى ومئةٍ، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه) _تصغير هِرَّةٍ_ عبدِ الرَّحمن بن صخرٍ الدُّوسيِّ، المُختلَف في اسمه، قال النَّوويُّ: على أكثر من ثلاثين قولًا، وحمله في «الفتح» على الاختلاف في اسمه واسم أبيه معًا، المُتوفَّى بالمدينة سنة تسعٍ أو ثمانٍ أو سبعٍ وخمسين، وأسلم عام خيبر، وشهدها مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ثمَّ لزمه وواظبه حتَّى كان أحفظ أصحابه، وروى عنه عليه الصلاة والسلام فَأَكْثَرَ، ذكر بقيُّ بن مُخْلِدٍ أنَّه روى خمسةَ آلافِ حديثٍ وثلاث مئةٍ وأربعةٍ وسبعين حديثًا، وله في «البخاريِّ» أربعُ مئةٍ وستَّةٌ وأربعون حديثًا، وهذا أوَّل حديثٍ وقع له في هذا «الجامع»، (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنَّه (قَالَ: الإِيمَانُ) بالرَّفع مبتدأٌ، خبرُه: (بِضْعٌ)؛ بكسر المُوحَّدة، وقد تُفتَح، قال الفرَّاء: هو خاصٌّ بالعشرات إلى التِّسعين، فلا يُقال: بضعٌ ومئةٌ، ولا بضعٌ وألفٌ، وفي «القاموس»: هو ما بين الثَّلاث إلى التِّسع أو إلى الخمس، أو ما بين الواحد إلى أربعةٍ، أو من أربعٍ إلى تسعٍ، أو هو سبعٌ، وإذا جاوز العشرَ؛ ذهب البِضْعُ، لا يُقَال: بضعٌ وعشرون، أو يُقال ذلك ا ه، ويكون مع المُذكَّر بِهَاءٍ، ومع المُؤنَّث بغير هاءٍ، فتقول: بضعةٌ وعشرون رجلًا، وبضعٌ وعشرون امرأةً، ولا تعكس، وفي رواية أبي ذَرٍّ وأبي الوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: ((بضعةٌ)) (وَسِتُّونَ شُعْبَةً)؛ بتأنيث «بضعةٌ» على تأويل الشُّعبة بالنَّوع، إذا فُسِّرتِ الشُّعبة بالطَّائفة من الشَّيء، وقال الكرمانيُّ: إنَّها في أكثر الأصول، قال ابن حجرٍ: بل هي في بعضها، وصوَّب العينيُّ قول الكرمانيِّ تعصُّبًا، والذي رأيته في هامش «فرع اليونينيَّة» كهي، قال الأَصيليُّ: صوابه: ((بضعٌ))؛ يعني: بإسقاط الهاء، [2] وقد وقع عند «مسلمٍ» من طريق سُهيل بن أبي [3] صالحٍ عن عبد الله بن دينارٍ: «بضعٌ وستُّون، أو بضعٌ وسبعون» على الشَّكِّ، وعند أصحاب السُّنن الثَّلاثة من طريقه: «بضعٌ وسبعون» من غير شكٍّ، ورجَّح البيهقيُّ رواية البخاريِّ لعدم شكِّ سليمان، وعُورِض: بوقوع الشَّكِّ عنه عند أبي عوانة، ورجح لأنَّه المُتيقَّن، وما عداه مشكوكٌ فيه، لا يُقَال بترجيح رواية: «بضعٌ وسبعون»؛ لكونها زيادةُ ثقةٍ؛ لأنَّا نقول: الذي زادها لم يستمرَّ على الجزم بها، لاسيَّما مع اتِّحاد المخرج، وهل المُرَاد حقيقة العدد أم المُبالَغة؟ قال الطِّيبيُّ: الأظهر لي معنى التَّكثير، ويكون ذكر «البضع» للتَّرقي؛ يعني: أنَّ شعب الإيمان أعدادٌ مُبهَمةٌ [4] ، ولا نهاية لكثرتها، ولو أراد التَّحديد؛ لم يبهم، وقال آخرون: المُرَاد حقيقة العدد، ويكون النَّصُّ وقع أوَّلًا على البضع والسِّتِّين؛ لكونه الواقع، ثمَّ تجدَّدت العشر الزَّائدة فنصَّ عليها، وقد حاول جماعةٌ عدَّها بطريق الاجتهاد، وللبيهقيِّ وعبد الجليل كتاب: «شُعَب الإيمان».

(وَالْحَيَاءُ) بالمدِّ، وهو في الشَّرع: خُلُقٌ يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التَّقصير في حقِّ ذي الحقِّ، وهو هنا: مبتدأٌ، خبره: (شُعْبَةٌ)، و(مِنَ الإِيمَانِ) صفةٌ لـ: «شعبةٌ»، وإنَّما خصَّه هنا بالذِّكر؛ لأنَّه كالدَّاعي إلى باقي الشُّعب؛ لأنَّه يبعث على [/ج1ص92/] الخوف من فضيحة الدُّنيا والآخرة، فيأتمر وينزجر، ومن تأمَّل معنى الحياء ونظر في قوله عليه الصلاة والسلام: «استحيوا من الله حقَّ الحياء»، قالوا: إنَّا لنستحيي من الله يا رسول الله، والحمد لله، قال: «ليس ذلك، ولكنَّ الاستحياء من الله حقَّ الحياء أن يحفَظ الرَّأس وما وعى، والبطن وما حوى، ويذكرَ الموت والبلى، ومن أراد الآخرة؛ ترك زينة الدُّنيا، وآثر الآخرة على الأولى، فمن يعمل ذلك؛ فقد استحيا من الله حقَّ الحياء»، ورأى العجب العجاب، قال الجنيد: الحياء يتولَّد من رؤية الآلاء ورؤية التَّقصير، فَلْيَذُقْ مَن مُنِحَ الفضلَ الإلهيَّ، ورُزِقَ الطبعَ السَّليم معنى إفراد «الحياء» بالذِّكر بعد دخوله في الشُّعَب، كأنَّه يقول: هذه شعبةٌ واحدةٌ من شُعَبه، فهل تُحصَى وتُعَدُّ شُعَبُها؟ هيهات! واعلم أنَّه لا يُقَال: إنَّ الحياء من الغرائز فلا يكون من الإيمان؛ لأنَّه قد يكون غريزَةً، وقد يكون تخلُّقًا، إلَّا أنَّ استعماله على وفق الشَّرع يحتاج إلى اكتسابٍ وعلمٍ ونيَّةٍ، فمن ثمَّ كان من الإيمان مع كونه باعثًا على الطَّاعات واجتناب المُخالَفات، وفي هذا الحديث دلالةٌ على قبول الإيمان الزِّيادةَ؛ لأنَّ معناه _كما قال الخطَّابيُّ_: إنَّ الإيمان الشَّرعيَّ اسمٌ لمعنًى ذي أجزاءٍ له أدنى وأعلى، والاسم يتعلَّق ببعض تلك الأجزاء كما يتعلَّق بكلِّها، وقد زاد «مسلمٌ» على ما في «البخاريِّ»: «فأفضلُها قولُ: لا إله إلَّا الله، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطَّريق»، وتمسَّك به القائلون بأنَّ الإيمان فعلُ الطَّاعات بأسْرِها، والقائلون بأنَّه مُركَّبٌ من التَّصديق والإقرار والعمل جميعًا، وأُجِيب: بأنَّ المراد شُعَبُ الإيمان قطعًا لا نفسُ الإيمان، فإنَّ إماطة الأذى عن الطَّريق ليس داخلًا في أصل الإيمان حتَّى يكون فاقدُه غير مؤمنٍ [5] ، فلابدَّ في الحديث من تقدير مُضَافٍ، ثمَّ إنَّ في هذا الحديث تشبيه الإيمان بشجرةٍ ذاتِ أغصانٍ وشُعَبٍ، ومبناه على المَجاز؛ لأنَّ الإيمانَ _كما مرَّ في اللُّغة_ التَّصديقُ، وفي عُرْفِ الشَّرع: تصديقُ القلب واللِّسان، وتمامه وكماله بالطَّاعات، فحينئذٍ الإخبار عن الإيمان بأنَّه بضعٌ وستُّون يكون من باب إطلاق الأصل على الفرع؛ لأنَّ الإيمان هو الأصلُ، والأعمالُ فروعٌ منه، وإطلاق الإيمان على الأعمال مَجازٌ؛ لأنَّها تكون عن الإيمان، وهذا مبنيٌّ على القول بقبول الإيمان الزِّيادةَ والنُّقصانَ، أمَّا على القول بعدم قبوله لهما؛ فليست الأعمال داخلةً في الإيمان، واستدلَّ لذلك: بأنَّ حقيقةَ الإيمان التَّصديقُ، ولأنَّه قد ورد في الكتاب والسُّنَّة عطف «الأعمال» على «الإيمان»؛ كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [لقمان: 8] مع القطع بأنَّ العطف يقتضي المُغايرَة، وعدم دخول المعطوف في المعطوف عليه، وقد ورد أيضًا جعل الإيمان شرط صحَّة الأعمال؛ كما في قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [طه: 112] مع القطع بأنَّ المشروط لا يدخل في الشَّرط؛ لامتناع اشتراط الشَّيء لنفسه، وورد أيضًا إثبات الإيمان لمن ترك بعض الأعمال؛ كما في قوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} [الحجرات: 9] مع القطع بأنَّه لا تحقُّقَ للشَّيء بدون ركنه، ولا يخفى أنَّ هذه الوجوه إنَّما تقوم حجَّةً على من يجعلِ الطَّاعاتِ ركنًا من حقيقة الإيمان، بحيث إنَّ تاركها لا يكون مؤمنًا؛ كما هو رأي المعتزلة، لا على من ذهب إلى أنَّها ركنٌ من الإيمان الكامل؛ بحيث لا يخرج تاركها عن حقيقة الإيمان؛ كما هو مذهب الشَّافعيِّ رحمه الله، قاله العلَّامة التَّفتازانيُّ.

