الأبواب والتراجم لصحيح البخاري

المقدمة

          الجزء الثَّاني
          مِنَ الأبواب والتَّراجم للبخاريِّ
           ♫
          نحمده ونصلِّي على رسوله الكريم
          اعلم أوَّلًا أنَّه وُضِع تبييض هذه التَّراجم في الثَّامن مِنْ شهر الله المحرَّم المبارك، سنة إحدى وتسعين بعد ثلاث مئة وألف، في آخر ساعة مِنْ يوم الجمعة، بعد العصر، عند الأقدام العالية في المسجد النَّبويِّ، تقبَّل الله عنِّي بشرف البقعة المباركة، كما تقدَّم مفصَّلًا في مبدأ الجزء الأوَّل.
          وثانيًا أنَّ الإمام البخاريَّ افتتح كتابه بـ(بسم الله الرَّحمن الرَّحيم)، اقتداءً بالقرآن العظيم، وتخلُّقًا بأخلاق العزيز العليم، واقتفاءً للنَّبي الكريم، حيث قال: ((كلُّ أمرٍ ذِي بَال، لا يُبدأ [فيه] بِبِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَهُو أقْطَع)) رواه الخطيب، وعبد القادر الرَّهاويُّ بهذا اللَّفظ، في كتاب «الجامع»(1)، كما في القَسْطَلَّانيِّ و«الجامع الصَّغير»(2).
          ثم الباء جاء لأربعةَ عشر معنًى، والمناسب هاهنا الاستعانة، وهي متعلِّقة بمقَدَّر، فقدَّره البصريُّون اسمًا مُقَدَّمًا، أي ابتدائي به، والكوفيُّون فعلًا مُقَدَّمًا، أي: أبدأ.
          وقدَّرَه الزَّمَخْشَريُّ فعلًا مُؤَخَّرًا، أي: باسم الله أقرأ، اهتمامًا بشأن(3) اسمه تعالى، وهو أَولى وأتمُّ شمولًا، لاقتضائه أنَّ التَّسمية واقعة على القراءة كلِّها، وتقدير أبدأ يقتضي مصاحبتَها لأوَّل القراءة دون باقيها، إلى آخر ما بسطه القَسْطَلَّانيُّ، وأجاد في جواب ما ورد(4) على الزَّمَخْشَريِّ مِنْ أنَّ [في] تقديره لا تقع البداية باسمه: بأنَّ مراد الحديث البداية به، وهو حصل بالفعل، ولم يقل في الحديث: كلُّ أَمْرٍ لا يُقَال فِيْه أبْدَأُ بِاسْمِ الله... إلى آخر ما بسطه(5).
          وقال القاري(6): لكن قال العارف الجاميُّ: حقيقة الابتداء باسمه سبحانه عند العارفين ألَّا يُذكر باللِّسان ولا يَخطر بالجنان في الابتداء غيرُ اسمه سبحانه، لا إثباتًا ولا نفيًا، فإنَّ صورة نفي الغير ملاحظةٌ للغير، فهو أيضًا ملحوظ في الابتداء، فليس الابتداء مختصًّا باسمه سبحانه فلا حاجة إلى تقدير المحذوف مؤخَّرًا، إلَّا أن يكون اسم الله سبحانه في التَّقدير أيضًا مقدَّمًا، كما أنَّه في الذِّكر مقدَّمٌ. [انتهى].
          وثالثًا: أنَّ الإمام البخاريَّ لم يفتتح كتابه بالحمد، مع ما ورد مِنَ الحديث، كما في «هامش اللَّامع»، وهو قوله صلعم: ((كلُّ كلام لا يبدأ فيه بحمد الله، فهو أجذم(7))) رواه أبو داود والنَّسائيُّ، وفي رواية ابن ماجَهْ: ((كلُّ أمرٍ ذي بال لم يُبدأ فيه بالحمد، أقطع)) ورواه ابن حبَّان، وأبو عَوَانة، في «صحيحَيهما»(8)، وقال ابن الصَّلاح: هذا حديث حسنٌ بل صحيح. انتهى.
          وأجاب عنه العَينيُّ بسبعة أوجه:
          الأوَّل: أنَّ الحديث ليس على شرطه.
          الثَّاني: أنَّ الحديث مخصوص بالخُطب، زجرًا عمَّا عليه أهل الجاهليَّة مِنَ البداية بالأشعار. /
          الثَّالث: [أنَّ الحديث] منسوخ، لِما أنَّه ╕ في صلح الحُديبية اكتفى بالبسملة.
          الرَّابع: أنَّ كتاب الله ╡ وكُتُبَ رسوله صلعم مفتتحة بالتَّسمية، فقاس به البخاريُّ.
          الخامس: أنَّ أول ما نزل مِنَ القرآن اقرأ، والمدَّثِّر، وهما خاليتان عن الحمد.
