متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

8- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ)؛ بالتَّصغير، وفي «الفرع» خلافًا لـ: «أصله»: ((وحدَّثنا محمَّد بن إسماعيل _يعني: البخاريَّ_ حدَّثنا عبيد الله)) (ابْنُ مُوسَى) بن باذام؛ بالمُوحَّدة والذَّال المُعجمَة، آخره ميمٌ، العَبْسيُّ؛ بفتح المُهمَلة، وتسكين المُوحَّدة، الشِّيعيُّ الغير داعيةٍ، المُتوفَّى بالإسكندريَّة سنة ثلاثَ عشْرةَ أو أربعَ عشْرَة أو خَمْسَ عَشْرةَ ومئتين (قَالَ: أَخْبَرَنَا)، وفي رواية الهرويِّ: ((حدَّثنا)) (حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) ابن عبد الرَّحمن الجمحيُّ المكيُّ القرشيُّ، المُتوفَّى سنة إحدى وخمسين ومئةٍ، (عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ)؛ يعني: ابن العاصي المخزوميِّ القرشيِّ، المُتوفَّى بمكَّة بعد عطاءٍ، وهو تُوفِّي سنة [/ج1ص89/]

أربع عشرة أو خمس عشرة ومئة، (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب عبد الله (رضي الله عنهما) هاجر به أبوه، واستُصغِر يومَ أحدٍ، وشهد الخندق وبيعة الرِّضوان والمشاهد، وكان واسعَ العلم، متينَ الدِّين، وافرَ الصَّلاح، وتُوفِّي سنة ثلاثٍ وسبعين، وله في «البخاريِّ» مئتان وسبعون حديثًا (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: بُنِيَ الإِسْلَامُ) الذي هو الانقياد (عَلَى خَمْسٍ)؛ أي: خمسِ دعائمَ، وقال بعضهم: «على» بمعنى: «مِن»؛ أي: بني الإسلام من خمسٍ، وبهذا يحصل الجواب عمَّا يُقَال: إنَّ هذه الخمس هي الإسلام، فكيف يكون الإسلام مبنيًّا عليها؟! والمبنيُّ لابدَّ أن يكون غير المبنيِّ عليه، ولا حاجة إلى جواب الكرمانيِّ: بأنَّ الإسلام عبارةٌ عن المجموع، والمجموع غير كلِّ واحدٍ من أركانه: (شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَ) شهادةِ (أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وإِقَامِ الصَّلَاةِ)؛ أي: المُداوَمة عليها، والمُرَاد: الإتيان بها بشروطها وأركانها، (وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ)؛ أي: إعطائها مستحقِّيها بإخراج جزءٍ من المال على وجهٍ مخصوصٍ، كما سيأتي البحث فيه _إن شاء الله تعالى_ في محلِّه بعون الله تعالى، (وَالْحَجِّ) إلى بيت الله الحرام، (وَصَوْمِ) شهر (رَمَضَانَ)؛ بخفض «شهادة» على البدل من «خمسٍ»، وكذا ما بعدها، ويجوز الرَّفع خبر مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: وهي، والنَّصب بتقدير: أعني، قال البدر الدَّمامينيُّ: أمَّا وجه الرَّفع؛ فواضحٌ، وأمَّا وجه الجرِّ؛ فقد يُقال فيه: إنَّ البدل من «خمسٍ» هو مجموع [1] المجرورات المتعاطفة، لا كلُّ واحدٍ منها، فإن قلت: يكون كلٌّ منها بدلَ بعضٍ؛ قلت: حينئذٍ: يحتاج إلى تقدير رابطٍ ا ه، و«لا» في قوله: «لا إله إلَّا الله» هي النَّافية للجنس، و«إله» اسمها مُركَّبٌ معها تركيبَ مَزْجٍ كأحدَ عَشَرَ، وفَتْحَتُه فتحةُ بناءٍ، وعند الزَّجَّاج: فتحةُ إعرابٍ؛ لأنَّه عنده منصوبٌ بها لفظًا، وخبرُها محذوفٌ اتِّفاقًا، تقديره: موجودٌ، و«إلَّا» حرف استثناءٍ، و«الاسم الكريم» مرفوعٌ على البدليَّة من الضَّمير المستتر في الخبر، وقِيل: مرفوعٌ على الخبريَّة لقوله: «لا»، وعليه جماعةٌ، وفي هذه المسألة مباحثُ ضربتُ عليها [2] بعد أن أَثْبَتُّها خوفَ الإطالة، ثمَّ إنَّ مثل هذا التَّركيب عند علماء المعاني يفيد القصر، وهو في هذه الكلمة من باب قصر الصِّفة على الموصوف، لا العكس، فإنَّ «إلهَ» في معنى الوصف، فإن قلت: لِمَ قُدِّمَ النَّفيُ على الإثبات؟ فقِيلَ: لا إله إلَّا الله، ولم يُقَلْ: الله لا إله [3] إلَّا هو؛ بتقديم الإثبات على النَّفي؟ أُجِيب: بأنَّه إذا نفى أن يكون ثَمَّ إلهٌ غير الله؛ فقد فرَّغ قلبه ممَّا سوى الله تعالى بلسانه؛ ليواطئ القلب، وليس مشغولًا بشيءٍ سوى الله تعالى، فيكون نفي الشَّريك عن الله تعالى بالجوارح الظَّاهرة والباطنة، ووجه الحصر في الخمسة: أنَّ العبادة؛ إمَّا قوليَّةٌ أو غيرها، الأولى: الشَّهادتان، والثَّانية: إمَّا تَرْكيَّةٌ أو فعليَّةٌ؛ الأولى: الصَّوم، والثَّانية: إمَّا بدنيَّةٌ أو ماليَّةٌ؛ الأولى: الصَّلاة، والثَّانية: الزَّكاة، أو مُركَّبةٌ منهما؛ وهي الحجُّ، وقد وقع ذكره مقدَّمًا على الصَّوم، وعليه بنى المصنِّف ترتيب [4] جامعه هذا، لكن عند مسلمٍ من رواية سعد [5] بن عبيدة عن ابن عمر تأخير الصَّوم عن الحجِّ، فقال رجلٌ _وهو يزيد بن بشرٍ السَّكسكيُّ_: والحجُّ وصوم رمضان، فقال ابن عمر: لا، صيام رمضان والحجُّ»، هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيحتمل أن يكون حنظلة رواه هنا بالمعنى؛ لكونه لم يسمع رد ابن عمر على يزيد، أو سمعه ونسيه. نعم؛ رواه ابن عمر في «مسلم» من أربع طرقٍ، تارةً بالتَّقديم، وتارةً بالتَّأخير، فإن قلت: لِمَ لَمْ يذكر الإيمان بالأنبياء والملائكة وأسقط الجهاد؟ أُجِيب: بأنَّ الجهاد فرضُ كفايةٍ، ولا يتعيَّن إلَّا في بعض الأحوال، وإنَّما لم يذكر الإيمان بالأنبياء والملائكة؛ لأنَّ المُرَادُ بالشَّهادة تصديقُ الرَّسول فيما جاء به، فيستلزم جميع ما ذُكِرَ من المعتقدات [6] .

وفي قوله: «بُنِيَ... إلى آخره» استعارةٌ؛ بأن يقدِّر الاستعارة في «بُنِيَ»، والقرينة في «الإسلام»؛ شبَّه ثبات الإسلام واستقامته على هذه الأركان الخمسة ببناء الخباء على هذه الأعمدة الخمسة، ثمَّ تسري الاستعارة من المصدر إلى الفعل، أو تكون مكنيَّةً بأن تكون الاستعارة [7] في الإسلام، والقرينةُ «بُنِيَ» على التَّخييل؛ بأن شبَّه الإسلام بالبيت، ثمَّ خُيِّل كأنَّه بيتٌ على المُبالغَة، ثمَّ أطلق الإسلام على ذلك المُخيَّل، ثمَّ خُيِّل له ما يلازم الخباء المُشبَّه به من البناء، ثمَّ أثبت له ما هو لازمُ البيتِ من البناء على الاستعارة التَّخييليَّة، ثمَّ نسبه إليه؛ ليكون قرينةً مانعةً من إرادة الحقيقة، [/ج1ص90/]