ومن لطائف إسناد حديث هذا الباب: أنَّ رجاله كلَّهم مدنيُّون، إلَّا العقديَّ فإنَّه بصريٌّ، وإلَّا المُسْنَديَّ، وفيه تابعيٌّ عن تابعيٍّ، وهو عبد الله بن دينارٍ عن أبي صالحٍ، وأخرج متنه أبو داودَ في «السُّنَّة»، والتِّرمذيُّ في «الإيمان»، وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنَّسائيُّ في «الإيمان» أيضًا وابن ماجه.

[1] في (ص): «وثمانين»، وهو تحريفٌ.
[2] في (ص): «البضعيَّة».
[3] «أبي»: سقط من (ص) و(م).
[4] في (ص): «مهملة».
[5] زيد في هامش (م): «بالاتِّفاق».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

9-. حدَّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ مُحَمَّدٍ [1] قالَ: حدَّثنا أَبُو عامِرٍ العَقَدِيُّ قالَ: حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ بِلالٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بنِ دِينارٍ، عن أَبِي صالِحٍ:

عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضيَ اللهُ عَنْهُ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «الإِيمانُ بِضْعٌ [2] وسِتُّونَ شُعْبَةً، والحَياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمانِ».

[1] في رواية ابن عساكر زيادة: «الجعفي».
[2] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «بضعةٌ»، وبهامش (ب، ص): «قال الأصيلي: صوابه: بضعٌ».





9- ( الْعَقَدِيُّ ) بعين مهملة وقاف مفتوحتين، نسبة إلى بطن من بجيلة.

( بِضْعٌ ) بكسر الباء وقد تفتح: ما بين ثلاث إلى عشر، وقيل: إلى تسع، وذكره البزار حديثًا.

( وَسَبْعُونَ ) كذا للجمهور، ورواه أبو زيد: «وستون»، ولم يذكر الخطابي غيرها. [1] [/ج1ص28/]

وقد روى سهيل عن أبيه: «بضع وسبعون» ولم يذكره البخاري؛ لأن سهيلًا ليس من شرطه. [ب:7]

( شُعْبَة ) بالضمّ: قطعة، والمراد بها الخصلة.

[1] قال محب الدين البغدادي: قوله: ( وسبعون ) كذا للجمهور، ورواه أبو زيد: «وستون». قال شيخ الإسلام: ليس كما قال؛ بل الروايات في البخاري: «وستون». اهـ. قال ابن حجر رحمه الله: ليس كما قال؛ بل الروايات في البخاري: «وستون».





9# (الجُعْفِيُّ) بجيم

@%ج1ص39%

مضمومة فعين مهملة ساكنة ففاء مكسورة فياء النسب، ويقال له: المُسنِدِي، وسيأتي الكلام عليه قريبًا.

(الْعَقَدِيُّ) بعين مهملة وقاف مفتوحتين، نسبة إلى بطن من بُجيلة، وقيل: من قيس، وقيل: منهم بالولاء، وقيل: قبيلة من اليمن.

(بضْعٌ [1] ) بكسر الباء لا الفتح على المشهور، وهل هو ما بين الثلاثة والعشرة؟ أو ما بين الثلاث إلى خمس [2] ؟ أو ما بين الخمس إلى السبع؟ أو ما بين الواحد إلى الأربع؟

أقوال، والصحيح الأول.

ويقال: بالهاء مع المذكر، وبتركها مع المؤنث، وثبت [3] هنا في بعض الأصول، وفي أكثر الروايات في غير هذا الموضع بدون هاء، وثبت هنا في الأكثر بالهاء، وهو مؤول.

(وَسِتُّونَ) كذا للمروزي، ((وسبعون)) لغيره.

وقال القاضي: إنها الصواب [4] ، وتبعه النووي، وقال: هي زيادةُ ثقة [5] . وقال ابن الصَّلاح: الأشبهُ ترجيحُ الأقل [6] ؛ لأنه المتيقَّن.

وفيه ردٌّ لقول الجوهري: إذا جاوزت العشرة ذهبَ البضع، لا تقول: بضع وعشرون، والأحاديث طافحةٌ بخلاف ما قال.

(شُعْبةً) بضم الشين المثلثة وإسكان العين المهملة: القطعة [7] والفِرقة.

وقال أبو حاتم بنُ حِبان _ بكسر الحاء _: إنه تتبَّعَ الكتابَ والسنَّة، فجمعَ ما فيهما جميعًا من الطاعات التي عُدَّت من الإيمان. قال: وأسقطتُ المكررَ، فكانت بضعًا وسبعين، لا تزيدُ ولا تنقص، فعلمنا أنَّ المراد استعمال [8] الكتاب والسنة على هذا العدد [9] الخاص.

[1] في (ق) تكرار: ((بضع)).
[2] في (ج) و(د): ((الخمس)).
[3] في (ق): ((وثبتت))، في (د): ((ويثبت)).
[4] في (ق): ((لصواب)).
[5] في (ق): ((معه)).
[6] في (ق): ((الأول)).
[7] في (ق): ((القطع)).
[8] في (ق): ((اشتمال)).
[9] في (ق): ((عدد)).





9- قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ): هذا هو المسنَديُّ؛ بفتح النون، وإنَّما قيل له [1] : المسنديُّ؛ لأنَّه كان [2] وقت الطلب يتبع الأحاديث المسنَدة، ولا يُحبُّ [3] المقاطيع والمراسيل، وقال الحاكم: (إنَّه أوَّلُ مَن جمع مسند الصحابة على التراجم بما وراء النهر، روى [4] عن جماعة، وعنه جماعةٌ) ، قال أبو حاتم: (صدوق) انتهى [5]

وهو ثقةٌ مشهورٌ، ذكرَه ابنُ حِبَّان في «ثقاته» [6] ، وكذا غيرُه، قال ابن حِبَّان: (مات يوم الخميس، لستِّ ليال بقين من ذي القعدة سنة «229ه - ») ، وكذا قال البخاريُّ في وفاته [7] .

تنبيه: مَن اسمُه عبدُ الله بنُ محمَّدٍ -وقد حدَّث عنه البخاريُّ نفسُه في «الصحيح» [8] - أربعةُ أشخاصٍ: أبو بكر ابن أبي شيبةَ عبدُ الله بن محمَّد، وعبدُ الله بن محمَّد بن أسماء، وعبدُ الله بن محمَّد بن أبي الأسود، وعبدُ الله بن محمَّد الجُعفيُّ المسنَديُّ صاحبُ الترجمة، واللهُ أعلم [9] .

قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ): اسمُه عبدُ الملك بنُ عمرٍو القيسيُّ، و (العَقَدِيُّ) ؛ بفتح العين والقاف، ثمَّ دال مهملتين، يُنسب إلى بطنٍ مِن بَجِيلَةَ [10] ، وقال صاحبُ «العين»: (قبيلةٌمِنَ اليمن) ، وقال ابنُ عبد البرِّ: (بطنٌ مِنْ قيسٍ) ، وفي «القاموس»: (قبيلةٌ مِن بَجِيلَة أَوِ اليمن) انتهى.

وفي مقدِّمة «شرح مسلمٍ» للنوويِّ: (قيل: إنَّه مولى العقديِّين) ، ترجمتُه معروفةٌ، توفِّي سنةَ (204 هـ ) ، وثَّقَه ابنُ معين وغيرُه [11] .

قوله: (عَنْ أَبِي صَالِحٍ): اسمُه ذكوان السَّمَّان الزَّيَّات، شَهِدَ الدار [12] ، ورَوى عن عائشةَ، وأبي هريرةَ، وعنه: بنوه، وغيرُهم، وكان مِنَ الأئمَّة الثِّقات، توفِّي بالمدينة سنة (111 هـ ) ، أخرج له الجماعة [13] .

قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ): في اسمه أقوالٌ نحوُ ثلاثين قولًا، سرد [14] منها ابنُ الجوزيِّ فيه وفي أبيه ثمانيةَ عشرَ قولًا في «تلقيحه»، وقال ابنُ عبد البَرِّ: (لَمْ يُختلَف في اسم أحدٍ في الجاهليَّة ولا في الإسلام كالاختلاف فيه) ، وذكر ابنُ عبد البَرِّ: (أنَّه اختُلِف فيه على عشرين قولًا) انتهى، والأصحُّ عند المحقِّقين والأكثرين ما صحَّحه البخاريُّ وغيرُه: عبدُ الرحمن بن صخر، ترجمتُه معروفةٌ؛ فلا نُطَوِّل بها، وهو أحدُ المكثرين، و (أبو هريرةَ) لا ينصرفُ؛ لكثرةِ الاستعمال، ومناقبُه جمَّةٌ، وسأذكر [15] منها شيئًا يسيرًا في آخرِ حديثٍ في «البخاريِّ» في حديث «كلمتان...» إن شاء الله تعالى وقدَّره [16] ، توفِّي سنةَ (59 هـ ) ، وله ثمانٍ وسبعون [17] ، أخرج له الجماعة وأحمد في «المسند»، رضي الله عنه [18] .

قوله: (بِضْعٌ): البِضعُ في العدد -بكسر الباء، ويجوزُ فتحُها-: وهو ما بين اثنين إلى عشر، وما بين اثني عشر إلى عشرين، ولا يقال: في أحدَ عشرَ، ولا في اثني عشر، وقال الخليل: (البِضع: سبع) ، وهو وهم منه، وقال أبو عُبيدة: (هو ما بين نصف العقد؛ مِن واحد إلى أربع) ، وقال ابنُ قُتيبةَ: (هو مِن ثلاث إلى تسع) ، قال ابن قُرقُول: (وهو الأشهر) .

