إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: الإيمان بضع وستون شعبة

9 # وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) أي: ابن جعفرٍ المُسْنَدِيُّ؛ بضمِّ الميم وسكون المُهملَة وفتح النُّون، سُمِّي به لأنَّه كان يطلب المُسنَدات، ويرغب عنِ المُرسَل والمنقطع، أو كان يتحرَّى المسانيد، أو لأنَّه أوَّلُ من جمع «مُسند الصَّحابة على التَّراجم بما وراء النَّهر»، وفي رواية ابن عساكرَ: ((الجعفيُّ)) كما في فرع «اليونينيَّة» كهي، المُتوفَّى سنة تسعٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ) عبد الملك بن عمرو بن قيسٍ (الْعَقَدِيُّ) بفتح العين المُهملَة والقاف؛ نسبةً إلى العقَد، قومٌ من قيسٍ؛ وهم بطنٌ من الأزد أو بطن من بجيلة، أو قبيلةٌ من اليمن، البصريُّ، المُتوفَّى سنة خمسٍ أو أربعٍ ومئتين [1] (قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) القرشيُّ المدنيُّ، المُتوفَّى بها سنة اثنتين وسبعين ومئةٍ (عن عبد الله بن دينارٍ) القرشيِّ العدويِّ المدنيِّ، مولى ابن عمرَ، المُتوفَّى سنة سبعٍ وعشرين ومئةٍ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان الزَّيات المدنيِّ، المُتوفَّى بها سنة إحدى ومئةٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه) تصغير هِرَّةٍ؛ عبدِ الرَّحمن بن صخرٍ الدَّوسيِّ، المُختلَف في اسمه، قال النَّوويُّ: على أكثر من ثلاثين قولًا، وحمله في «الفتح» على الاختلاف في اسمه واسم أبيه معًا، المُتوفَّى بالمدينة سنة تسعٍ أو ثمانٍ أو سبعٍ وخمسين، وأسلم عام خيبر، وشهدها مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ثمَّ لزمه وواظبه حتَّى كان أحفظ أصحابه، وروى عنه عليه الصلاة والسلام فَأَكْثَرَ، ذكر بَقِيُّ بن مَخْلِدٍ أنَّه روى خمسةَ آلافِ حديثٍ وثلاث مئةٍ وأربعةً وسبعين حديثًا، وله في «البخاريِّ» أربعُ مئةٍ وستَّةٌ وأربعون حديثًا، وهذا أوَّل حديثٍ وقع له في هذا «الجامع» (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) أنَّه (قَالَ: الإِيمَانُ) بالرَّفع مبتدأٌ، خبرُه: (بِضْعٌ) بكسر المُوحَّدة وقد تُفتَح، قال الفرَّاء: هو خاصٌّ بالعشرات إلى التِّسعين، فلا يُقال: بضعٌ ومئةٌ، ولا بضعٌ وألفٌ، وفي «القاموس»: هو ما بين الثَّلاث إلى التِّسع أو إلى الخمس، أو ما بين الواحد إلى أربعةٍ، أو من أربعٍ إلى تسعٍ، أو هو سبعٌ، وإذا جاوز العشرَ ذهب البِضْعُ، لا يُقَال: بضعٌ وعشرون، أو يُقال ذلك. انتهى. ويكون مع المُذكَّر بِهَاءٍ، ومع المُؤنَّث بغير هاءٍ، فتقول: بضعةٌ وعشرون رجلًا، وبضعٌ وعشرون امرأةً، ولا تعكس، وفي رواية أبي ذَرٍّ وأبي الوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: ((بضعةٌ)) (وَسِتُّونَ شُعْبَةً) بتأنيث «بضعةٌ» على تأويل الشُّعبة بالنَّوع، إذا فُسِّرتِ الشُّعبة [2] بالطَّائفة من الشَّيء، وقال الكرمانيُّ: إنَّها في أكثر الأصول، قال ابن