ويجوز أن تكون استعارةٌ بالكناية؛ لأنَّه شبَّه الإسلام بمبنىً له دعائمُ، فَذَكَرَ المُشبَّه، وطوى ذِكْرَ المُشبَّه به، وذكر ما هو من خواصِّ المشبَّه به، وهو البناء، ويُسمَّى هذا استعارةً ترشيحيَّةً، ويجوز أن تكون استعارةٌ تمثيليَّةٌ؛ فإنَّه مثَّل حالة الإسلام مع أركانه الخمسة بحالة خباءٍ أُقِيمَ على خمسة أعمدةٍ، وقطبُها التي تدور عليه هو شهادة أنْ لا إله إلَّا لله، وبقيَّةُ شعب الإيمان كالأوتاد للخباء [8] ، وقال في «الفتح»: فإن قلت: الأربعة المذكورة بعد الشَّهادة مبنيَّةٌ على الشَّهادة؛ إذ لا يصحُّ شيءٌ منها إلَّا بعد وجودها، فكيف يُضمُّ مبنيٌّ إلى مبنيٍّ عليه في مسمًّى واحدٍ؟ أُجِيب: بجواز ابتناء أمرٍ على أمرٍ، يُبتَنى على الأمرين أمرٌ آخرُ، فإن قلت: المبنيُّ لابدَّ أن يكون غير المبنيِّ عليه، فالجواب: أنَّ المجموع غيرٌ من حيث الانفراد، عينٌ من حيث الجمع، ومثاله: البيت من الشَّعر، يُجعل على خمسة أعمدةٍ، أحدها أوسطُ، والبقيَّة أركانٌ، فما دام الأوسط قائمًا؛ فمُسمَّى البيت موجودٌ، ولو سقط مهما سقط من الأركان، فإذا سقط الأوسط؛ سقط مُسمَّى البيت، فالبيت بالنَّظر إلى مجموعه شيءٌ واحدٌ، وبالنَّظر إلى أفراده أشياءُ، وأيضًا: فبالنَّظر إلى أسِّه وأركانه: الأسُّ أصلٌ، والأركان تَبَعٌ وتكملةٌ له، والله سبحانه الموفِّق.

ومن لطائف إسناد هذا الحديث: جمعه للتَّحديث والإخبار والعنعنة، وكلُّ رجاله مَكِّيُّون إلَّا عبيد الله، فإنَّه كوفيٌّ، وهو من الرُّباعيَّات، وأخرج متنه المؤلِّف أيضًا في «التَّفسير» [خ¦4514] ، ومسلمٌ في «الإيمان» خماسيَّ الإسناد ا ه.

[1] في (م): «جميع».
[2] في (م): «أضربت عنها».
[3] في (ص): «واحد».
[4] في (ص): «تركيب».
[5] في (ص): «سعيد»، وهو تحريفٌ.
[6] في (ب) و(س): «الاعتقادات».
[7] قوله: «ثمَّ تسري الاستعارة من المصدر إلى الفعل، أو تكون مكنيَّةً بأن تكون الاستعارة»، سقط من (ص) و(م).
[8] قوله: «وفي قوله: «بُنِيَ... إلى آخره» استعارةٌ؛... وبقيَّةُ شعب الإيمان كالأوتاد للخباء»، ليس في (م).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

8-. حدَّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ مُوسَىَ قالَ: أخبَرَنا [1] حَنْظَلَةُ بنُ أَبِي سُفْيانَ، عن عِكْرِمَةَ بنِ خالِدٍ: عن ابْنِ عُمَرَ [2] قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَىَ خَمْسٍ: شَهادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ وأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وإِقامِ الصَّلاةِ، وإِيتاءِ الزَّكاةِ، والحَجِّ، وصَوْمِ رَمَضانَ».

[1] في رواية أبي ذر: «حدَّثنا».
[2] في رواية أبي ذر زيادة: «رضي الله عنهما» (و)، وهو المثبت في متن (ب، ص) دون ذكر اختلاف.





8- ( بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ ) بالجر على البدل مما قبله، ويجوز الرفع، أي: أحدها شهادة.


8# (عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ) قال الزركشي: بالجرِّ على البدل مما قبله، ويجوز الرفع؛ أي: أحدُها شهادةُ.

قلتُ: أما وجهُ الرفع، فواضحٌ [1] ، وأما وجهُ الجر، فقد يقال فيه: إن البدل من خمس هو مجموع المجرورات المتعاطفة، لا كل واحد منها.

فإن قلتَ: يكون كل منها بدلَ بعض؟

قلتُ: يحتاج حينئذٍ إلى تقدير رابط.

[1] في (د): ((فظاهر)).





لا تتوفر معاينة

8- (خَمْسٍ) [1] أي: دعائم أو قواعد، ويَحتملُ أنَّ المرادَ: خمسة أشياءَ، وإنَّما حُذفتِ الهاءُ؛ لكون الأشياءِ لم تُذكَر؛ كقولِه تعالى: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234] ، والمعنى: عشرة أشياء، وكقولِه عليه الصَّلاة والسَّلام: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ...»، واللُّغةُ الفُصحى إذا حُذِفَ المعدودُ تُحْذَفُ الهاءُ، وقد اختُلفَ في حذفِها من الآيةِ على أوجهٍ، فانظر ذلك من المطوَّلات.

(شَهَادَة وَإِقَام وَإِيتَاء وَالْحَجّ وَصَوْم رَمَضَانَ): (شَهَادَةِ): مجرورٌ وما عُطِفَ عليه، مجرورٌ بأنَّه بدلٌ من (خمسٍ) بدلَ الكلِّ مِنَ الكلِّ، ومرفوعٌ بأنَّه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ؛ وهو: (هي).

(وَإِقَام): أصلُه: (إقامة) بالتَّاء حذفتْ.

وقال البِرْماويُّ: (أصلُه: «إقوام»، فنُقِلت فتحةُ الواو إلى السَّاكن قبلها، فحُذِفتِ الواو، ويجبُ حينئذٍ أن يعوَّض عنها، فيقال: إقامة، أو ذِكْرُ المضاف إليه؛ كما في قوله تعالى: {وَإِقَامِ الصَّلَاةِ} [النور: 37] ).

وقال ابن عَقيلٍ: (إقامة واستقامة، وأصله: إقوامٌ واسْتِقْوامٌ، فنُقِلتْ حركةُ العين إلى الفاء، وقُلبتِ الواوُ ألفًا؛ لمجانسةِ الفتحةِ قبلَها، فالتقى ألفانِ، فحُذفتِ الثانيةُ منهما، ثمَّ عُوِّضَ منها تاءُ التأنيثِ، فصارَ «إقامة» و«استقامة»، وقد تُحذف هذه التاءُ؛ كقولهم: أجابَ إجابًا، ومنه قوله تعالى: {وَإِقَامِ الصَّلَاةِ} [النور: 37] ) [2] .

و (إِيتَاءِ): يتعدَّى إلى مفعولين، الثاني محذوفٌ؛ أي: مُستَحِقِّها. [/ص13/]

[[الهوامش:]]/
[1] في (ب): (على خمسٍ).
[2] «شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك» (2/574)، وقول ابن عقيل سقط من (ب).





8- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ)؛ بالتَّصغير، وفي «الفرع» خلافًا لـ: «أصله»: ((وحدَّثنا محمَّد بن إسماعيل _يعني: البخاريَّ_ حدَّثنا عبيد الله)) (ابْنُ مُوسَى) بن باذام؛ بالمُوحَّدة والذَّال المُعجمَة، آخره ميمٌ، العَبْسيُّ؛ بفتح المُهمَلة، وتسكين المُوحَّدة، الشِّيعيُّ الغير داعيةٍ، المُتوفَّى بالإسكندريَّة سنة ثلاثَ عشْرةَ أو أربعَ عشْرَة أو خَمْسَ عَشْرةَ ومئتين (قَالَ: أَخْبَرَنَا)، وفي رواية الهرويِّ: ((حدَّثنا)) (حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) ابن عبد الرَّحمن الجمحيُّ المكيُّ القرشيُّ، المُتوفَّى سنة إحدى وخمسين ومئةٍ، (عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ)؛ يعني: ابن العاصي المخزوميِّ القرشيِّ، المُتوفَّى بمكَّة بعد عطاءٍ، وهو تُوفِّي سنة [/ج1ص89/]