تنبيه: قال في «الصِّحاح»: (فإذا جاوزتَ لفظ العشر؛ ذهب البِضع، لا [19] تقول: بِضعٌ وعشرون) انتهى، وما قاله يرُدُّه هذا الحديث، وعن «المثلَّث» لابن عديس [20] : (والبِضعُ: ما بين اثني عشر إلى عشرين فما فوق ذلك) ، حكاه عن «المُوعَب»، وأعقبَه بأن قال: (وقال الفرَّاء: البِضعُ: ما بين الثلاثة [21] إلى التسعة، كذلك رأيتُ العرب تفعل [22] ، ولا يقولون: بضع ومئة، ولا بضع وألف؛ ولا يذكَّر إلَّا مع بضع عشر، ومع العشرين إلى التسعين) .

قوله: (بِضْعٌ وَسِتُّونَ [23] ): كذا وقع هنا في أصلنا، وعن رواية أبي زيد المروزيِّ كذلك، وفي «مسلم»: عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح: «بضع وسبعون أو بضع وستُّون»، وقد رواه أيضًا من طريق العقديِّ بسنده إلى أبي صالح: «بضع وسبعون»، وكذا وقع في «البخاريِّ» من رواية أبي ذرٍّ الهرويِّ، ورواه أبو داود والترمذيُّ من رواية سهيل: «بضع وسبعون» بلا شكٍّ، ورواه التِّرْمذيُّ من طريقٍ [24] أُخرى، وقال فيه: (أربعة وستُّون بابًا) ، وقد رجَّح القاضي عياض رواية: «بضع وسبعين»، وقال: (إنَّها الصواب) ، وعن الحَليميِّ وغيره: ترجيحها؛ لأنَّها زيادة من ثقة فقبلت، وليس رواية الأقلِّ تمنعها.

وقال ابن الصلاح كما نقله النوويُّ عنه: (الأشبه ترجيح الأقلِّ؛ لأنَّه المتيقَّن) ، والشكُّ من سُهيل، كما قاله [25] البيهقيُّ، وقد رُوِيَ عن سُهيل: «وسبعون» من غير شكٍّ، قال ابن قُرقُول: وفي حديث أبي هريرة في (كتاب الإيمان): «بضع وسبعون»، كذا لأبي أحمد الجرجانيِّ وابن السكن، وهو المعروف الصريح [26] في سائر الأحاديث، وعند الكافَّة في حديث أبي هريرة: «بضعة وستُّون»، وعند «مسلم» في حديث زهير: «بضع وسبعون أو بضع وستُّون»، انتهى.

قوله: (شُعْبَةً) [27] : هي بضمِّ الشِّين: الخَصْلَةُ والفرقة.

فائدة: بيَّن النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كما في الحديث: (أعلاها) ، وفي رواية: (أفضلها) ، وفي لفظ: (أرفعها) ، وفي آخر: (أقصاها) ، وآخر: (أعظمها... وأدناها إماطة الأذى عنِ الطريق) .

ثمَّ اعلم أنَّه قد صنَّف العلماء في تعيين هذه [28] الشُّعب كُتُبًا؛ مِن أغزرها فوائد [29] : «شعب الإيمان» للحَليميِّ، ثمَّ كتاب البيهقيِّ، وصنَّف عبد الجليل القصريُّ فيه أيضًا، وإسحاق بن إبراهيم القرطبيُّ في «النصائح»، وعن [30] أبي حاتم بن حِبَّان -بكسر الحاء- في كتابه [31] «وصف الإيمان وشعبه»، قال: (تتبَّعتُ معنى هذا الحديث مُدَّةً، وعددتُ الطاعات، فإذا هي تزيدُ على هذا العدد شيئًا كثيرًا [32] ، فرجعتُ إلى «السُّنن»، فعددت كلَّ طاعةٍ عدَّها الشارعُ من الإيمان؛ فإذا هي تنقص عنِ البِضع والسبعين، فرجعت إلى كتاب الله وقرأتُه بالتدبُّر، وعددتُ كلَّ طاعةٍ عدَّها الله من الإيمان؛ فإذا هي تنقص عنِ البِضع والسبعين، فضممتُ إلى الكتابِ السُّنَّةَ، وأسقطتُ المُعاد، فإذا كلُّ شيءٍ عدَّه الله ورسوله من الإيمان لا يزيد عليها ولا ينقص، فعلمتُ أنَّ مرادَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ هذا العدد في الكتاب والسُّنَّة) انتهى والله أعلم [33] .

[1] (له): ليست في (ب) .
[2] (كان): ليست في (ب) .
[3] في (ب): (يجب) .
[4] في (ج): (وروى) .
[5] «الجرح والتعديل» (5/162) .
[6] «الثقات» (8/354) .
[7] انظر «تهذيب الكمال» (16/59) .
[8] (في الصحيح): ليست في (ب) .
[9] (والله أعلم): ليست في (ج) .
[10] في (ب): (نجيلة) .
[11] انظر «تهذيب الكمال» (18/364) .
[12] زمن سيدنا عثمان.
[13] «تهذيب الكمال» (8/513) .
[14] (سرد): ليست في (ب) .
[15] في (ج): (سأذكر) .
[16] زيد في (ج): (وقدره) .
[17] زيد في (ج): (سنة) .
[18] «تهذيب الكمال» (34/366) .
[19] في (ج): (ولا) .
[20] هو *.
[21] في (ب): (الثلاث) .
[22] في (ب): (يفعل) .
[23] في هامش (ق): (كذا وقع: «وستون»، والمحفوظ... هذه الرواية) .
[24] في (ب): (طرق) .
[25] في (ب): (قال) .
[26] في (ج): (الصحيح) .
[27] زيد في (ج): (هو) .
[28] في (ب): (هذا) .
[29] (فوائد): ليست في (ب) .
[30] (عن): ليست في (ب) .
[31] في (ب) و (ج): (كتاب) .
[32] في (ب) و (ج): (كبيرًا) .
[33] ذكر نحوه في «صحيحه» عقب الحديث (167) ، وقول ابن حبان سقط من (ب). [/ج1ص20/]





لا تتوفر معاينة

9- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ)؛ أي: ابن جعفرٍ المُسْنَدِيُّ؛ بضمِّ الميم وسكون المُهملَة وفتح النُّون، سُمِّي به؛ لأنَّه كان يطلب المُسنَدات، ويرغب عنِ المُرسَل والمنقطع، أو كان يتحرَّى المسانيد، أو لأنَّه أوَّلُ من جمع «مُسند الصَّحابة على التَّراجم بما وراء النَّهر»، وفي رواية ابن عساكرَ: ((الجعفيُّ))؛ كما في «فرع اليونينيَّة» كهي، المُتوفَّى سنة تسعٍ وعشرين ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ) عبد الملك بن عمرو بن قيسٍ (الْعَقَدِيُّ)؛ بفتح العين المُهملَة والقاف؛ نسبةً إلى العقَد، قومٌ من قيسٍ؛ وهم بطنٌ من الأزد أو بطن من بجيلة، أو قبيلةٌ من اليمن، البصريُّ، المُتوفَّى سنة خمسٍ أو أربعٍ ومئتين [1] ، (قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) القرشيُّ المدنيُّ، المُتوفَّى بها سنة اثنتين وسبعين ومئةٍ، (عن عبد الله بن دينارٍ) القرشيِّ العدويِّ المدنيِّ، مولى ابن عمرَ، المُتوفَّى سنة سبعٍ وعشرين ومئةٍ، (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان الزَّيات المدنيِّ، المُتوفَّى بها سنة إحدى ومئةٍ، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه) _تصغير هِرَّةٍ_ عبدِ الرَّحمن بن صخرٍ الدُّوسيِّ، المُختلَف في اسمه، قال النَّوويُّ: على أكثر من ثلاثين قولًا، وحمله في «الفتح» على الاختلاف في اسمه واسم أبيه معًا، المُتوفَّى بالمدينة سنة تسعٍ أو ثمانٍ أو سبعٍ وخمسين، وأسلم عام خيبر، وشهدها مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ثمَّ لزمه وواظبه حتَّى كان أحفظ أصحابه، وروى عنه عليه الصلاة والسلام فَأَكْثَرَ، ذكر بقيُّ بن مُخْلِدٍ أنَّه روى خمسةَ آلافِ حديثٍ وثلاث مئةٍ وأربعةٍ وسبعين حديثًا، وله في «البخاريِّ» أربعُ مئةٍ وستَّةٌ وأربعون حديثًا، وهذا أوَّل حديثٍ وقع له في هذا «الجامع»، (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنَّه (قَالَ: الإِيمَانُ) بالرَّفع مبتدأٌ، خبرُه: (بِضْعٌ)؛ بكسر المُوحَّدة، وقد تُفتَح، قال الفرَّاء: هو خاصٌّ بالعشرات إلى التِّسعين، فلا يُقال: بضعٌ ومئةٌ، ولا بضعٌ وألفٌ، وفي «القاموس»: هو ما بين الثَّلاث إلى التِّسع أو إلى الخمس، أو ما بين الواحد إلى أربعةٍ، أو من أربعٍ إلى تسعٍ، أو هو سبعٌ، وإذا جاوز العشرَ؛ ذهب البِضْعُ، لا يُقَال: بضعٌ وعشرون، أو يُقال ذلك ا ه، ويكون مع المُذكَّر بِهَاءٍ، ومع المُؤنَّث بغير هاءٍ، فتقول: بضعةٌ وعشرون رجلًا، وبضعٌ وعشرون امرأةً، ولا تعكس، وفي رواية أبي ذَرٍّ وأبي الوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: ((بضعةٌ)) (وَسِتُّونَ شُعْبَةً)؛ بتأنيث «بضعةٌ» على تأويل الشُّعبة بالنَّوع، إذا فُسِّرتِ الشُّعبة بالطَّائفة من الشَّيء، وقال الكرمانيُّ: إنَّها في أكثر الأصول، قال ابن حجرٍ: بل هي في بعضها، وصوَّب العينيُّ قول الكرمانيِّ تعصُّبًا، والذي رأيته في هامش «فرع اليونينيَّة» كهي، قال الأَصيليُّ: صوابه: ((بضعٌ))؛ يعني: بإسقاط الهاء، [2] وقد وقع عند «مسلمٍ» من طريق سُهيل بن أبي [3] صالحٍ عن عبد الله بن دينارٍ: «بضعٌ وستُّون، أو بضعٌ وسبعون» على الشَّكِّ، وعند أصحاب السُّنن الثَّلاثة من طريقه: «بضعٌ وسبعون» من غير شكٍّ، ورجَّح البيهقيُّ رواية البخاريِّ لعدم شكِّ سليمان، وعُورِض: بوقوع الشَّكِّ عنه عند أبي عوانة، ورجح لأنَّه المُتيقَّن، وما عداه مشكوكٌ فيه، لا يُقَال بترجيح رواية: «بضعٌ وسبعون»؛ لكونها زيادةُ ثقةٍ؛ لأنَّا نقول: الذي زادها لم يستمرَّ على الجزم بها، لاسيَّما مع اتِّحاد المخرج، وهل المُرَاد حقيقة العدد أم المُبالَغة؟ قال الطِّيبيُّ: الأظهر لي معنى التَّكثير، ويكون ذكر «البضع» للتَّرقي؛ يعني: أنَّ شعب الإيمان أعدادٌ مُبهَمةٌ [4] ، ولا نهاية لكثرتها، ولو أراد التَّحديد؛ لم يبهم، وقال آخرون: المُرَاد حقيقة العدد، ويكون النَّصُّ وقع أوَّلًا على البضع والسِّتِّين؛ لكونه الواقع، ثمَّ تجدَّدت العشر الزَّائدة فنصَّ عليها، وقد حاول جماعةٌ عدَّها بطريق الاجتهاد، وللبيهقيِّ وعبد الجليل كتاب: «شُعَب الإيمان».

