متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

3- هذا (باب أُمُورِ الإِيمَانِ)؛ بالإضافة البيانيَّة؛ لأنَّ المُرَاد بيان الأمور التي هي الإيمان؛ لأنَّ الأعمال عند المؤلِّف هي الإيمان، أو بمعنى: «اللَّام»؛ أي: باب الأمور الثَّابتة للإيمان في تحقيق حقيقته وتكميل ذاته، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: ((أمرُ الإيمان)) بالإفراد على إرادة الجنس، (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على «أمورِ»، وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: ((عزَّ وجلَّ)) بدل قوله «تعالى»: ({لَيْسَ الْبِرَّ})؛ وهو اسمٌ لكلِّ خيرٍ وفعلٍ مَرْضِيٍّ ({أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ})، قال القاضي ناصر الدِّين البيضاويُّ: أي: ليس البرُّ مقصورًا على أمر القبلة، أو ليس البرُّ ما أنتم عليه؛ فإنَّه منسوخٌ، ({وَلَكِنَّ الْبِرَّ}) الذي ينبغي أن يُهتَمَّ به ({مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ}) القرآنِ أو أعمَّ ({وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ}) تعالى أو حبِّ المال ({ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى})؛ المحاويج منهم، ولم يقيِّده؛ لعدم الإلباس ({وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ})؛ المسافر أو الضَّيف، ({وَالسَّائِلِينَ})؛ أي: الذين ألجأَتْهمُ الحاجة إلى السُّؤال، ({وَفِي الرِّقَابِ})؛ أي: تخليصها؛ بمعاونة المُكاتَبين، أو فكِّ الأسارى، أو ابتياع الرِّقاب لعتقها، ({وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ}) المفروضتين، والمُرَاد بـ: {آتى المال} بيانُ مصارِفِها، ({وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا})؛ عطفٌ على {مَنْ آمَنَ}، ({وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ})؛ نُصِبَ على المدح، ولم يُعطَف؛ لفضل الصَّبر على سائر الأعمال، وعن الأزهريِّ [1] : {البأساء}: في الأموال؛ كالفقر، و{الضَّرَّاء}: في الأنفس؛ كالمرض، ({وَحِينَ الْبَأْسِ}) وقتَ مجاهدة العدوِّ ({أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا}) في الدِّين واتِّباع الحقِّ وطلب البرِّ، ({وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}) [البقرة: 177] عن الكفر وسائر الرَّذائل، والآية _كما ترى_ جامعةٌ للكمالات الإنسانيَّة بأَسْرِها، دالَّةٌ عليها صريحًا أو ضمنًا، فإنَّها [2] بكثرتها وتشعُّبها منحصرةٌ في ثلاثةِ أشياءَ: صحَّةِ الاعتقادِ، وحسنِ المُعاشَرَةِ، وتهذيبِ النَّفسِ، وقد أُشِير إلى الأوَّل بقوله: {مَنْ آمَنَ}... إلى: {والنَّبييِّن}، وإلى الثَّاني بقوله: {وآتَى المَالَ}... إلى: {وفي الرِّقاب}، وإلى الثَّالث بقوله: {وأقام الصَّلاة}... إلى آخرها؛ ولذلك وُصِفَ المُستجمِع لها بالصِّدق نظرًا إلى إيمانه واعتقاده، وبالتَّقوى اعتبارًا لمُعاشرَته للخَلْق ومُعاملَته مع الحقِّ، وإليه أشار عليه الصلاة والسلام بقوله: «مَنْ عمل بهذه الآية؛ فقدِ استكمل الإيمان»، وهذا وجه استدلال المؤلِّف بهذه الآية ومُناسبَتها لتبويبه، وفي حديث أبي ذَرٍّ عند عبد الرَّزَّاق بسندٍ رجالُهُ ثقاتٌ: أنَّه سأل النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، فتلا عليه هذه الآية، ولم يذكره المؤلِّف؛ لأنَّه ليس على شرطه، وقد سقط في رواية الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: (({ولكنَّ البِرَّ}...)) إلى آخر الآية، وسقط لابن عساكرَ: (({واليوم الآخر})).