أربع عشرة أو خمس عشرة ومئة، (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب عبد الله (رضي الله عنهما) هاجر به أبوه، واستُصغِر يومَ أحدٍ، وشهد الخندق وبيعة الرِّضوان والمشاهد، وكان واسعَ العلم، متينَ الدِّين، وافرَ الصَّلاح، وتُوفِّي سنة ثلاثٍ وسبعين، وله في «البخاريِّ» مئتان وسبعون حديثًا (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: بُنِيَ الإِسْلَامُ) الذي هو الانقياد (عَلَى خَمْسٍ)؛ أي: خمسِ دعائمَ، وقال بعضهم: «على» بمعنى: «مِن»؛ أي: بني الإسلام من خمسٍ، وبهذا يحصل الجواب عمَّا يُقَال: إنَّ هذه الخمس هي الإسلام، فكيف يكون الإسلام مبنيًّا عليها؟! والمبنيُّ لابدَّ أن يكون غير المبنيِّ عليه، ولا حاجة إلى جواب الكرمانيِّ: بأنَّ الإسلام عبارةٌ عن المجموع، والمجموع غير كلِّ واحدٍ من أركانه: (شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَ) شهادةِ (أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وإِقَامِ الصَّلَاةِ)؛ أي: المُداوَمة عليها، والمُرَاد: الإتيان بها بشروطها وأركانها، (وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ)؛ أي: إعطائها مستحقِّيها بإخراج جزءٍ من المال على وجهٍ مخصوصٍ، كما سيأتي البحث فيه _إن شاء الله تعالى_ في محلِّه بعون الله تعالى، (وَالْحَجِّ) إلى بيت الله الحرام، (وَصَوْمِ) شهر (رَمَضَانَ)؛ بخفض «شهادة» على البدل من «خمسٍ»، وكذا ما بعدها، ويجوز الرَّفع خبر مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: وهي، والنَّصب بتقدير: أعني، قال البدر الدَّمامينيُّ: أمَّا وجه الرَّفع؛ فواضحٌ، وأمَّا وجه الجرِّ؛ فقد يُقال فيه: إنَّ البدل من «خمسٍ» هو مجموع [1] المجرورات المتعاطفة، لا كلُّ واحدٍ منها، فإن قلت: يكون كلٌّ منها بدلَ بعضٍ؛ قلت: حينئذٍ: يحتاج إلى تقدير رابطٍ ا ه، و«لا» في قوله: «لا إله إلَّا الله» هي النَّافية للجنس، و«إله» اسمها مُركَّبٌ معها تركيبَ مَزْجٍ كأحدَ عَشَرَ، وفَتْحَتُه فتحةُ بناءٍ، وعند الزَّجَّاج: فتحةُ إعرابٍ؛ لأنَّه عنده منصوبٌ بها لفظًا، وخبرُها محذوفٌ اتِّفاقًا، تقديره: موجودٌ، و«إلَّا» حرف استثناءٍ، و«الاسم الكريم» مرفوعٌ على البدليَّة من الضَّمير المستتر في الخبر، وقِيل: مرفوعٌ على الخبريَّة لقوله: «لا»، وعليه جماعةٌ، وفي هذه المسألة مباحثُ ضربتُ عليها [2] بعد أن أَثْبَتُّها خوفَ الإطالة، ثمَّ إنَّ مثل هذا التَّركيب عند علماء المعاني يفيد القصر، وهو في هذه الكلمة من باب قصر الصِّفة على الموصوف، لا العكس، فإنَّ «إلهَ» في معنى الوصف، فإن قلت: لِمَ قُدِّمَ النَّفيُ على الإثبات؟ فقِيلَ: لا إله إلَّا الله، ولم يُقَلْ: الله لا إله [3] إلَّا هو؛ بتقديم الإثبات على النَّفي؟ أُجِيب: بأنَّه إذا نفى أن يكون ثَمَّ إلهٌ غير الله؛ فقد فرَّغ قلبه ممَّا سوى الله تعالى بلسانه؛ ليواطئ القلب، وليس مشغولًا بشيءٍ سوى الله تعالى، فيكون نفي الشَّريك عن الله تعالى بالجوارح الظَّاهرة والباطنة، ووجه الحصر في الخمسة: أنَّ العبادة؛ إمَّا قوليَّةٌ أو غيرها، الأولى: الشَّهادتان، والثَّانية: إمَّا تَرْكيَّةٌ أو فعليَّةٌ؛ الأولى: الصَّوم، والثَّانية: إمَّا بدنيَّةٌ أو ماليَّةٌ؛ الأولى: الصَّلاة، والثَّانية: الزَّكاة، أو مُركَّبةٌ منهما؛ وهي الحجُّ، وقد وقع ذكره مقدَّمًا على الصَّوم، وعليه بنى المصنِّف ترتيب [4] جامعه هذا، لكن عند مسلمٍ من رواية سعد [5] بن عبيدة عن ابن عمر تأخير الصَّوم عن الحجِّ، فقال رجلٌ _وهو يزيد بن بشرٍ السَّكسكيُّ_: والحجُّ وصوم رمضان، فقال ابن عمر: لا، صيام رمضان والحجُّ»، هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيحتمل أن يكون حنظلة رواه هنا بالمعنى؛ لكونه لم يسمع رد ابن عمر على يزيد، أو سمعه ونسيه. نعم؛ رواه ابن عمر في «مسلم» من أربع طرقٍ، تارةً بالتَّقديم، وتارةً بالتَّأخير، فإن قلت: لِمَ لَمْ يذكر الإيمان بالأنبياء والملائكة وأسقط الجهاد؟ أُجِيب: بأنَّ الجهاد فرضُ كفايةٍ، ولا يتعيَّن إلَّا في بعض الأحوال، وإنَّما لم يذكر الإيمان بالأنبياء والملائكة؛ لأنَّ المُرَادُ بالشَّهادة تصديقُ الرَّسول فيما جاء به، فيستلزم جميع ما ذُكِرَ من المعتقدات [6] .

وفي قوله: «بُنِيَ... إلى آخره» استعارةٌ؛ بأن يقدِّر الاستعارة في «بُنِيَ»، والقرينة في «الإسلام»؛ شبَّه ثبات الإسلام واستقامته على هذه الأركان الخمسة ببناء الخباء على هذه الأعمدة الخمسة، ثمَّ تسري الاستعارة من المصدر إلى الفعل، أو تكون مكنيَّةً بأن تكون الاستعارة [7] في الإسلام، والقرينةُ «بُنِيَ» على التَّخييل؛ بأن شبَّه الإسلام بالبيت، ثمَّ خُيِّل كأنَّه بيتٌ على المُبالغَة، ثمَّ أطلق الإسلام على ذلك المُخيَّل، ثمَّ خُيِّل له ما يلازم الخباء المُشبَّه به من البناء، ثمَّ أثبت له ما هو لازمُ البيتِ من البناء على الاستعارة التَّخييليَّة، ثمَّ نسبه إليه؛ ليكون قرينةً مانعةً من إرادة الحقيقة، [/ج1ص90/]

ويجوز أن تكون استعارةٌ بالكناية؛ لأنَّه شبَّه الإسلام بمبنىً له دعائمُ، فَذَكَرَ المُشبَّه، وطوى ذِكْرَ المُشبَّه به، وذكر ما هو من خواصِّ المشبَّه به، وهو البناء، ويُسمَّى هذا استعارةً ترشيحيَّةً، ويجوز أن تكون استعارةٌ تمثيليَّةٌ؛ فإنَّه مثَّل حالة الإسلام مع أركانه الخمسة بحالة خباءٍ أُقِيمَ على خمسة أعمدةٍ، وقطبُها التي تدور عليه هو شهادة أنْ لا إله إلَّا لله، وبقيَّةُ شعب الإيمان كالأوتاد للخباء [8] ، وقال في «الفتح»: فإن قلت: الأربعة المذكورة بعد الشَّهادة مبنيَّةٌ على الشَّهادة؛ إذ لا يصحُّ شيءٌ منها إلَّا بعد وجودها، فكيف يُضمُّ مبنيٌّ إلى مبنيٍّ عليه في مسمًّى واحدٍ؟ أُجِيب: بجواز ابتناء أمرٍ على أمرٍ، يُبتَنى على الأمرين أمرٌ آخرُ، فإن قلت: المبنيُّ لابدَّ أن يكون غير المبنيِّ عليه، فالجواب: أنَّ المجموع غيرٌ من حيث الانفراد، عينٌ من حيث الجمع، ومثاله: البيت من الشَّعر، يُجعل على خمسة أعمدةٍ، أحدها أوسطُ، والبقيَّة أركانٌ، فما دام الأوسط قائمًا؛ فمُسمَّى البيت موجودٌ، ولو سقط مهما سقط من الأركان، فإذا سقط الأوسط؛ سقط مُسمَّى البيت، فالبيت بالنَّظر إلى مجموعه شيءٌ واحدٌ، وبالنَّظر إلى أفراده أشياءُ، وأيضًا: فبالنَّظر إلى أسِّه وأركانه: الأسُّ أصلٌ، والأركان تَبَعٌ وتكملةٌ له، والله سبحانه الموفِّق.

ومن لطائف إسناد هذا الحديث: جمعه للتَّحديث والإخبار والعنعنة، وكلُّ رجاله مَكِّيُّون إلَّا عبيد الله، فإنَّه كوفيٌّ، وهو من الرُّباعيَّات، وأخرج متنه المؤلِّف أيضًا في «التَّفسير» [خ¦4514] ، ومسلمٌ في «الإيمان» خماسيَّ الإسناد ا ه.

[1] في (م): «جميع».
[2] في (م): «أضربت عنها».
[3] في (ص): «واحد».
[4] في (ص): «تركيب».
[5] في (ص): «سعيد»، وهو تحريفٌ.
[6] في (ب) و(س): «الاعتقادات».
[7] قوله: «ثمَّ تسري الاستعارة من المصدر إلى الفعل، أو تكون مكنيَّةً بأن تكون الاستعارة»، سقط من (ص) و(م).
[8] قوله: «وفي قوله: «بُنِيَ... إلى آخره» استعارةٌ؛... وبقيَّةُ شعب الإيمان كالأوتاد للخباء»، ليس في (م).





8- ( بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ ) أي: دعائم، كما صرَّح به عبد الرَّزاق في روايته.

( شَهَادَةِ ) بالجرِّ على البدل، والرَّفع أي: أحدها أو منها شهادة.

( وَإِقَامِ الصَّلاَةِ ) أي: المداومة عليها.

( وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ ) أخرجه مسلم من طريق حنظلة هذه بتأخير الحجِّ عن الصَّوم، وأخرجه من طريق سعد بن عبيدة عن ابن عمر كذلك، قال: «فقال رجل: والحجُّ وصيام رمضان، فقال ابن عمر: لا، صيام رمضان والحجُّ، هكذا سمعت من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم». [/ج1ص155/]

قال ابن حجر: ففي هذا إشعار بأنَّ رواية حنظلة التي في البخاريِّ مرويَّة بالمعنى، إمَّا لأنَّه لم يسمع ردَّ ابن عمر على الرَّجل لتعدُّد المجلس، أو حضر ذلك ثمَّ نسيه.

قال: جوَّز بعضهم أن يكون ابن عمر سمعه من النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم على الوجهين ونسي أحدهما عند ردِّه على الرَّجل، قال: وهو بعيد، فإنَّ تطرُّق النِّسيان إلى الرَّاوي عن الصَّحابيِّ أولى من تطرُّقه إلى الصَّحابيِّ، كيف وفي رواية مسلم من طريق حنظلة تقديم الصَّوم على الحجِّ، وذلك دالٌّ على أنَّه روي بالمعنى، ويؤيِّده ما وقع عند البخاريِّ في التَّفسير بتقديم الصِّيام على الزَّكاة، [خ:4514] أفيُقال: إنَّ الصَّحابيَّ سمعه على ثلاثة أوجه؟ هذا مستبعد. انتهى. [/ج1ص156/]


لا تتوفر معاينة

8- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ [1]))

الشرح:

اعلم أنَّ البخاريَّ رحمه الله ورضي عنه كان - مع ما تقدم وصفه به من الجلالة والديانة [2]، والإتقان، والحفظ، والعناية، وغيرها - متمسكًا أحسن تمسك [3] بالكتاب والسنة وما كان عليه سلف

#%ص87%

الأمة رضي الله عنهم، معتنيًا بالتنقيب عن ظواهر الكتاب والسنة وبواطنهما، متأدبًا [4]بها، ومن دلائل ذلك ترتيبه كتابه على هذا الترتيب الذي لم يُسْبَقْ إليه، فبدأ بعد مقدمة الكتاب في بيان ابتداء الوحي بذكر كتاب الإيمان، ثم كتاب الصلاة بمقدماته التي هي كتاب الطهارة من الوضوء والغسل والتيمم وأحكام الحيض، ثم بكتاب الزكاة وما يتعلق بها، ثم بكتاب الحج ومتعلقاته، ثم كتاب الصوم.

وقصد رحمه الله تعالى ورضي عنه الاعتناء بالترتيب الذي رتبه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في هذا الحديث الذي هو من أعظم قواعد الدين، كما ستراه في شرحه [5] إن شاء الله تعالى.

وقد وقع في روايات في الصحيح تقديم الحج على الصوم، وفي روايات تقديم الصوم، فقدم البخاري رحمه الله تعالى رواية [6] تقديم الحج، وسلك في كتابه أيضًا رحمه الله مسلكًا آخر حسنًا، وهو أنه يبتدئ كل كتاب من كتبه بذكر [7] (بسم الله الرحمن الرحيم) عملًا بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ [8]بِالِحَمْدُ للهِ فَهُو أَجْذَمٌ)). وفي رواية: ((بِبِسْمِ [9] اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيْمِ)). [10] وفي رواية: [11] ((بِذْكِرِ اللهِ)). وقد سبق بيانه في شرح حديث [12] قصة هرقل، وهذا وإن كان يغني عنه البسملة في أول الكتاب فهو احتياط، وزيادة اعتناء ومحافظة على التمسك بالسنة.

فصل: اعلم أنَّ كتابَ الإيمانِ هو أهمُّ الكتب بلا شك، والاعتناء [13] بتحقيقه أهم من غيره، وقد جمع البخاري رحمه الله تعالى فيه [14] هنا [15] جملة صالحة، وهي مع ذلك مشتملة على ما تركه من أحاديث كتاب الإيمان، كما ستراه إن شاء الله تعالى في شرحه، ونحن نرى تأخير كل قاعدة إلى الباب اللائق بها [16] من تراجم البخاري، لكن نقدم ما تدعو الحاجة إلى تأصيله وتمهيده ليتقرر [17] الأصول، ثم نحيل عليها ما احتجنا فيه إلى حوالة، ونقدم على ذلك بيان الأسماء واللغات المذكورة في الباب مختصرًا على عادتنا، وبالله التوفيق.

فصل: في بيان الرواة:

أما

#%ص88%

(ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه) فهو أبو عبد الرحمن عبدُ الله بنُ عمرَ بنِ الخطاب، القرشي العدوي المكي، وتقدم تمام نسبه في ترجمة أبيه، أمه وأم أخته حفصة رضيَ الله عنهما زينبُ بنتُ مظعون [18]، أخت عثمان بن مظعون رضي الله عنه.

أسلم ابن عمر رضي الله عنهما بمكة قديمًا مع أبيه وهو صغير، وهاجر معه، واسْتُصْغِرَ عن أحد، وشهد الخندق وما بعدها من المشاهد مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.

روي له عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ألفا [19]حديث وستمائة وثلاثون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم منها على مائة وسبعين، وانفرد البخاري بأحد وثمانين، ومسلم بأحد وثلاثين، وهو أكثر الصحابة رواية بعد أبي هريرة رضيَ اللهُ عنهما، روى عنه: أولاده سالم وعبد الله وحمزة وبلال، وخلائق لا يحصون من كبار التابعين.

ومناقب ابن عمر رضي الله عنهما أكثر من أن تحصر، بل قلَّ نظيره في المتابعة لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في كل شيء، وإعراضه عن الدنيا ومقاصدها والتطلع إلى رياسة أو غيرها [20]، وأدَلُّ دليل على عظم [21]مرتبته شهادة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم له بقوله في الحديث الصحيح: (( إنَّ عَبْدَ اللهِ رَجُلٌ صَالِحٌ )). ثم عاش بعد هذا زيادة [22]على ستين سنة يترقى في الخيرات.

روينا عن الزهري قال: لا يُعْدَل برأي ابن عمر؛ فإنه أقام بعد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ستين سنة، فلم يَخْفَ عنه شيء من أمره ولا من أمر أصحابه [23]رضي الله عنهم، توفي ابن عمر رضي الله عنهما بمكة سنة ثلاث وسبعين، بعد قتل ابن الزبير رضيَ اللهُ عنهما بثلاثة أشهر، وقيل: بستة أشهر, وهو ابن أربع وثمانين سنة.

قال يحيى بنُ بُكَيْرٍ: توفي ابن عمر رضيَ اللهُ عنهما بمكة بعد الحج، ودُفِنَ بالْمُحَصَّبِ، وبعض الناس يقول: بِفَخٍّ، قلت: فَخٌّ - بفتح الفاء وتشديد الخاء المعجمة - موضع بقرب مكة، فاحفظه، فإنه مما يُغْلَطُ فيه، والله أعلم.

فصل: قد قدمنا أن ابن عمر رضيَ اللهُ عنهما أحد [24]الستة الذين هم أكثر الصحابة

#%ص89%

رواية، وأنه أحد العبادلة [25]رضيَ اللهُ عنهم.

فصل: مذهبُ البخاريِّ رحمه الله تعالى أنَّ أصحَّ الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر رضيَ اللهُ عنهم، ويُسَمَّى هذا الإسناد مشبك الذهب [26].

قال الإمام أبو منصور عبد القاهر التميمي: فعلى هذا أصحها الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر رضيَ اللهُ عنهم.

قال غيره: فعلى هذا أصحها أحمدُ بنُ حنبل [27] عن الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر رضيَ اللهُ عنهم، وفي أصل هذه المسألة خلاف [28] مذكور في علوم الحديث [29] وبالله التوفيق.

فصل: وأما الراوي عن ابن عمر رضي الله عنهما فهو (عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ) بنِ العاص [30] بنِ هشامِ بنِ الْمُغَيرة بنِ عبدِ الله بنِ عمرَ بنِ مَخْزُوم، القرشي المخزومي المكي، الثقة الجليل.