(وَالْحَيَاءُ) بالمدِّ، وهو في الشَّرع: خُلُقٌ يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التَّقصير في حقِّ ذي الحقِّ، وهو هنا: مبتدأٌ، خبره: (شُعْبَةٌ)، و(مِنَ الإِيمَانِ) صفةٌ لـ: «شعبةٌ»، وإنَّما خصَّه هنا بالذِّكر؛ لأنَّه كالدَّاعي إلى باقي الشُّعب؛ لأنَّه يبعث على [/ج1ص92/] الخوف من فضيحة الدُّنيا والآخرة، فيأتمر وينزجر، ومن تأمَّل معنى الحياء ونظر في قوله عليه الصلاة والسلام: «استحيوا من الله حقَّ الحياء»، قالوا: إنَّا لنستحيي من الله يا رسول الله، والحمد لله، قال: «ليس ذلك، ولكنَّ الاستحياء من الله حقَّ الحياء أن يحفَظ الرَّأس وما وعى، والبطن وما حوى، ويذكرَ الموت والبلى، ومن أراد الآخرة؛ ترك زينة الدُّنيا، وآثر الآخرة على الأولى، فمن يعمل ذلك؛ فقد استحيا من الله حقَّ الحياء»، ورأى العجب العجاب، قال الجنيد: الحياء يتولَّد من رؤية الآلاء ورؤية التَّقصير، فَلْيَذُقْ مَن مُنِحَ الفضلَ الإلهيَّ، ورُزِقَ الطبعَ السَّليم معنى إفراد «الحياء» بالذِّكر بعد دخوله في الشُّعَب، كأنَّه يقول: هذه شعبةٌ واحدةٌ من شُعَبه، فهل تُحصَى وتُعَدُّ شُعَبُها؟ هيهات! واعلم أنَّه لا يُقَال: إنَّ الحياء من الغرائز فلا يكون من الإيمان؛ لأنَّه قد يكون غريزَةً، وقد يكون تخلُّقًا، إلَّا أنَّ استعماله على وفق الشَّرع يحتاج إلى اكتسابٍ وعلمٍ ونيَّةٍ، فمن ثمَّ كان من الإيمان مع كونه باعثًا على الطَّاعات واجتناب المُخالَفات، وفي هذا الحديث دلالةٌ على قبول الإيمان الزِّيادةَ؛ لأنَّ معناه _كما قال الخطَّابيُّ_: إنَّ الإيمان الشَّرعيَّ اسمٌ لمعنًى ذي أجزاءٍ له أدنى وأعلى، والاسم يتعلَّق ببعض تلك الأجزاء كما يتعلَّق بكلِّها، وقد زاد «مسلمٌ» على ما في «البخاريِّ»: «فأفضلُها قولُ: لا إله إلَّا الله، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطَّريق»، وتمسَّك به القائلون بأنَّ الإيمان فعلُ الطَّاعات بأسْرِها، والقائلون بأنَّه مُركَّبٌ من التَّصديق والإقرار والعمل جميعًا، وأُجِيب: بأنَّ المراد شُعَبُ الإيمان قطعًا لا نفسُ الإيمان، فإنَّ إماطة الأذى عن الطَّريق ليس داخلًا في أصل الإيمان حتَّى يكون فاقدُه غير مؤمنٍ [5] ، فلابدَّ في الحديث من تقدير مُضَافٍ، ثمَّ إنَّ في هذا الحديث تشبيه الإيمان بشجرةٍ ذاتِ أغصانٍ وشُعَبٍ، ومبناه على المَجاز؛ لأنَّ الإيمانَ _كما مرَّ في اللُّغة_ التَّصديقُ، وفي عُرْفِ الشَّرع: تصديقُ القلب واللِّسان، وتمامه وكماله بالطَّاعات، فحينئذٍ الإخبار عن الإيمان بأنَّه بضعٌ وستُّون يكون من باب إطلاق الأصل على الفرع؛ لأنَّ الإيمان هو الأصلُ، والأعمالُ فروعٌ منه، وإطلاق الإيمان على الأعمال مَجازٌ؛ لأنَّها تكون عن الإيمان، وهذا مبنيٌّ على القول بقبول الإيمان الزِّيادةَ والنُّقصانَ، أمَّا على القول بعدم قبوله لهما؛ فليست الأعمال داخلةً في الإيمان، واستدلَّ لذلك: بأنَّ حقيقةَ الإيمان التَّصديقُ، ولأنَّه قد ورد في الكتاب والسُّنَّة عطف «الأعمال» على «الإيمان»؛ كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [لقمان: 8] مع القطع بأنَّ العطف يقتضي المُغايرَة، وعدم دخول المعطوف في المعطوف عليه، وقد ورد أيضًا جعل الإيمان شرط صحَّة الأعمال؛ كما في قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [طه: 112] مع القطع بأنَّ المشروط لا يدخل في الشَّرط؛ لامتناع اشتراط الشَّيء لنفسه، وورد أيضًا إثبات الإيمان لمن ترك بعض الأعمال؛ كما في قوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} [الحجرات: 9] مع القطع بأنَّه لا تحقُّقَ للشَّيء بدون ركنه، ولا يخفى أنَّ هذه الوجوه إنَّما تقوم حجَّةً على من يجعلِ الطَّاعاتِ ركنًا من حقيقة الإيمان، بحيث إنَّ تاركها لا يكون مؤمنًا؛ كما هو رأي المعتزلة، لا على من ذهب إلى أنَّها ركنٌ من الإيمان الكامل؛ بحيث لا يخرج تاركها عن حقيقة الإيمان؛ كما هو مذهب الشَّافعيِّ رحمه الله، قاله العلَّامة التَّفتازانيُّ.

ومن لطائف إسناد حديث هذا الباب: أنَّ رجاله كلَّهم مدنيُّون، إلَّا العقديَّ فإنَّه بصريٌّ، وإلَّا المُسْنَديَّ، وفيه تابعيٌّ عن تابعيٍّ، وهو عبد الله بن دينارٍ عن أبي صالحٍ، وأخرج متنه أبو داودَ في «السُّنَّة»، والتِّرمذيُّ في «الإيمان»، وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنَّسائيُّ في «الإيمان» أيضًا وابن ماجه.

[1] في (ص): «وثمانين»، وهو تحريفٌ.
[2] في (ص): «البضعيَّة».
[3] «أبي»: سقط من (ص) و(م).
[4] في (ص): «مهملة».
[5] زيد في هامش (م): «بالاتِّفاق».





9- ( الْعَقَدِيُّ ): بفتح العين المهملة والقاف: نسبة إلى بطن من بجيلة.

( بِضْعٌ ) بكسر أوَّله، وحُكِيَ الفتح لغة، وروي «بضعة» بالتَّاء، والأشهر أنَّه ما بين الثَّلاث إلى التِّسع، وقيل: إلى العشر، وقيل: من واحد إلى تسعة، وقيل: من اثنين إلى عشرة، وعن الخليل: البضع: السَّبع.

( وَسِتُّونَ ) قال ابن حجر: لم تختلف الطُّرق عن العَقَديِّ فيه، وتابعه يحيى الحِمَّانيُّ عن سليمان بن بلال، وأخرجه أبو عَوَانة من طريق بِشْر بن عمر، عن سليمان بن بلال فقال: «بضع وستُّون، أو بضع وسبعون»، وكذا وقع التَّردُّد فيه عند مسلم من طريق سهيل بن أبي صالح عن عبد الله بن دينار، ورواه أصحاب السُّنن الثَّلاثة من طريقه، فقالوا: «بضع وسبعون» من غير شكٍّ، ولأبي عوانة في «صحيحه» من طريقه: «ستٌّ وسبعون، أو سبع وسبعون».

