متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ)

85- (كِتَابُ الفَرَائِضِ) أي: مسائلُ قسمةِ المواريث، جمع: فريضة بمعنى مفروضة؛ أي: مقدَّرة لما فيها من السِّهام المقدَّرة فغلبت على غيرها، والفرض لغةً: التَّقدير، وشرعاً هنا: نصيب مقدَّر شرعاً للوارث، ثمَّ قيل: للعلم بمسائل الميراث علم الفرائضِ، والعالمِ به فرضي، وفي الحديث: «أفرضُكُم زيدٌ»؛ أي: أعلمكُم بهذا النَّوع، وعلمُ الفرائض كما نُقلَ عن أصحابِ الشَّافعيِّ، ينقسمُ إلى ثلاثةِ علوم: علمُ الفتوى، وعلمُ النَّسب، وعلمُ الحساب، والأنصباءُ المقدَّرة في كتابِ الله تعالى ستَّة: النِّصفُ، ونصفُه، ونصفُ نصفه، والثُّلثان، ونصفُه، ونصفُ نصفه.

(وقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {يُوصِيكُمُ اللهُ}) يعهدُ إليكم ويأمركُم ({فِي [1] أَوْلاَدِكُمْ}) في شأنِ ميراثهم، وهذا إجمالٌ تفصيلُه ({لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ}) أي: للذَّكر منهم؛ أي: من أولادكم، فحذف الرَّاجع إليه؛ لأنَّه مفهوم كقولهِ [2] : السَّمنُ منوانِ بدرهمٍ، وبدأ بذكر ميراثِ الأولاد؛ لأنَّ تعلُّق الإنسان بولدِه أشدُّ التَّعلُّقات وبدأ بحظِّ الذَّكر، ولم يقل: للأُنثيين مثلُ حظِّ الذَّكر، أو للأنثى نصف حظِّ الذَّكر؛ لفضله كما ضوعفَ حظُّه لذلك، ولأنَّهم كانوا يورثون الذُّكور دون الإناث، وهو السَّبب لورود الآية، فقيل: كفى الذُّكور أن ضوعفَ لهم نصيبُ الإناث، فلا يُتَمادى في حظِّهم حتَّى يحرمن مع إدلائهنَّ من القرابة بمثلِ ما يُدلون به، والمراد به حالُ الاجتماع؛ أي: إذا اجتمع الذَّكر والأنثيان كان له سهمان كما أنَّ لهما سهمينِ، وأمَّا في حالِ الانفراد فالابنُ يأخذُ المال كلَّه، والبنتان [3] يأخذان الثُّلثين، والدَّليل عليه أنَّه أتبعه حكمَ الانفراد بقولهِ: ({فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً}) أي: فإن كانتِ الأولاد نساءً خلَّصاً، يعني: بنات ليس معهنَّ ابنٌ ({فَوْقَ اثْنَتَيْنِ}) خبرٌ ثان لكان، أو صفة لنساء [4] ؛ أي: نساءٌ زائداتٌ على ثنتين ({فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ}) أي: الميِّت ({وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ}) أي: وإن كانت المولودةُ منفردةً.

وفي الآية دَلالةٌ على أنَّ المال كلَّه للذَّكر إن [5] لم يكن معهُ أنثى؛ لأنَّه جعل للذَّكر مثل حظِّ الأنثيين، وقد جعلَ للأنثى النِّصف إذا كانت منفردةً فعلم أنَّ للذَّكر في حال الانفرادِ ضعف النِّصف وهو الكلُّ، والضَّمير في قولهِ: ({وَلأَبَوَيْهِ}) للميِّت، والمراد: الأب والأم إلَّا أنَّه غلب المذكَّر ({لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ}) بدلٌ من أبويهِ بتكرير العامل، وفائدةُ هذا البدل: أنَّه لو قيل: ولأبويه السُّدس لكان ظاهرهُ اشتراكهما فيه، ولو قيل: ولأبويهِ السُّدسان لأوهم قسمة السُّدسينِ عليهما على السَّويَّة وعلى خلافهمَا، ولو قيل: لكلِّ واحدٍ من أبويه السُّدس لذهبت فائدة التَّأكيد، وهو التَّفصيل بعد الإجمال، و{السُّدُسُ} مبتدأٌ خبرُه {لأَبَوَيْهِ}، والبدل متوسِّطٌ بينهما للبيان ({مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ}) ذكرٌ أو أنثى ({فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ}) ممَّا ترك، والمعنى: وورثهُ أبواه فحسب؛ لأنَّه إذا [/ج9ص421/] ورثهُ أبواه مع أحد الزَّوجين كان للأمِّ ثلث ما يبقَى بعد إخراج نصيبِ الزَّوج لا ثلث ما ترك؛ لأنَّ الأب [6] أقوى من الأمِّ في الإرثِ بدليل أنَّ له ضعف حظِّها إذا خلصا، فلو ضربَ لها الثُّلث كاملاً لأدَّى إلى حطِّ نصيبهِ عن نصيبِها، فإنَّ امرأةً لو تركت زوجاً وأبوين فصار للزَّوج النِّصف وللأمِّ الثُّلث والباقي للأبِ حازت الأمُّ سهمين والأب سهماً واحداً، فينقلبُ الحكم إلى أن يكون للأنثى مثل حظِّ الذَّكرين.