روى عنه جماعة [31] من التابعين منهم: عمرو بن دينار، وقتادة، توفي بعد عطاء، وتوفي عطاء سنة أربع عشرة - أو خمس [32] عشرة - ومائة.

وأما الراوي عن عكرمة فهو (حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) بنِ عبد الرحمنِ بنِ صفوانَ بنِ أميةَ، القرشي الْجُمَحِي [33] المكي، سمع جماعات من كبار [34] التابعين منهم: طاوسٌ، وعطاءُ بنُ أبي رباح، ومجاهدٌ، وسالمٌ، والقاسمُ بنُ محمد، ونافع، وغيرهم، روى عنه الأعلام منهم: الثوريُّ، ووكيعٌ، وابنُ المباركِ، وابنُ وهب، والوليدُ بنُ مسلمٍ، وأبو عاصم، وآخرون.

قال وكيع: هو ثقة ثقة، [35] وقال ابن معين: هو ثقة حجة، توفي سنة إحدى وخمسين ومائة.

وأما الراوي عن حنظلة فهو السيد الجليل أبو محمد (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى) بن باذام [36]- بالموحدة والذال [37] المعجمة - العَبْسي [38] - بالموحدة - مولاهم، الكوفي.

سمع جماعة من التابعين منهم: هشامُ بنُ عروةَ، وإسماعيلُ بنُ أبي خالد، والأعمش، وسمع جماعات من الأئمة والأعلام: كالثوري، والأوزاعي، وابن جريج، وشعبة، وإسرائيل، وخلائق.

روى عنه خلائق من الأئمة منهم: أحمدُ بنُ حنبل، وإسحاقُ، وأبو بكر [39] بن أبي شيبة، والذُّهْليُّ، والبخاري، وآخرون، وكان [40] عالمًا بالقرآن رأسًا [41]فيه.

قال أحمدُ بنُ عُبَيْدِ [42] الله العِجْلِيُّ: ما رأيت

#%ص90%

عبيد الله رافعًا رأسه، وما رُئي ضاحكًا قط.

توفي بالإسكندرية سنة ثلاث عشرة ومائتين، في ذي القعدة، وقيل: سنة أربع عشرة.

فصل: [43]هذا الإسناد كله مكيون إلا عبيد الله، وهذا من الطُّرف، وبالله التوفيق.

فصل: في مختصر ألفاظ الباب.

وقع هنا: (بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ). وفي روايتين في «صحيح مسلم»: ((عَلَى خَمْسَةٍ)) وكلاهما صحيح، فخمسة معناه خمسة أشياء، أو خمسة أركان، أو خمسة أصول، و(خَمْسٌ): يحتمل وجهين، أحدهما: خمسُ دعائمَ أو قواعدَ، والثاني: أن يكون [44]خمسة [45]أشياء، وإنما حذف الهاء لكون الأشياء لم تُذْكَر، كقول الله سبحانه وتعالى: { يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } [البقرة: 234] والمعنى: عشرة أيام، وكقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتًّا [46] )). ونظائره، والله أعلم.

وقوله [47]: (كَتَبَ عُمَرُ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ) هو السيد الجليل أبو فَرْوةَ، عديُّ بنُ عدي بن عَريرة [48] - بفتح العين - ابن زرارة بن الأرقم [49] بن عمرو [50] بن وهب، الكندي الجزري التابعي.

روى عن أبيه وعمه العُرْسِ بنِ عَميرةَ، وهما صحابيان رضي الله عنهما.

روى عنه جماعات من التابعين وغيرهم، فمن التابعين: أيوب، وأبو الزبير، والحكم.

قال البخاري: عدي بن عدي سيد أهل الجزيرة.

وقال مَسْلَمَةُ بنُ عبدِ الملك: في كِنْدَةَ ثلاثةٌ إن الله عز وجل لَيُنزل بهم الغيث، وينصر بهم على الأعداء: رجاءُ بنُ حَيْوةَ، وعُبادةُ بن نُسيّ، وعَدِيُّ بنُ عَدِي.

وقال أحمد بن حنبل: عدي بن عدي لا يُسْأل عن مثله.

قال [51]ابن أبي حاتم: كان عدي عاملُ عمرَ بن عبد العزيز على الموصل.

وقال محمد بن سعد: كان عدي ناسكًا، فقيهًا، وولي الجزيرة وأرمينية وأذربيجان لسليمان بن عبد الملك.

توفي سنة عشرين ومائة رضي الله عنه.

قوله: (فَإِنْ [52]أَعِشْ فَسَأُبَيِّنُهَا لَكُمْ) أي: أوضحها إيضاحًا يفهمه كلُّ أحد، فإن قيل: كيف أخر بيانها؟ فجوابه أنه لم يعلم أنهم يجهلون مقاصدها، ولكنه استظهر وبالغ في نصحهم، ونبههم على المقصود، وعرفهم أقسام الإيمان، وأنه سيذكرها إذا تفرغ لها، فقد كان مشغولًا بأهم من ذلك، والله أعلم.

قوله: (اجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً) معناه: نتذاكرُ الخيرَ

#%ص91%

وأحكام الآخرة وأمور الدين [53]، فإن ذلك إيمان.

قوله: (حَتَّى يَدَعَ مَا حَاكَ فِي الصَّدْرِ) [54] -بتخفيف الكاف- وهو ما يقع في القلب ولا ينشرح له صدره، وخاف الإثم فيه، يقال فيه: حاك يحيك، وحَكَّ يَحِكّ, وأحاك يُحيك.

قوله: (وَقَالَ [55] مُجَاهِدٌ: { شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا } أَوْصَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ وَإِيَّاهُ دِينًا وَاحِدًا) أي [56]: هذا [57] الذي [58] تظاهرت عليه أدلة الكتاب والسنة - من زيادة الإيمان ونقصه - هو شرع الأنبياء قبل نبينا صلَّى الله عليه وعليهم وسلم كما هو شرع نبينا صلَّى الله عليه وسلم؛ لأن الله تعالى قال: { شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى }.

قوله: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهما:{ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا }: سَبِيلًا وَسُنَّةً.{ دُعَاؤُكُمْ }: إيمانكم).

يعني أن ابن عباس رضيَ اللهُ عنهما فسر قوله تعالى [59]: { شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا } بسبيل وسنة، وفسر قوله تعالى [60]: { قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ } قال: المراد بالدعاء الإيمان، فمعنى دعاؤكم إيمانكم.

قال ابن بطال: معنى قول ابن عباس رضيَ اللهُ عنهما: لولا دعاؤكم الذي هو زيادة في إيمانكم [61]، وهذا الذي قاله حسن [62].

واعلم أنَّه يقع في كثير من نسخ البخاري هنا باب دعاؤكم إيمانكم.. إلى آخر الحديث الذي بعده، وهذا غلط فاحش، وإنما صوابه ما ذكرناه أولًا، ولا يصح إدخال باب هنا لوجوه منها أنه ليس له تعلق بما نحن فيه. ومنها أنه ترجم أولًا لقول [63] النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم: (بُنِيَ الإِسْلَامُ [64]) ولم يذكره قبل هذا، إنما ذكره بعده.

ومنها أنه ذكر الحديث بعده، وليس هو مطابقًا للترجمة، والله أعلم.

فصل: وأما مقصود الباب فهو بيان أن [65] الإيمان هل يزيد وينقص أم لا؟ وهل يطلق على الأعمال كالصلاة والصيام والذكر وغيرها أم لا؟

واعلم أنَّ مذهب السلف والمحدثين [66] وجماعات من المتكلمين أن الإيمان قول وعمل ونية، ويزيد وينقص. ومعنى هذا أنه يطلق على التصديق بالقلب، ويطلق على النطق باللسان، وعلى الأعمال بالجوارح كالصلاة وغيرها، ويزيد [67] بزيادة هذه وينقص بنقصها، وأنكر أكثر المتكلمين زيادته ونقصه، وقالوا: متى

#%ص92%

قبل الزيادة والنقص كان شكًا وكفرًا.

قال [68] المحققون من المتكلمين: نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص، والإيمان الشرعي يزيد وينقص بزيادة ثمراته ونقصانها، وهي الأعمال، وفي هذا جمع بين ظواهر النصوص الواردة بالزيادة مع أقاويل السلف وبين أصل وضعه في اللغة وما عليه المتكلمون، وهذا الذي قاله هؤلاء - وإن كان ظاهرًا حسنًا - فالأظهر المختار خلافه وهو أن نفس التصديق يزيد وينقص بكثرة النظر وتظاهر الأدلة وانشراح الصدر واستنارة القلب، ولهذا يكون إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم، بحيث لا تعتريهم الشبه [69] ولا يتزلزل إيمانهم بعارض، بل لا تزال قلوبهم منشرحة مستنيرة وإن اختلفت عليهم الأحوال.