ورجَّح [/ج1ص157/] قوم رواية: «وستُّون» لأنَّها المتيقَّن، وما عداه مشكوك فيه، ورجَّح آخرون الأخرى لكونها زيادة ثقة، وتُعقِّب بأنَّ الذي زادها لم يستمرَّ على الجزم بها، لا سيَّما مع اتِّحاد المخرج، وعند التِّرمذيِّ: «أربع وستُّون» من طريق معلولة.

( شُعْبَةً ) بضمِّ أوَّله، أي: خصلة أو جزء، قال القاضي عياض: وقد تكلَّف جماعة عدَّها بطريق الاجتهاد، وفي الحكم بكون ذلك هو المراد صعوبة.

قال ابن حجر: ولم يتَّفق من عدَّ الشُّعَب على نمطٍ واحد، وأقربها إلى الصَّواب طريقةُ ابن حبَّان، فإنَّه عدَّ كلَّ طاعةٍ عدَّها اللهُ تعالى في كتابه أو النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في سنَّته من الإيمان.

قال ابن حجر: وقد رأيتها / تتفرَّع عن أعمال القلب، وأعمال اللِّسان، وأعمال البدن.

فأعمال القلب فيها: المعتقدات والنِّيَّات، وتشتمل على أربع وعشرين خصلة:

الإيمان بالله، ويدخل فيه: الإيمان بذاته، وصفاته، وتوحيده، وبأنَّ ليس كمثله شيء، واعتقاد حدوث ما دونه، والإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، والقدر خيره وشرِّه.

والإيمان باليوم الآخر، ويدخل فيه: المساءلة في القبر، والبعث [/ج1ص158/] والنُّشور، والحساب، والميزان، والصِّراط، والجنَّة، والنَّار.

ومحبَّة الله، والحبُّ والبغض فيه.

ومحبَّة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، واعتقاد تعظميه، ويدخل فيه: الصَّلاة عليه، واتِّباع سُنَّته.

والإخلاص ويدخل فيه: ترك الرِّياء والنِّفاق، والتَّوبة، والخوف، والرَّجاء، والشُّكر، والوفاء، والصَّبر، والرِّضا بالقضاء، والتَّوكُّل.

والرَّحمة، والتَّواضع ويدخل فيه: توقير الكبير، ورحمة الصَّغير، وترك التَّكبُّر والعُجْب، وترك الحسد، وترك الحقد، وترك الغضب.

وأعمال اللِّسان تشتمل على سبع خصال: التَّلفُّظ بالتَّوحيد، وتلاوة القرآن، وتعلُّم العلم وتعليمه، والدُّعاء، والذِّكر ويدخل فيه الاستغفار، واجتناب اللَّغو.

وأعمال البدن تشتمل على ثمان وثلاثين خصلة: منها ما يختصُّ بالأعيان، وهي خمس عشرة: التَّطهُّر حِسًّا وحُكمًا، ويدخل فيه: اجتناب النَّجاسات، وستر العورة، والصَّلاة فرضًا ونفلًا، والزَّكاة كذلك، وفكُّ الرِّقاب.

والجود ويدخل فيه: إطعام الطَّعام، وإكرام الضَّيف، والصِّيام فرضًا ونفلًا، والحجُّ والعمرة كذلك، والطَّواف، والاعتكاف، والتماس ليلة القدر.

والفِرَار بالدِّين؛ ويدخل فيه: الهجرة من دار الكفر، والوفاء بالنَّذر، والتَّحرِّي في الأيمان.

وأداء الكفَّارات؛ ومنها: ما يتعلَّق بالاتِّباع، وهي ستُّ خصال: التَّعفُّف بالنِّكاح، والقيام بحقوق العيال، وبرُّ الوالدين ومنه: اجتناب العقوق، وتربية الأولاد، وصلة الرَّحم، وطاعة السَّادة، والرِّفق بالعبيد. [/ج1ص159/]

ومنها ما يتعلَّق بالعامَّة، وهي سبع عشرة: القيام بالإمرة مع العدل، ومتابعة الجماعة، وطاعة أولي الأمر، والإصلاح بين النَّاس؛ ويدخل فيه: قتال الخوارج والبغاة.

والمعاونة على البرِّ؛ ويدخل فيه: الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وإقامة الحدود والجهاد، ومنه: المرابطة، وأداء الأمانة، ومنه أداء الخمس، والقرض مع وفائه، وإكرام الجار، وحسن المعاملة، وفيه: جمع المال من حلِّه وإنفاق المال في حقِّه، وفيه: ترك التَّبذير والإسراف، وردُّ السَّلام، وتشميت العاطس، وكفُّ الضَّرر عن النَّاس، واجتناب اللَّهو، وإماطة الأذى عن الطَّريق.

فهذه تسع وستُّون خصلة، ويمكن عدُّها تسعًا وسبعين خصلة باعتبار إفراد ما ضمَّ بعضه إلى بعض.

( الْحَيَاءُ ) بالمدِّ، وهي في اللُّغة: تغيُّر وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به، وفي الشَّرع: خلق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التَّقصير في حقِّ ذي الحقِّ، وإنَّما أفرده بالذِّكر؛ لأنَّه كالدَّاعي إلى باقي الشُّعب، إذ الحَييُّ يخاف فضيحة الدُّنيا و الآخرة فيأتمر وينزجر. [/ج1ص160/]


5/9# قال الإمام أبو عبد الله [1] : حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حدَّثنا أَبُو عامِرٍ [2] العَقَدِيُّ، قَالَ: حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ بِلالٍ، عن عَبْدِ اللهِ بنِ دِينارٍ، عن أَبِي صالِحٍ:

عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الإِيمانُ بِضْعٌ وسِتُّونَ شُعْبَةً، والحَياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمانِ».

وقد [3] رواه سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، فقال: «بضع وسبعون باباً [4] ». ولم يذكرهُ أبو عبد الله؛ لأنَّ سُهيلاً ليس من شرطه.

حدَّثناه ابنُ الأعرابيِّ، قال حدَّثنا العبَّاس بن عبد الله التَّرقُفيُّ، قال: حدَّثنا محمد بن يوسف الفريابيُّ، قال: حدَّثنا سفيان، عن سهيل، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الإيمانُ بضعٌ وسبعون باباً، أفضلُها شهادة أن لا إلهَ إلَّا الله، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريق، والحياءُ شعبةٌ من الإيمان.» [5]

وحدَّثنا إسماعيل بن محمَّد الصَّفَّار، قال: حدَّثنا الحسن بن مُكرم، قال: حدَّثنا عليُّ بن عاصم، قال: حدَّثنا سهيل، عن عبد الله بن دينار، حدَّثني أبوك_ أبو صالح_ عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مِثلَه، إلَّا أنَّه [6] قال: «أوَّلُها لا إله إلَّا الله.»

فقد ثبت برواية سليمان بن بلال التي اعتمدها أبو عبد الله، ثمَّ بمتابعة سهيل إيَّاه في روايته أنَّ الإيمانَ اسمٌ ينشعب [7] إلى أمور ذات عدد، جماعُها الطاعة؛ ولهذا مَنْ صار من العلماء [8] إلى أنَّ الناسَ متفاضلون في دَرَج الإيمان، وإن كانوا متساوين في اسمه، وكان بدءُ الإيمان كلمة الشهادة، وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بضع عشرة سنة يدعُو الناسَ إليها، ويُسمِّي مَنْ أجابه إلى ذلك مؤمناً، إلى أن نزلت الفرائض بعدُ، وبهذا الاسم خوطبوا عند إيجابها عليهم، قال الله تعالى:

@%ص21%

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ } [المائدة: 6] وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ [9] } [الحج: 77] .

وهذا الحكم مستمِّر في كلِّ اسم يقع على أمر ذي شعب وأجزاء، كالصلاة والحجِّ ونحوهما، فإنَّ رجلاً لو مرَّ على مسجد وفيه قوم، فيهم مَنْ يستفتح الصلاة، وفيهم مَنْ هو راكع أو ساجد، فقال: رأيتهم يصلُّون، أو وجدتهم مُصلِّين. كان صادقاً في قوله، مع اختلاف أحوالهم في الصلاة، وتفاضل أفعالهم منها، وكذلك هذا في مناسك الحجِّ، ولو أنَّ قوماً أُمروا بدخول دارٍ، فدخلها أحدٌ، فلمَّا تَعتَّب [10] البابَ أقام مكانه، وجاوزه الآخر حتَّى دخل صَحْنَ الدار، وأمعن في الدُّخول إلى البيوت والمخادع كانَا في انطلاق اسم دخول الدار عليهما متساويين، مع اختلاف أحوالهما في القلَّة والكثرة منه، وعلى هذا سائر نظائرها وَأشكالها؛ ويؤيِّد القولَ بأنَّ الإيمانَ ذُو شُعب ما روِّيناه عن النعمان بن مُرَّة الأنصاريِّ.

حدَّثنا ابنُ الأعرابيِّ، قال: حدَّثنا محمَّد بن عبد الملك الدَّقيقيُّ، قال: حدَّثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد الأنصاريُّ: أنَّ النعمان ابن مُرَّة الأنصاريَّ [11] أخبره: أنَّ رجلاً ذَكَرَ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الحياءَ، فقال صلى الله عليه وسلم : «إنَّ الإيمان ذُو شُعبٍ، والحياءُ شعبةٌ من الإيمان».