          السَّادس: تركه عمدًا، لقوله تعالى: {لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الحجرات:1] فلم يُقَدِّم على كلامه صلعم شيئًا مِنْ عند نفسه مِنَ الحمد وغيره.
          السَّابع: أنَّه اكتفى بالحمد باللِّسان.
          ثم قال بعد أن ردَّ(9) على كلِّ واحد مِنَ الأجوبة المذكورة: والأحسنُ ما سمعتُ عن بعض أساتذتي الكبار أنَّ الحمد موجود في مسوَّدته أسقطه بعض المبيِّضين(10).
          وردَّ على هذا الأخير الحافظُ أشدَّ الرَّدِّ، إذ قال: وأبعدُ مِنْ ذلك كلِّه قولُ مَنِ ادَّعى أنَّه ابتدأ الخُطبة(11) فيها حمدٌ وشهادة، فحذفها بعضُ مَنْ حَمل عنه الكتابَ، وكأنَّ قائل هذا ما رأى تصانيف الأئمَّة، مِنْ شيوخ البخاريِّ، وشيوخ شيخه، وأهل عصره، كمالكٍ في «الموطَّأ»، وعبد الرَّزَّاق في «المصنَّف»، وأحمد في «المسند»، وأبي داود في «السُّنن»، إلى ما لا يُحصى، ممَّن لم يقدِّم في ابتداء تصنيفه [خطبة]، ولم يزد على التَّسمية، وهم الأكثر، والقليل منهم مَنِ افتتح كتابه بخُطبة، أفيُقال في كلٍّ مِنْ هؤلاء: إنَّ الرُّواة عنه حذفوا ذلك؟ كلَّا، بل يُحمل ذلك مِنْ صنيعهم على أنَّهم حَمِدوا لفظًا، ويؤيِّده ما رواه الخطيب في «الجامع» عن أحمد: إنَّه كان يتلفَّظ بالصَّلاة على النَّبيِّ صلعم إذا كتب الحديث، لا(12) يكتبها، والحامل له على ذلك إسراعٌ أو غيره، أو يُحمل على أنَّهم رأَوا ذلك مختصًّا بالخطب دون الكتب، كما تقدَّم، ولهذا مَنِ افتتح كتابه منهم بخُطبة حَمْدٍ وتشهُّد كما صنع مسلم، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصَّواب(13).
          وقال القَسْطَلَّانيُّ: لم يأتِ المصنِّف بخطبة تنبئ عن مقاصد كتابه هذا مبتدأة بالحمد والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا رسول الله صلعم، اقتداء بالكتاب، وعملًا بما تقدَّم مِنَ الحديث، لأنَّه صدَّر كتابه بترجمة بدء الوحي، وبالحديث الدَّالِّ على مقصوده، المشتمل على أنَّ العمل دائر مع النِّيَّة، فكأنَّه قال: قصدت جمع وحي السُّنَّة، المُتَلقَّى عن خير البريَّة، على وجه سيُظْهر حسن عملي فيه، مِنْ قصدي، وإنَّما لكلِّ امرئ ما نوى، فاكتفى بالتَّلويح عن التَّصريح(14).
          وهذا ذكره الحافظ أيضًا، لكنَّه ذكره علَّة لعدم ذكر الخُطبة، والقَسْطَلَّانيُّ ذكره علَّة لعدم الخُطبة وعدم الحمدلة معًا، كما يدلُّ عليه قوله، أو اكتفى بالنُّطق، فتأمَّلْ.
          وأختار الشَّيخ الكنكوهيُّ(15) قدَّس الله سرَّه في «اللَّامع» أنَّ ذكر أوصاف الكمال مِنَ الله أو الرَّحمن أو الرَّحيم داخل في الحمد، لا سيَّما فيه التَّأسِّي بما كثر وشاع مِنْ كتبه ورسائله صلعم. انتهى.