وأما غيرهم من المؤلفة وما [70] قاربهم ونحوهم فليسوا كذلك، [71]مما لا يمكن إنكاره، ولا يتشكك [72]عاقل في أن نفس تصديق أبي بكر الصديق رضي الله عنه لا يساويه تصديق آحاد الناس، ولهذا ذكر البخاري - كما سيأتي - في بابه: عن [73]ابن أبي مليكة قال: أدركت ثلاثين من أصحاب النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم كلهم [74] يخاف النفاق على نفسه، ما منهم [75]أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل، ويدل له ظواهر نصوص الكتاب والسنة، فمن الكتاب الآيات التي ذكرهن البخاري وغيرهن [76]، ومن السنة أحاديث كثيرة في الصحيح، كحديث: (يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيْرَةٍ مِنْ إِيْمَانٍ، وَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ، وَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ). وفي الصحيح أحاديث كثيرة سننبه عليها في مواضعها إن شاء الله تعالى، فهذا الذي اخترناه هو [77] الصحيح الموافق لظواهر [78] النصوص القطعية، ولما قاله سلف الأمة، ولما يقضي به الحس [79]، وبالله التوفيق.

وأما إطلاق اسم الإيمان على الأعمال فمتفق عليه عند أهل الحق، ودلائله في الكتاب والسنة أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تشهر [80]، قال الله تعالى: { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ } [البقرة: 143] أجمعوا [81] أن المراد صلاتكم، ومثله الآيات التي ذكرها البخاري في الباب،

#%ص93%

وأما الأحاديث فخارجة عن الإحصاء [82], وستمر [83]بها في مواضعها، وهذا المعنى أراد البخاري [84] في صحيحه بالأبواب [85] الآتية بعد هذا، كقوله: باب: أمور الإيمان، باب: الصلاة من الإيمان, باب: الزكاة من الإيمان، باب: الجهاد من الإيمان، وسائر أبوابه.

وأراد الرد على المرجئة في قولهم الفاسد إن الإيمان قول بلا عمل، وبَيَّن [86] غلطهم وسوء اعتقادهم، ومخالفتهم الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.

قال الإمام أبو الحسن بن بطال: مذهب جميع أهل السنة من سلف الأمة وخلفها أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، والمعنى الذي يستحق به العبد [87] المدح والولاية من المؤمنين هو إتيانه بهذه الأمور الثلاثة [88]: التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح؛ وذلك أنه لا خلاف بين الجميع أنه لو أقر وعمل بلا اعتقاد، أو اعتقد وعمل وجحد بلسانه، لا يكون مؤمنًا، فكذا إذا أقر واعتقد، ولم يعمل الفرائض [89]، لا يسمى مؤمنًا [90]بالإطلاق لقول الله تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ. أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا } [الأنفال: 2 - 4] فأخبر سبحانه وتعالى أن المؤمن لا يكون إلا مَنْ هذه صِفَتُه، ولهذا قال النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم: ((لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ [91] )). فالحاصل أن الذي عليه أهل السنة أو جمهورهم أنَّ من صدق بقلبه ونطق بلسانه بالتوحيد، ولكنه قصر في الأعمال الواجبة - كترك الصلاة, وشرب الخمر - [92]لا يكون كافرًا خارجًا من ملة الإسلام، بل هو عاصٍ فاسقٌ يستحقُ العذابَ، وقد يُعْفَى عنه وقد يُعَذب، فإنْ عُذِّبَ خُتِمَ له بالجنة، وسيأتي بيان هذا في بابه إن شاء الله تعالى، وبالله التوفيق.

فصل: اتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أن المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القبلة ولا [93] يخلد في النار لا [94]يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقادًا جازمًا خاليًا من الشكوك، ونطق مع ذلك بالشهادتين، فإن اقتصر

#%ص94%

على أحدهما لم يكن من أهل القبلة أصلًا، بل يخلد في النار، إلا أن يعجز عن النطق لِخَلَلٍ في لسانه، أو لعدم التمكن منه لمعالجة [95]المنية، أو لغير ذلك، فإنه حينئذ يكون مؤمنًا بالاعتقاد من غير لفظ.

وإذا نطق بالشهادتين لم يشترط معهما [96] أن يقول: وأنا بريءٌ منْ كلِّ دين خالف [97]الإسلام، إلا إذا كان من كفارٍ يعتقدون اختصاص الرسالة بالعرب، فلا يحكم بإسلامه حتى يتبرأ.

ومن أصحابنا من شرط التبرؤ [98] مطلقًا، وليس بشيء، لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ)). أما إذا اقتصر الكافر على قول [99] لا إله إلا الله، ولم يقل: محمد رسول الله، فالمشهور من مذهبنا ومذهب جماهير العلماء أنه لا يكون مسلمًا، ومن أصحابنا من قال: يصير [100] مسلمًا، ويطالب بالشهادة الأخرى، فإنْ أَبَى جُعِلَ مرتدًا، واحتج له [101] بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم في روايات: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُوْلُوا لَا إِلَه إِلَّا اللهُ)). وحجة الجمهور قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته: ((حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ)). وأما الرواية المقتصرة على: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)) فالجواب عنها من وجهين، أحدهما: أنها مختصرة، والزيادة من الثقة مقبولة، ثم ليس فيها نفي اشتراط الشهادة الثانية، ورواية الجمهور مُصَرِّحَةٌ باشتراطها، والثاني: أن الاقتصار على إحدى الشهادتين تنبيه [102] على الأخرى، واقتصار من القرينين [103] المتلازمين [104] على أحدهما؛ ولأنَّ غالب المقائلين [105] في ذلك العصر لم يكونوا يفرقون بين الشهادتين، بل من أقر منهم بأحدهما [106] أقر بالأخرى، والله أعلم.

قال [107] القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري من أئمة أصحابنا: يُشْتَرط في صحة الإسلام بالشهادتين أن يقدم قول [108] لا إله إلا الله، وقد ذكرت ذلك في باب صفة الوضوء من «شرح المهذب» في فصل ترتيب الوضوء، والله أعلم.

أما إذا أقرَّ بوجوب الصلاة أو الصوم أو غيرهما من أركان الإسلام، وهو

#%ص95%

على خلاف ملته [109] التي كان عليها, فهل يُجْعَلُ بذلك مسلمًا؟ فيه وجهان لأصحابنا, الصحيح أنه لا يكون مسلمًا؛ لظاهر الحديث، ومن جعله مسلمًا قال: كل ما يكفر المسلم بإنكاره يصير الكافر بالإقرار به مسلمًا.

فصل: إذا أقرَّ بالشهادتين بالعجمية، فإن كان لا يحسن العربية صار مسلمًا بلا خلاف، وإن كان يحسنها فهل يصير مسلمًا؟ فيه وجهان، الصحيح أنه يصير لوجود الإقرار والاعتقاد، وهذا هو الصواب، والوجه الآخر ضعيف جدًا، وقد أوضحت بطلانه بدلائله وما يتعلق به في «شرح المهذب».

فصل: اختلف السلف والخلف في إطلاق الإنسان أنا مؤمن [110]، فقالت طائفة: لا يقول أنا مؤمن، مقتصرًا عليه، بل يقول أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، وحُكِي هذا عن أكثر المتكلمين، وذهب آخرون إلى جواز إطلاق أنا مؤمن، وأنه لا يقول إن شاء الله تعالى، وهذا هو المختار، وهو قول أهل التحقيق، وذهب الأوزاعي وغيره إلى جواز الأمرين، والأقوال الثلاثة صحيحة باعتبارات مختلفة، فمن أطلق نظر إلى الحال، فإنَّ أحكامَ الإيمانِ جاريةٌ عليه في الحال، ومن قال إن شاء الله، قالوا [111]: هو للتبرك أو لاعتبار العاقبة، ومن قال: بالتخيير نظر إلى مأخذ القولين ورفع الاختلاف، والقول بالتخيير حسن، ولكن [112] المختار الجواز من غير قول إن شاء الله، وبالله التوفيق.

وأما الكافر ففيه خلاف غريب لأصحابنا، منهم من يقول: هو كافر، ولا يقول إن شاء الله، ومنهم من يقول: هو في التقييد كالمسلم، فيقال على قول [113] التقييد هو كافر إن شاء الله تعالى، نظرًا إلى الخاتمة، فإنها مجهولة، والمختار الإطلاق.

فصل: مذهب أهل الحق أنه لا يُكَفَّرُ أحدٌ من أهل [114] القبلة بذنب، ولا يُكَفَّرُ أهل البدع والأهواء.