حجرٍ: بل هي في بعضها، وصوَّب العينيُّ قول الكرمانيِّ تعصُّبًا، والذي رأيته في هامش فرع «اليونينيَّة» كهي، قال الأَصيليُّ: صوابه: ((بضعٌ)) يعني: بإسقاط الهاء، وقد وقع عند «مسلمٍ» من طريق سُهيل بن أبي [3] صالحٍ [4] عن عبد الله بن دينارٍ: «بضعٌ وستُّون، أو بضعٌ وسبعون» على الشَّكِّ، وعند أصحاب السُّنن الثَّلاثة من طريقه: «بضعٌ وسبعون» من غير شكٍّ، ورجَّح البيهقيُّ رواية البخاريِّ لعدم شكِّ سليمان، وعُورِض: بوقوع الشَّكِّ عنه عند أبي عوانة، ورجح لأنَّه المُتيقَّن، وما عداه مشكوكٌ فيه، لا يُقَال بترجيح رواية: «بضعٌ وسبعون» لكونها زيادة ثقةٍ؛ لأنَّا نقول: الذي زادها لم يستمرَّ على الجزم بها، لاسيَّما مع اتِّحاد المخرج، وهل المُرَاد حقيقة العدد أم المُبالَغة؟ قال الطِّيبيُّ: الأظهر لي معنى التَّكثير، ويكون ذكر «البضع» للتَّرقي؛ يعني: أنَّ شعب الإيمان أعدادٌ مُبهَمةٌ [5]، ولا نهاية لكثرتها، ولو أراد التَّحديد لم يبهم، وقال آخرون: المُرَاد حقيقة العدد، ويكون النَّصُّ وقع أوَّلًا على البضع والسِّتِّين؛ لكونه الواقع، ثمَّ تجدَّدت العشر الزَّائدة فنصَّ عليها، وقد حاول جماعةٌ عدَّها بطريق الاجتهاد، وللبيهقيِّ وعبد الجليل: «كتاب شُعَب الإيمان».
(وَالْحَيَاءُ) بالمدِّ، وهو في الشَّرع: خُلُقٌ يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التَّقصير في حقِّ ذي الحقِّ، وهو هنا: مبتدأٌ، خبره: (شُعْبَةٌ) و(مِنَ الإِيمَانِ) صفةٌ لـ «شعبةٌ»، وإنَّما خصَّه هنا بالذِّكر؛ لأنَّه كالدَّاعي إلى باقي الشُّعب؛ لأنَّه يبعث على
ج1ص92
الخوف من فضيحة الدُّنيا والآخرة، فيأتمر وينزجر، ومن تأمَّل معنى الحياء ونظر في قوله عليه الصلاة والسلام: «استحيوا من الله حقَّ الحياء»، قالوا: إنَّا لنستحيي من الله يا رسول الله، والحمد لله، قال: «ليس ذلك، ولكنَّ الاستحياء من الله حقَّ الحياء أن يحفَظ الرَّأس وما وعى، والبطن وما حوى، ويذكرَ الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدُّنيا، وآثر الآخرة على الأولى، فمن يعمل ذلك؛ فقد استحيا من الله حقَّ الحياء»، ورأى العجب العجاب، قال الجنيد: الحياء يتولَّد من رؤية الآلاء ورؤية التَّقصير، فَلْيَذُقْ مَن مُنِحَ الفضلَ الإلهيَّ، ورُزِقَ الطبعَ السَّليم معنى إفراد «الحياء» بالذِّكر بعد دخوله في الشُّعَب، كأنَّه يقول: هذه شعبةٌ واحدةٌ من شُعَبه، فهل تُحصَى وتُعَدُّ شُعَبُها؟ هيهات! واعلم أنَّه لا يُقَال: إنَّ الحياء من الغرائز فلا يكون من الإيمان؛ لأنَّه قد يكون غريزَةً وقد يكون تخلُّقًا، إلَّا أنَّ استعماله على وفق الشَّرع يحتاج إلى اكتسابٍ وعلمٍ ونيَّةٍ، فمن ثمَّ كان من الإيمان مع كونه باعثًا على الطَّاعات واجتناب المُخالَفات، وفي هذا الحديث دلالةٌ على قبول الإيمان الزِّيادةَ؛ لأنَّ معناه _كما قال الخطَّابيُّ_: إنَّ الإيمان الشَّرعيَّ اسمٌ لمعنًى ذي أجزاءٍ [6] له أدنى وأعلى، والاسم يتعلَّق