({فَإِنْ كَانَ لَهُ}) أي: للميِّت ({إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ}) إخوةٌ أعمُّ من أن يكونوا ذكوراً أو إناثاً، أو بعضهم ذكوراً وبعضهم إناثاً، فهو من باب التَّغليب، والجمهور على أنَّ الأخوة وإن كانوا بلفظ الجمع يقعون [7] على الاثنين، فيحجُبُ الأخوان أيضاً الأمَّ من الثُّلث إلى السُّدس خلافاً لابن عبَّاس، ولا يحجبُ الأخ الواحد.

({مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ}) متعلِّقٌ [8] بما سبقَ من قسمةِ المواريث كلِّها لا بما يليهِ وحده، كأنَّه قيل: قسمةُ هذه الأنصباءُ من بعد وصيَّةٍ ({يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ}).

واستُشكل: بأنَّ الدَّين مقدَّمٌ على الوصيَّة في الشَّرع [9] ، وقُدِّمت الوصيَّة على الدِّين في التِّلاوة. وأُجيب: بأن أو لا تدلَّ على التَّرتيب، فالتَّقدير [10] : من بعد وصيَّةٍ يوصي بها أو دينٍ من بعد أحد هذين الشَّيئين الوصيَّة أو الدَّين، ولما كانت الوصيَّة تشبه الميراث؛ لأنَّها صلةٌ بلا عوض فكان إخراجها ممَّا يشقُّ على الورثةِ، وكان أداؤها مظنَّةً للتَّفريط بخلاف الدَّين، فقدِّمت [11] على الدَّين؛ ليسارعوا إلى إخراجهَا مع الدَّين.

({آبَاؤُكُمْ}) مبتدأ ({وَأَبْنَاؤُكُمْ}) عطفٌ عليه والخبر ({لاَ تَدْرُونَ}) وقوله: ({أَيُّهُمْ}) مبتدأٌ خبرُه: ({أَقْرَبُ لَكُمْ}) والجملة نصب بـ: {تَدْرُونَ} ({نَفْعاً}) تمييزٌ، والمعنى: فرضَ الله الفرائضَ على ما هو عندَه حكمة، ولو وكَّل ذلك إليكم لم تعلموا أيُّهم لكم أنفعُ، فوضعتُم أنتم الأموال على غير حكمةٍ، والتَّفاوت في السِّهام بتفاوتِ المنافع، وأنتم لا تدرونَ تفاوتها، فتولَّى الله ذلك فضلاً منه، ولم يكلْها إلى اجتهادِكم لعجزكُم عن معرفةِ المقاديرِ، والجملةُ اعتراضٌ مؤكِّدة لا موضعَ لها من الإعراب.

({فَرِيضَةً}) نصبت [12] نصب المصدرِ المؤكِّد؛ أي: فرض ذلك فرضاً ({مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً}) بالأشياءِ قبل خلقها ({حَكِيماً}) في كلِّ ما فرض وقسم من المواريث وغيرها ({وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ}) أي: زوجاتكم ({إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ}) ابنٌ أو بنتٌ ({فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ}) والواحدة [13] والجماعةُ سواء في الرُّبع والثُّمن، جعلَ ميراث الزَّوج ضعفَ ميراثِ الزَّوجة؛ لدَلالة قولهِ: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ}.

({وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ}) يعني: الميت ({يُورَثُ}) أي: يورث منه، صفةٌ لرجلٍ ({كَلاَلَةً}) خبر كان؛ أي: وإن كان رجلٌ موروثٌ منه كلالةً، أو {يُورَثُ} خبر {كَانَ} [14] و{كَلاَلَةً} حال من الضَّمير في {يُورَثُ}، والكلالةُ تطلقُ على من لم يخلِّف ولداً ولا والداً، وعلى من ليس بولدٍ ولا والدٍ من المخلَّفين، وهو في الأصلِ مصدرٌ بمعنى: الكلال، وهو ذهابُ القوَّة من الإعياء، فكأنَّه يصيرُ الميراث للوارثِ من بعد إعيائهِ [15] .

({أَوِ امْرَأَةٌ}) عطفٌ على {رجلٌ} ({وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ}) أي: لأمٍّ ({فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ}) أي [16] : من واحدٍ ({فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ}) لأنَّهم يستحقُّون بقرابةِ الأمِّ، وهي لا ترثُ أكثر من الثُّلث، ولهذا لا يفضَّل الذَّكر منهم على الأُنثى ({مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ}) وكرِّرت الوصيَّة؛ لاختلاف الموصين فالأوَّل: الوالدان والأولاد، والثَّاني: الزَّوجة، والثَّالث: الزَّوج، والرَّابع: الكلالة ({غَيْرَ مُضَارٍّ}) حال؛ أي: يوصي بها وهو غير مضارٍّ لورثتهِ، وذلك بأن يوصِي زيادةً على الثُّلث أو لوارث [17] .

({وَصِيَّةً مِنَ اللهِ}) مصدرٌ مؤكِّد؛ أي: يوصيكُم بذلك وصيَّة ({وَاللهُ عَلِيمٌ}) بمن جار أو عدلَ في وصيَّته ({حَلِيمٌ}) [النساء: 11 ـ 12] على الجائرِ لا يعاجلُه بالعقوبةِ، وسقط من [18] رواية أبي ذرٍّ من قولهِ: (({لِلذَّكَرِ}...)) إلى آخره، وقال: بعد قولهِ: {فِي أَولَادِكُم}: ((إلى قولهِ: {وَصِيَّةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ})).

[1] في (د) زيادة: «شأن».
[2] في (ع) و(د): «كقولك».
[3] في (د): «والبنتين».
[4] في (د): «نساء».
[5] في (س): «إذا».
[6] في (ع) و(د): «الابن».
[7] في (ص): «مقصور».
[8] في (ص) و(ع) و(د): «يتعلق».
[9] في (ع) و(د): «التبرع».
[10] في (ب) و(س): «فتقدير».
[11] في (ب) و(س): «قدمت».
[12] في (ب) و(س): «نصب».
[13] في (ع): «الواحد».
[14] «أي وإن كان رجل موروث منه كلالة أو يورث خبر كان»: ليست في (د).
[15] في (ع) و(د): «غير إعياء».
[16] «أي»: زيادة من (ع).
[17] في (د): «ولو لوارث».
[18] في (د): «في».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

(85) كِتَابُ الفَرَايِضِ

(1) وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَىَ: { يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ [1] لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ } [النساء: 11 - 12] .

[1] في رواية أبي ذر زيادة: «إلىَ قَوْلِهِ: { وَصِيَّةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ }» بدل إتمام الآيات. كتبت بالحمرة.





( كتاب الفرائض )


((85)) (كتابُ الفَرَائِضِ).


(كِتَابُ الفَرَائِضِ) [1] ... إلى (كِتَاب الحُدُودِ)

[1] في هامش (ق): (في «تفسير سورة النِّساء» تنبيهٌ منقولٌ من خطِّ الدِّمياطيِّ على هذا المكان؛ فانظره).