واعلم أنَّ من جَحَدَ ما يُعْلَمُ من دين الإسلام ضرورة - كوجوب الصلاة والزكاة والصوم ونحوها - حكم بكفره، إلا أن يكون قريب عهدٍ بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة ونحوه مما يخفى عليه ذلك، فيعرف ذلك، فإن استمر على جحده حُكِمَ بكفره، وكذا [115] منِ اسْتَحَلَّ الزنا والخمر [116]

#%ص96%

أو القتل ونحوها من المحرمات، التي يعلم تحريمها ضرورة، والله أعلم، ومن يُنَّقِص [117] نبيًا بنقص [118] ما حُكِم بكفره بالإجماع [119].

قال أصحابنا وغيرهم: الكفر ثلاثة أقسام، أحدها: بالاعتقاد، بأن يعتقد شيئًا يكفر، أو ينكر بقلبه شيئًا مما ذكرناه.

والثاني [120]: باللفظ، بأن يتكلم كلام [121] الكفار ولا يقصد معناه، فهذا كفر.

والثالث: بالفعل، بأنْ يَسْجُدَ لصنم [122] أو نحوه، أو يلقي المصحف في القاذورات، أو يُضَمِّخَ الكعبة بالعُذْرَة، والعياذ بالله تعالى، فكل [123] فِعْلٍ من هذه وأشباهها كفر بلا خلاف، وحكم فاعله حكم سائر المرتدين، عافانا الله تعالى وسائر المسلمين [124]، وبالله التوفيق [125].

فصل: قد ذكرت هذه المسائل المتعلقة بالإيمان مختصرة، وقد أوضحتها بأدلتها وأقوال السلف فيها في أول كتاب الإيمان من شرح «صحيح مسلم»، وذكرتها أوضح من ذلك في «شرح المهذب»، مع زيادات وفروع حسنة تتعلق بها لا يُسْتَغْنَى عن معرفتها.

فصل: قوله صلَّى الله عليه وسلَّم في حديث الباب: (بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ..) إلى آخره.. هو [126] حديث عظيم، من قواعد الإسلام وجوامع الأحكام، وقد أدخلته في كتاب «الأربعين في مباني الإسلام وقواعد الأحكام» وهو حقيق بذلك، وسيأتي بسط شرحه في موضعه اللائق به، وإنما أدخله البخاري في هذا الباب ليبين أن الإسلام يطلق على الأفعال، وأن الإسلام والإيمان قد يكونان بمعنى، وسيأتي القول في أن الإسلام والإيمان معناهما واحد، أم بينهما عموم وخصوص، ومذاهب السلف فيهما، حيث ذكره البخاري قريبًا والله أعلم، وله الحمد والمنة، وبه [127] التوفيق والعصمة.

[1] في (ص): ((وصوم رمضان والحج)).
[2]في (ت) و(ك) و(ع): ((في الديانة)).
[3] في (ت): ((تمسكًا)).
[4] في الأصل (ز) و(ت): تحتمل ((مناديًا)).
[5] قوله: ((في شرحه)) ليس في (ص).
[6] في (ك): ((روايات)).
[7] في (ك): ((بذكره فيه))، وفي (ص): (( كل كتاب ببسم الله الرحمن الرحيم )).
[8] زاد في (ت) و(ك) و(ع): ((فيه)).
[9] في (ت): ((بسم)).
[10] قوله: ((عملًا بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ بِالِحَمْدُ للهِ فَهُو أَجْذَمٌ)). وفي رواية: ((بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيْمِ)). )) ليس في (ص).
[11] قوله: ((بالحمد لله فهو أجذم، وفي رواية: ببسم الله الرحمن الرحيم، وفي رواية)) ليس في (ك).
[12] قوله: ((حديث)) ليس في (ك).
[13] في (ك): ((فالاعتناء)).
[14] قوله: ((فيه)) ليس في (ع).
[15] قوله: ((فيه هنا)) ليس في (ك).
[16] قوله: ((بها)) ليس في (ص).
[17] في (ص): ((لتتقرر)).
[18] قوله: ((بنت مظعون)) ليس في (ص).
[19] في (ص): ((ألف)).
[20] في (ت): (( وغيرها)).
[21] في (ك) و(ص): ((عظيم)).
[22] قوله: ((زيادة)) ليس في (ع).
[23] في (ص) و(ع): ((الصحابة)).
[24] في (ص): ((إحدى)).
[25] زاد في (ك): ((الأربعة)).
[26] جاء في حاشية (ك): ((أي ويسمى أيضًا سلسلة الذهب)).
[27] قوله: ((بن حنبل)) ليس في (ص).
[28] زاد في (ك) و(ص) و(ع): ((معروف)).
[29] زاد في (ك): ((والله أعلم)).
[30] في (ص) و(ع): ((العاصي)).
[31] في (ك): ((جماعات)).
[32] في (ع): ((خمسة)).
[33] في (ت): ((اللخمي)).
[34] قوله: ((كبار)) ليس في (ص).
[35] زاد في (ت) و(ك) و(ص) و(ع): ((وقال أحمد: هو ثقة ثقة)) لكن في (ك): ((ثقة)) بدون تكرار.
[36] في (ت): ((بادام))، وجاء في حاشية (ك): ((أي وهو اسم أعجمي)).
[37]في (ت): ((بالدال)).
[38] جاء في حاشية (ك): ((أي وهي قبيلة)).
[39] قوله: ((أبو بكر)) ليس في (ص).
[40] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى: ((كان)).
[41] في (ص): ((راسخًا)).
[42] في (ك): ((عبد)).
[43] زاد في (ك): ((في)).
[44] في (ع): ((تكون)).
[45] في (ص): ((خمس)).
[46] زاد في (ك): ((من شوال))، وجاء في حاشية (ك): ((أي فتقديره ستة أيام)).
[47] في (ت): ((قوله)).
[48] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى: ((عَميرة)).
[49] في (ص): ((نزارة بن الأزلم)).
[50] في (ت) و(ك) و(ص): ((عمر)).
[51]في (ك): ((وقال)).
[52] في (ك): ((وإن)).
[53] في (ص): ((الدنيا)).
[54] كذا في الأصل(ز)، وزاد في النسخ الأربع الأخرى: ((هو)).
[55] في (ع): ((فقال)).
[56] في (ص) و(ع): ((أن)).
[57] قوله: ((هذا)) ليس في (ع).
[58] في (ك): ((معناه أن هذا الدين)).
[59] في (ص) و(ع): ((قول الله تعالى)).
[60] في (ت) و(ص): ((قول الله تعالى)).
[61] جاء في حاشية (ع): ((أي أن يكون مراده بتلك الزيادة الصلاة إذ هي معنى الصلاة في الأصل)).
[62] زاد في (ك): ((والله أعلم)).
[63] في (ص): ((بقول)).
[64] زاد في (ص): ((على خمس)).
[65] قوله: ((أن)) ليس في (ع).
[66] في (ك) و(ص): ((من المحدثين)).
[67] في (ص): ((يزيد)).
[68] في (ك): ((وقال)).
[69] في (ت) و(ع): ((لا يعتريهم التشبه))، وفي (ص): ((لا يعتريهم التشبيه)).
[70] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى: ((ومن)).
[71] زاد في (ك) و(ص) و(ع): ((فهذا)).
[72] في (ك): ((لا يشك))، وفي (ص): ((ولا يشك)).
[73] قوله: ((عن)) ليس في الأصل (ز).
[74] في (ص): ((كل منهم)).
[75] زاد في (ع): ((من)).
[76] في (ع): ((وغيره)).
[77] في (ص): ((فهو)).
[78] في (ك): ((لظاهر)).
[79] في (ص): ((الحسن))، وفي (ع): ((يفضي إليه الحسن)).
[80] في (ت) و(ص) و(ع): ((تذكر)).
[81] زاد في (ك) و(ع): ((على)).
[82] في (ت): ((الإحصار)).
[83] في (ك): ((ستمر)).
[84] زاد في (ت): ((إثباته)).
[85]في (ص): ((فالأبواب)).
[86] في (ك): ((فبين)).
[87] قوله: ((العبد)) ليس في (ص)، وقوله: ((به العبد)) ليس في (ع).
[88] في (ع): ((الثلاث)).
[89] في (ت): ((للفرائض)).
[90] قوله: ((ولم يعمل الفرائض لا يسمى مؤمنًا)) ليس في (ع).
[91] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى: ((لَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ )).
[92] زاد في (ك): ((لا يسمى مؤمناُ عند الإطلاق ولكنه)).
[93] في (ت) و(ع): ((فلا))، وفي حاشية (ع): ((هو أنه لا يخلد)).
[94] في (ت): ((فلا)).
[95] في (ك) و(ع): ((لمعاجلة)).
[96] في (ع): ((معها)).
[97] في (ص): ((يخالف)).
[98] في (ك) و(ص) و(ع): ((التبري)).
[99] في (ص): ((قوله)).
[100] قوله: ((يصير)) ليس في (ع).
[101] قوله: ((له)) ليس في (ع).
[102] في (ت): ((تنبه)).
[103] في (ك) و(ص): ((القرينتين)).
[104] في (ك) و(ص): ((المتلازمتين))، وفي (ع): ((الملازمين)).
[105] في (ت) و(ك) و(ص): ((القائلين))، وفي (ع): ((المقاتَلين)).
[106] في (ت) و(ع): ((بإحداهما)).
[107] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى زيادة: ((الإمام)).
[108] في (ص) و(ع): ((قوله)).
[109] في (ع): ((ملة الإسلام)).
[110] زاد في (ص): ((إن شاء الله)).
[111] قوله: ((قالوا)) ليس في (ص).
[112] في (ك): ((وليكن)).
[113] قوله: ((قول)) ليس في (ك).
[114] قوله: ((أهل)) ليس في (ك).
[115] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى زيادة: ((حكم)).
[116] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى: ((أو الخمر)).
[117] في (ت): ((ينتقص))، وفي (ك): ((تَنَقَّصَ)).
[118] في (ك): ((تَنَقُصًا)).
[119] قوله: ((ومن ينقص نبيًا بنقص ما حكم بكفره بالإجماع)) ليس في (ص).
[120] في (ع): ((الثاني)).
[121] في (ص): ((بكلام)).
[122] في (ع): ((للصنم)).
[123] في (ك) و(ع): ((فكل منْ فعل)).
[124] زاد في (ع): ((من ذلك)).
[125] جاء في حاشية الأصل (ز): (( الكفر الأكبر خمسة أنواع: كفر تكذيب، وكفر استكبار وإباء مع التصديق، وكفر إعراض، وكفر شك، وكفر نفاق، فأما كفر التكذيب: فهو اعتقاد كذب الرسل عليهم الصلاة والسلام وهذا القسم قليل في الكفار، فإن الله تعالى أيد رسله عليهم الصلاة والسلام وأعطاهم من البراهين والآيات على صدقهم ما أقام به الحجة وأزال به المعذرة، قال تعالى عن قوم فرعون: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا }، وقال لرسوله صلى اللهُ عليه وسلم: { فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ }.
وأما كفر الإباء والاستكبار: فنحو كفر إبليس فإنه لم يجحد أمر الله تعالى ولا قابله بالإنكار، وإنما تلقاه بالإباء والاستكبار، ومن هذا كفر من عرف صدق الرسول صلَّى الله عليه وسلم وأنه جاء بالحق من عند الله تعالى ولم يَنْقَد له إباءً واستكبارًا وهو الغلب على كفر أعداء الرسل كما حكى الله تعالى عن فرعون وقومه: { أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} وقول الأمم لرسلهم: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا } وقول: { كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا} وهو كفر اليهود، كما قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} وقال: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} وهو كفر أبي طالب أيضًا فإنه صدقه ولم يشك في صدقه ولكن أخذته الحميَّة وتعظيم آبائه أن يرغب عن ملتهم ويشهد عليهم بالكفر .
وأما كفر الإعراض: فأن يعرض بسمعه وقلبه ولا يصغي إلى ما جاء به ألبتة كما قال أحد بني عبد ياليل للنبي صلَّى الله عليه وسلم: والله لا أقول لك كلمة، إن كنت صادقًا فأنت أجلُّ في عيني من أن أردَّ عليك، وإن كنت كاذبًا فأنت أحقر من أن أكلمك.
وأما كفر الشك: فإنه لا يجزم بصدقه ولا بكذبه بل يشك في أمره، وهذا لا يستمر شكه إلا إذا ألزم نفسه الإعراض عن النظر في آيات صدقه جملةً فلا يسمعها ولا يلتفت إليها فأما مع التفاته إليها ونظره فيها فإنه لا يبقى معه شك؛ لأنها مستلزمة للصدق ولا سيما لمجموعها، فإن دلالتها على الصدق كدلالة الشمس على النهار.
وأما كفر النفاق: بأن يظهر بلسانه الإيمان وينطق قلبه على التكذيب فهذا هو النفاق الأكبر )).
وقال أيضًا: ((وكفر الجحود والتكذيب نوعان: كفر مطلق عام، وكفر مقيد خاص.
فالمطلق: كمن يجحد جملة ما أنزل الله تعالى ورسالة الرسول صلَّى الله عليه وسلم.
والخاص المقيد: أن يجحد فرضًا من فروض الإسلام، أو يجحد تحريم محرم من محرماته، أو يجحد صفة وصف الله تعالى بها نفسه، أو خبرًا أخبر الله تعالى به عمدًا أو تقديمًا لقول من خالفه عليه لغرض من الأغراض، وأما جحد ذلك جهلًا أو تأويلًا يُعْذَر فيه صاحبه فلا يكفر صاحبه))
[126] في (ت): ((وهو)).
[127] في (ك) و(ص): ((وبالله)).
#%ص97%