ثمَّ استدلَّ المؤلِّف لذلك أيضًا بآيةٍ أخرى، فقال: ({قَدْ أَفْلَحَ})؛ أي: فاز [/ج1ص91/] ({الْمُؤْمِنُونَ}.... الآيَةَ) [المؤمنون: 1] ؛ بإسقاط واو العطف؛ لعدم الإلباس، قال في «الفتح»: ويحتمل أن يكون ساقه تفسيرًا لقوله: {هم المَّتقون} تقديره: المتَّقون هم الموصوفون بقوله: {قَدْ أَفْلَحَ}، وفي رواية الأَصيليِّ: ((وَ {قَدْ أَفْلَحَ}))؛ بإثبات الواو، وفي رواية ابن عساكرَ: ((وقوله: {قَدْ أَفْلَحَ}))، قلت: وفيهما ردٌّ لمِا قاله في «الفتح» من احتمال التَّفسير [3] ، والآية يجوز فيها النَّصبُ؛ بتقدير: اقرأ، والرَّفعُ مبتدأٌ حُذِفَ خبرُه.

[1] في (ص) و(م): «الزُّهريِّ»، وهو تحريفٌ.
[2] في (ص): «كأنَّها».
[3] قوله: «قلت: وفيهما ردٌّ لمِا قاله في «الفتح» من احتمال التَّفسير»، ليس في (ص) و(م).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

(3) بابُ أُمُورِ [1] الإِيمانِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعالَىَ [2] : { لَّيْسَ الْبِرُّ [3] أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [4] وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [5] وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } [البقرة: 177] ، { قَدْ [6] أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ } الآيَةَ [المؤمنون: 1]

[1] في رواية أبي ذر والكُشْمِيْهَنِيِّ: «بابُ أمرِ»، وفي رواية الأصيلي: «أمورُ الإيمان وقولُ الله» دون لفظة: «باب».
[2] في رواية أبي ذر والأصيلي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «عزَّ وَجَلَّ»، وعزاها في (ن) إلىَ رواية ابن عساكر بدل رواية السَّمعاني عن أبي الوقت.
[3] بالرفع علىَ قراءة الجمهور، وضُبطت في (ص) بالنصب على قراءة حفص وحمزة، وأهمل ضبطها في (ق).
[4] في روايةٍ عن أبي ذر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «إلىَ قوله: { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ }» بدل إتمام الآية، وتتمة الآية ليست في رواية الأصيلي ولا في روايةٍ أخرىَ عن أبي ذر.
[5] في رواية ابن عساكر زيادة: «إلىَ قوله: { أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ }» بدل إتمام الآية.
[6] في رواية الأصيلي: «و: { قَدْ... }»، وفي رواية ابن عساكر: «وقوله: { قَدْ... }».





( وَقَوْلِ اللَّهِ ) يجوز فيه الوجهان أول الكتاب [1] .

[1] هكذا في الأصول الثلاث ( ت، ز، ق )، ومراده: كما تقدَّم في أول الكتاب.





(3) [باب: أُمُورِ الإِيمَانِ]


(بابُ أُمُورِ الإِيمَانِ) ... إلى (بابٌ: الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ)


(بَابُ: أُمُورِ الْإِيْمَانِ) أي: الأمورِ الَّتي هي الإيمانُ؛ لأنَّ عندَه [1] الأعمال والأقوال مِنَ الإيمانِ، فالإضافةُ بيانيَّةٌ، أو: الأمورِ الَّتي للإيمان في تحقيقِ حقيقته وتكميلِ ذاتِه، فالإضافةُ بمعنى اللَّام، قالَه البِرْماويُّ.

[1] أي: عند الإمام البخاري رحمه الله تعالى.