فإن قيل: إذا كان الإيمان عندكم على ما رويتموه [12] من العدد بضعاً وستِّين، أو سبعين شعبة، أو باباً، فهل يُمكنكم أن تُسمُّوها بأسمائها باباً باباً، كما حصرتموها عدداً وحساباً؟ أرأيتم إنْ لم يمكنكم ذلك، وعجزتم عن تفصيلها شيئاً شيئاً، هل يصحُّ إيمانُكم بما هو مجهول عندكم، غير معلوم لكم؟

قيل: إنَّ إيماننا بحقِّ ما كُلِّفناه من ذلك صحيح، والعلم به حاصل، والجهل معه مرفوع، وذلك من وجهين:

أحدهما: أنَّه قد نصَّ على أعلا الإيمان وأدناه باسم أعلى الطاعات وأدناها، وهو في خبر سهيل بن أبي صالح، فدخل في ذلك جميع ما يقع بينهما من جنس

@%ص22%

الطاعات كلِّها، وجنسُ الطاعات معلومٌ غيرُ مجهول.

والوجه الآخر: أنَّه لم يُؤخذ [13] علينا معرفة هذه الأشياء بخواصِّ أسمائها، حتَّى يَلْزَمُنا ذكرها وتسميتها في عَقْد الإيمان، وإنَّما كُلِّفنا التصديقَ بجملتها، والاجتهاد في الإتيان [14] بما أمكن منها، كما كُلِّفنا الإيمانَ بأنبياء اللهِ وملائكته وكتبه ورسله، وإن كنا لا نُثبت أسماء أكثر الملائكة، وأسماءِ كثيرٍ من الأنبياء، صلوات الله عليهم أجمعين.

ثمَّ إنَّ ذلك غيرُ قادحٍ فيما أتينا به من أصل [15] الإيمان، وقد رُوي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم فيما يَحكي عن ربِّه عز وجل : «أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خَطَر على قلب بشر» [16] . وقد يلزمنا الإيمانُ بها جملةً، وإن كان لا سبيلَ لنا إلى معرفة تفصيلها، وقد أشبعنا الكلامَ في بيان زيادة الإيمان ونقصانه وسائر أحكامه، فمن أَحَبَّ أن يَسْتَوْفيَ ما ذكرناه من عِلمه فليأخذه من كتاب «السِّراج» [17] ، فالقدر الذي ذكرناه هاهنا كافٍ على شرط ما أُنشئ له هذا الكتاب إن شاء الله [18] .

[1] في الأصل هنا زيادة كلمة (قال)، ولم أثبتها للتكرار.
[2] في (ط): (أبا عامر).
[3] في (ر): (قال الخطابي رحمه الله : وقد).
[4] قوله: (باباً) زيادة من (ط).
[5] انظر: سنن أبي داود (4676)، والترمذي (2746).
[6] في (ر) و (ف) و (م): (غير أنه).
[7] في (ط): (يتشعب) بالتاء بعد الياء
[8] في (ط): (ولهذا صار من العلماء....).
[9] في (ط) زيادة: (لعلكم)
[10] في (ط): (فلم يُعتِّب) بالمضارع، وفي النسخ الفروع: (فتعتب).
[11] (أن النعمان بن مرة الأنصاري) سقط من (ط).
[12] في (ط): (رأيتموه).
[13] في (ط): (توجب) بالتاء والجيم والباء.
[14] في (ط): (بالإتيان)
[15] في (أ) و (م): (أصول).
[16] انظر: البخاري (3244)، عن أبي هريرة.
[17] هكذا في النسخ الستة، وفي غريب الحديث للخطابي (1/20): (الشجاج)، وفي وفيات الأعيان (2/214): (الشحاح) بمهملتين
[18] (إن شاء الله) سقط من (ط)





9- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الجُعْفِيُّ [1]، أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ العَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ،

#%ص97%

عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [2] قَالَ ((الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ)).

الشرح:

أما (أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه) فَاخْتُلِفَ في اسمه واسم أبيه على نحو ثلاثين قولًا [3]، أصحها عند الأكثرين: أن اسمه عبد الرحمن بن صخر الدوسي، وروينا عنه قال: كان اسمي في الجاهلية عبدَ شمس [4]، وسُميت في الإسلام عبد الرحمن، وهو منسوب إلى دَوْس بن عُدْثَان- بضم العين المهملة [5] وبالمثلثة- واسم أم أبي هريرة ميمونة، قاله الطبراني، وقال الحافظ أبو موسى: أميمة.

قال ابن قتيبة في «المعارف»: اسمها [6] أميمة بنت صفيح بن الحارث، من [7] دوس، وقد أسلمت أمه [8] رضيَ الله عنها بدعاء رسول الله صلَّى الله عليه وسلم، وحديث إسلامها في الصحيح مشهور.

وهو أول من كُنِّيَ بأبي هريرة، واخْتُلِفَ في سببه فجاء عنه [9]قال: [10]؛ لأني وجدت هرة فحملتها في كُمِّي، فقيل: أنت أبو هريرة.

وعنه قال: كنت أرعى غنمًا، وكان لي هرة صغيرة، كنت أضعها بالليل في شجرة، فإذا كان النهار ذهبتُ بها معي ألعب بها، فَكَنُّوِني بها [11]، وقيل: رآه النبي صلَّى الله عليه وسلَّم وفي كُمِّه هرةً، فقال: ((يَا أَبَا هُرَيْرَةَ)).

كان أبو هريرة رضي الله عنه عَرِّيف [12] أهل الصُّفَّةِ، أسلم [13] عام [14] خيبر بالاتفاق، وشهدها مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ثم لزمه وواظب [15] عليه، وحمل عنه صلَّى الله عليه وسلَّم من العلم شيئًا كثيرًا [16]، وهو أكثر الصحابة رواية بإجماع العلماء، روي له عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم خمسةُ آلافِ حديث وثلاثمائة حديث وأربعة وسبعون [17] حديثًا، اتفق البخاري ومسلم منها على ثلاثمائة وخمسة [18] وعشرين [19] [20]، وانفرد البخاري بثلاثة وتسعين، ومسلم بمائة وتسعين.

روى عنه نحو ثمانِمائة رجل أو أكثر من العلماء من الصحابة والتابعين منهم: ابن عباس، وجابر، وأنس رضيَ اللهُ عنهم، وهو أزدي دوسي، [21] ثم مدني، كان ينزل بذي الْحُلَيْفَةِ بقرب المدينة، له بها دار تصدق بها على مواليه.

توفي بالمدينة سنة تسع وخمسين، وقيل: ثمان - وقيل: سبع - وخمسين، ودفن بالبقيع.

وتُوفِّيَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها في تلك

#%ص98%

السنة، وصلَّى عليها أبو هريرة رضي الله عنهما، وتوفي [22] ابن ثمان وسبعين سنة، ومناقبه كثيرة مشهورة، ومن الرواة عنه [23] ابن [24] المحرر- بفتح الحاء المهملة وبراء مفتوحة ثم راء أخرى-.

فصل: وأما (أَبُو صَالِحٍ): فاسمه ذَكْوانُ السَّمَّانُ الزَّيَّاتُ المدني، كان يجلب السَّمْنَ والزَّيت إلى الكوفة، مولى جويرية [25] بنت الأَحْمَس الغَطَفَاني.

سمع جماعات من الصحابة وآخرين من التابعين رضيَ الله عنهم، روى عنه جماعات من التابعين منهم: عطاء، وأبو حازم سلمة بن دينار، والحكم، والزهري، وعبد الله بن دينار، ويحيى الأنصاري، وخلائق سواهم.

واتفقوا على توثيقه، قال أحمد بن حنبل: هو ثقة [26]، من أجلِّ الناس وأوثقهم، توفي بالمدينة سنة إحدى ومائة.

فصل: وأما (عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ): فهو أخو عمرو بن دينار، وهو أبو عبد الرحمن عبدُ الله [27] بنُ دينار، القرشي، العدوي، المدني، مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب، سمع ابن عمر وأنسًا وآخرين.

روى عنه: ابنه عبد الرحمن، ويحيى [28] الأنصاري، وسهل [29]، وربيعة الرأي، وموسى بن عقبة.

توفي سنة سبع وعشرين ومائة.

فصل: وأما (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ) فهو أبو محمد، ويقال: أبو أيوب، القرشي التيمي المدني، مولى آل أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

سمع جماعاتٍ من التابعين منهم: عبد الله بن دينار، ويحيى الأنصاري، وهشام بن عروة، وموسى بن عقبة، وصالح بن كيسان، وآخرون، روى عنه الأعلام كابن المبارك وغيره.

قال محمد بن سعد: كان بربريًا جميلًا حسن الهيئة عاقلًا، وكان يفتي بالبلد، وولي خراج المدينة. وتوفي بها سنة اثنين [30] وسبعين ومائة، قال [31] البخاري عن هارون بن محمد [32]: سنة سبع وسبعين ومائة.

فصل: وأما (أَبُو عَامِرٍ العَقَدِيُّ): -فبفتح العين والقاف- واسمه عبد الملك بن عمرو بن قيس البصري.

سمع مالكًا والثوري وشعبة وخلائق من الأعلام وغيرهم.

روى عنه: ابنُ مَهْدي، وأحمدُ بنُ حنبل، وابنُ مَعِيْن، وابن المديني، وابنُ راهَوَيْه، وابن بشار، وابن المثنى، وخلائق من الأعلام.

قال ابنُ مهدي [33]: كتبت حديث ابن أبي ذئب عن أوثق شيخ أبي عامر

#%ص99%

العقدي، والعَقَدُ قوم من قيس، وهم بطن من الأزد.

قال أبو الشيخ الحافظ: إنما سُمُّوا عَقَدًا؛ لأنهم كانوا لئامًا.