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

8- وبالسند إلى المؤلف قال: ((حدثنا عبيد الله)) بالتصغير، وفي رواية: (وحدثنا) محمد بن إسماعيل؛ يعني: البخاري، حدثنا عبيد الله ((بن موسى)) بن باذام بالموحدة، وبالذال المعجمة، آخره ميم، العَبْسي بفتح العين وتسكين الموحدة، وكان شيعيًّا؛ وهو مقبول الرواية في غير الداعي إلى بدعتهم، المتوفى سنة ثلاث عشرة ومئتين بالإسكندرية.

((قال: أخبرنا)) وفي رواية: (حدثنا) ((حنظلة بن أبي سفيان)) بن عبد الرحمن الجمحي المكي، المتوفى سنة إحدى وخمسين ومئة، ((عن عكرمة بن خالد)) بن العاص، المخزومي، القرشي، المتوفى بمكة بعد عطاء؛ وهو توفي سنة أربع عشرة ومئة، ((عن ابن عمر)) عبد الله بن الخطابرضي الله عنهم، وكان واسع العلم، توفي سنة ثلاث وسبعين، ((قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بني الإسلام)) الذي تقدم أنَّه الانقياد ((على خمس)) ؛ أي: خمس دعائم، وقيل: (على) بمعنى (من) ؛ أي: بني الإسلام من خمس؛ فتأمل.

((شهادة أن لا إله إلا الله)) بخفض (شهادة) بدل من (خمس) ، وكذا ما بعدها، ويجوز الرفع خبر مبتدأ محذوف؛ أي: وهي، والنصب بتقدير: أعني، و (لا) هي النافية للجنس، و (إله) اسمها مركب معها تركيب مزج كـ (أحد عشر) ، وفتحته فتحة بناء، وعند الزجاج: فتحة إعراب؛ لأنَّه عنده منصوب بها لفظًا وخبرها محذوف اتفاقًا تقديره: موجود، و (إلا) حرف استثناء، والاسم الكريم مرفوع على البدلية من الضمير المستكن في الخبر، وقيل: مرفوع على الخبرية لقوله: (لا) ، وعليه جماعة، وهذا التركيب عند علماء المعاني يفيد القصر، وهو في هذه الكلمة من باب قصر الصفة على الموصوف، لا العكس؛ لأنَّ (إله) في معنى الوصف.

وإنما قدم النفي على الإثبات فقيل: لا إله، ولم يقل: الله لا إله إلا هو، بتقديم الإثبات على النفي؛ لأنَّه إذا نفى أن يكون ثَمَّ إله غيره؛ فقد فرَّغ قلبه مما سوى الله بلسانه ليواطئ القلب، وليس مشغولًا بشيء سوى الله تعالى، فيكون نفي الشريك عن الله بالجوارح الظاهرة والباطنة.

((و)) شهادة ((أن محمدًا رسول الله)) وإنما لم يذكر الإيمان بالأنبياء والملائكة؛ لأنَّ المراد بـ (الشهادة) : تصديق الرسول فيما جاء به، فيستلزم جميع ما ذكر من الاعتقادات، ((وإقام الصلاة)) ؛ أي: الإتيان بها على وجهها المعلوم عند الفقهاء، ((وإيتاء الزكاة)) ؛ أي: إعطائها مستحقيها بإخراج جزء من المال على الوجه المخصوص؛ كما يأتي، ((والحج)) إلى بيت الله الحرام، ((وصوم)) شهر ((رمضان)) .

وإنما لم يذكر الجهاد؛ لأنَّه فرض كفاية، ولا يتعيَّن إلَّا في بعض الأحوال، ووجه الحصر في الخمسة؛ أن العبادة: إما قوليَّة أو غيرها، الأولى الشهادتان، والثانية: إما تَركيَّة أو فعليَّة، الأولى الصوم، والثانية إما بدنيَّة أو ماليَّة، الأولى الصلاة، والثانية الزكاة، أو مركَّبة منهما؛ وهي الحج، وفي رواية تأخير الحج عن صوم رمضان، وفي قوله: (بني... إلى آخره) ؛ استعارة تبعية وبالكناية وتمثيلية، كما لا يخفى.