3- هذا (باب أُمُورِ الإِيمَانِ)؛ بالإضافة البيانيَّة؛ لأنَّ المُرَاد بيان الأمور التي هي الإيمان؛ لأنَّ الأعمال عند المؤلِّف هي الإيمان، أو بمعنى: «اللَّام»؛ أي: باب الأمور الثَّابتة للإيمان في تحقيق حقيقته وتكميل ذاته، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: ((أمرُ الإيمان)) بالإفراد على إرادة الجنس، (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على «أمورِ»، وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: ((عزَّ وجلَّ)) بدل قوله «تعالى»: ({لَيْسَ الْبِرَّ})؛ وهو اسمٌ لكلِّ خيرٍ وفعلٍ مَرْضِيٍّ ({أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ})، قال القاضي ناصر الدِّين البيضاويُّ: أي: ليس البرُّ مقصورًا على أمر القبلة، أو ليس البرُّ ما أنتم عليه؛ فإنَّه منسوخٌ، ({وَلَكِنَّ الْبِرَّ}) الذي ينبغي أن يُهتَمَّ به ({مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ}) القرآنِ أو أعمَّ ({وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ}) تعالى أو حبِّ المال ({ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى})؛ المحاويج منهم، ولم يقيِّده؛ لعدم الإلباس ({وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ})؛ المسافر أو الضَّيف، ({وَالسَّائِلِينَ})؛ أي: الذين ألجأَتْهمُ الحاجة إلى السُّؤال، ({وَفِي الرِّقَابِ})؛ أي: تخليصها؛ بمعاونة المُكاتَبين، أو فكِّ الأسارى، أو ابتياع الرِّقاب لعتقها، ({وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ}) المفروضتين، والمُرَاد بـ: {آتى المال} بيانُ مصارِفِها، ({وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا})؛ عطفٌ على {مَنْ آمَنَ}، ({وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ})؛ نُصِبَ على المدح، ولم يُعطَف؛ لفضل الصَّبر على سائر الأعمال، وعن الأزهريِّ [1] : {البأساء}: في الأموال؛ كالفقر، و{الضَّرَّاء}: في الأنفس؛ كالمرض، ({وَحِينَ الْبَأْسِ}) وقتَ مجاهدة العدوِّ ({أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا}) في الدِّين واتِّباع الحقِّ وطلب البرِّ، ({وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}) [البقرة: 177] عن الكفر وسائر الرَّذائل، والآية _كما ترى_ جامعةٌ للكمالات الإنسانيَّة بأَسْرِها، دالَّةٌ عليها صريحًا أو ضمنًا، فإنَّها [2] بكثرتها وتشعُّبها منحصرةٌ في ثلاثةِ أشياءَ: صحَّةِ الاعتقادِ، وحسنِ المُعاشَرَةِ، وتهذيبِ النَّفسِ، وقد أُشِير إلى الأوَّل بقوله: {مَنْ آمَنَ}... إلى: {والنَّبييِّن}، وإلى الثَّاني بقوله: {وآتَى المَالَ}... إلى: {وفي الرِّقاب}، وإلى الثَّالث بقوله: {وأقام الصَّلاة}... إلى آخرها؛ ولذلك وُصِفَ المُستجمِع لها بالصِّدق نظرًا إلى إيمانه واعتقاده، وبالتَّقوى اعتبارًا لمُعاشرَته للخَلْق ومُعاملَته مع الحقِّ، وإليه أشار عليه الصلاة والسلام بقوله: «مَنْ عمل بهذه الآية؛ فقدِ استكمل الإيمان»، وهذا وجه استدلال المؤلِّف بهذه الآية ومُناسبَتها لتبويبه، وفي حديث أبي ذَرٍّ عند عبد الرَّزَّاق بسندٍ رجالُهُ ثقاتٌ: أنَّه سأل النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، فتلا عليه هذه الآية، ولم يذكره المؤلِّف؛ لأنَّه ليس على شرطه، وقد سقط في رواية الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: (({ولكنَّ البِرَّ}...)) إلى آخر الآية، وسقط لابن عساكرَ: (({واليوم الآخر})).

ثمَّ استدلَّ المؤلِّف لذلك أيضًا بآيةٍ أخرى، فقال: ({قَدْ أَفْلَحَ})؛ أي: فاز [/ج1ص91/] ({الْمُؤْمِنُونَ}.... الآيَةَ) [المؤمنون: 1] ؛ بإسقاط واو العطف؛ لعدم الإلباس، قال في «الفتح»: ويحتمل أن يكون ساقه تفسيرًا لقوله: {هم المَّتقون} تقديره: المتَّقون هم الموصوفون بقوله: {قَدْ أَفْلَحَ}، وفي رواية الأَصيليِّ: ((وَ {قَدْ أَفْلَحَ}))؛ بإثبات الواو، وفي رواية ابن عساكرَ: ((وقوله: {قَدْ أَفْلَحَ}))، قلت: وفيهما ردٌّ لمِا قاله في «الفتح» من احتمال التَّفسير [3] ، والآية يجوز فيها النَّصبُ؛ بتقدير: اقرأ، والرَّفعُ مبتدأٌ حُذِفَ خبرُه.

[1] في (ص) و(م): «الزُّهريِّ»، وهو تحريفٌ.
[2] في (ص): «كأنَّها».
[3] قوله: «قلت: وفيهما ردٌّ لمِا قاله في «الفتح» من احتمال التَّفسير»، ليس في (ص) و(م).





( باب أُمُورِ الإِيمَانِ ) للكُشْمِيهنيِّ: «أمر» بالإفراد.


(3) (باب أمور الإيمان) [1]

[1] ما بين قوسين من الصحيح.