          ومِنَ العجائب أنِّي عندما قَدِمْتُ للحجِّ عام 1384هـ بإصرار مِنَ العزيز المرحوم مولانا الحاجِّ محمَّد يوسف أمير التَّبليغ نوَّر الله مرقده وأعلى مراتبَه وأقمت معه عدَّة أشهرٍ بالحرمين الشَّريفين، فرأيت ببركته ورفاقته رؤيا(16) كثيرةً عجيبةً جدًّا في تلك السَّفرة، ومِنْ جُملتها أنِّي لمَّا خرجتُ مِنْ مكَّة صبيحة يوم السَّبت، ووصلتُ إلى بدرٍ، أقمت بقيَّة اليوم واللَّيلة المقبلة بها، ثمَّ ترحَّلتُ فوصلت البلدةَ الطَّاهرة المدينةَ المنوَّرة صبيحةَ يوم الأحد، الثَّامن والعشرين مِنْ ذي الحِجَّة سنة أربع وثمانين وثلاث مئة بعد الألف، فرأيت رؤيا في إقامتي بتلك البلدة المباركة، كأنِّي واقف بالمسجد النَّبويِّ بين باب السُّعود وباب عمر، بجانب المكان الَّذي كان الشَّيخ محمَّد يوسف ☼ يخطب فيه كلَّ يوم خُطبته التَّبليغيَّة، قريبًا من باب عمر، ورأيت جمعًا كثيرًا مِنَ العلماء مِنَ العرب والعجم، وكلُّهم يصرُّون على(17) أن أدرِّسهم «الجامع الصَّحيح» للبخاريِّ، وأنا لقلَّة بضاعتي ونقصان باعي أعتذرُ إليهم، بأنِّي لستُ بأهلٍ لهذا، وأيضًا لم أصحَبْ معي الزَّاد العلميَّ مِنَ الكتب / ونحوها، لأنِّي لم أحضر بقصد القيام الطَّويل، بل بنيَّة الزِّيارة بعدَّة(18) أيَّام فقط، ثمَّ رأيتُ أنَّ حضرة الإمام البخاريِّ ☼ متفضِّل بالجلوس عن يميني، ويقول لي(19): نعم، درِّس وأنا بجوارك، وحيث تكون الحاجة سأرشدُك، فجلستُ في موضعي تلبيةً لأمره السَّامي، وبدأت بتدريس «جامع البخاريِّ»، وبيَّنت وجوهَ عدم ذكر الخُطبة والحمد والصَّلاة، فذكرت الوجوه السَّبعة، وكذا الوجوه الأُخر الَّتي تُذْكر عند الشُّروع في الكافية لابن حاجب، فقال حضرةُ الإمامِ البخاريِّ: إنَّ حقيقة الأمر في هذا هو أنِّي لم أؤلِّف هذا «الجامع الصَّحيح» على صورة(20) الكتابيَّة، بحيث أن يكون تأليفه مِنْ أوَّله إلى آخره جملة، كما هي العادة في تأليف الكتب، وإنَّما هي مجموعة كرَّاسات، فيها أبواب وكتب مختلفة، جُمعت بعدئذٍ فصارت كتابًا(21).
          [انتهت الرُّؤيا، قلت: لا شكَّ أنَّ هذا التوجيه لطيفٌ]
          [ ♫
          كتاب الوحي]



[1] الجامع الصغير للسيوطي، رواه عبد القادر الرهاوي في «الأربعين» عن أبي هريرة ☺.
[2] إرشاد الساري:1/46.
[3] في (المطبوع): ((لشأن)).
[4] في (المطبوع): ((أورد)).
[5] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح:1/ ص4
[6] لخَّص النَّوويُّ عليه رحمة الله في «شرح المهذَّب» القول في رواية هذا الحديث فقال: الحديث مشهور عن أبي هريرة ☺ مِنْ نحو ثلاثين قولًا عن رسول الله صلعم, أنَّه قال: ((كلُّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله, أقطع)), وفي رواية ((بحمد الله))، وفي رواية ((بالحمد فهو أقطع))، وفي رواية: ((كلُّ كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم))، وفي رواية: ((كلُّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرَّحمن الرَّحيم أقطع))، رُوِّينا كلَّ هذه الألفاظ في كتاب «الأربعين» للحافظ عبد القادر الرَّهاويِّ، ورُوِّيناه فيه من رواية كعب بن مالك الصَّحابيِّ ☺، والمشهور رواية أبي هريرة, وحديثه هذا حديث حسن رواه أبو داود سليمان بن الأشعث السِّجِسْتانيُّ ░4840)، وأبو عبد الله محمَّد بن يزيد هو ابن ماجَه القَزْوينيُّ ░1894▒، وأبو عبد الرَّحمن أحمد بن شُعيب النَّسائيُّ في عمل اليوم والليلة ░496-497)، وأبو عَوانة يعقوب بن إسحاق الإسْفرايينيُّ في أوَّل «صحيحه» المخرج على «صحيح مسلم»، ورُوي موصولًا ومرسلًا، ورواية الموصول إسنادها جيِّد. «المجموع شرح المهذَّب» ░1/73) بتصرُّف.
[7] في (المطبوع): ((أجزم)).
[8] عمدة القاري:1/12
[9] في (المطبوع): ((ثم قال بعدما أورد)).
[10] فتح الباري:1/9
[11] في (المطبوع): ((بخطبة)).
[12] في (المطبوع): ((ولا)).
[13] إرشاد الساري:1/47
[14] هامش مِنَ الأصل: ((انتهت الرُّؤيا))، قلت: لا شكَّ أنَّ هذا التوجيه لطيفٌ للمؤلِّف.
[15] في (المطبوع): ((الگنگوهي)).
[16] في (المطبوع): ((رؤى)).
[17] في (المطبوع): ((عليَّ)).
[18] في (المطبوع): ((لعدة)).
[19] قوله: ((لي)) ليس في (المطبوع).
[20] في (المطبوع): ((الصورة)).
[21] جمع الوسائل في شرح الشمائل:1/ص8