واتفق الحفاظ على توثيق العقدي وجلالته، قال أبو داود: مات سنة خمس، وقيل: أربع ومائتين.

فصل: وأما شيخ البخاري فهو أبو جعفر (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) [34]بنِ عبد الله بن جعفر بن اليمان بن أَخْنَس بن خُنَيْس الجُعْفي البخاري المسنَدي- بفتح النون- سمي بذلك؛ لأنه كان يطلب المسندات، ويرغب عن المرسل والمنقطعات، واليمان هذا هو مولى [35] أحد أجداد البخاري ولاء إسلام، كما بيناه في أول الكتاب.

سمع فضيل بن عياض وابن عيينة ووكيعًا وعبد الرزاق وخلائق.

روى عنه الأعلام من حفاظ الإسلام منهم: الذُّهْليُّ، والدَّارِميُّ، والبخاريُّ، وأبو زُرْعَةَ وأبو حاتم الرازيان، وأحمد بن سنان، ومحمد بن نصر، وغيرهم.

قال البخاري: مات سنة تسع وعشرين ومائتين.

فصل:

وأما لغات الباب:

ففيه: (الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً) هكذا وقع هنا في بعض الأصول، ووقع في أكثرها: (بِضْعَه)، بالهاء، وأكثر الروايات في غير هذا الموضع [36]بلا هاء، وهو الجاري على اللغة المشهورة، [37]ورواية الهاء صحيحة أيضًا [38] على التأويل [39].

والبِضْعُ والبِضْعَةُ: -بكسر الباء- على اللغة المشهورة [40]، وبها جاء القرآن العزيز، وبفتحها في لغة قليلة، وهو مستعمل فيما بين الثلاثة والعشرة، هذا هو الصحيح المشهور في معناه وفيه أقوال أخر، و(الشُّعْبَةُ): القطعة والفرقة.

وأما قوله: (بِضْعٌ وَسِتُّونَ) فكذا وقع هنا، وثبت في «صحيح مسلم» [41]: ((بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً)). وفي رواية لمسلم: ((بِضْعٌ وَسَبْعُونَ، أو بِضْعٌ وَسَبْعُونَ [42]، أو بِضْعٌ وَسِتُّونَ)).

قال القاضي عياض: الصواب ما وقع في سائر الأحاديث ولسائر الرواة: (بِضْعٌ وَسَبْعُونَ) [43]، وهكذا اختار ترجيح رواية: (بِضْعٌ وَسَبْعُونَ) الإمام البارع أبو عبد الله الحَلِيمي إمام أصحابنا الشافعيين ببخارى، وكان من أعلام الإسلام

#%ص100%

رحمه الله تعالى، وكذا رجحها جماعة غيره، ومنهم من رجح رواية (بِضْعٌ وَسِتُّونَ)؛ لأنها المتيقن، والصواب ترجيح (بِضْعٌ وَسَبْعُونَ)؛ لأنها زيادة من ثقات، وزيادة الثقات مقبولة مقدمة، وليس في رواية (بِضْعٌ وَسِتُّونَ) ما يمنع الزيادة [44]، وبالله التوفيق.

وقد بَيَّن النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أعلى هذه الشُّعَب [45] وأدناها، كما ثبت [46] في الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم: ((أَعْلَاهَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ)) فبين صلَّى الله عليه وسلَّم أن أعلاها التوحيد المتعين على كل مكلف، والذي لا يصح غيره من الشُّعَب إلا بعد صحته، وأن أدناها [47] ما يندفع به [48] ضرر المسلمين، وبقي بينهما تمام العدد، فيجب علينا الإيمان به وإن لم نعرف [49] أعيانَ جميعَ أفراده، كما نؤمن بالأنبياء والملائكة - صلوات الله وسلامه عليهم - وإن لم نعرف أعيانهم وأسماءهم.

وقد صنف العلماء في تعيين هذه الشُّعَب كتبًا كثيرة، من أغزرها فوائد وأعظمها جلالة كتاب «المنهاج» لأبي عبد الله الحُلَيْمَي، ثم حَذا [50] الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي حَذوَه [51] وزاد [52] عليه، وأتى من التحقيق والفرائد [53]، بما [54] لا مزيد عليه في كتابه «شعب الإيمان» فرحمه الله ورضي عنه [55].

وقال الإمام الحافظ أبو حاتم ابن حِبَّان - بكسر الحاء - البستي: تتبعت معنى هذا الحديث مدة [56]، وعددت الطاعات، فإذا هي تزيد على هذا العدد شيئًا كثيرًا، فرجعت إلى السنن [57] فعددت كل طاعة عدها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من الإيمان فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين، فرجعت إلى كتاب الله سبحانه وتعالى وقرأته بالتدبر [58]، وعددت كل طاعة عَدَّها الله تعالى من الإيمان فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين، فضممت إلى الكتاب السُّنَنَ، وأسقطت المعاد، فإذا كل شيء عدَّه الله عز وجل ورسوله صلَّى الله عليه وسلَّم من الإيمان تسعٌ وسبعون، لا تزيد عليها ولا تنقص [59]، فعلمتُ أنَّ مراد النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ هذا العددَ في الكتاب والسنن، ذكر أبو حاتم كل ذلك [60] في كتاب: «وصف

#%ص101%

الإيمان وشعبه» والله أعلم.

وهذا الحديث نصٌّ في إطلاق اسم الإيمان الشرعي على الأعمال، وقد تقدَّمَ بيانُ هذا، والله أعلم.

قوله [61] صلَّى الله عليه وسلَّم: (والْحَيَاءُ [62] شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ) وفي رواية أخرى في الصحيح: ((الحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ)) وفي أخرى: ((الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي [63] إِلَّا بِخَيْرٍ)) وفي أخرى [64]: ((الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ)).

فالحياء - ممدود - هو [65] الاستحياء، قال الإمام أبو الحسن الواحدي: قال أهل اللغة: الاستحياء من الحياة، واستحيى الرجلُ من قوة الحياة فيه؛ لشدة علمه بمواقع العيب، قال: والحياء [66] من قوة الحسِّ ولطفه.

وروينا في رسالة الأستاذ الإمام أبي القاسم عبد الكريم بن هوزان القشيري رحمه الله تعالى، عن السيد الجليل أبي القاسم الجنيد [67] رحمه الله تعالى ورضي عنه قال: الحياء رؤية الآلاء، أي: النعم، ورؤية التقصير، فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء.

قال القاضي وغيره من الشراح: إنما جعل الحياء من الإيمان وإن كان غريزة [68]؛ لأنه قد يكون تخلقًا واكتسابًا كسائر أعمال البر، وقد يكون غريزة [69]، لكن [70] استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى اكتساب ونية وعلم [71]، فهو من الإيمان لهذا، ولكونه باعثًا على أفعال الخير ومانعًا من المعاصي.

وأما كونه خيرًا [72] كله ولا يأتي [73] إلا بخير، فقد يُسْتَشْكَلُ [74] منْ حيثُ إنَّ [75] صاحبَ الحياء قد يستحيي أنْ يواجهَ بالحق رجلًا يُجِلُّهُ، فيترك أمرَه بالمعروف ونهيه عن المنكر، وقد يحمله الحياء على الإخلال [76] أو الحقوق وغير ذلك، مما هو معروف في العادة [77]، والجواب عن هذا الإشكال: أن هذا المانع المذكور ليس بحياء حقيقة، بل هو عجز وخور ومهانة [78] وضعف، وإنما تسميته حياء من إطلاق بعض أهل العرف، أطلقوه مجازًا لمشابهته الحياء الحقيقي، وإنما حقيقة الحياء: خلقٌ يبعثُ على اجتناب القبيح، ويمنع عن [79] التقصير في حق ذي الحق، ويدل عليه ما ذكرناه عن الجنيد رحمه الله، والله أعلم.