قال البخاري رحمه الله تعالى:

2- بابُ: أُمُورِ الإِيمَانِ.

وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المشْرِقِ والْمَغْرِبِ [1]} إلى قوله تعالى [2]: {أُولَئِكَ [3] هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177] وقَوْلِهِ تَعَالَى:{قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: 1] الآيَةَ

[1]قوله: ((قبل المشرق والمغرب)) ليس في (ت) و(ك) و(ص) و(ع).
[2] قوله: ((تعالى)) ليس في (ت) و(ك).
[3]في (ت) و(ص) و(ع): ((وأولئك)).
#%ص97%





لا تتوفر معاينة

(3) (بابُ أُمُورِ الإِيمَانِ).


هذا ((باب أمور الإيمان)) الإضافة بمعنى اللام؛ أي: باب الأمور الثابتة للإيمان في تحقيق ثمراته وضيائه، وقيل: إن الإضافة بيانية بناء على أن الأعمال هي الإيمان، وفي رواية: (أمر الإيمان) بالإفراد على إرادة الجنس، ((وقول الله تعالى)) بالجر عطفًا على (أمور) ، وفي رواية: (عز وجل) : (({لَيْسَ البِرَّ})) الفعل الخير (({أَن تُوَلُّوا})) الخطاب لليهود والنصارى في دعوى القبلة، (({وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ})) قبلة النصارى (({وَالْمَغْرِبِ})) قبلة اليهود؛ أي: ليس البر مقصورًا على أمر القبلة، أو ليس البر ما أنتم عليه؛ فإنه منسوخ (({وَلَكِنَّ البِرَّ})) الذي يهتم به (({مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ})) القرآن أو أعم (({وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ})) تعالى أو حب المال (({ذَوِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى})) المحاويج منهم، ولم يقيده؛ لعدم الإلباس، (({وَالْمَسَاكِينَ})) جمع: مسكين؛ مَن لا شيء له، لقوله: {أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد: 16] ؛ أي: صاحب تراب، (({وَابْنَ السَّبِيلِ})) المسافر، وقيل: الضيف، (({وَالسَّائِلِينَ})) ؛ أي: الذين ألجأتهم الحاجة إلى السؤال (({وَفِي الرِّقَابِ})) ؛ أي: تخليصها بمعاونة المكاتبين، أو فك الأسارى، أو ابتياع الرقاق لعتقها، (({وَأَقَامَ [الصَّلاةَ] وَآتَى الزَّكَاةَ})) المفروضتين؛ أي: أداها في مصارفها، (({وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا})) عطف على {مَنْ آمَنَ}، (({وَالصَّابِرِينَ فِي البَأْسَاء})) الفقر (({وَالضَّرَّاءِ})) نصب على المدح ولم يعطف؛ لفضل الصبر: المرض، هذا هو المشهور؛ فليحفظ، (({وَحِينَ البَأْسِ})) وقت الجهاد (({أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا})) في الدين وطلب البر (({وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ} [البقرة: 177] )) عن الكفر وسائر الرذائل،وفي رواية بإسقاط قوله {ولكن البر...} إلى آخر الآية، وفي رواية بإسقاط: {وَالْيَوْمِ الآخِرِ}.

وهذه الآية جامعة للكمالات الإنسانية بأسرها، فمن عمل بها؛ فقد تحققت ثمرات الإيمان عنده، وأشرق نوره وضياؤه، وفي حديث أبي ذر عند عبد الرزاق: أنَّه عليه السلام سئل عن الإيمان فتلا عليه هذه الآيات، ولم يذكره المؤلف؛ لأنَّه ليس على شرطه.

وقال الله عزَّ وجلَّ: (({قَدْ أَفْلَحَ})) ؛ أي: فاز (({المُؤْمِنُونَ}... الآية)) [المؤمنون: 1] بإسقاط واو العطف؛ لعدم الإلباس، قال ابن حجر: ويحتمل أن يكون ساقه تفسيرًا لقوله: ({هم المتقون} [البقرة: 177] ) تقديره: هم الموصوفون بقوله: ({قد أفلح}) ، وفي رواية الأصيلي: (وقد أفلح) بإثبات الواو، وفي رواية ابن عساكر: (وقوله: {قد أفلح}) ، قلت: وهذا يرد ما قاله ابن حجر في «فتحه»: من احتمال التفسير مع ما فيه من البعد، أفاده القسطلاني، ويجوز في قوله: (الآية) ؛ النصب بتقدير: اقرأ، والرفع مبتدأ خبره محذوف.