ببعض تلك الأجزاء كما يتعلَّق بكلِّها، وقد زاد «مسلمٌ» على ما في «البخاريِّ»: «فأفضلُها قولُ: لا إله إلَّا الله، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطَّريق»، وتمسَّك به القائلون بأنَّ الإيمان فعلُ الطَّاعات بأسْرِها، والقائلون بأنَّه مُركَّبٌ من التَّصديق والإقرار والعمل جميعًا، وأُجِيب: بأنَّ المراد شُعَب الإيمان قطعًا لا نفس الإيمان، فإنَّ إماطة الأذى عن الطَّريق ليس داخلًا في أصل الإيمان حتَّى يكون فاقدُه غير مؤمنٍ [7]، فلابدَّ في الحديث من تقدير مُضَافٍ، ثمَّ إنَّ في هذا الحديث تشبيه الإيمان بشجرةٍ ذاتِ أغصانٍ وشُعَبٍ، ومبناه على المَجاز؛ لأنَّ الإيمانَ _كما مرَّ في اللُّغة_ التَّصديقُ، وفي عُرْفِ الشَّرع: تصديقُ القلب واللِّسان، وتمامه وكماله بالطَّاعات، فحينئذٍ الإخبار عن الإيمان بأنَّه بضعٌ وستُّون يكون من باب إطلاق الأصل على الفرع؛ لأنَّ الإيمان هو الأصلُ، والأعمالُ فروعٌ منه، وإطلاق الإيمان على الأعمال مَجازٌ؛ لأنَّها تكون عن الإيمان، وهذا مبنيٌّ على القول بقبول الإيمان الزِّيادةَ والنُّقصانَ، أمَّا على القول بعدم قبوله لهما؛ فليست الأعمال داخلةً في الإيمان، واستدلَّ لذلك: بأنَّ حقيقةَ الإيمان التَّصديقُ، ولأنَّه قد ورد في الكتاب والسُّنَّة عطف «الأعمال» على «الإيمان» كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [لقمان: 8] مع القطع بأنَّ العطف يقتضي المُغايرَة، وعدم دخول المعطوف في المعطوف عليه، وقد ورد أيضًا جعل الإيمان شرط صحَّة الأعمال كما في قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [طه: 112] مع القطع بأنَّ المشروط لا يدخل في الشَّرط لامتناع اشتراط الشَّيء لنفسه، وورد أيضًا إثبات الإيمان لمن ترك بعض الأعمال كما في قوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} [الحجرات: 9] مع القطع بأنَّه لا تحقُّقَ للشَّيء بدون ركنه، ولا يخفى أنَّ هذه الوجوه إنَّما تقوم حجَّةً على من يجعلِ الطَّاعاتِ ركنًا من حقيقة الإيمان، بحيث إنَّ تاركها لا يكون مؤمنًا كما هو رأي المعتزلة، لا على من ذهب إلى أنَّها ركنٌ من الإيمان الكامل؛ بحيث لا يخرج تاركها عن حقيقة الإيمان كما هو مذهب الشَّافعيِّ رحمه الله تعالى، قاله العلَّامة التَّفتازانيُّ.
ومن لطائف إسناد حديث هذا الباب: أنَّ رجاله كلَّهم مدنيُّون، إلَّا العقديَّ فإنَّه بصريٌّ، وإلَّا المُسْنَديَّ، وفيه تابعيٌّ عن تابعيٍّ، وهو عبد الله بن دينارٍ عن أبي صالحٍ، وأخرج متنه أبو داودَ في «السُّنَّة»، والتِّرمذيُّ في «الإيمان» وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنَّسائيُّ في «الإيمان» أيضًا، وابن ماجه.
ج1ص93


[1] في (ص): «وثمانين»، وهو تحريفٌ.
[2] في (ص): «البضعيَّة».
[3] «أبي»: سقط من (ص) و(م).
[4] في (ل): «سهيل بن صالح».
[5] في (ص): «مهملة».
[6] في (ل): «اسم لمعنى أجزاء».
[7] زيد في هامش (م): (بالاتِّفاق).