[1]جاء في حاشية (ك): ((أي وهي قبيلة)).
[2]قوله: ((عن النبي صلى الله عليه وسلم)) ليس في (ك).
[3] قوله: ((قولًا)) ليس في (ع).
[4] في (ع): ((الشمس)).
[5] قوله: ((المهملة)) ليس في (ص).
[6] قوله: ((اسمها)) ليس في (ت).
[7] في (ك) و(ص): ((بن)).
[8] في الأصل (ز): ((أمها)).
[9] قوله: ((واختلف في سببه فجاء عنه)) بياض في الأصل(ز).
[10] زاد في (ت) و(ص) و(ع): ((إنما كنيت أبا هريرة))، وفي (ك): ((إنما كنيت بأبي هريرة)).
[11] زاد في (ك): ((أبا هريرة)).
[12] جاء في حاشية (ك): ((أي يقوم في مصالحهم)).
[13] قوله: ((أسلم)) ليس في الأصل(ز).
[14] في (ص): ((على)).
[15] في (ع): ((وواضب)).
[16] في (ك): ((شيئًا كثيرًا من العلم)).
[17] في (ع): ((وستون)).
[18] في (ع): ((وسبعة)).
[19] في (ص): ((وعشرون)).
[20] زاد في (ك): ((حديثًا)).
[21] زاد في (ت) و(ع): ((يماني))، وفي (ك) و(ص): ((يمان)).
[22] زاد في (ك): ((وهو)).
[23] زاد في (ك) و(ص): ((رجل)).
[24] في (ك) و(ص): ((اسمه)).
[25] في (ك) و(ص): ((جويرة)).
[26] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى: ((ثقة ثقة)).
[27] قوله: ((عبد الله)) ليس في (ك).
[28] زاد في (ع): ((بن سعيد)).
[29] في (ك) و(ع): ((وسهيل)).
[30] في (ت) و(ك) و(ص): ((ثنتين))، وفي (ع): ((ست)).
[31] في (ت) و(ص) و(ع): ((وقال)).
[32] قوله: ((عن هارون بن محمد)) ليس في (ص).
[33] قوله: ((مهدي)) ليس في (ص).
[34] قوله: ((بن محمد)) ليس في (ص).
[35] قوله: ((مولى)) ليس في (ع).
[36] زاد في (ك): ((بضع)).
[37] زاد في (ك): ((ووقع في أكثرها بضعه بالهاء)).
[38] قوله: ((أيضًا)) ليس في (ع).
[39] قوله: ((ورواية الهاء صحيحة أيضًا على التأويل)) ليس في (ك).
[40]في (ت): ((المشهور)).
[41] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى زيادة: ((وغيره)).
[42] قوله: ((أو بضع سبعون)) ليس في (ك) و(ص)، وفي الأصل(ز) و(ت) وضع عليها (صح).
[43] زاد في (ت) و(ص): ((هذا كلام القاضي عياض، الصواب ما وقع في سائر الأحاديث ولسائر الرواة))، وفي (ع): ((هذا كلام القاضي عياض))، وفي (ك): ((هذا كلام القاضي)) .
[44] في (ص): ((ذلك)).
[45] قوله: ((الشعب)) ليس في (ص).
[46] في (ص): ((بينا)).
[47] في (ك): ((أدناه)).
[48] في (ت) و(ص) و(ع): ((ما يتوقع منه))، وفي (ك): ((ما يتوقع فيه)).
[49] في (ت): ((يعرف)).
[50] في (ت): ((حدا)).
[51] في (ت): ((حدوه)).
[52] في (ع): ((فزاد)).
[53] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى: ((والفوائد)).
[54] في (ت): ((وبما)).
[55] في (ك): ((فرحمهما الله ورضي عنهما)).
[56] في (ص): ((مرة)).
[57] في (ت): ((البستي)).
[58] في (ص): ((بالتدبير)).
[59] في (ك): ((لا يزيد عليها ولا ينقص)).
[60] في (ك) و(ص) و(ع): ((هذا)).
[61] في (ص): ((وقوله)).
[62] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى: ((الحياء)).
[63] في (ك): ((لا يأتِ)).
[64] في (ص) و(ع): ((رواية)).
[65] في (ك): ((وهو)).
[66] في (ك): ((فالحياء)).
[67] في (ع): ((جنيد)).
[68] في (ص): ((غريز)).
[69] قوله: ((لأنه قد يكون تخلقًا واكتسابًا كسائر أعمال البر، وقد يكون غريزة )) ليس في (ص).
[70] في (ت) و(ك) و(ع): ((ولكن)).
[71] في (ت): ((وعمل)).
[72]في (ت) و(ص): ((خير)).
[73] في (ك): ((ولا يأتِ)).
[74] في (ص) و(ع): ((استشكل)).
[75] قوله: ((إن)) ليس في (ص).
[76] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى زيادة: ((ببعض العبادات)).
[77] في (ك): ((بالعادة)).
[78] في (ص): ((ونهاية))، وفي (ع): ((ومهابة)).
[79] في (ت) و(ك) و(ص): ((من)).
#%ص102%





لا تتوفر معاينة

9# قوله: (الشُّعْبَة): القطعة والفرقة، وقيل: هي الطَّائفة من الشَّيء، أعلى هذه الشُّعب: لا إله إلَّا الله وأفضلها وأرفعها، وأدناها: إماطة الأذى عن الطَّريق.

قوله: (الْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ): قال الجنيد: حقُّ الحياء رؤية الآلاء؛ أي: النِّعم، ورؤية التَّقصير، فيتولَّد بينهما حالة تسمَّى الحياء.


9- وبالسند قال: ((حدثنا عبد الله بن محمد)) بن جعفر المُسْنَدي؛ بضم الميم، وسكون المهملة، وفتح النون، سمي به؛ لأنَّه كان يطلب المسندات، أو لأنَّه؛ أول من جمع مسند الصحابة على التراجم بما وراء النهر، وفي رواية: (الجعفي) المتوفى سنة تسع وعشرين ومئة، ((قال: حدثنا أبو عامر)) عبد الملك بن عمرو بن قيس العقدي؛ بفتح العين المهملة والقاف: نسبة إلى العقد؛ قوم من قيس؛ قبيلة من اليمن، أو بطن من الأزد، المتوفى سنة خمس ومئتين، ((قال: حدثنا سليمان بن بلال)) القرشي المدني، المتوفى سنة اثنين وسبعين ومئة، ((عن عبد الله بن دينار)) القرشي العدوي المدني، مولى ابن عمر، المتوفى سنة سبع وعشرين ومئة، ((عن أبي صالح)) ذكوان السمان الزيات المدني، المتوفى سنة إحدى ومئة، ((عن أبي هريرة)) رضي الله عنه تصغير (هرة) : عبد الرحمن بن صخر الدوسي، المختلف في اسمه على أكثر من ثلاثين قولًا، المتوفى بالمدينة سنة تسع وخمسين، ((عن النبي)) الأعظم ((صلى الله)) تعالى ((عليه وسلم)) : أنه ((قال: الإيمان)) بالرفع مبتدأ، وخبره ((بضع)) ؛ بكسر الموحدة وقد تفتح.

قال الفراء: هو خاص [/ص12/] بالعشرات إلى التسعين، فلا يقال: بضع ومئة ولا بضع وألف، انتهى، وفي «القاموس»: هو ما بين الثلاث إلى التسع، أو إلى الخمس، أو ما بين الواحد إلى أربع، أو من أربع إلى تسع، أو هو سبع، وإذا جاوز العشر؛ ذهب البضع، لا يقال: بضع وعشرون، أو يقال ذلك، انتهى، ويكون مع المذكر بهاء، ومع المؤنث بغير هاء، فتقول: بضعة وعشرون رجلًا، وبضع وعشرون امراة، ولا تعكس، وفي رواية: (بضعة) .

((وستون شعبة)) بتأنيث بضعة على تأويل الشعبة بالنوع؛ إذا فسرت الشعبة بالطائفة من الشيء، وقال الإمام شهاب الدين الكرماني: إنَّها في أكثر الأصول، قال ابن حجر: بل هي في بعضها، واعترضه الإمام بدر الدين العيني، ورجح قول الكرماني، وقال: إنه الصواب، ورجح القسطلاني قول ابن حجر؛ تعصبًا.

وقد وقع عند مسلم عن عبد الله بن دينار: (بضع وستون أو بضع وسبعون) على الشك، وعند أصحاب «السنن»: (بضع وسبعون) من غير شك، وهل المراد حقيقة العدد أم المبالغة؟ قيل: الظاهر أنه معنى التكثير، ويكون ذكر البضع؛ للترقي؛ يعني: أن شعب الإيمان أعداد مبهمة ولا نهاية لكثرتها، ولو أراد التحديد؛ لم يبهم، وقيل: المراد حقيقة العدد، ويكون النص وقع أولًا على البضع والستين؛ لكونه الواقع، ثم تجددت العشرة الزائدة، فنص عليها؛ فتأمل.

((والحياء)) بالمد، وهو شرعًا: خلق يَبعث على اجتناب القبيح وفعل الحسن؛ وهو مبتدأ، خبره ((شعبة)) ، وقوله: ((من الإيمان)) صفة لـ (شعبة) ، وإنما خصه بالذكر؛ لأنَّه كالداعي إلى باقي الشعب؛ لأنَّه يبعث على الخوف من فضيحة الدنيا والآخرة، وانظر إلى قول الرسول الأعظم عليه السلام: «استحيوا من الله حق الحياء»، قالوا: إنا لنستحي من الله يا رسول الله والحمد لله، قال: «ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء؛ أن يحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ويذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا وآثر الآخرة على الأولى، فمن يعمل ذلك؛ فقد استحى من الله حق الحياء».

لا يقال: إن الحياء من الغرائز فلا يكون من الإيمان؛ لأنَّه قد يكون غريزة، وقد يكون تخلقًا، إلا أن استعماله على وَفق الشرع؛ يحتاج إلى اكتساب، وعلم، ونية، فمن ثَمَّ كان من الإيمان، وقد زاد مسلم على ما هنا: (فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) ، واستدل بهذا القائلون: بأن الإيمان فعل الطاعات بأسرها، والقائلون: بأنه مركب من التصديق، والإقرار، والعمل جميعًا.

وأجيب بأن المراد شعب الإيمان قطعًا لا نفس الإيمان؛ فإن إماطة الأذى عن الطريق ليس داخلًا في أصل الإيمان حتى يكون فاقده غير مؤمن، فلا بد في الحديث من تقدير مضاف، فالمراد: ثمرات الإيمان؛ لأنَّ الأعمال غير داخلة في الإيمان؛ لما مر أن حقيقة الإيمان؛ هو التصديق، ولأنه قد ورد في الكتاب والسنة عطف الأعمال على الإيمان؛ كقوله تعالى: ({إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الكهف: 107] ) مع القطع بأن العطف يقتضي المغايرة وعدم دخول المعطوف في المعطوف عليه.

وورد أيضًا: جعل الإيمان شرط صحة الأعمال؛ كما في قوله تعالى: ({وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [طه: 112] ) مع القطع بأنَّ المشروط لا يدخل في الشرط؛ لامتناع اشتراط الشيء بنفسه، وورد إثبات الإيمان لمن ترك بعض الأعمال؛ كما في قوله تعالى: ({وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} [الحجرات: 9] ) على ما مر؛ من أن العبد لا يخرج بالمعصية عن الإيمان مع القطع بأنَّه تحقق للشيء بدون ركنه؛ فهذا دليل على أن الأعمال غير داخلة في الإيمان، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ كما علمت؛ فليحفظ.