(كِتَابُ الْفَرَائِضِ)


(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ)

85- (كِتَابُ الفَرَائِضِ) أي: مسائلُ قسمةِ المواريث، جمع: فريضة بمعنى مفروضة؛ أي: مقدَّرة لما فيها من السِّهام المقدَّرة فغلبت على غيرها، والفرض لغةً: التَّقدير، وشرعاً هنا: نصيب مقدَّر شرعاً للوارث، ثمَّ قيل: للعلم بمسائل الميراث علم الفرائضِ، والعالمِ به فرضي، وفي الحديث: «أفرضُكُم زيدٌ»؛ أي: أعلمكُم بهذا النَّوع، وعلمُ الفرائض كما نُقلَ عن أصحابِ الشَّافعيِّ، ينقسمُ إلى ثلاثةِ علوم: علمُ الفتوى، وعلمُ النَّسب، وعلمُ الحساب، والأنصباءُ المقدَّرة في كتابِ الله تعالى ستَّة: النِّصفُ، ونصفُه، ونصفُ نصفه، والثُّلثان، ونصفُه، ونصفُ نصفه.

(وقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {يُوصِيكُمُ اللهُ}) يعهدُ إليكم ويأمركُم ({فِي [1] أَوْلاَدِكُمْ}) في شأنِ ميراثهم، وهذا إجمالٌ تفصيلُه ({لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ}) أي: للذَّكر منهم؛ أي: من أولادكم، فحذف الرَّاجع إليه؛ لأنَّه مفهوم كقولهِ [2] : السَّمنُ منوانِ بدرهمٍ، وبدأ بذكر ميراثِ الأولاد؛ لأنَّ تعلُّق الإنسان بولدِه أشدُّ التَّعلُّقات وبدأ بحظِّ الذَّكر، ولم يقل: للأُنثيين مثلُ حظِّ الذَّكر، أو للأنثى نصف حظِّ الذَّكر؛ لفضله كما ضوعفَ حظُّه لذلك، ولأنَّهم كانوا يورثون الذُّكور دون الإناث، وهو السَّبب لورود الآية، فقيل: كفى الذُّكور أن ضوعفَ لهم نصيبُ الإناث، فلا يُتَمادى في حظِّهم حتَّى يحرمن مع إدلائهنَّ من القرابة بمثلِ ما يُدلون به، والمراد به حالُ الاجتماع؛ أي: إذا اجتمع الذَّكر والأنثيان كان له سهمان كما أنَّ لهما سهمينِ، وأمَّا في حالِ الانفراد فالابنُ يأخذُ المال كلَّه، والبنتان [3] يأخذان الثُّلثين، والدَّليل عليه أنَّه أتبعه حكمَ الانفراد بقولهِ: ({فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً}) أي: فإن كانتِ الأولاد نساءً خلَّصاً، يعني: بنات ليس معهنَّ ابنٌ ({فَوْقَ اثْنَتَيْنِ}) خبرٌ ثان لكان، أو صفة لنساء [4] ؛ أي: نساءٌ زائداتٌ على ثنتين ({فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ}) أي: الميِّت ({وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ}) أي: وإن كانت المولودةُ منفردةً.

وفي الآية دَلالةٌ على أنَّ المال كلَّه للذَّكر إن [5] لم يكن معهُ أنثى؛ لأنَّه جعل للذَّكر مثل حظِّ الأنثيين، وقد جعلَ للأنثى النِّصف إذا كانت منفردةً فعلم أنَّ للذَّكر في حال الانفرادِ ضعف النِّصف وهو الكلُّ، والضَّمير في قولهِ: ({وَلأَبَوَيْهِ}) للميِّت، والمراد: الأب والأم إلَّا أنَّه غلب المذكَّر ({لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ}) بدلٌ من أبويهِ بتكرير العامل، وفائدةُ هذا البدل: أنَّه لو قيل: ولأبويه السُّدس لكان ظاهرهُ اشتراكهما فيه، ولو قيل: ولأبويهِ السُّدسان لأوهم قسمة السُّدسينِ عليهما على السَّويَّة وعلى خلافهمَا، ولو قيل: لكلِّ واحدٍ من أبويه السُّدس لذهبت فائدة التَّأكيد، وهو التَّفصيل بعد الإجمال، و{السُّدُسُ} مبتدأٌ خبرُه {لأَبَوَيْهِ}، والبدل متوسِّطٌ بينهما للبيان ({مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ}) ذكرٌ أو أنثى ({فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ}) ممَّا ترك، والمعنى: وورثهُ أبواه فحسب؛ لأنَّه إذا [/ج9ص421/] ورثهُ أبواه مع أحد الزَّوجين كان للأمِّ ثلث ما يبقَى بعد إخراج نصيبِ الزَّوج لا ثلث ما ترك؛ لأنَّ الأب [6] أقوى من الأمِّ في الإرثِ بدليل أنَّ له ضعف حظِّها إذا خلصا، فلو ضربَ لها الثُّلث كاملاً لأدَّى إلى حطِّ نصيبهِ عن نصيبِها، فإنَّ امرأةً لو تركت زوجاً وأبوين فصار للزَّوج النِّصف وللأمِّ الثُّلث والباقي للأبِ حازت الأمُّ سهمين والأب سهماً واحداً، فينقلبُ الحكم إلى أن يكون للأنثى مثل حظِّ الذَّكرين.

({فَإِنْ كَانَ لَهُ}) أي: للميِّت ({إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ}) إخوةٌ أعمُّ من أن يكونوا ذكوراً أو إناثاً، أو بعضهم ذكوراً وبعضهم إناثاً، فهو من باب التَّغليب، والجمهور على أنَّ الأخوة وإن كانوا بلفظ الجمع يقعون [7] على الاثنين، فيحجُبُ الأخوان أيضاً الأمَّ من الثُّلث إلى السُّدس خلافاً لابن عبَّاس، ولا يحجبُ الأخ الواحد.

({مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ}) متعلِّقٌ [8] بما سبقَ من قسمةِ المواريث كلِّها لا بما يليهِ وحده، كأنَّه قيل: قسمةُ هذه الأنصباءُ من بعد وصيَّةٍ ({يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ}).

واستُشكل: بأنَّ الدَّين مقدَّمٌ على الوصيَّة في الشَّرع [9] ، وقُدِّمت الوصيَّة على الدِّين في التِّلاوة. وأُجيب: بأن أو لا تدلَّ على التَّرتيب، فالتَّقدير [10] : من بعد وصيَّةٍ يوصي بها أو دينٍ من بعد أحد هذين الشَّيئين الوصيَّة أو الدَّين، ولما كانت الوصيَّة تشبه الميراث؛ لأنَّها صلةٌ بلا عوض فكان إخراجها ممَّا يشقُّ على الورثةِ، وكان أداؤها مظنَّةً للتَّفريط بخلاف الدَّين، فقدِّمت [11] على الدَّين؛ ليسارعوا إلى إخراجهَا مع الدَّين.

({آبَاؤُكُمْ}) مبتدأ ({وَأَبْنَاؤُكُمْ}) عطفٌ عليه والخبر ({لاَ تَدْرُونَ}) وقوله: ({أَيُّهُمْ}) مبتدأٌ خبرُه: ({أَقْرَبُ لَكُمْ}) والجملة نصب بـ: {تَدْرُونَ} ({نَفْعاً}) تمييزٌ، والمعنى: فرضَ الله الفرائضَ على ما هو عندَه حكمة، ولو وكَّل ذلك إليكم لم تعلموا أيُّهم لكم أنفعُ، فوضعتُم أنتم الأموال على غير حكمةٍ، والتَّفاوت في السِّهام بتفاوتِ المنافع، وأنتم لا تدرونَ تفاوتها، فتولَّى الله ذلك فضلاً منه، ولم يكلْها إلى اجتهادِكم لعجزكُم عن معرفةِ المقاديرِ، والجملةُ اعتراضٌ مؤكِّدة لا موضعَ لها من الإعراب.

({فَرِيضَةً}) نصبت [12] نصب المصدرِ المؤكِّد؛ أي: فرض ذلك فرضاً ({مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً}) بالأشياءِ قبل خلقها ({حَكِيماً}) في كلِّ ما فرض وقسم من المواريث وغيرها ({وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ}) أي: زوجاتكم ({إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ}) ابنٌ أو بنتٌ ({فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ}) والواحدة [13] والجماعةُ سواء في الرُّبع والثُّمن، جعلَ ميراث الزَّوج ضعفَ ميراثِ الزَّوجة؛ لدَلالة قولهِ: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ}.

({وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ}) يعني: الميت ({يُورَثُ}) أي: يورث منه، صفةٌ لرجلٍ ({كَلاَلَةً}) خبر كان؛ أي: وإن كان رجلٌ موروثٌ منه كلالةً، أو {يُورَثُ} خبر {كَانَ} [14] و{كَلاَلَةً} حال من الضَّمير في {يُورَثُ}، والكلالةُ تطلقُ على من لم يخلِّف ولداً ولا والداً، وعلى من ليس بولدٍ ولا والدٍ من المخلَّفين، وهو في الأصلِ مصدرٌ بمعنى: الكلال، وهو ذهابُ القوَّة من الإعياء، فكأنَّه يصيرُ الميراث للوارثِ من بعد إعيائهِ [15] .

({أَوِ امْرَأَةٌ}) عطفٌ على {رجلٌ} ({وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ}) أي: لأمٍّ ({فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ}) أي [16] : من واحدٍ ({فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ}) لأنَّهم يستحقُّون بقرابةِ الأمِّ، وهي لا ترثُ أكثر من الثُّلث، ولهذا لا يفضَّل الذَّكر منهم على الأُنثى ({مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ}) وكرِّرت الوصيَّة؛ لاختلاف الموصين فالأوَّل: الوالدان والأولاد، والثَّاني: الزَّوجة، والثَّالث: الزَّوج، والرَّابع: الكلالة ({غَيْرَ مُضَارٍّ}) حال؛ أي: يوصي بها وهو غير مضارٍّ لورثتهِ، وذلك بأن يوصِي زيادةً على الثُّلث أو لوارث [17] .

({وَصِيَّةً مِنَ اللهِ}) مصدرٌ مؤكِّد؛ أي: يوصيكُم بذلك وصيَّة ({وَاللهُ عَلِيمٌ}) بمن جار أو عدلَ في وصيَّته ({حَلِيمٌ}) [النساء: 11 ـ 12] على الجائرِ لا يعاجلُه بالعقوبةِ، وسقط من [18] رواية أبي ذرٍّ من قولهِ: (({لِلذَّكَرِ}...)) إلى آخره، وقال: بعد قولهِ: {فِي أَولَادِكُم}: ((إلى قولهِ: {وَصِيَّةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ})).

[1] في (د) زيادة: «شأن».
[2] في (ع) و(د): «كقولك».
[3] في (د): «والبنتين».
[4] في (د): «نساء».
[5] في (س): «إذا».
[6] في (ع) و(د): «الابن».
[7] في (ص): «مقصور».
[8] في (ص) و(ع) و(د): «يتعلق».
[9] في (ع) و(د): «التبرع».
[10] في (ب) و(س): «فتقدير».
[11] في (ب) و(س): «قدمت».
[12] في (ب) و(س): «نصب».
[13] في (ع): «الواحد».
[14] «أي وإن كان رجل موروث منه كلالة أو يورث خبر كان»: ليست في (د).
[15] في (ع) و(د): «غير إعياء».
[16] «أي»: زيادة من (ع).
[17] في (د): «ولو لوارث».
[18] في (د): «في».






((85)) (الفرائض)


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

((85)) (كِتَاب الفَرَائِض)؛ الحديث.

(الفرائض): جمع (فريضة)، من الفرض؛ وهو التقدير؛ لأنَّ سُهمان الورثة مقدَّرة، ومنه قوله تعالى: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} [البقرة:237] ، ومنه قوله تعالى: {نَصِيبًا مَفْرُوضًا} [النساء:7] فمعنى {يُوصِيكُمُ} [النساء:11] : يفرض عليكم، والولد: يشتمل على ولد الصُّلب، ذكرًا كان أو أنثى، وولد الابن وبني الابن، وكذلك الذين ينتسبون بآبائهم إليه من الذُّكور والإناث بحسب القرب، فإن كان في ولد الصلب ذكر؛ حجب ولد الولد، وإلَّا؛ بدئ ببنت الصُّلب، فأعطيت النِّصف، وللبنتين [1] فصاعدًا الثُّلثان، ثمَّ ما بقي؛ فلولد الابن عند الاستواء، أو كان الذكر [2] فيمن أسفل من بنات البنين: فللذكر [3] مثل حظِّ الأنثيين.

[1] في (أ): (والاثنين).
[2] في (أ): (أو كالذكر).
[3] في (أ): (للذكر).





لا تتوفر معاينة